روينا عن أبي الأحوص عن عبد الله بن مسعود، وعن الوليد عن أبي هريرة قال: قال رسول الله، ﷺ: الأرواح جنود مجندة، فما تعارف منها ائتلف، وما تناكر منها اختلف.
وقال بعض الشعراء:
إن القلوب لأجناد مجندة، لله في الأرض بالأهواء تعترف
فما تعارف منها فهو مؤتلف، وما تناكر منها فهو مختلف
وقال طرفة:
وإن امرأً لم يعف يومًا فكاهة لمن لم يرد سوءًا بها لجهول
[ ١ / ٣٠ ]
تعارف أرواح الرجال إذا التقوا، فمنهم عدو يتقى، وخليل
وكان يقال: المودة قرابة مستفادة. وقيل لخالد بن صفوان: أخوك أحب إليك أم صديقك؟ فقال: إن أخي إذا كان غير صديق لم أحبه. وروينا عن واصل مولى ابن عيينة قال: كنت مع محمد بن واسع بمرو، فأتى عطاء بن مسلم ومعه ابنه عثمان، فقال عطاء لمحمد: أي عمل في الدنيا أفضل؟ قال: صحبة الأصحاب ومحادثة الإخوان، إذا اصطحبوا على الأمن والتقوى، فحينئذ يذهب الله بالحلف من بينهم، فواصلوا وتواصلوا.
وروي عن بشر بن السري قال: ليس من البر أن تبغض ما أحبه حبيبك. وقال عبد الله بن صالح: اجتمعت أنا ومحمد بن نصر الحارثي وعبد الله بن المبارك وفضيل بن عياض، فصنعت لهم طعامًا، فلم يخالف محمد ابن نصر علينا في شيء أصلًا، فقال له عبد الله: ما أقل خلافك! فقال محمد:
وإذا صاحبت، فاصحب ماجدًا ذا حياء وعفاف وكرم
قوله للشيء: لا، إن قلت: لا، وإذا قلت: نعم، قال: نعم
وقال آخر:
هموم رجال في أمور كثيرة، وهمي من الدنيا خليل مساعد
إذا غبت عنه لم أغب عن ضميره، كأني مقيم بين عينيه شاهد
نكون كروح بين جسمين فُرقًا، فجسماهما جسمان والروح واحد
وأنشدني آخر:
وإلفين كالغصنين ضمهما الهوى، فروحاهما روح، وقلباهما قلب
إذا غاب هذا ساعة عن خليله، تجلاه يومًا، عند فرقته، كرب
فيا من رأى إلفين صانا هواهما، فهذا بذا صبٌّ، وهذا بذا صبُّ
[ ١ / ٣١ ]
وأنشدني للحكمي:
روحها روحي، وروحي روحها، ولها قلب، وقلبي قلبها
فلنا روح وقلب واحد، حسبها حسبي، وحسبي حسبها
ولعمري إن ذلك لحسن جميل: والذي قيل في ذلك كثير طويل، وقد نهى قوم عن استعمال الميل في المودة، واعلم أن ذلك مع دوام المحبة وصفاء المودة لحسن غير مدفوع، غير أنه قد نهي عن استعمال الميل في المودة وكثرة الإفراط في المحبة وإدمان الزيارة في كل يوم وساعة لموضع الملل والسلوان الذي هو طبع الإنسان، وأمرنا بالقصد في كل الأمور، بدوام المحبة والسرور. وقد ذكرت بعض ذلك وفيه مقنع.