حدثنا على بن سليمان الأخفش، عن أبى العباس ثعلب، قال: قال الأصمعى:
قلت لبعضهم: ما تقول فى شعر الجعدى؟ قال: صاحب خلقان، عنده مطرف بألف وخلق بدرهم «٣٩» .
وكتب إلىّ أحمد بن عبد العزيز، قال: أخبرنا عمر بن شبّة، قال: حدثنا أبو بكر الباهلى، عن الأصمعى، قال ذكر الفرزدق نابغة بنى جعدة فقال: صاحب خلقان [٢٨]، يكون عنده مطرف بألف، وخمار بواف «٤٠» .
وحدثنى عبد الله بن يحيى العسكرى، قال: حدثنى إبراهيم بن عبد الصمد، قال:
حدثنا الكرانى، قال: حدثنى العباس بن ميمون طابع، قال: حدثنى الأصمعى، قال: حدثنى أبو عمرو بن العلاء، قال: سئل الفرزدق عن الجعدى، فقال: صاحب خلقان يكون عنده مطرف بألف، وخمار بواف.
قال الأصمعى: وصدق الفرزدق؛ بينا النابغة فى كلام أسهل من الزلال، وأشدّ من الصخر إذ لان فذهب. ثم أنشدنا له «٤١»:
سما لك همّ ولم تطرب وبت ببثّ ولم تنصب
وقالت سليمى أرى رأسه كناصية الفرس الأشهب
وذلك من وقعات المنون ففيئى إليك ولا تعجبى
أتين على إخوتى سبعة وعدن على ربعى الأقرب
_________________
(١) هو عبد الله بن قيس، من جعدة بن كعب بن ربيعة، وكان يكنى أبا ليلى، وهو جاهلى، وأتى رسول الله وأنشده شعرا. ويقال إنه أقدم من النابغة الذيبانى وعمّر حتى ورد على ابن الزبير، وحتى نازع الأخطل الشعر فغلبه الأخطل، ومات بأصبهان بعد أن عمر طويلا. وترجمته فى الأغانى ٤- ١٢٧، والخزانة ١- ٥٠٩ واللآلى ٢٤٧، والشعر والشعراء ٢٤٧، والاستيعاب ١٥١٤.
[ ٧٥ ]
وبعده أبيات. ثم يقول بعدها:
فأدخلك الله برد الجنا ن جذلان فى مدخل طيّب
فلان كلامه، حتى لو أنّ أبا الشّمقمق «٤٢» قال هذا البيت لكان رديئا ضعيفا.
قال الأصمعى: وطريق الشعر إذا أدخلته فى باب الخير لان. ألا ترى أن حسان بن ثابت كان علا فى الجاهلية والإسلام، فلما دخل شعره فى باب الخير من مراثى رسول الله ﷺ وحمزة وجعفر رضوان الله عليهما وغيرهم، لان شعره. وطريق الشعر هى طريق الفحول؛ مثل امرئ القيس وزهير والنابغة، من صفات الديار والرّحل، والهجاء والمديح، والتشبيب بالنساء، وصفة الحمر والخيل، والافتخار. فإذا أدخلته فى باب الخير لان.
حدثنى إبراهيم بن شهاب، قال: حدثنا الفضل بن الحباب، عن محمد بن سلّام «٤٣»، قال: كان الجعدىّ مختلف الشعر مغلّبا. قال الفرزدق: مثله مثل صاحب الخلقان «٤٤»؛ يرى عنده ثوب خزّ وثوب عصب، وإلى جنبه سمل كساء.
وإذا قالت العرب: مغلّب، فهو مغلوب. وإذا قالوا: غلّب، فهو غالب.
غلّبت ليلى «٤٥» على الجعدى، وغلّب عليه أوس بن مغراء القريعى، ولم يكن إليه فى الشعر ولا قريب. وغلّب عليه عقال بن خويلد العقيلى، وكان مفحما «٤٦» بكلام لا بشعر.
وهجاه سوّار بن أوفى القشيرى وفاخره؛ وهجاه الأخطل بأخرة «٤٧» .
أخبرنا ابن دريد، قال: أخبرنا أبو حاتم، قال: حدثنا الأصمعى، قال: أفحم النابغة ثلاثين سنة بعد قوله الشعر؛ ثم نبغ فقال. والشعر الأول من قوله جيد، والآخر كأنه مسروق، وليس بجيد.
[ ٧٦ ]
قال أبو حاتم: قال النابغة الجعدى، وهو ابن ثلاثين سنة، فقال ثلاثين سنة، ثم أفحم ثلاثين سنة، ثم نبغ فقال ثلاثين سنة أو قرابتها.
حدثنى أبو عبد الله الحكيمى، قال: حدثنى محمد بن موسى البربرى، قال: حدثنا محمد بن سلّام قال: قال النابغة لعقال بن خويلد؛ وحدثنا على بن عبد الرحمن، قال:
أخبرنى يحيى بن على بن يحيى المنجّم، عن أبيه، قال: حكى أبو الورد الكلابى، قال:
قال النابغة لعقال بن خويلد العقيلى- وكان أجار بنى وائل بن معن بن مالك بن أعصر، وكانوا قتلوا رجلا من بنى جعدة، وكانوا يطالبونهم بدمه- فحذّر النابغة عقالا أن يصيبه فى ظلمه ما أصاب كليب وائل [٢٩] فى تعدّيه عليهم، وأن يقع بينهم ما وقع بين عبس وذبيان فى حرب داحس والغبراء من الشعر، فقال «٤٨»:
أبلغ عقالا أنّ غاية داحس بكفّيك، فاستأخر لها أو تقدّم
فقال عقال: لا، بل أتقدّم يا أبا ليلى. فقال النابغة:
تجير علينا واثلا فى دمائنا كأنك مما نال أشياعها عم
فقال عقال: لا، بل على عمد يا أبا ليلى. فقال النابغة:
كليب لعمرى كان أكثر ناصرا وأيسر جرما منك ضرّج بالدم
رمى ضرع ناب فاستمرّ بطعنة كحاشية البرد اليمانى المسهّم
وما علم «٤٩» الرمح الأصمّ كعوبه بنزوة رهط الأبلخ «٥٠» المتظلّم
فقال عقال: لكنّ است حامله تعلم.
وقال يحيى فى حديثه: لكن حامله يعلم فغلّب عليه عقال بهذا الكلام.
حدثنى إبراهيم بن شهاب، قال: حدثنا الفضل بن الحباب، عن محمد بن سلّام، قال: حدثنى أبو الغرّاف، قال: قال النابغة الجعدى: إنى وأوس بن مغراء لنبتدر بيتا ما قلناه بعد، لوقد قاله أحدنا لقد غلّب على صاحبه.
قال ابن سلام: وكانا يتهاجيان، ولم يكن أوس إلى النابغة فى قريحة الشعر؛ وكان
[ ٧٧ ]
النابغة فوقه؛ فقال أوس بن مغراء «٥١»:
فلست بعاف عن شتيمة عامر ولا حابسى عما أقول وعيدها
ترى اللؤم ما عاشوا جديدا عليهم وأبقى ثياب اللابسين جديدها
لعمرك ما تبلى سرابيل عامر من اللؤم ما دامت عليها جلودها
فقال النابغة: هذا البيت الذى كنا نبتدر، وغلّب الناس أوسا على النابغة.
أخبرنى الصّولى عن أبى العيناء، عن الأصمعى، قال: أنشدت الرشيد أبيات النابغة الجعدى من قصيدته الطويلة «٥٢»:
فتى تمّ فيه ما يسرّ صديقه على أنّ فيه ما يسوء الأعاديا
فتى كملت أعراقه «٥٣» غير أنه جواد فلا يبقى من المال باقيا
أشمّ طويل الساعدين شمردل «٥٤» إذا لم يرح للمجد أصبح غاديا
فقال الرشيد: ويله، ولم لم يروّحه فى المجد كما أغداه؟ ألا قال:
إذا راح للمعروف أصبح غاديا
فقلت: أنت والله يا أمير المؤمنين فى هذا أعلم منه بالشعر.
وأنكر على الجعدى قوله «٥٥»:
وشمول قهوة باكرتها فى التباشير من الصبح الأول
يريد مع التباشير الأول من الصبح، فقدّم وأخر.
وقوله «٥٦»:
وما رابها من ريبة غير أنها رأت لمّتى شابت وشاب لداتيا
فأىّ ريبة أعظم من أن رأته قد شاب!
[ ٧٨ ]