واعلم أن الحبّ، مع ما فيه من المرارة والنكد، وطول الحسرات والكمد، ومرٌّ لا تعدله مرارة، قال الكميت بن زيد:
الحب فيه حلاوةٌ ومَرارةٌ، سائلْ بذلك من تطاعم، أو ذُقِ
ما ذاق بؤس معيشةٍ ونعيمها، فيما مضى، أحدٌ إذا لم يعشقِ
وقال آخر:
يا أيها الدنِف المُعذَّب بالهوى! إني بأحوال الهوى لعليمُ
الحب صاحبه يبيت مُسهَّدًا، ويطير عنه فؤاده، ويهيم
الحب داءٌ قد تضمّن في الحشا بين الجوانح والضلوع مقيمُ
الحب لا يخفى، وإن أخفيته، إن البكاء على المُحبّ نَموم
الحب فيه حلاوةٌ ومَرارةٌ، والحب فيه شقاوةٌ ونعيم
الحب أهون ما يكون مُبرِّحٌ، والحب أصغر ما يكون عظيم
أنشدني أحمد بن يحيى ثعلب:
سَلني عن الحب يا من ليس يعرفه، ما أطيب الحب لولا أنه نَكدُ
طعمان: حلوٌ ومرٌّ ليس يعدله في حَلْق ذائقه مُرٌّ، ولا شهد
وأنشدني إبراهيم بن محمد الواسطي لنفسه:
سلْني عن الحب، فإني به أعلم ذي وَطْءٍ على نعل
[ ١ / ٨٦ ]
طعمان ضدّان، فمستعذَبٌ وآخر أشرى من القتل
ولبعض المتأدبين أيضًا في مثله:
سَلني عن الحب يا من ليس يعلمه، عندي من الحب، إن ساءلتُمُ، الخَبَر
أنا الذي بالهوى ما زلتُ مشتهرًا، لاقيتُ فيه الذي لم يلقه بشر
الحب أوَّله عذبٌ مَذاقتُهُ، لكنّ آخره التنغيص والكَدَر
كم تيّم الحب أقوامًا، ودللهم، وكم يدٍ للهوى قد وارت الحُفَر
أنشدني ابن أبي الرعد:
من كان لم يدرِ ما حبٌّ وصفْتُ له، إن كان في غفلةٍ، أو كان لم يجد
الحب أوّله عذبٌ، وآخره مثل الحَزازة بين القلب والكبِد
أنشدني الوليد بن عُبيد البحتري لأبي العتاهية:
أخلاّني بي شَجْوٌ، وليس بكم شجْو وكل امرئٍ مما بصاحبه خِلْو
أذاب الهوى جسمي ولحمي وقُوّتي، فلم يبق إلا الروح والجسد النِّضْو
رأيت الهوى جمر الغضا، غير أنه على كل حالٍ، عند صاحبه حُلْوُ
وما من محبٍّ نال ممن يحبه هوىً صادقًا إلا سيدخله زَهو
قال: وأنشدني ابن أبي الدنيا:
الحب يترك منْ أحبَّ مُدَلَّهًا، حَيران، أو يقضي عليه فيسرع
الحب أهونه ثقيلٌ فادحٌ، يُهوي الجليد من الرجال، فيَصرع
[ ١ / ٨٧ ]