فمن ذلك الأُترجّ، والسفرجل، والشقائق، والسوسن، والنَّمّام، وأطباق الخِلاف، والغَرَب، والبان. فأما الأُترجّ فإن باطنه خلاف ظاهره، وهو حسن الظاهر، حامض
[ ١ / ١٧٢ ]
البطن، طيّب الرائحة، مختلف الطعم، ولذلك يقول فيه الشاعر:
أهدى له أحبابه أُترجّةً، فبكى، وأشفق من عِيافة زاجر
خاف التلوّن، إذ أتته، لأنها لونان باطنها خلاف الظاهر
فَرِقَ المتيَّم من حموضة لبّها واللون زيّنها لعين الناظر
وأما السفرجل فلأنّ فيه اسم السفر، وقد قال فيه الشاعر:
مُتحفي بالسفرجل، لا أريد السفرجلا!
اسمه، لو عرفتَهُ، سفرٌ جَلَّ، فاعتلى!
وقال آخر:
أهدت إليه سفرجلًا، فتطيّرا منه وظلّ مُتيَّمًا، مستعبرا
خاف الفِراق، لأن أول اسمه سفرٌ فحقّ له بأن يتطيّرا
وأما الشقائق، فلشطْر اسمه، ولقول الشاعر فيه:
لا تراني طَوال ده ري أهوى الشقائقا
إن يكن يشبه الخدو د، فنصف اسمه شَقا
وقال آخر:
لا يحب الشقائقا كل من كان عاشقا
إن نصف اسمه شقا ءٌ، إذا فُهتَ ناطقا
وأما السوسن، فلأن اسمه السوء، وقال فيه الشاعر:
سُوسنةٌ أعطيتنيها، وما كنتِ بإعطائكها محسنهْ
شطر اسمها سوءٌ، فإن جئت بال آخر منها، فهو سوءٌ سَنَهْ
[ ١ / ١٧٣ ]
وأنتِ إن هاجرتني ساعةً، قلتُ: أتتُ من قبل السوسنهْ
وقال آخر:
يا ذا الذي أهدى لنا سوسنا، وما كنتَ في أهدائه محسنا
أوله سوءٌ، فقد ساءني، يا ليت أني لم أر السوسنا
وأما الياسمين فلمبدأِ اسمه تُطُيِّر منه، ولقول الشاعر:
إني لأذكر بالريحان رائحةً منها، فَلِلْقَلب بالريحان إيناسُ
وأمنح الياسمين البُغض من حذري لليأس، إذ كان في بعض اسمه ياسُ
وقال آخر:
أبصرتُه في المنام ناولني من كفّه الياسَمين والغَرَبا
فكان يأسٌ في الياسمين، وفي الغ رب اغترابٌ، يا شؤم ما وهبا
وقال آخر:
أهدى حبيبي ياسمينًا، فبي من شِرّةِ الطيرةِ وسواسُ
أراد أن يوئِسَ من وصله، إذ كان في شَطر اسمه الياسُ
وأما النمّام فلشناعة اسمه، وقول الشاعر فيه:
حيّتُها بتحيّةٍ في مجلسٍ، بقضيب نمّام من الريحانِ
فتطيّرت منه، وقالت: أقصّه! لا تقربَنّ مضيِّع الكِتمان
وأما الآس، فقد تطيّر منه قومٌ، وزعموا أنه إياس، وتفاءل به آخرون، وزعموا أنه مؤاساةٌ وأساسٌ، قال الشاعر:
[ ١ / ١٧٤ ]
ما أحسن الآس في عيني وأطيبه، لولا اتصال حروف الآس بالياسِ
ما ضرّ من كان أهدى الآس من يده لو قال: ريحانةٌ، يُعنى به الآسي
لولا الذي أتّقي من طيرتي بهما، ما فارقا أبدًا تاجًا على رأسي
كذلك تطيّروا من الخلاف لموضع الخُلف؛ والغَرَب للاغتراب، والبان للتبايُن. ورُوي عن كُثيّر عزّه أنه بلغه أنها عليلةٌ، وأنها تتشوّقه، فخرج يُريدها، وهي بمصر، فرأى غُرابًا ساقطًا على بانةٍ ينتف ريشه، ويُطايره على رأسه، فتطيّر من ذلك، وأتى عرّافًا من نهدٍ أخبره بما رأى فآيسه من حياتها، وأخبره بوفاتها. فلما وصل إلى مصر خُبّر بموتها، فأنشأ يقول:
فما أعيف النهديّ، لا درّ دَرُّه، وأعلمه بالزجر، لا عَزّ ناصره
رأيتُ غرابًا ساقطًا فوق بانةٍ، يُنتِّف أعلى ريشه، ويُطايره
فأما غرابٌ، فاغترابٌ من الهوى، وبانٌ فبينٌ من حبيبٍ تعاشره
وقال أبو الشيص:
أشاقَك، والليل ملقي الجِران، غُرابٌ ينوح على غُضن بان؟
أحصُّ الجناح، شديد الصياح، يُبَكّي بعينين ما تدمعانِ
وفي نَعَبات الغراب اغترابٌ، وفي البان بَيْنٌ بعيد التداني
[ ١ / ١٧٥ ]
وقال بعض الأعراب:
وكنتُ قدِ اندملتُ فهاج شوقي بكاء حمامتين تَجاوبانِ
تجاوبتا بلحنٍ أعجمي، على غُصنين من غَرَبٍ وبانِ
فقلتُ لصاحبيّ، وكنتُ أحرى بزجر الطير: ماذا تُخبرانِ
فقالا: الدار جامعةٌ بسُعدى، فقلت: بَلَ أنتما متيمِّنانِ
وكان البان أن بانت سُليمى، وفي الغَرَب اغترابٌ غير وانِ
وقال نُصيب:
ألا راعَ قلبي من سَلامة أنْ غدا غُرابٌ على غصنٍ من البان يَنعبُ
فأزجرُ ذاك البان بينًا مُواشكًا، وغثربة دارٍ ما تَدانى فيصقُبُ
وقد استحسنوا هدايا كثيرة، وتفاءلوا فيها بقول الشاعر، وإن كان بعضها مما ذكرناه أنهم لا يتهادَونه من طريق الظرف، واجتنبوه لعلة التسفيل، وأحبوه من حُسن التفوّل، فمن ذلك الرمان، وهو مما ذكرناه أنهم لا يتهادونه لما فيه من التسفيل وما يقع فيه من التمثيل، وكذلك الشاهَلوج، والنَّبَق، والورد، والبنفسج؛ فأما الرمان فقد قال فيه الشاعر:
أهدت إليه بظَرفها رمّانًا، تُنبيه أنّ وِصالها قد آنا
قال الفتى لمّا رآه تَفوُّلًا، وَصْلٌ يكون متمَّمًا أحيانا
رمَّ يَرُمّ تشعَثي بوِصالها، لقد التفوّل صادقًا قد كانا
وأما الشاهَلُّوج، فهو مما فيه النوى، وقد تهاداه قومٌ لموضع تَفَوُّل الشاعر به إذ يقول:
[ ١ / ١٧٦ ]
أهدت إليه شاهَلُّوجا، تُبيه أنْ لو جاء كان وَلوجا
فمضى على فأل الهدية جاسرًا، عَمْدًا، فصار مُداخِلًا خِرّيجا
وأما النَّبقُ، فهو يُستقبَل، وقد قال فيه الشاعر:
أيا أحسننا خُلقًا، ومن فات الوَرى سَبقا
تفاءلْتَ بأنْ تبقى، فأهديتَ لنا النّبْقا
فأبقاك إلهُ النا س ما سرّك أن تبقى
وأشقى الله شانيك، وحاشى لك أن تَشْقى
وأما البنفسج أيضًا، فقد قال فيه الشاعر:
أهدتَ إليه بنفسجًا يُسليه، تُنبيهِ أنّ بنفسها تفديه
فارتاح بعد صَبابةٍ وكآبةٍ، ورَجا لحُسن الظنّ أن تُدنيه
وأما الخوخ، فقد أطنبوا في وصفه، وأكثروا من مدحه، وزعموا أنه أشبه شيءٍ بالخدود من التفّاح، وأقرب شبهًا بالوَجنات المِلاح، لأنه يُشاركها في البَياض والسُّمرة، والأدمة والصُّفرة، والتوريد والحمرة، والزَّغَب الليّن البَشَرة، وهو أطيب ملثَمٍ وأعذب مقبَّل، وأذكى مشمٍّ، وهو عند طائفةٍ من أهل الهوى أجلُّ مرتبةً من التُّفّاح لولا ما خالطه من النوى الذي يشمئزّ منه الظرفاء، ويَشناه الأدباء، وأنه مفقودٌ، والتفاح موجود، وأما الورد، فقد تفاءل به كثيرٌ من الظرفاء، وذكره كثير من الشعراء؛ أنشدني بعض الأدباء:
[ ١ / ١٧٧ ]
أهدى له وَردًا، فأخبر أنه في الواردين، ولم يكن وَرّادا
فارتاح من فَرَح بطيب وفوده، وعدا له وَرْدُ الحياء، فزادا
وليس عندهم في الروض شيءٌ يشبهه، ولا في عُروض الروض ما يُدرِكه، وقد ذكرتُ ذلك في بابٍ لطيفٍ لرغبتي في اقتصاد التأليف، فقِفْ عليه، واعرِفه.