أخبرنا محمد بن الحسن بن دريد، قال: أخبرنا أبو حاتم، قال: حدثنا الأصمعى، قال: ذو الرمة حجة، لأنه بدوى، وليس يشبه شعره شعر العرب؛ ثم قال: إلا واحدة تشبه شعر العرب، وهى التى يقول فيها «١»:
والباب دون أبى غسان مسدود وبالشين «٢» أيضا.
حدثنى إبراهيم بن شهاب، قال: حدثنا الفضل بن الحباب، عن محمد بن سلام، قال «٣»: كان ذو الرمة راوية الراعى، ولم يكن له حظ فى الهجاء، كان مغلّبا.
أخبرنى ابن دريد، قال: أخبرنا الرياشى، قال: حدثنا يزيد بن مرة، عن أبى عبيدة قال: قيل لجرير كيف ترى شعر ذى الرمة؟ قال: نقط عروس «٤» وأبعار ظباء.
وأخبرنى أبو عبد الله الحكيمى، قال: أخبرنا أحمد بن يحيى النحوى، قال: قال أبو عبيدة: أنشد ذو الرمة أمير اليمامة- وجرير شاهد- فقال له الأمير: ما تقول فى شعره؟
قال: نقط عروس وأبعار ظباء. ومع هذا فقد قدر من التشبيه على ما لم يقدر عليه غيره.
حدثنى محمد بن إبراهيم، قال: حدثنا أحمد بن أبى خيثمة، عن محمد بن سلام «٥» . قال: كان أبو عمرو بن العلاء يقول: إنما شعر ذى الرمة نقط عروس تضمحل
_________________
(١) هو غيلان بن عقبة، ويكنى أبا الحارث. ويقال: إن مى هى التى لقبته ذى الرمة، وذلك أنه استقاها ماء، فلما أتته به- وكانت على كتفه رمة- وهى قطعة من حبل- قالت: اشرب يا ذا الرمة. وقد نشأ فى البادية وقضى أكثر أيامه فى فلواتها. وقد كان يشبب بمى، وخرقاء. ودخل بين جرير والفرزدق لما تهاجيا، فكان مع الفرزدق على جرير. وجعله ابن سلام من شعراء الطبقة الثانية من فحول الإسلام. وقال فى مقدمة ديوانه: إنه توفى سنة ١١٧ هجرية. وترجمته فى الشعر والشعراء (٥٠٦)، ومقدمة ديوانه شعره، وابن سلام ٤٦٥، والخزانة (١- ٥٠)، الأغانى (١٦- ١٠٦) .
[ ٢٢٣ ]
عن قليل، وأبعار ظباء لها مشمّ فى أول شمّها، ثم تعود إلى أرواح البعر.
أخبرنى محمد بن يحيى، قال: زعم المدائنى أنّ ذا الرمة قال للفرزدق: كيف ترى هذا الشّعر يا أبا فراس لشعر أنشده؟ قال: أرى شعرا مثل بعر الصّيران «٦»؛ إن شممت شممت رائحة طيبة، وإن فتتّ فتتّ عن نتن.
قال محمد بن القاسم الأنبارى: حدثنى أبى، قال: حدثنا محمد بن على بن المغيرة الأثرم، قال: حدثنا أبى، عن الأصمعى، قال: حدثنا هارون الأعور، قال: قلت لجرير: أخبرنا عنك وعن هذين الرجلين؟ يعنى الأخطل والفرزدق. فقال جرير: أما أنا فمدينة الشعر. فقالوا: فالفرزدق؟ قال: له سنّ وفخر. قالوا: فالأخطل؟ قال: أرمانا للفرائص، وأشدّنا اجتزاء بالقليل، وأنعتنا للخمر والحمر. قالوا: فذو الرمة، قال بعر ظباء ونقط عروس.
قال [٨٤] الأصمعى: إنّ شعر ذى الرمة حلو أوّل ما نسمعه، فإذا اكثر إنشاده ضعف، ولم يكن له حسن؛ لأنّ أبعار الظباء أول ما تشم يوجد لها رائحة ما أكلت الظباء من الشيح والقيصوم والجثجاث والنبت الطيب الريح؛ فإذا أدمت شمّه ذهبت تلك الرائحة، ونقط العروس إذا غسلتها ذهبت.
قال: وقال أبو عمرو بن العلاء: قال جرير: لو خرس ذو الرمة بعد قصيدته «٧»:
ما بال عينك منها الماء ينسكب
كان أشعر الناس.
قال الأصمعى: وكان الكميت بن زيد معلما بالكوفة فلا يكون مثل أهل البدو، وكان ذو الرمة معلما بالبدو، وكان يحضر اليمامة والبصرة كثيرا، وكانا جميعا يستكرهان الشعر، وكان ذو الرمة أحسن حالا عند الأصمعى من الكميت.
[ ٢٢٤ ]
وحدثنى محمد بن أحمد الكاتب، قال: حدثنا محمد بن يزيد النحوى، قال: قيل لجرير: أخبرنا عن ذى الرمة. قال: نقط عروس وبعر ظباء. قال المبرد: معنى قوله:
«نقط عروس» أنها تبقى أوّل يوم ثم تذهب، و«بعر الظباء» إذا شممته من ساعته وجدت منه كرائحة المسك، فإذا غبّ «٨» ذهب ذلك.
وأخبرنى أبو عبد الله الحكيمى، قال: حدثنا أحمد بن يحيى النحوى، قال: قال هشام بن الكلبى؛ قيل لجرير: كيف شعر ذى الرمة؟ قال: بعر ظباء ونقط عروس؛ فإنّ بعر الظباء توجد منه رائحة المسك أوّل شمّه، فإذا أعدت وجدت بعرا، وإن نقط العروس تذهب فى أول طهور.
أخبرنا أبو بكر الجرجانى، قال: حدثنا أحمد بن يزيد، قال: حدثنا الجلودى قال: قيل للبطين: أكان ذو الرمة شاعرا متقدما؟ فقال البطين: أجمع العلماء بالشعر على أنّ الشعر وضع على أربعة أركان: مدح رافع، أو هجاء واضع، أو تشبيه مصيب، أو فخر سامق؛ وهذا كله مجموع فى جرير والفرزدق والأخطل؛ فأما ذو الرمة فما أحسن قط أن يمدح، ولا أحسن أن يهجو، ولا أحسن أن يفخر؛ يقع فى هذا كله دونا؛ وإنما يحسن التشبيه، فهو ربع شاعر.
أخبرنى محمد بن يحيى، عن الفضل بن الحباب، عن محمد بن سلام، قال: مرّ الفرزدق بذى الرمة وهو ينشد «٩»:
أمنزلتى مىّ سلام عليكما هل الأزمن اللائى مضين رواجع
فوقف حتى فرغ منها. فقال: كيف ترى يا أبا فراس؟ قال: أرى خيرا. قال: فمالى لا أعدّ فى الفحول؟ قال: يمنعك من ذلك صفة الصحارى وأبعار الإبل. وولّى الفرزدق، وهو ينشد «١٠»:
ودوّيّة لو ذو الرّميمة رامها «١١» بصيدح أودى ذو الرّميم وصيدح «١٢»
[ ٢٢٥ ]
قطعت إلى معروفها منكراتها إذا خبّ آل دونها يتوضّح «١٣»
أخبرنا أبو بكر محمد بن العباس، قال: حدثنا محمد بن رستم، قال: حدثنا التوّزى، قال: حدثنا الأصمعى، عن عيسى بن عمر، قال: قال ذو الرّمة للفرزدق:
مالى لا ألحق بكم معاشر الفحول؟ فقال له: لتجافيك عن المدح والهجاء، واقتصارك على الرسوم والديار.
وحدثنى على بن أبى منصور، قال: أخبرنى يحيى بن على بن يحيى المنجم، عن أبيه- أن ذا الرّمة سأل الفرزدق عن شعره وقال: مالى لا ألحق بالفحول؟ فقال: يقعد بك عن غاية الشعراء [٨٥] نعتك الأعطان والدّمن وأبوال الإبل.
وأخبرنى أبو عبد الله الحكيمى، قال: أخبرنا أحمد بن يحيى ثعلب، قال: قال أبو عبيدة: وقف ذو الرمة ينشد قصيدته التى يقول فيها «١٤»:
إذا ارفضّ أطراف السياط وهلّلت جروم المطايا عذّبتهنّ صيدح «١٥»
قال: فاجتمع الناس يسمعون، وذلك بالمربد، فمر الفرزدق فوقف يستمع، وذو الرمة ينظر إليه حتى فرغ، فقال: كيف تسمع يا أبا فراس؟ قال: ما أحسن ما قلت! قال: فمالى لا أعدّ مع الفحول؟ قال: قصّر بك عن ذاك بكاؤك فى الدّمن، ونعتك أبوال العظاء والبقر، وإيثارك وصف ناقتك وديمومتك. ثم ارتحل الفرزدق، فقال:
وديمومة لو ذو الرميمة رامها..
وذكر البيتين.
فقال ذو الرمة: نشدتك بالله يا أبا فراس أن تزيد. فقال: هما بيتان لا أزيد عليهما «١٦» .
[ ٢٢٦ ]
حدثنى محمد بن إبراهيم، قال: حدثنا أحمد بن أحمد بن أبى خيثمة، عن محمد بن سلام، قال: أخبرنى عبد الملك الباهلى، قال: قال ذو الرمة: قلت الرجز، فلما رأيتنى لا أقع من الرجلين أخذت فى القصيد وتركته- يعنى العجاج ورؤبة.
وأخبرنى أبو عبد الله الحكيمى، قال: أخبرنا أحمد بن يحيى النحوى، قال: قال أبو عبيدة، قال منتجع بن نبهان: قلنا لذى الرمة: يا أبا الحارث، بدأت وأنت تقول الرّجز ثم تركته. فقال: إنى رأيتنى لا أقع من هذين الرجلين موقعا، فعوّلت على الشعر. قال أبو عدنان: فقلت لأبى عبيدة: من يعنى بالرجلين؟ قال: والله ما سألت، وما خفى علىّ؛ إنه يعنى العجاج وابنه. قال: كان لذى الرمة رجز فلما خشى أن يعرّه عاد إلى القصيد.
حدثنا أبو بكر الجرجانى، قال: حدثنا المبرد قال: حدثنا التوّزى، قال: أنشد ذو الرمة قصيدته فى بلال بن أبى بردة، فلما بلغ قوله «١٧»:
إذا ابن أبى موسى بلالا١»
بلغته
فقام بفأس بين وصليك جازر
قال له عبد الله بن محمد بن وكيع: هلّا قلت كما قال سيدك الفرزدق:
قد استبطات ناجية ذمولا وإنّ الهمّ بى وبها لسام «١٩»
إلام تلفّتين وأنت تحتى وخير الناس كلّهم أمامى
متى تأت الرّصافة تستريحى من التصدير والدّبر الدّوامى «٢٠»
حدثنى محمد بن إبراهيم، قال: حدثنا عبد الله بن أبى سعد الوراق، قال: حدثنى الحكم بن موسى بن يزيد السلولى، قال: حدثنى محمد بن مسلمة بن رتبيل قال: مرّ رتبيل بذى الرّمة، وهو ينشد قصيدته البائية، قال: فاستمع عليه، فما زال ينشد حتى انتهى إلى هذين البيتين «٢١»:
[ ٢٢٧ ]
تصغى إذا شدّها بالرحل «٢٢» جانحة حتّى إذا ما استوى فى غرزها تثب «٢٣»
وثب المسحّج من عانات معقلة كأنه مستبان الشّكّ أو جنب
وثب المسحّج من عانات معقلة كأنه مستبان الشّكّ أو جنب «٢٤»
فقال له الرجل: أخطأت يا ذا الرمة. ألا قلت كما قال الراعى «٢٥»:
فلا تعجل «٢٦» المرء عند البرو «٢٧» ك وهى بركبته أبصر [٨٦]
وهى إذا قام فى غرزها كمثل السفينة أو أوقر
ومصغية خدّها بالزّما م فالرأس فيها له أصعر
ويروى «٢٨»:
وواضعة رأسها للزما م فالخدّ منها له أصعر
حتى إذا ما استوى طبّقت كما طبق المسحل الأغبر
فقال ذو الرمة: لله أنت! إنما وصف الراعى ناقة ملك، ووصفت أنا ناقة سوقة.
المسحج: الحمار. ومعقلة: موضع. وعانات: جمع عانة. والشك. الظلع.
والجنب: داء فى جنبه. وطبقت: وثبت على أربع قوائمها. والمسحل: الحمار الوحشى، وسمّى مسحلا لسحيله، وهو صوته. وأغبر: فى لونه غبرة.
وحدثنى محمد بن أحمد الكاتب، قال: حدثنا أحمد بن يحيى النحوى، عن محمد بن سلام، قال: قيل لذى الرمة: مالك لم تقل كما قال عمك الراعى؟ قال:
فلا تعجل المرء قبل الورا «٢٩» ك وهى بركبته أبصر
[ ٢٢٨ ]
وذكر الأبيات. وقلت أنت «٣٠»:
حتّى إذا ما استوى فى غرزها تثب
فقد رمت به، وكسرت بعضه، وهشمته قبل أن يستوى عليها. فقال: إنّ عمى وصف ناقة ملك، ووصفت ناقة سوقة يقطع بها الأسفار.
وأخبرنى محمد بن يحيى الصولى، قال: حدثنى محمد بن الرياشى، قال: حدثنى أبو حاتم، وأبى عبيدة؛ عن أبى عمرو بن العلاء- أنه لقى ذا الرمة، فقال: أنشدنى «ما بال عينك»، فأنشده؛ فلما انتهى إلى قوله «٣١»:
تصغى إذا شدها بالكور جانحة حتى إذا ما استوى فى غرزها تثب
فقال أبو عمرو: ما قاله عمّك الراعى أحسن مما قلت:
وهى إذا قام فى غرزها كمثل السفينة أو أوقر
ولا تعجل المرء قبل الورو ك وهى بركبته أبصر
فقال ذو الرمة: إنّ الراعى وصف ناقة ملك. وأنا أصف ناقة سوقة.
قال الصولى: ويروى أنّ أعرابيا سمع ذا الرمة ينشد هذا البيت، فقال: سقط والله الرجل.
قوله: تصغى: تميل رأسها كأنها تستمع؛ أى هى مؤدبة ليست بنفور ولا ضجور.
والغرز للناقة بمنزلة الركاب للدابة؛ وهى نسع مضفور. والكور: الرحل.
وأخبرنا إبراهيم بن محمد بن عرفة، قال: سمعت أبا العباس المبرد يقلو: مدح ذو الرمة بلال بن أبى بردة، ثم خرج من عنده فجعل ينشد الناس فأنشدهم:
ما بال عينك منها الماء ينسكب
[ ٢٢٩ ]
حتى بلغ إلى قوله: تصغى إذا شدها البيت؛ فقال له قائل: أسأت؛ إذا وضع رجله فى غرزها فوثبت رمت به فدقّت عنقه، هلا قلت كما قال الراعى:
ولا تعجل المرء قبل الورا ك وهى بركبته أبصر
فقال ذو الرّمة: إنه وصف ناقة ملك، ووصفت ناقة سوقة.
روى أحمد بن أبى طاهر، عن أبى الحسن الطوسى، عن إسماعيل بن عبيد الله، عن خالد بن كلثوم، قال: كان ذو الرّمة صاحب تشبيب بالنساء، وأوصاف، وبكاء على الديار، فإذا صار إلى المدح والهجاء أكدى «٣٢» ولم يصنع شيئا.
وأخبرنى أبو عبد الله الحكيمى، قال: أخبرنا أبو العباس ثعلب، قال: قال أبو عبيدة: كان ذو الرّمة إذا أخذ فى النسيب ونعت فهو مثل جرير، وليس وراء ذلك شىء.
فقيل له: ما تشبه شعره إلا بوجوه ليست لها أقفاء، وصدور ليست لها أعجاز. فقال:
كذا هو.
أخبرنى الصولى، قال: حدثنا القاسم بن إسماعيل، قال: أنشدنا محمد بن سلام لأبى النّجم العجلى- وكان له صديق يسقيه الشراب فينصرف ثملا من عنده:
أخرج من عند زياد كالخرف تخطّ رجلاى بخطّ مختلف
كأنما تكتّبان لام الف
قال الصولى: وقد عيب أبو النجم بهذا، فقيل: لولا أنه يكتب ما عرف صورة لام ألف وعناقها لها، كما عيب ذو الرمة فى وصفه عين ناقته حين قال «٣٣»:
كأنما عينها «٣٤» وقد ضمرت وضمّها «٣٥» السير فى بعض الأضاميم
يريد كأنّ عينها دارة ميم لتدويرها وغؤورها. والأضاء: الغدير، يقال: أضاء وأضا مثل قطاة وقطا، وأضأة وإضاء مثل أكمة وإكام. فقيل: لولا أنه يكتب لما عرف الميم.
[ ٢٣٠ ]
كتب إلى أحمد بن عبد العزيز الجوهرى، قال: حدثنى محمد بن القاسم، قال:
حدثنى روح بن الفرج أبو حاتم الحرمازى، قال حدثنى أبو قطن عمرو بن الهيثم، عن شعبة، قال: لقيت ذا الرمة فقلت: أكتبنى بعض شعرك. فجعل يملّ «٣٦» علىّ ويطّلع فى الكتاب، فيقول: ارفع اللام من السين، وشقّ الصاد، ولا تعوّر الكاف.
فقلت: من أين لك الكتاب؟ قال: قدم علينا رجل من الحيرة، فكان يؤدّب أولادنا، فكنت آخذ بيده فأدخله الرمل فيعلمنى الكتاب، وأنا أفعل ذلك لئلا تقول علىّ ما لم أقل.
أخبرنا محمد بن عبد الله البصرى، قال: حدثنا محمد بن زكريا الغلابى، قال:
حدثنا عبد الله بن الضحاك، عن الهيثم بن عدى، قال. قرأ حماد الراوية على ذى الرمة شعره، فرآه قد ترك فى الخط لاما، فقال له حماد: وإنك لتكتب؟ قال: اكتم علىّ، فإنه كان يأتى باديتنا خطّاط يعلّمنا الحروف تخطيطا فى الرمل فى الليالى القمر، فاستحسنتها فثبتت فى قلبى ولم تخطّها يدى.
حدثنى أبو عبد الله الحكيمى، قال: حدثنى يموت بن المزرّع، قال: حدثنا عيسى بن إسماعيل، قال: حدثنا الأصمعى، قال: قال عيسى بن عمر: كنت فى يوم من أيامى أقرأ على ذى الرمة شيئا من شعره، فقال لى: أصلح هذا الحرف. فقلت:
وإنك لتكتب؟ قال: نعم، قدم علينا حضرى لكم فعلّمنا الخطّ فى الرمل.
وحدثنى على بن عبد الرحمن، قال: أخبرنى يحيى بن على بن يحيى المنجم، عن أبيه، عن إسحاق الموصلى، قال: أصبت فى كتبى رقعة أظنّها من كتب ابن جناح، فيها: حدثنى أبو عبيدة؛ قال: حدثنى عيسى بن عمر، قال: قال لى ذو الرمة: أنت والله أعجب إلىّ من هؤلاء الأعراب؛ أنت تكتب وتؤدّى ما تسمع؛ وهؤلاء يهون علىّ أحدهم وقد نحته من جبل أن يجىء به على غير وجهه.
قال: قلت: إنى لم أحلّ منك بشىء. قال: كنت مشغولا، عد إلىّ. فعدت إليه فتعاييت فى شىء فتهجّاه لى؛ فقلت: أراك تكتب يا أبا الحارث. قال: إياك أن يعلم هذا أحد؛ تعلمت الخط من رجل [٨٨] كان عندنا، أتانا بالحفر فكان يجلس إلىّ من العتمة إلى أن ينكفت السامر يخطّ لى فى تراب البطحاء.
[ ٢٣١ ]
أخبرنى محمد بن أحمد الكاتب، قال: أخبرنا أحمد بن يحيى النحوى، قال: قال أبو عبيدة: أنشد ذو الرمة بلال بن أبى بردة «٣٧»:
رأيت «٣٨» الناس ينتجعون غيثا فقلت لصيدح انتجعى بلالا
صيدح: اسم ناقته. فقال بلال: يا غلام؛ اعلفها قتّا ونوى. أراد بذلك قلة فطنة ذى الرّمة للمدح.
وأخبرنى محمد بن أبى الأزهر؛ قال: حدثنا محمد بن يزيد النحوى، قال: كان بلال بن أبى بردة داهية لقنا؛ ويقال إن ذا الرمة لما أنشده:
سمعت الناس ينتجعون غيثا فقلت لصيدح انتجعى بلالا
تناخى عند خير فتى يمان إذا النّكباء ناوحت الشمالا «٣٩»
فلما سمع قوله:
فقلت لصيدح انتجعى بلالا
قال: يا غلام، مر لها بقتّ ونوى؛ أراد أن ذا الرّمة لا يحسن المدح.
قال المبرد: قوله:
سمعت الناس ينتجعون
حكاية، والمعنى إذا حقق إنما هو سمعت هذه اللفظة؛ أى قائلا يقول: الناس ينتجعون غيثا، ومثل هذا قوله:
وجدنا فى كتاب بنى تميم أحقّ الخيل بالرّكض المعار
فمعناه وجدنا هذه اللفظة مكتوبة؛ فقوله: أحقّ الخيل ابتداء، والمعار خبره. ومثل هذا قرأت: «الحمد لله رب العالمين»؛ إنما حكيت ما قرأت.
وأخبرنى محمد بن يحيى، قال: حدثنا محمد بن الحسن البلعىّ، قال: حدثنا أبو حاتم، عن أبى عبيدة، قال: لما أنشد ذو الرّمة بلالا مدحه، فبلغ قوله:
رأيت الناس ينتجعون غيثا البيت.
قال بلال: يا غلام؛ اعلف ناقته، فإنه لا يحسن أن يمدح.
[ ٢٣٢ ]
فلما خرج قال له أبو عمرو- وكان حاضرا: هلا قلت له: إنما عنيت بانتجاع الناقة صاحبها، كما قال الله ﷿ «٤٠» «واسأل القرية التى كنّا فيها»؛ يريد أهلها، وهلّا أنشدته قول الحارثى:
وقفت على الدّيار فكلمتنى فما ملكت مدامعها القلوص
يريد صاحبها.
فقال له ذو الرّمة: يا أبا عمرو، أنت مفرد فى علمك، وأنا فى علمى وشعرى ذو أشباه.
حدثنى أحمد بن محمد الجوهرى، وأحمد بن إبراهيم الجمّال، قالا: حدثنا الحسن بن عليل العنزى، قال: حدثنا يزيد بن محمد بن المهلب بن المغيرة بن حبيب بن المهلب بن أبى صفرة، قال: حدثنا عبد الصمد بن المعذّل، عن أبيه، عن جده غيلان بن الحكم، قال: قدم علينا ذو الرّمة الكوفة، فوقف راحلته بالكناسة ينشدنا قصيدته الحائية، فلما بلغ إلى هذا البيت «٤١»:
إذا غيّر النأى المحبين لم يكد رسيس «٤٢» الهوى من حبّ ميّة يبرح
فقال له ابن شبرمة: يا ذا الرّمة؛ أراه قد برح. ففكر ساعة، ثم قال:
إذا غيّر النأى المحبين لم أجد رسيس الهوى من حبّ ميّة يبرح
قال: فرجعت إلى أبى الحكم بن البخترى بن المختار فأخبرته الخبر، فقال: أخطأ ابن شبرمة حيث أنكر عليه، وأخطأ ذو الرّمة حيث رجع إلى قوله؛ إنما هذا كقول الله ﷿ «٤٣»: «أو كظلمات فى بحر لجّىّ يغشاه موج من فوقه موج من فوقه سحاب، ظلمات بعضها فوق بعض [٨٩] إذا أخرج يده لم يكد يراها»؛ أى لم يرها ولم يكد.
أخبرنى محمد بن العباس، قال: حدثنا محمد بن يزيد النحوى، قال: حدثنا
[ ٢٣٣ ]
عبد الله بن محمد التّوزى، قال: سمعت الأصمعى يقول: ما أقلّ ما تقول العرب الفصحاء: فلانة زوجة فلان؛ إنما يقولون زوج فلان، فقال له السّدرى: أليس قد قال ذو الرّمة «٤٤»:
أذا زوجة بالمصر أم ذا «٤٥» خصومة أراك لها بالبصرة العام ثاويا
فقال: إن ذا الرّمة قد أكل البقل والمملوح فى حوانيت البقّالين حتى بشم.
أخبرنى أبو عبد الله الحكيمى، قال: أخبرنا أحمد بن يحيى ثعلب، عن إسحاق بن إبراهيم، قال: حدثنى رفاعة الطّهوى، قال: وقف ذو الرمة على مجلس لبنى طهية فأنشدهم «٤٦»:
ضبرّ «٤٧» رمى روض القذافين متنه فأعرف ينبو بالحنّيين تامك «٤٨»
فقال له حبتر بن ضباب: أسمنت فابتعث؛ أى ليس هذا مما توصف به النجائب؛ لأن الرحلة تعجلها عن السمن، وأنشد فى تصديق ذلك:
أهاب بها الحاج النزيع ولم يهب بها وسط أرفاض المخاض مهيب «٤٩»
قال: ثم أنشدهم ذو الرمة «٥٠»:
كأننى من هوى خرقاء مطّرف دامى الأظلّ بعيد السّأو مهيوم «٥١»
[ ٢٣٤ ]
فقال له حبتر: ذاك أكثر لبعره. فقيل لذى الرمة: ألا تهجوبنى حبتر؟ قال: لا، إنهم قوم «٥٢» رماة؛ أى يروون الشعر، ويرمون الرجل بمعايبه، ويصببون ما فيه. نسخت هذا الخبر من خطّ أبى موسى الحامض هكذا.
وحدثنى عبد الله بن جعفر، قال: حدثنا المبرد، قال: حدث إسحاق بن إبراهيم الموصلى، عن رفاعة بن ظبى الطّهوى، قال: وقف ذو الرمة على مجلس لبنى طهيّة فأنشدهم «٥٣»:
ضبرّ رمى روض القذافين متنه بأعرف ينبو بالحنيّين تامك
فقال له حبتر بن ضباب بن خشرم الطّهوى: أسمنت فابتعث؛ أى ليس هذا مما توصف به النجائب؛ لأن الرحلة تعجلها عن السمن؛ ثم أنشدهم:
كأننى من هوى خرقاء مطّرف دامى الأظل بعيد السّأو مهيوم
دانى له القيد فى ديمومة قذف قينيه وانحسرت عنه الأناعيم «٥٤»
فقال حبتر بن ضباب: ذاك أكثر لبعره. فقيل لذى الرمة: ألا تهجوبنى حبتر؟
فقال: إنهم رواة رماة. وكتبت هذا الحديث من خط عبد الله بن جعفر.
أخبرنى محمد بن يحيى الصولى، قال: قال الأعشى «٥٥»:
أريحىّ صلت يظلّ له القو م قياما قيامهم للهلال
فأخذه الفرزدق فقال فى سعيد بن العاص «٥٦»:
ترى الغرّ «٥٧» الجحاجح من قريش إذا ما الأمر فى الحدثان عالا
[ ٢٣٥ ]
قياما ينظرون إلى سعيد كأنهم يرون به هلالا
فأخذ هذا ذو الرمة فمسخه ومضغه وتكلّفه، فقال: يمدح بلال بن أبى بردة، ولم يكن له حظّ فى المدح «٥٨»:
كأنّ الناس حين يمرّ «٥٩» حتى عواتق لم تكن تدع الحجالا «٦٠»
قياما ينظرون إلى بلال رفاق الحىّ «٦١» أبصرت الهلالا [٩٠]
أخبرنى محمد بن يحيى، قال: حدثنا الفضل بن الحباب، قال: حدثنا بكر بن محمد المازنى، قال: حدثنا الأصمعى، قال: سمعت أبا عمرو بن العلاء يقول: أخطأ ذو الرمة فى قوله «٦٢»:
حراجيج ما تنفكّ إلّا مناخة على الخسف أو نرمى بها بلدا قفرا «٦٣»
فى إدخاله «إلّا» بعد قوله «ما تنفك» . قال الفضل: لا يقال: ما زال زيد إلّا قائما. قال الصولى: وسمعت أحمد بن يحيى يقول: لا يدخل مع ما ينفكّ وما يزال «إلّا»؛ لأن «ما» مع هذه الحروف خبر وليست بجحد.
قال الصولى: وحدثنا محمد بن سعيد الأصمّ، وأحمد بن يزيد، قالا: حدثنا يزيد المهلى، عن إسحاق الموصلى أنه كان ينشد هذا البيت لذى الرمة:
حراجيج ما تنفك إلّا مناخة
والآل الشخص، ويقول: نحتال لصوابه، ونحتجّ ببيته الذى ذكر فيه الآل فى غير هذه القصيدة، وهو قوله «٦٤»:
[ ٢٣٦ ]
فلم تهبط على سفوان حتى طرحن سخالهنّ وصرن آلا «٦٥»
وأخبرنى الصولى، قال: حدثنا الطيب بن محمد، قال: حدثنا أحمد بن سعيد، قال: سمعت الأصمعىّ يقول: أخطأ ذو الرمة فى قوله:
قلائص ما تنفك إلا مناخة على الخسف أو نرمى بها بلدا قفرا
وقوله: «ما» جحد، و«إلا» تحقيق، فكيف يجتمعان! أخبرنى محمد بن أحمد الكاتب، قال: حدثنا أبو العباس ثعلب، قال: مدح ذو الرمة عمر بن هبيرة الفزارى بالقصيدة التى يقول فيها «٦٦»:
للرّكب بعد السّرى مالت عمائمهم منّيتهم «٦٧» نفحات الجود من عمرا
ما زلت فى درجات الخير مرتفعا تنمى «٦٨» وينمى بك الفرعان من مضرا
حتّى بهرت فما تخفى على أحد إلا على أحد لا يعرف القمرا
قال ثعلب: وقد عيب عليه هذا البيت.
أخبرنى أبو عبد الله الحكيمى، قال: أخبرنا أحمد بن أحمد بن يحيى النحوى، قال: قال أبو عبيدة: قال منتجع بن نبهان: عابوا على ذى الرّمة قوله «٦٩»:
والقرط فى حرّة الذّفرى معلّقة تباعد الحبل «٧٠» منه فهو يضطرب «٧١»
[ ٢٣٧ ]
قالوا: جعلت لها ذفرى كذفرى البعير «٧٢» . فاحتجّ ذو الرّمة بشعر راعى الإبل قوله:
«وذفرى أسيلة»، قال أبو عبيدة: فغضب العدويّون، وقالوا: كان يحتج بشعر راعى الإبل وهو أشعر منه؛ وجاءتهم العصبية؛ فقال المنتجع: لقد كان يرويه ويجعله إماما.
قال أبو عبيدة: الذّفرى من المرة موضع المقذّ، وهو موضع يرشح من البعير خلف أذنه.
قال أحمد بن يحيى: ومما عابوا عليه ما حدثنى به محمد بن سلام، عن أبى البيداء الرياحى، قال: قال جرير: قاتل الله ذا الرّمة حيث يقول «٧٣»:
ومنتزع من بين نسعيه جرّة نشيج الشّجا جاءت إلى ضرسه نزرا «٧٤»
أما والله لو قال: «من بين جنبيه» ما كان عليه سبيل.
قال أحمد: وعابوا عليه أيضا قوله «٧٥»:
تصغى إذا شدّها بالكور جانحة
البيت.
فقالوا: صرع والله الرجل، ألا قال كما قال الراعى [٩١] «٧٦»:
ولا تعجل المرء قبل الورو ك وهى بركبته أبصر
وهى إذا قام فى غرزها كمثل السفينة أو أوقر
فقال ذو الرّمة: الراعى وصف ناقة ملك وأنا وصفت ناقة سوقة أراد أن يحتال فلم يصنع شيئا.
قال: وقال بعض رواة ذى الرّمة له: أفسدت علىّ شعرك، وذلك أنّ ذا الرّمة كان إذا استضعف الحرف أبدل مكانه.
قال: وعابوا على ذى الرّمة قوله «٧٧»:
أبّر على الخصوم فليس خصم ولا خصمان يغلبه جدالا «٧٨»
[ ٢٣٨ ]
قال: وقالوا أيضا: أخطأ ذو الرّمة حيث يقول «٧٩»:
أدمانة قد ترّبتها «٨٠» الأجاليد
لأنه يقال: آدم وأدماء وأدم وأدمان، ولا يقال أدمانة.
قال: وقالوا: أخطأ أيضا حيث يقول:
قلائص ما تنفكّ إلا مناخة على الخسف أو نرمى بها بلدا قفرا
وقال بعض الرّواة ممن يريد أن يحسّن قوله: إنما قال: «آلا مناخة» . وقال: مثل هذا قوله:
فلم تهبط على سفوان حتّى طرحن سخالهنّ وصرن آلا
يعنى شخوصا.
قال: وقال الأصمعى: إن ذا الرّمة أنشد رجلا «٨١»:
وظاهر لها من يابس الشّخت
فقال له: أنت أنشدتنى: «من بائس الشخت»، فقال له: إن اليبس من البؤس.
أخبرنى الصولى، قال: حدثنى القاسم بن إسماعيل، قال: حدثنى أبو عمر الجرمى، قال: قدم ذو الرّمة على بلال بن أبى بردة، فجعل يتردّد إليه، وأراد أن يبتدئ قصيدة فيه فعىّ، فقالت له عجوز مرّ بها- وكان جميلا: قد طال تردادك؛ أفإلى زوجة سعدت بها، أم إلى خصومة شقيت بها؟ فقال لروايته: جاء والله ما أريد. ثم قال «٨٢»:
تقول عجوز مدرجى متروّحا على بابها من عند أهلى وغاديا
إلى زوجة بالمصر أم لخصومة «٨٣» أراك لها بالبصرة العام ثاويا
[ ٢٣٩ ]
ثم مرّ فى القصيدة.
أخبرنى محمد بن يحيى، قال: حدثنا محمد بن الحسن البلعى، قال: حدثنا أبو حاتم، قال: سمعت الأصمعى يقول: لو أدركت ذا الرّمة لأشرت عليه أن يدع كثيرا من شعره؛ فكان ذلك خيرا له. وقد أنكر قول ذى الرمة «٨٤»:
ألا يا اسلمى يا دار مىّ على البلى ولا زال منهلّا بجرعائك القطر «٨٥»
واحتجّ من عاب هذا البيت بأنّ فى قوله هذا إفسادا للدار التى دعا لها، وهو أن تغرق بكثرة المطر؛ وقالوا: الجيّد فى هذا المعنى قول طرفة «٨٦»:
فسقى ديارك- غير مفسدها صوب الربيع وديمة تهمى
وعيب عليه قوله «٨٧»:
كأنّ أصوات من إيغالهنّ بنا أواخر الميس أصوات الفراريج «٨٨»
يريد كأنّ أصوات أواخر الميس أصوات الفراريج من إيغالهنّ بنا.
وقوله أيضا «٨٩»:
نضا البرد عنه وهو ذو من جنونه أجارىّ «٩٠» من تسهاك «٩١» صوت صلاصل
التسهاك: عدو شديد. وريح «٩٢» سهوك. والصّلاصل: صوت شديد. يريد وهو من جنونه ذو أجارىّ.
[ ٢٤٠ ]