أخبرنى محمد بن يحيى، قال: كان أبو أحمد يحيى بن على المنجّم قد ناظر رجلا يعرف بالمتفقّه الموصلى فى العباس بن الأحنف والعتّابى، فعمل يحيى فى ذلك رسالة، وأنفذها إلى على بن عيسى، لأنّ الكلام كان بحضرته. قال الصولى: وقد حضرت أنا ذلك المجلس، فكان مما خاطبه به أن قال: ما أهلّ نفسه العتّابيّ قط لتقديمها على العباس بن الأحنف فى الشعر، ولو خاطبه بذلك مخاطب لدفعه وأنكره، لأنه كان عالما لا يؤتى من معرفة بالشعر، ولم أر أحدا من العلماء بالشعر قط مثّل بين العباس والعتّابى فضلا عن تقديم العتّابى عليه لتباينهما فى المذهب، وذلك أن العتّابى متكلّف والعباس يتدفّق طبعا؛ وكلام هذا سهل عذب، وكلام ذاك متعقّد كزّ. ولشعر هذا ماء ورقة وحلاوة، وفى شعر ذاك غلظ وجساوة. وشعر هذا فى فنّ واحد- وهو الغزل- فأكثر فيه وأحسن، وقد افتنّ العتابى فلم يخرج فى شى منه عما وصفناه به. وإنّ من أشعر شعر العتابى لقصيدته التى يمدح فيها الرشيد وأولها «١٨»:
_________________
(١) هو كلثوم بن عمرو، من بنى تغلب، من بنى عتاب، ويكنى أبا عمرو، من أهل قنسرين. وكان شاعرا محسنا وكاتبا فى الرسائل مجيدا، ولم يجتمع هذان لغيره. وشخص إلى المأمون، ولما قال له سلنى، قال: يدك بالعطاء أطلق من لسانى. وترجمته فى الشعر ٨٥٩، وطبقات ابن المعتز ٢٦١، والأغانى ١٢- ٢، وتاريخ بغداد ١٢- ٤٤٨، معجم الأدباء ١٧- ٢٦.
[ ٣٦٥ ]
يا ليلة لى بحوّارين ساهرة حتى تكلّم فى الصبح العصافير
فقال فيها «١٩»:
فى مآقىّ انقباض عن جفونهما وفى الجفون عن الآماق تقصير
وهذا بيت أخذه من قول بشار الذى أحسن فيه غاية الإحسان وهو قوله «٢٠»:
جفت عينى عن التغميض حتى كأنّ جفونها عنها قصار
فمسخه العتابى. على أنّ بشارا قد أخذه من قول جميل «٢١» [١٧٢]:
كأنّ المحبّ قصير الجفون لطول السّهاد ولم تقصر
إلا أنّ بشارا قد أحسن فى أخذه، ولم يبلغ جميلا، وجاء هذا إلى المعنى قد تعاوره شاعران محسنان مقدّمان وأحسنا فيه، فنازعهما إياه فأساء، وحقّ من أخذ معنى وقد سبق إليه أن يصنعه أجود من صنعة السابق إليه أو يزيد فيه عليه حتى يستحقه، فأمّا إذا قصر عنه فإنه مسىء معيب بالسرقة مذموم فى التقصير.
ولقد هاجى أبا قابوس النصرانى، فغلب عليه فى كثير مما جرى بينهما على ضعف منّة أبى قابوس فى الشعر، ثم قال فى هذه القصيدة «٢٢»:
ماذا عسى مادح «٢٣» يثنى عليك وقد ناداك فى الوحى تقديس وتطهير
فتّ الممادح «٢٤» إلّا أنّ ألسننا مستنطقات بما تخفى الضمائير
فقال: «الممادح»؛ والمدائح أحسن منها وأخفّ على السمع، وأشبه بألفاظ الحذّاق والمطبوعين، وقال: «مستنطقات»؛ ونواطق أحسن وأطبع، ثم قال «الضمائير» فختم البيت منها بأثقل لفظة لو وقعت فى البحر لكدّرته، وهى صحيحة، ولكنها غير مألوفة،
[ ٣٦٦ ]
ولا مستعذبة، وما شىء أملك بالشعر بعد صحة المعنى من حسن اللفظ، وهذا عمل التكلّف وسوء الطبع. وللعباس إحسان كثير.
أخبرنى محمد بن يحيى، قال: حدثنى أحمد بن إبراهيم الغنوى، قال: كنا عند هلال بن العلاء فذكروا العتّابى، فقال له رجل: هو كزّ لا رقّة له. فقال هلال: أتقول هذا لمن يقول:
رسل الضمير إليك تترى بالشوق متعبة وحسرى
وهى أبيات.