اعلم أن أهل الظرف قد أكثروا من تفصيل الورد، ومدحَته الشعراء، وقد أطنبوا فيه، وأفرطوا في نعت حُسنه، واشتهوا رائحته، حتى شبّهوه بالوَجَنات الحمر، وقايَسوه إلى الخمر، ومثّلوه بالأشياء المِلاح، كفعلهم بالتفاح، وهما عندهم في مرتبة واحدة، قال العباس بن الأحنف:
أُبغضُ الآسَ والخِلاف جميعًا، لمكان الخلاف واليأس منها
وأحبّ التفّاح والوَرد حتى لو وَزَنتيه بالجبال وَزَنْها
أشبها ريقها ونكهة فيها، فهما يُبئان بالطيب عنها
وقال آخر:
عشيّةَ حيّاني بوَردٍ، كأنه خدودٌ أضيفَت بعضهن إلى بعض
وولّى، وفعل الخمر في حركاته، فِعال نسيم الريح بالغُصُنّ
[ ١ / ١٧٨ ]
وقال آخر:
يضحك الوَردُ إلى ور دٍ بخَدَّيك مُقيمِ
جَمعا شكلين وَفقي نِ لألحاظ النديمِ
غير أنّ المِسك أولى بكِ في كلّ نسيمِ
سيعلم الوردُ أني غير ذاكره، إذا الخُدود أعارت حُسنها بصري
كم بينَ وردٍ مُقيمٍ في أماكنه، وبين وَرْدٍ قليل المَكْثِ في الشجرِ
هذا جِنيٌّ مَصونٌ في مَنابته، وذاك مُمتهَنٌ في كل محتضَرِ
وقال عبد الله بن عبد الله بن طاهر:
مرّت، وفي كفّها وردٌ، فقلتُ لها حَيِّي محبَّك! قالت: عنه لي شُغُلُ
فقلت: بُخلًا، فقالت: قد وهبتُ له وَردًا جَنيًّا، وذا بالكفّ يُبتذَلُ
إنْ كان لم يَجنه منه أنامله، فقد جَنَته له الألحاظ والمُقَلُ
وقال آخر:
وَرْدُ خدّيك مقيمُ، أبدًا، ليس يَريم
أما منه في نعيمٍ، ما بدا منه نعيم
وقال آخر:
تمتّعْ من الورد القليل بقاؤه، فإنك لم يفجعكَ إلا فناؤه
وودّعه بالتقبيل والشمّ والبُكا، وداعَ حبيبٍ بعد حولٍ لقاؤه
[ ١ / ١٧٩ ]
وقد تطيّر منه آخرون، وسمّوه الغدّار، وغضّوا دونه الأبصار، لقلّة لَبثه، ويسير مكثه، وسُرعة زواله، وتغيُّره، وانتقاله.
وخُبِّرت أن قَينةً أهدت إلى ربيطٍ لها غصن أسٍ، فسُرَّ به، وأنشأ يقول:
والآسُ يبقى، وإن طال الزمان به، والورد يفنى، ولا يبقى على الزمن
وأهدت له وردًا تطيّر منه، وقال:
أنتِ وردٌ وبقاءُ ال ورد شهرٌ لا شُهورُ
يذهب الورد، ويَفنى، وإلى الآس نصيرُ
فكتب إليه بعض إخوانه:
سُرّ بالآس الذي أهدت له، ثم لما أهدَتِ الورد جَزِعْ
ذاك أنّ الآسَ باقٍ دائمٌ، ولأن الورد حينًا يَنقطعْ
وقال بعض الشعراء:
وصلتْ، وكان الورد أول ما بدا، فلمّا تولّى الورد ولّت مع الوردِ
فيا ليت أن الورد أسٌ فإنه يدوم على الحالين في الحرّ والبردِ
وفضائل الورد أكثر من أن يُحصى عددها، أو يُبلَغ أمدها، وقد أفردتُ لذلك كتابًا بوّبته أبوابًا، وترجمته بكتاب العِقد، وشحنتُه بفضل الورد، فأغنى ما في ذلك الكتاب عن إعادة ذكره في هذا الباب.
والتفاح أعظم عندهم قدرًا، واجلّ أمرًا، وأعلى درجة، وأرفع رتبة لسلامته من البياض والتوريد، وقد ذكرتُ فضائل التفاح في كتاب التفاحة في غير باب، فأغنى عن إعادته في هذا الكتاب، غير أني أذكر في كتابنا هذا جملة مما وصفتُه به الأدباء ومدحته به الشعراء، ولست أذكر في عرض
[ ١ / ١٨٠ ]
هذا الكتاب شيئًا مما في ذلك الكتاب لئلا يبتلى بشي من المحن، فينسب إلى ضيق العَطَن، وبالله التوفيق.