روي عن النبي، ﷺ، أنه قال: لا يصلح الكذب في جد، ولا هزل.
وقال أبو بكر الصديق، ﵁: إذا كذب العبد تباعد الملك منه ميلًا لنتن ما جاء منه. وقال: لسان الصدق خير للمرء من المال يأكله ويورثه.
وقال المهلب بن أبي صفرة: ما السيف الصارم في يد الرجل الشجاع بأعز له من الصدق. وكان يقال: الصدق قوة، والكذب عجز. أنشدني بعض الأدباء:
لا يكذب المرء إلا من مهانته، أو عادة السوء أو من قلة الأدب
لجيفة الكلب عندي خير رائحة من كذبة المرء في جد وفي لعب
وكان يقال: لا رأي لكذوب ولا مروة لكذاب. ويقال: لا تستعن بكذاب، فإنه يقرب لك البعيد ويباعد لك القريب. وأنشدني آخر:
وكن صادقًا في كل شيء تقوله، ولا تك كذابًا، فتدعى منافقا
[ ١ / ٤١ ]
وقال آخر:
الكذب عار، وخير القول أصدقه، والحق ما مسه من باطل زهقًا
وأنشدني غيره:
الصدق منجاة لمن هو صادق، وترى الكذوب بما يقول يوبخ
وقال أبو العتاهية:
كن في أمورك ساكنًا، فالمرء يدرك في سكونه
واعمد إلى صدق الحدي ث، فإنه أزكى فنونه
رب امرئ متيقن غلب الشقاء على يقينه
وحدثني بعض شيوخ الكتاب قال: حدثني علي بن هشام قال: قال لي محمد بن الجهم ذات يوم: يا أبا الحسن، الكذاب والموات بمنزلة واحدة. قلت: وكيف ذاك؟ قال: لأن علامة الحي النطق، ومن لم يوثق بنطقه، فقد بطلت حياته.
والذي جاء في ذلك يطول شرحه، ويكثر وصفه، والكلام فيه يتسع، وأنا أفرد لهذا الباب كتابًا، وأرصفه أبوابًا أبين فيه فضل الصدق على الكذب، ليرغب فيه ذوو المروة والأدب، إن شاء الله تعالى.
وأما ما جاء في إنجاز العدات عن ذوي الأخطار والمروات، فكثير يكثر عدده ويطول أمده. وقد شرحت لك بعض ذلك لتقف عليه، إن شاء الله تعالى.
[ ١ / ٤٢ ]