واعلم أن أول علامات الهوى على ذي الأدب نحول الجسم، وطول السقم، واصفرار اللون، وقلة النوم، وخشوع النظر، وإدمان الفكر، وسرعة الدموع، وإظهار الخشوع، وكثرة الأنين، وإعلان الحنين، وانسكاب العبرات، وتتابع الزفرات، ولن يخفى المحب، وإن تستر، ولا ينكتم هواه، وإن تصبر، ولن يغبى ادعاء أنه قد قارن العشق والهوى، لأن علامات الهوى نائرة، وآيات الادعاء ظاهرة. وقد قال الأحوص الأنصاري:
ما عالج الناس مثل الحب من سقم ولا برى مثله عظمًا، ولا جسدا
ما يلبث الحب أن تبدو شواهده من المحب وإن لم يبده أبدًا
وقال آخر:
ما يعرف الحزن إلا كل من عشقا وليس من قال إني عاشق صدقا
للعاشقين نحول يعرفون به، من طول ما حالفوا الأحزان والأرقا
[ ١ / ٦١ ]
وحدثت عن الزبير بن بكار قال: رأيت رجلًا بناحية الثغر عليه أثر ذلة وخضوع، واستكانة وخشوع، كان يكثر التنفس، ويخفي السكوت، ويبدي الأنين، وحركات المحب لا تخفى في شمائله، ولا يسترها بتصاونه، فسألته في بعض أيامه، وقد خلوت به، عن حاله، فكان جوابه، وقد تحدرت الدموع من عينيه:
أنا في أمري رشاد، بين غزو وجهاد
بدني يغزو عدوي، والهوى يغزو فؤادي