قال عمارة بن أبي الحسن اليمنّى الحمد الله الذي فضّل الإنسان بعقله ونطقه، ووعد الصادق أن يسأله عن صدقه، وصلى الله على محمد المختار من خلقه، المخصوص بثناه الله على المعظم من خلْقه، وعلى آله وصحبه الذين جلّوا وصلّوا في مضمار سبقه، صلاةً تقضى فرض حقّهم بعد حقّه، وبد فهذا مجموع لم أقصد به شيئًا مخصوصًا، ولا فنًّا ربّ يسّر برحمتك اخبرنا الشيخ الأجل الفاضل الرحيم البارع الأمين نبيه الدين أبو الطاهر اسماعيل بن عبد الرحمن بن أحمد الأنصاري الكاتب غفر الله له ورضي عنه في شّوال سنة إحدى عشرة وسمائه بمصر قال القاضي الفقيه الأرشد أبو محمد عمارة بن أبي الحسن الحكمي ثم اليمنى وسمعت ذلك منه في شهر
[ ٥ ]
منصوصًا بل ذكرت فيه نبذًا من الأخبار مختلفة المقاصد، متباينة المراصد، ولم أورد فيه إلا ما أملأه الخاطر، أو رواه من أقيمه في الصدق مقام الناظر، وبالله التوفيق وأشرت فيه إلى النكت العصرية، أي أخبار الوزراء المصرية، ومادام الليل والنهار دائمين، والشمس والقمر دائبين، فالعجائب المتولدة صيود، والتواريخ لها قيود، وما يخلو الإنسان من بداية مهده إلى غاية لحده، من الوقوع إما في حسن أحوال، أو قبح أهوال، وإذا لم تؤرخ النوازل، عفّى النسيان آثارها، وطمس الإهمال أنوارها، وتجنبت سجع المتكلّفين وفارقت ذلّه المتخلفين، وأطلقت أعنّة الكلام، وسامحت أسنّة الأقلام، فلا في سهل الهزالة أنا حاطب، ولا في حزن الجزالة أنا خاطب، وأشرت فيه إلى ما شاهدتّه من العجائب العصرية، في أخبرا الوزراء المصرية، من غير إفراط في أوصافهم، ولا تفريط في إنصافهم، وإن تخلل ذلك شيء ليس منه لا بالغرض، والحديث كما قيل شجون، والجدُّ قد
[ ٦ ]
يخلط بالمجون وعسى أن يقول من وقع في يده هذا المجموع خبرتنا عن غيرك فمن تكون وغلى أي عشّ ترجع من الوكون، وأنا اقتصر واختصر واذكر من مولدي ووطني ونسبي طرفا أبني عليه حالي، وآخر مآلي، فقد قيل الإنسان من حيث يولد يوجد، ومن حيث يُنبت، يُثَبت، ولم تزل العرب تعدّ من أفضل أحسابها، ذكرها لأنسابها ومن عرف الشرف لقديمه، لم ينكر صحّة أديمه، فإما جرثومة النسب فقحطان ثم الحكم ابن سعد العشيرة المذحجي وإما الوطن فمن تهامة باليمن مدينة يقال لها مرطان من وادي وساع وبعدها من مكّة مهب الجنوب أحد عشر يومًا وبها المولد والمربي وأهلها وبقية العرب في تهامة لأنهم لا يساكنهم حضري ولا يناكحونه ولا يجيرون شهادته ولا يرضون بقتله قودًا بأحد منهم ولذلك سلمت لغتهم من الفساد وكانت رئاستهم وسياستهم تنتهي إلى المثيب بن
[ ٧ ]
سليمان وهو جدي من جهة الوالدة وإلى زيدان بن أحمد وهو جدي لأبي وهما ابنا عم وكان زيدان يقول أنا أعدّ من أسلافي أحد عشر جدًّا ما منهم إلا عالم مصنّف في عدّة علوم ولقد أدركت عمّى على بن زيدان وخالي محمد بن المثيب ورئاسة حكم بن سعد العشيرة تقف عليهما وتنتهي إليهما وما أعرف فيمن رأيته أحد يشبه على بن زيدان في الودد وهذه اللفظة وهي السودد يدخل تحتها كلّ ما يوصف به سادات أشرف العرب من كل فضيلة. حدثني أخي يحيى بن أبي الحسن وكان عالمًا بأيام الناس وكان عهدي بهذا يحيى ومشايخنا مثل خالي محمد وأبي ونظرائهما يمشون إلى منزل هذا يحيى ولا يردون ولا يصدرون إلا عن رأيه ومشورته.
قال لي لو كان عمّك على بن زيدان في زمن نبي لكان حواريًّا له أو صدّيقًا لفرط سودده وحدّثني الفقيه محمّد بن حسين الأوقص وكان صالحًا قال والله لو كان على بن زيدان قرشيًّا ودعانا إلى
[ ٨ ]
بيعته لمتنا تحت راية لاجتماع شروط الخلافة فيه ما عدا النسب فإن النبي عم يقول الأئمة من قريش وقلت لأخي يحيى يومًا يا هذا إنّ الناس يلهجون بتفضيل جدّيك المثيب بن سليمان وزيدان بن أحمد على كثير من أسلافهما وأراكم تفضّلون عمّك عليّا عليهما فقال هما كما يحكى لك عنهما ولكن والله ما يعشران عليّا في خصلة من خصال أشراف العرب وذلك أن علينا لم يكن يغضب ولا يقذع في القول ولا يجبن ولا يبخل ولا يضرب مملوكًا أبدًا ولا يردّ سائلًا ولا عصى الله تعالى بقول ولا فعل وهذه همّة الملوك وأخلاق الصدّيقين وحسبك أنّه حجّ أربعين حجّة وزار النبي ﷺ عشر زيارات ورأى النبي ﷺ في النوم خمس مرّات وأخبره بأمور لم يُخرم منها شيء وقلت لأخي يحيى يومًا من القائل في جدّيك المثيب بن سليمان وزيدان بن أحمد.
[وافر]
إذا طرقتك أحداث الليالي ولم يوجد لعلّتها طبيبُ
وأعوز من يُجيرك من سطاها فزيدانٌ يجيرك والمثيبُ
هما ردًّا على شتيت ملكي ووجه الدهر من رغمٍ قطوب
وقاما عند خذلاني بنصري قيامًا تستكين به الخطوبُ
[ ٩ ]
فقال هو السلطان على بن حبابة الفرودي كان قومه قد أخرجوه من ملكه وافقروه من ملكه وولوا عليهم أخاه سلامة فنزل بهما فسارا معه في جموع قومهما حتى عزلا سلامة ووليّا عليا وأصلحا له قومه وكان له قومه وكان الذي وصل إليه من برّهما وأنفقاه على الجيش في نصرته وحملا إليه من خيل من إبل وما ينيف على خمسين ألفًا من الذهب قال يحيى وفي أبي وخالي يقول مدبرٌ الشاعر الحكمي من قصيدة طويلة.
[كامل]
أبواكما ردًّا على ابن حبابة ملكًا تبدد شمله تبديدًا
كفل المثيب عن الحسام بعوده مذ صال زيدان به فأعيدا
وبنيتما ما شيّدا من سوددٍ قدما فأشبه والدٌ مولودًا
قلت ليحيى فهل لعمّك علي مثل هذه النقبة العظيمة قال أنت صبي جاهل بل والله أمثالٌ في فنون لسودد ومكارم في سبيلي الدين والدنيا لا يصبر على احتمالها أحد سواه وحدّثني أبي قال مرض عمّك علي مرضًا أشرف فيه على الموت ثم أبل منه
[ ١٠ ]
فأنشدته لرجل من بني الحارث يدعى سلم بن شافع كان قد وفد عليه يستعينه في ديّة قتيل لزمته فلمّا شغلنا بمرض صاحبنا ارتحل الحارثي إلى قومه وأرسل إلي بقصيدة منها [وافر]
إذا أودى ابن زيدانٍ عليٌّ فلا طلعتْ نجومُك يا سماءٌ
ولا اشتمل النساءُ على حَنين ولا روّى الثّرى للسحب ماءٌ
على الدنيا وساكنِها جميعًا إذ أودي أبو الحسن العفاءُ
قال: فبكى عمّك وأمرني بإحضار الحارثي ودفع له ألف دينار وساق عنه الديّة بعد ستّة أشهر وكان إذا رآه أكرمه ورفع مجلسه وأخبرني خالي محمّد بن المثيب وكان في أخوالي بنى الخطّاب مثل والدي في بني زيدان بن أحمد قال أجدب الناس في بعض السنوات وهلكت المواشي وانقطعت الخضر من نبات الأرض فلا تعلم ومرّت علينا فرقاناتٌ سيّارةٌ وكان بعضها لعلي بن زيدان فأخذ منها مائتي ناقةٍ لبونٍ أربع مائة بقرةٍ ففرّقهما على المقلّين من الناس على جهة المنحة
[ ١١ ]
دون التمليك والمنحة عند العرب عاريّة الحيوان اللبون والإباحة لدرّها دون ملكها فلمّا أخصب الناس واستغنوا شرعوا في ردّها إليه فوهب لكل إنسان ما كان منها في يده وأذكر وأنا طفل عمري ثماني سنين أن معلّمي واسمه عطيّة بن محمد بن محمد حرام بعثني إلى عمي علي ومعي لوح في إصرافه وتسمّى عندنا في اليمن الرّفعة وقال امض إلى الشيخ بهذا اللوح فلعله يدفع لنا بقرة لبونا فلمّا وصلت إليه ضمّني وأجلسني في حجره وتصفّح اللوح وكان فيه سورة ص ثم قال كم ندفع للأديب يا أبا حمزة قلت بقرة لبونًا فضحك ثم أمر له بمائة بقرة لبون معها أولادها ووهب له غلّة أرض زراعة سمسم حصل له منها ما ينيف على ألفي أردب من السمسم خاصة. وأما سعة أمواله فلم تكن تدخل تحت حصر بل كان الفارس يمشي من صلاة الصبح إلى آخر الساعة الثانية في فرقانات من الأنعام الثلاثة الإبل والبقر والغنم كلّها له وكان يسكن في مدينة منفردة من
[ ١٢ ]
البلد الكبير وأمر الناس مردود إلى والدي وخالي فأدركت الناس يقفون قيامًا بين أيديهما فإذا حضر عمّي علي كانا من جملة من يقف بين يديه وينطمس أمرهما بحضوره فلا يذكران ولا غيرهما حتى ركب مشيًا بين يديه وفي ركابه حتى يأمرهما بالركوب وكانت له حلّة كبيرة تسمّى حلة الصدقة يعزل فيها زكاة المواشي وقرية أخرى يخزن فيها غلال الزكاة الواجبة عليه وتسمّى قرية الزكاة وسمعت أبي وغيره يقول ما كان الفريك ينقطع عن علي بن زيدان في كل شهر طول السنة بل في كل شهر زرع وحصاد وذلك لكثرة ما يزرعه من بلاده وأما حماسته وشدّة بأسه فيضرب بها المثل وهي شيء يزيد على ما اعتاده الناس بنوع من التأييد وذلك أنه لم يكن أحد يقدر أن يجرّ قوسه وكان إذا رمى السهم أقسم أن سهمه لا يخطئ إلا أن ينكسر فوقه أو القوس أو ينقطع الوتر وكان سهمه ينفذ من الدرقة ومن الإنسان الذي تحتها ولم يكن الزّرد المدفون
[ ١٣ ]
بالخفاتين يحرز من سهمه ولا يمسكه وحجّ في بعض السنوات فاجتاز بعرب من جرش فحلفوا عليه وأضافوا فلما عاد من مكة وافق وصوله إليهم غارةً من عرب آخرين عليهم اجاحوهم وسبوا النساء وساقوا المواشي بعد أن قتلوا الرجال وكان لا يحجّ إلا وسلاحه كله محمول على بعير آخر وربّما حجّ من خيله بأفراس يجنبها إذ ليس بيننا وبين مكة غير تسعة أيام فنظر إلى ثنيّه بين جبلين لا طريق لهم غيرها وكانوا زهاء مائة فارس ومائتي من الرجالة وقاتلهم فنصره الله عليهم وخذلهم وأوسع الجرحى والقتلى فيهم فانهزموا واسترد المال والنساء فقالت له امرأة من جرش. [طويل]
أبا حسن اعتقت بالسيف نسوةً تجرُّ بأيدي العائثين شعورها
وانقذت سعدى من يد ابن مقرّبٍ وما في البدور التمّ إلا نظيرهما
أتخت لها يوم الثنية ناصرًا وليس لها من قومها من يجيرها
[ ١٤ ]
وحين عاد إلى الثاية أمر بدفن القتلى وتعلّق النساء به فارتحل بهنّ وبالمواشي حتّى قدم بهن إلى بلده فزوّجهن لقومه وكانت فيهن خمسة عشر امرأة من العقائل المعدومات ومنهن المياسة ابنة ثابت بن عرفجة وهو رئيس قومها وأدركتها ولا يحسن الوصف أن يأتي على محاسنها وتزوجها رجل من قومها دميم الخلقة وكان الناس يعجبون من جمالها ودمامته وحسنها وقبحه فاذكر ليلة أنّهما تخاصما إلى والدي فقال زوجها إني فد عجزت عن الاحتمال والصبر على ما اسمعه من كثرة الإعجاب وقولها لست من رجالي ولا أنا من نسائك فإن أجرتني منها أجبتها قال له الشيخ لست لأجير عليها إلا بأمرها قالت أجره ليقل ما أراد قال زوجها فإني خير منك لأني أبول فيك قال الشيخ فلا والله ما انقطعت ولا خجلت بل قالت له على الفور من غير رويّة إنك لم تأت بشيء ولا أفلحت وإنما افتخرت بأستين يلتقيان وأستك أوّل منهزم منهما فضحك الناس من
[ ١٥ ]
فصاحتها وحسن جوابها الذي ردّ الفضيلة رذيلة، والغنيمة هزيمة وهذه المادة من حسن العبارة وفضيلة البلاغة شيء خصّ الله به أمة العرب دون سائر الأمم وكان الناس في أشهر القيظ يسرحون أموالهم قبل الفجر إلى واد معشب مخصب مسبع بعيد من البلد يقال له وفيه من عبيد الحكميين طوائف متغلبة نحو من ثلاثة ألف راجل قد حموا ذلك الوادي وما جاوره بالسيف ومن ظفروا به من مواليهم نهبوه وقتلوه وهم معتصمون في شعفات الجبال وصياصيها لا يقدرون عليهم وكان العدد الذي يحرس المال ويسرّح معه في كل يوم خمس مائة قوس ومائة فارس تحرسه من العبيد المتغلبة فشكا الناس إلى علي بن زيدان أنّ فيهم من قد طالت شعره وانقطع حذاؤه ووتره وسألوه أن ينظر لهم في من ينوب عنهم يومًا واحدًا ليصلحوا أحوالهم فنادى مناديه بالليل من أراد أن يقعد فليقعد فقد كفى
[ ١٦ ]
ثم أمر الرعاء فسرّحوا على عاداتهم وركب وحده فرسًا له نجديًّا من كرام الخيل سبقًا وأدبًا وجنّب حجرًا له تسمى الحرية لا تخجل الريح إذا سبقتها، ولا البروق إن لحقتها فما هو إلا أن وردت الأنعام ذلك الوادي حتى خرج عليه العبيد المتغلبون فاستاقوها وقتلوا من الراء تسعة رجال وركب الرجل فأدرك العبيد وهم سبع مائة راجل أبطالٌ فقال لهم ردّوا المال وإلا فإنا علي بن زيدان فتسرّعوا إليه فكان لا يضيع سهمًا إلا بقتيل منهم حتى إذا ضايقوه اندفع عنهم غير بعيد فإذا ولّوا كرذ عليهم فنال منهم ما يريد ولم يزل دأبه دأبهم حتّى قتل منهم خمسة وتسعين رجلًا فطلب الباقون أمانة ففعل وأمرهم أن يدير بعضهم كتاف بعض ففعلوا وأخذ جميع أسلحة الأحياء والقتلاء فحملها بعمائمهم على ظهور الإبل وعاد والعبيد بين يديه أساري وقد كان بعض الرعاء هرب في أول النهار فنعاه إلى الناس وأنّه قتل فخرج الناس أرسالًا حتى لقوه عند صلاة العصر.
[ ١٧ ]
خارجًا من الوادي والمواشي سالمة والعبيد أسارى قال لي أبي أذكر أنّا لم نصل تلك الليلة صحبة عمذك إلى المدينة حتى كسرت العرب على باب دارى ألف سيف حين قيل لهم أن عليّا قتل وامتد الخبر إلى نبي الحارث وكانوا خلفًا فأصبح في منازلهم سبعون فرسًا معقورة وثلاثمائة قوس مكسورة والعرب تفعل ذلك إذا قتلت أشرافها وولاة أمرها ثم اصطنع العبيد واعتقهم وردّ عليهم أسلحتهم وثيابهم وتكلّفوا له أمن البلاد من عشائرهم ولم يكن منهم بعد ذلك مكروه إلى أحد من بلاده وكان السفهاء والشباب منّا ومن أخوالي لا يزالون يجني بعضهم على بعض جنايات تنتقل من الصغائر إلى الكبائر وربّما كثر فيها الجرحى ثم القتلى وبين منازلهم ومنازلهم ميدان واسع يلتقى الناس فيه فأي الفريقين غلب ملك الميدان فأذكر عشيّة أن القوم هزمونا حتى أدخلونا البيوت وهم في تلك الحال حتى قيل لهم هذا علي قد اقبل فنهزموا حتى مات منهم تحت أرجل الناس ثلاثة رجال ولمّا جاز علي ذلك النيدان نزل عن فرسه فجلس فيه ثم أرسل إلى خالي محمّد فخرج إليه
[ ١٨ ]
فأصلح بين الناس ولم تمض إلا أيام قلائل حتى ثارت الفتنة بينهم وكان لخالي محمّد تسع بنات وله ابن واحد اسمه العاطف وكان الناس يضربون به المثل في السودد والكرم ولشجاعة حتّى بلغ من حبّ عمّي علي بن زيدان في العاطف أنه جهّز ابنة له يقال لها زينب بمال كثير جزيل ثم دعا العاطف إلى مجلس الدخول فعقد به عليها وأدخله إليها من ساعته ولم يكلفه درهمًا واحدًا ولا كان عنده من ذلك علم ولا أعلم أباه بذلك ولا أبي حتى كان من قتال هؤلاء وقعة أخرى أجلت للسفهاء عن العاطف قتيلًا بين أبياتنا فحمل إلى منزل والدي وكان والده محمّد بن المثيب غائبًا فقدم في تلك الليلة وفي كل دار من منازلنا ومنازل أخوالي متاحة على ابنه العاطف فجّر بين الناس ذمّة وأمانًا تلك الليلة ودفن العاطف في مقبرنا فلمّا أصبح الناس نادى مناديه إني قد أهدرت دم ابني فلا يحمان
[ ١٩ ]
أحد سلاحًا وانصرف الناس من جنازته والذي كان تولى قتله هو ابن عمّي يسمى حمزة بن حسين وكان بطلًا من الأبطال لا يصطلى بناره وكان عمّي علي يقول إذا غبت عن حرب يحضرها حمزة فلم أغب ولما كان بعد ثلاثة أيام ظفر عمّي علي بهذا حمزة فأدار كتافه ومشى به إلى قبر العاطف فضرب رقبته ثم تمثّل وهو يبكي عليه بقول الشاعر.
[كامل]
أبكيك ملء مدامعي متحرّقًا وأقول لا شلّت يمين القاتل
فلم يقاتل أحد أحدًا منهم بعد ذلك ومات علي بن زيدان سنة ست وعشرين وخمسمائة وتبعه خالي محمد سنة ثمان وكان أبي يتمثّل بعدهما بقول الشاعر.
[كامل]
ومن الشقاء تفرّدي بالسود
وتماسكت احوال الناس بوالدي إلى سنة تسع وعشرين وفيها أدركت الحلم ثم أراد الله إنفاذ قدره فيهم فمنعنا الغيث سنة
[ ٢٠ ]
كاملة وبعض أخرى حتى هلك الحرث والنسل ومات الناس في بيوتهم فلم يجدوا من يدفنهم وعمّت قطيفة البلوى فخرجت عنذا سنة ثلاثين وخمسمائة ونحن من أشبه الناس حالًا وفينا بعض التماسك بسبب مال كانت والدتي ورثته عن أبيها المثيب بن سليمان واستغنت عنه حتى احتاجت إليه في وقت الشدّة.
وفي سنة إحدى وثلاثين دفعت لي والدتي مصوّغًا لها لألف دينار ودفع لي أبي أربع مائة دينار وسبعين وقالا لي تمضي مع الوزير مسلم بن سخت إلى زبيد وتنفق هذا المال عليك ولا ترجع إلينا حتى تفلح فقد احتسباك عند الله وصبرنا عنك وكان بينا وبين زبيد في مهبّ الجنوب تسعة أيام فانزلي الوزير في داره مع أولاده ولازمت الطلب فأقمت أربع سنين لا أخرج من المدرسة إلا لصلاة يوم الجمعة ثم زرت الوالدين في
[ ٢١ ]
السنة الخامسة ورددت ذلك المصوغ إلى الوالدة ولم احتج إليه هذه إشارة إلى ما كنت ذكرته من التعريف بحالي وطنًا ونسبًا على جهة الاختصار وتخفيفًا عن كل سمع فقير من النسب والحسب ممن لعلّه أن يغتاظ من نبذة يسيرة أوردتها وأنا في إيرادها كما روى عن بعض ولاة خرسان حين خطب الناس فقال إن الله تعالى خلق السموات والأرض في ستة أشهر فقيل له هذا إنما قال في ستة أيام فقال أمرأته طالق لقد قلت ستة أشهر وأنا مستحي منكم أن تكذبوني، ودخل بعض الهاشميين من ولد العباس على أبي جعفر المنصور فأكثر الهاشمي ذكر والده والترح ذم عليه فزبره الربيع وقال لا يترح
ذم على أحد بحضرة أمير المؤمنين فقال الهاشمي للربيع أنت معذور لأنك لم تذق لذّة الآباء ولم تعرف لهم شرفًا وإنما أنت لقيط ثم نهض.
فصل في ذكر الطاف الله ﷿ وحسن ما صنعه لي في تقلّبات الأيام وتغاير الأحوال بي فمن أول ما صنعه الله
[ ٢٢ ]
تعالى ذكره معي وله الحمد على نعمة التي لا تحصي ولا تعد وألطافه التي لا تحدّ أنّي تفقّهت وقال الله تعالى فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا في الدين ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم وقال عم من يرد الله به خيرا يفقه في الدين وأقمت في زبيد ثلاث سنين وجماعة من الطلبة يقرؤون عندي مذهب الشافعي والفرائض في المواريث ولي في الفرائض مصنّف يقرأ في اليمن ولما كان في سنة تسع وثلاثين زارني والدي وخمسة من أخوتي إلى زبيد وأنشدته شيئًا من شعري فاستحسنه ثم قال تعلّم والله أنّ الأدب نعمة من نعم الله عليك فلا تكفرها بذم الناس واستحلفني أن لا أهجوا مسلمًا قط ببيت شعر فأقسم الصالح على أن أجيبه ففعلت متأولًا
[ ٢٣ ]
لقول الله ﷿ ولمن بعد ظلمه فأولئك ما عليهم من سبيل وقوله تعالى فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم ولم يكن شيئًا غير هذا.
فصل ومن الطاف الله التي يجب شكرها، ويحسن ذكرها أنني حججت مع الملكة الحرّة أم فاتك ملك زبيد وكانت تقوم لأمير الحركين بجميع ما يتناوله من حاجّ اليمن برًّا وبحرًا وبجميع خفرات الطريق والأدلاء ومقدِّمي العربان والأشراف ومبلغ ذلك جملة كبيرة فربما حجّ معها أهل اليمن في أربعة ألف بعير أو خمسة ويسافر الرجل منهم بجريمة وأولاده والمواشي التي
[ ٢٤ ]
يذبحون منها ويحلبون درذها ومعهم المطابخ والاسرة وجميع ما يحتاجونه وكأنهم خارجون في نزهة فاذكر ليلة وقد سئمت ركوب المحمل أنّي ركبت جملًا نجيبًا وحين تهوّر الليل أنست عن يميني حسًّا فعدلت إليه فوجدت هودجًا مفردًا والبعير يرتعي فناديت مرارًا كثيرة يا أهل الجمل يا جمّال فلم يكلّمني أحد فدنوت فإذا امرأتان نائمتان في الهودج وأرجلهما خارجة عنه ولكل واحدة منها زوج خلخال من الذهب فسلبت الزوجين من أرجلها وهما لا يعقلان فأخذت بخطام الجمل حتى أبركته في المحجّة العظمى وعقلته وبعدت عنه بحيث أشاهد حتّى قد مرت قافلة من آخر الناس فانشطوا عقال البعير وساقوه معهم فلما أصبح الناس وإذا صائح ينشد الضالّة ويبذل لمن ردّها مائة مثقال وإذا هما أمرأتان لبعض أكابر أهل زبيد نام الجمّال عنهما فعدل البعير عن الطريق وكانت عادة الحرّة أن تمشي في ساقة الناس ولا يمشي بعدها أحد فمن نام أيقظته ومن انقطع حملته وكانت لها مائة بعير برسم حمل المنقطعين وحين تنصّف الليلة الثانية تأخرت حتى مرّ بي محملها فتبادر الغلمان إلي قالوا ألك
[ ٢٥ ]
حاجة قلت الحديث مع الحرّة في خلوة ففعلوا ذلك وأخرجت رأسها إلى من سجف الهودج فناولتها الوجين الخلاخل وبلغني أن وزنها ألف مثقال فقالت ما اسمك ومن تكون فقد وجب حقّك فاعلمتها بذلك وبصورة الحال التي وجدت الأمرأتين عليهما ويا سبحان الله فما كان أبركها من ساعة لأني حصل لي منها جانب قوي وصورة جميلة وشفاعة مقبولة، ووجاهة مبذولة وتقدّم على الأكابر من الفقهاء وأعيان الخواص وتسهيل الوصول إليها أي وقت شئت والاستظهار بي على التوسيط فيما بين الناس ومن صحبتي لها ومعرفتي بها حصل لي معرفة الوزير القائد أبي محمد سرور الفاتكي وهو القائم بدواتها ودولة فاتك صاحب زبيد وبمعرفتها كسبت مالًا جزيل وذلك أن الشيخ السعيد بلال بن جرير الداعي بعدن غزا أسطوله سواحل زبيد فقتل ونهب وأحرق فانقطع الناس عن السفر من زبيد إلى عدن ومن عدن إلى زبيد مدّة ثلاث سنين فقضى ذلك برخص بضائع كل بلد منهما وغلائها في البلد
[ ٢٦ ]
الأخرى حتّى صار ما يسوى دينار بربع دينار وما يسوى دينارًا في البلد الأخرى بأربعة دنانير فأذنت لي الحرة هي والقائد سرور في السفر إلى عدن دون الأسود والأحمر ودفع لي كل واحد منهما ألوف من المال وتذكرة بما يشتري من عدن فقال اشترِ بهذا المال من البضائع الرخيصة بزبيد وما حصل فيه في عدن من فائدة فهي لك واتبع لنا برأس المال من عدن ما في التذكرة فحصل لي من المال ما لا مزيد عله وحصلت لي صحبة أهل عدن ووصلت من مودتهم إلى غاية من الاختصاص والمساهمة فإما الصلات الغامرة، والخلع الفاخره، والهدايا الجزيلة والتحف المذخورة فشيء يكثر وصفه وامتد هذا الشوط من سنة ثماني وثلاثين إلى سنة ثماني وأربعين ما من أهل دولتي زبيد إلا من يغار على نصيبه من مجالستي ومؤانستي ويطلقون ما وصل من البضائع باسمي من الهند ومن
[ ٢٧ ]
عدن ومن زبيد ومن مكة ومن عيذاب برًّا وبحرًا فقضى ذلك باتساع الحال وذهاب الصيت حتى كان القاضي أبو عبد الله محمد بن أبي عقامة الحفائلي وهو رأس أهل العلم والأدب بزبيد يقول لي: أنت خارجي هذا الوقت وسهيده لأنك أصبحت تعد من جملة أكابر التجّار وأهل الثروة ومن أعيان الفقهاء الذين أفتوا ودرسوا غيرهم ومن أفضل أهل الأدب منزلة وأفصحهم عارضة فإما الوجاهة عند أهل الدول المتباعدة ونعمة خدّك بالطيب واللباس وكثرة السراري فوالله ما أعرف من يعشرك فيه فهنيئًا لك فكأن والله بهذا القول نعي إلي حالي وذهاب مالي وذلك أن كتاب الداعي محمد بن سبأ صاحب عدن جاني من ذي جبلة يستدعي وصولي إليه فاستأذنت أهل زبيد فأذنوا لي على غش ودخلٍ من فساد الباطن وكانت للداعي بيدي خمسة آلاف مثقال سيرها معي أبتاع له بها أمتعة من مكة وزبيد فلمّا قدمت إلى ذي جبلة وجدته خارجًا عنها
[ ٢٨ ]
في حصن ومستنزه يقال له الضربجان وقد دخل فيه
عروسًا على ابنة السلطان عبد الله بن أسعد بن وائل مذ ثلاثة أيام ولم يصل إليه أحد وكانت جماعة التجار واعيان من أماثل الناس مثل بركات بن المقرى وحسن بن الحمار ومرجّي الحراني وأبي الحسن علي بن محمد النيلي والفقيه أبي الحسن علي بن المهدي القائم الذي قام باليمن أزال دولة أهل زبيد وغيرهم وكان الجميع قد سبقوني بمدة ولم يوصلهم الداعي إليه فلمّا وصلت إلى ذي جبلة كنيت إليه قول المتنبي.
[كامل]
كن حيث شئت تصل إليك ركابُنا فالأرض واحدة وأنت الأوحدُ
ثم تبعت ذلك برقعة مضمونها طلب الأذن في الاجتماع به فكتب بخطه على ظهر رقعتي ما مثاله.
[خفيف]
مرحبًا مرحبًا قدومك بالسع د فقد أشرقت بك الآفاقُ
لو فرشنا الأحداق تطأهن ن لقلت في حقك الأحداق
[ ٢٩ ]
وكان هذان البيتان مما حفظه عن جارية مغنيّة كنت أهديتها إليه واتفق أن الرقعة وصلت مفتوحة بيد غلام جاهل فلم تقع في يدي حتى وقفت الجماعة وركبت إليه فأقمت عنده في المستنزه أربعة أيام بلياليها فما من الجماعة إلا من كتب إلى أهل زبيد بما يوجب سفك دمي ولا علم لي حسدًا منهم وبغيًا مما تمّموا به المكيدة علي ونبوه إلى أن علي بن مهدي صاحب الدولة اليوم باليمن التمس من الداعي محمد بن سبأ أن ينصره على أهل زبيد فسألني الداعي أن أعتذر عنه إلى علي بن مهدي لما كان بيني وبين ابن مهدي من أكيد الصحبة والاختصاص في مبادئ أمره لأني لم أفارقه إلا بعد أن استفحل أمره وكشف القناع في عداوة أهل زبيد فتركته خوفًا على مالي وأولادي لأني مقيم بينهم وحين رجعت إلى زبيد من تلك السفرة وجدت أولئك القوم قد كتبوا إلى أهل زبيد في أمري كتبًا مضمونها إن فلانًا كان الواسطة بين الداعي وبين ابن مهدي وقد انعقد الأمر بينهما بوساطته على
[ ٣٠ ]
حربكم وزوال دولتكم فاقتلوه فحدّثني الشيخ جيّاش بن اسماعيل قال أجمع رأي أهل زبيد على قتلك في بكرة يوم الجمعة الثاني من شهر ربيع الآخر سنة ثماني وأربعين فلما كان آخر الليل جاءهم خبر محمد بن أبي الأغر ونفاقه وخروج الراجل معه وزحفه إلى تهامة فأزعجهم ذلك واشتغلوا عني مدة سبعة عشر يومًا وحين عادوا إلى زبيد ذكرهم بي رجل كنت أحسنت إليه وإنما حاسد النعمة لا يرضيه إلا زوالها بي القائد اسماعيل بم محمد جليس الملك فاتك فقال سلام عليكم وهو راكب مجتاز لم يقف ثم قرأ قوله تعالى يا موسى إنّ الملأ يأتمرون بك ليقتلوك فاخرج إني لك من الناصحين فلم ينتصف الليل حتى خرج الملك فاتك وعساكره إلى وادي حيس في نصرة القائد علي بن مسعود على البارزة والنوبة فمكثوا شهرًا وعادوا فحملت إلى رجل منهم يقال له العريف كثيرٍ ملًا مثل اسمه كثيرًا حتى أجارني ريث ما خرجت حاجّا بل هاجّا إلى مكة سنة تسع وأربعين وخمس مائة وفي موسم هذه السنة مات أمير
[ ٣١ ]
الحرمين هاشم بن فلتيه وولي الحرمين ولده قاسم بن هاشم فالزمني السفارة عنه والرسالة منه إلى الدولة المصرية فقدمتها في شهر ربيع الأول سنة خمسين وخمس مائة والخليفة بها يومئذ الإمام الفائز بن الظافر والوزير له الملك الصالح طلائع ابن رزيك فلما أحضر للسلام عليهما في قاعة الذهب في قصر الخليفة أنشدتهما قصيدة أولها.
[بسيط]
الحمد للعيس بعد العزم والهممِ حمدا يقوم بما أولتْ من النّعمِ
لا أجحدُ الحقَّ عندي للركاب يدٌ تمنّتِ اللخمُ فيها رتبةَ الخطمِ
قربنَ بُعدَ مزار العزّ من نظريّ حتى رأيتُ إمامَ العصر من أممِ
ورحنَ من كعبةِ البطحاء والحرمِ وفدا إلى كعبة المعوف والكرمِ
فهل درى البيتُ أني بعد فرقته ما سرتُ من حرمٍ إلا إلى حرمِ
حيث الخلافةُ مضروب سرادقُها بين النقيضينِ من عفوِ ومن نقمِ
[ ٣٢ ]
وللإمامة أنوار مقدّسة تجلو البغيضينِ من ظلمٍ ومن ظُلَمِ
وللنبوة آيات تنصُّ لنا على الخفيينِ من حُكمِ ومن حِكمِ
وللمكارم أعلام تعلّمُنا مدح الجزيلينِ من بأس ومن كرمِ
وللعلى ألسنُ تثني محامدها على الحميدين من فعلٍ ومن شيمٍ
ورايةُ الشرف البذاخ ترفعها يد الرفيعينِ من مجدٍ ومن هِممِ
أقسمت بالفائز المعصوم معتقا فوزَ النجاة وأجرَ البرّ في القسمِ
لقد حمى الدينَ والدنيا وأهلهما وزيره الصالح الفرّاجُ للغمم
اللابس الفجر لم تنسج غلائله إلا يد الصنعين السيف والقلمِ
وجوده أوجد الأيام ما اقترحتْ وجوده أعدم الثاكينَ للعدمِ
قد ملكتْه العوالي رقّ مملكةٍ تعير أنف الثريذا عزةَ الشّممِ
أرى مقامًا عظيم الشأن أوهمني في يقظتي أنها من جملة الحلمِ
يوم من العمر لم يخطر على أملي ولا ترقّت إليه رغبةُ الهممِ
ليت الكواكب تدنو لي فأنظمها عقود مدحٍ فما أرضى لكم كلمي
[ ٣٣ ]
ترى الوزارة فيه وهي باذلةٌ عند الخلافة نصحا غير متّهمِ
عواطف علمتنا أن بينهما قرابة من جميل الرأي لا الرّحمِ
خليفة ووزير مدّ عدلهما ظلًا على مفرق الإسلام والأممِ
زيادة النيل نقصٌ عند فيضها فما عسى يتعاطى منه الديمِ
وعهدي بالصالح وهو يستعيدها في حال النشيد مرارًا والأستاذون وأعيان الأمراء والكبراء يذهبون في الاستحسان كل مذهب ثم أفيضت على خلع من ثياب الخلافة مذهّبة ودفع لي الصالح خمس مائة دينار وإذا بعض الأستاذين قد أخرج لي من عند السيدة الشريفة بنت الإمام الحافظ خمس مائة دينار أخرى وحمل المال معي إلى منزلي وأطلقت لي من دار الضيافة رسوم لم تطاق لأحد من قبلي وتهادتني أمراء الدولة إلى منازلهم للولائم واستحضرني الصالح للمجالسة ونظمني في سلك أهل المؤانسة وأنثالت على صلاته وغمرني برّه ووجدتُ بحضرته من أعيان أهل الأدب الشيخ الجليس أبا المعاني ابن الحباب والموفق ابن
[ ٣٤ ]
الخلال صاحب ديوان الإنشاء وأبا الفتح محمود بن قادوس والمهذّب أبا محمد الحسن بن الزبير وما من هذه الحلبة أحد إلا ويضرب في الفضائل النفسانيّة، والرئاسة الإنسانية، بأوفر نصيب، ويرمي شاكلة الإشكال فيصيب، وما زلت أحذو على طرائقتهم، وأعرض جذعى في سوابقهم، حتى أثبتوني في جرائدهم ونظموني في سلك فرائدهم، هؤلاء جلساؤهم من أهل الأقلام وأما أهل السيوف والأعلام فمنهم مجد الإسلام ولده وصهره سيف الدين حسين وإخزان فارس المسلمين بدر بن رزيك وعز الدين حسام قريبه وهؤلاء هم أهله فإما غيرهم من أمراء دولته المختصين بمجالسته في أكثر أوقاته فمنهم ضرغام ونال الوزارة ومنهم على بن الزّبد ويحيى بن الخياط ورضوان بن جلب راغب وعلي هوشات ومحمد بن شمس الخلافة وعهدي بالصالح وقد أنشدته يومًا وهو في القبو من دار الوزارة قصيدة أقول منها [طويل]
دعوا كلّ برق شمتمُ غير بارق يلوح على الفسطاط صادقَ بشرهِ
[ ٣٥ ]
وزوروا المقام الصالحي فكلُّ من على الأرض ينسى ذكرهُ عند ذكرهِ
ولا تجعلوا مقصودكم طلب الغني فتجنّوا على مجد المقام وفخرهِ
ولكن سلوا منه العلى تظفروا بها فكل أمرئ يرجى على قدر قدرهِ
رمى الخريطة إلي فوجدت مائة دينار وخمسين رباعيًا ومدحته في شعبان سنة خمسين وخمس مائة بقصيدة منها.
[كامل]
قصدتك من أرض الحطيم قصائدي حادي سراها سنّةٌ وكتابُ
إن تسئلا عمّا لقيت فإنني لا مخفقٌ أملي ولا كذابُ
لم أنتجع ثمد النطاف ولم أقفْ بمذانب وقفت بها الأذنابُ
لكن وردتُّ قرارة العزّ التي تغدو عبيدًا عندها الأربابُ
عثرت به قدمُ الشتاء ولا لعا إن لم يقلها رفعة وثوابُ
[ ٣٦ ]
فألقى إلى الخريطة فوجدت فيها ثلاثة وسبعين دينارًا وودّعت الخليفة والوزير بقصيدة جاء منها في ذكر الرجوع إلى مكّة واليمن قولي.
[كامل]
قصدتك من أرض الحطيم قصائدي حادي سراها سنّةُ وكتابُ
إن تسئلا عمّا لقيتُ فإنني لا مخفقٌ أملي ولا كذّابُ
لم أنتجع ثمن النطاف ولم أقفْ بمذانبٍ وقفتْ بها الأذنابُ
لكن وردت قرارة العزّ التي تغدو عبيدًا عندها الأربابُ
عثرتْ به قدمُ الثناء ولا لعا إن لم يقلها رفعة وثوابُ
فألقى إلى الخريطة فوجدت فيها ثلاثة وسبعين دينارًا وودعتُ الخليفة والوزير بقصيدة جاء منها في ذكر الرجوع إلى مكّة واليمن قولي.
[كامل]
من لي بأن تردَ الحجازَ وغيرها أخبار طيبِ مواردي ومصادري
زارت بي الآمالُ أكرمَ ساحةٍ فوق الثّرى فغدوتُ أكرم زائرِ
ووفدتُ ألتمس الكرامة والغنى فرجعت من كلٍ بحظٍ وافرٍ
فكأنّ مكة قال صادقُ فألها سافرْ تعدْ نحوي بوجهٍ سافرٍ
فأوسعني إكرامًا توقيرًا وإنعامًا توفيرًا وعهدي بسيف الدين حسين وهو بقول للتوزرىّ وكان يتولى الرسالة عن الخليفة إلى الوزير ثلاثمائة دينار تسفير له من الخليفة قليل فاستحملوا من الرجلُ فما جاءكم مثله وزيدوه مائتي دينار تكون الوفادة خمس مائة دينار والتسفير خمس مائة ففعلت السيدة الشريفة ست القصور ذلك ومما ودّعت به الصالح في دار الوزارة قصيدة منها.
[ ٣٧ ]
[كامل]
قد قلت للآمال وهي مسيرةٌ عزّا يخاف مذلة المسترزقِ
ومنها:
وتيقّني أن قد وقفتِ بموقفٍ أدنى مواهبه العُلى وتحقّقي
أعزيزَ مصرٍ دعوةً من واثقٍ نفّستَ عنه خناقَ حظ موثَقِ
اعتقه من رقّ الزمان وخلّه وقف الثناءَ على ولاءِ المُعتقِ
واسمع محاسن لفظه لا حفظه كالدرّ بل أنقى من الدرّ النقي
من كل ناطقةِ المحاسن حرةٍ أجرت عليها الرقَ حرُّ المنطقِ
راحت شرود الذكر ينشر طيّها كرمًا يقيد بالثناء المطلقِ
ماشانَ عقد نطاقها ضيقٌ ولا أزرتْ عليها عقدةٌ من منطقِ
[ ٣٩ ]
إن أحسنت فلاجل إحسان سرت آمالها في ضوءه المتألّقِ
لولا ندى ماء السماحة ماغدا ماء الفصاحة مهرقًا في مهرقِ
فكتب لي على يدي كتابًا فلمّا عله صاحبُ عدن اسقط عنّي الآلاف الثلاثة وأبرأني منها فكتبتُ إلى الملك الصالح من عدن إلى مصر أشكره على ذلك قصيدة أولها.
[طويل]
لياليّ بالفسطاط من شاطئي مصرِ سقى عهدك الماضي عهادًا من القطرِ
منها في شكر الصالح ومدحه
لقد غمرتني من نداه مواهبٌ أضافت إلى عزّ الغنى شرفَ القدرِ
قصدتُ الجناب الصالحي تفاؤلًا وقد فسدت حالي فأصلحني دهري
[ ٤٠ ]
ولم يرض لي معروفه دون جاهه فسيّر كتبًا كالكتائب في أمري
كأن يدي في جانبي عدنِ بها تهزّ على الأيام ألوية النصرِ
وما فارقتني نعمةٌ صالحيّة كأني من مصرٍ رحلتُ إلى مصرِ
فلما وصلت إليه هذه القصيدة قال قد فرّطنا فيه حين تركناه يخرج من عندنا وقد كان الواجب للخدمة والصحبة وأعود إلى تأريخ انفصالي عنه سنة خمسين ثم سافرت من مصر في شوّال سنة خمسين وأدركت الحجّ والزيارة في بقيّة سنة خمسين وورد أمر الخليفة ببغداد وهو المقتفي إلى أمير الحرمين قاسم بن هاشم يأمره أن يركب على باب الكعبة المكرّمة الشريفة باب ساج جديد قد ألبس جميع خشبه فضّةً وطلي بذهب وأن يأخذ أمير الحرمين حلية الباب القديم لنفسه وأن يسير إليه خشب الباب القديم مجردًّا ليجعله تابوتًا يدفن فيه عند موته فلمّا قدمت من الزيارة سألني أمير الحرمين أن أبيع له الفضّة التي أخذها من على الباب في اليمن ومبلغ وزنها خمسة عشر ألف درهم فتوجهت إلى زبيد وعدن من مكّة حرسها الله تعالى في صفر سنة إحدى وخمسين وحججتُ في الموسم منها فدفعت لأمير الحرمين ماله وهممت بالرجوع إلى اليمن فالزمني
[ ٤١ ]
أمير الحرمين بالترسل عنه إلى الملك الصالح بسبب جناية جناها خدمه علي حاج مصر والشأم وهو مال أخذ منهم بمكة فخرج الأمر من عند الصالح إلى الوالي بقّوص أن يعوقني بقوص ولا يأذن لي في الرجوع ولا في القدوم إلى باب السلطان حتى يرد أمير الحرمين ما أخذ من مال التجار وقيل ذلك ما نقل إلى الصالح عني أني طعنت في مذهب الإمامية وكان المتشدد في ذلك صهره الأمير سيف الدين حسين بن أبي الهيجان ثم أذن لي الصالح في القدوم إلى الباب فكتبت إليه من مصر.
[طويل] .
ولي تحت دار الملك يومان لم تلح لعيني علامات الكرامة والبشرِ
وقد أخذت أيام قوصَ نصيبها فهل نقلتْ تلك السجايا إلى مصرِ
فخرج أمره بإنزالي وإكرامي وأيصالي إليه فأنشدتّه عند السلام عليه قصيدة أصف فيها وقعة العريش مع الإفرنج وأشرت فيها إلى البراءة مما نسب إلى من القول في مذهبه منها.
[كامل]
[ ٤٢ ]
فأعلمْ وأنت بما أريدُ مقاله منّى ومن كل البرية أعلمُ
إني حُسدت على كرامتك التي من أجلها في كل ارض أكرمُ
وبدون ما أسديته من نعمة سدَّىً الرجالُ الحاسدون وألحموا
إن كان ما قالوا وليس بكائن فأنا امرؤ ممن سعى بي آلامُ
عذرٌ كما اختار الحسود وموقفٌ ألزمتُ نفسي فيه ما لا يلزمُ
كذبٌ وحقك لو حلمتُ بذكره أقسمتُ أني بعده لا أحلمُ
راجعْ جميلَ الرأي في بنظرة تُضحى عواطفها تسحُّ وتسجمُ
فالليلُ إن أقبلتَ صبحٌ مسفرٌ والصجُ إن أعرضتَ ليلٌ مظلمُ
بدأتْ صنائعُك الجميلُ ومثلُها بأجلَّ من تلك البداية تختمُ
فزال ما كان عنده وعاد إلى أفضل عوائده وأمر لي بمائة دينار وخرج أمره إلى الأمير عز الدين حسام باستخراج ما تأخر لي من رسوم الضيافة من بيت المال ففعل وأمني بملازمة الخدمة في المجالسة والمواكلة والمدح له وتأكدت الحرمة وتضاعفت المزية والاختصاص وكانت تجرى بحضرته مسائل ومذاكرات
[ ٤٣ ]
ويأمرني بالخوض مع الجماعة فيها وأنا بمعزل عن ذلك أنطق بحرف واحد حتى جرى من بعض الأمراء الحاضرين في مجلس السمر من ذكر السلف ما اعتمدت عند ذكره وسماعه قول الله ﷿ فلا تقعد معهم حتى يخوضوا في حديث غيره ونهضت فخرجت فادركوني وانقطعت في منزلي أيامًا ثلاثة ورسوله في كل يوم والطبيب معه ثم ركبت بت النهار فوجدته في البستان المعروف بالمختص في خلوة من الجلساء فاستوحش من غيبتي وقال خيرًا فقلت إني لم يكن بس وجع وإنما كرهت ما جرى في حق السلف وأنا حاضر فإن أمر السلطان بقطع ذلك حضرت وإلا فلا وكان لي في الأرض سعة وفي الملوك كثرة فعجب من هذا وقال سألتك بالله ما الذي تعتقده في أبي بكر وعمر قلت اعتقد أنه لولا هما لم يبق الإسلام علينا ولا عليكم وأنه ما من مسلم إلا ومحبتهما واجبة عليه ثم قرأت قول الله
[ ٤٤ ]
تعالى ومن يرغب عن ملذة ابراهيم إلا من سغنه نفسه فضحك وكان مرتاضًا حصيفًا قد لقى في ولاياته فقهاء السنّة وسمع كلامهم ومما يلتحق بهذا الفصل أني لم أشعر في بعض الأيام حتى جاءتني منه رقعة فيها أبيات بخطّه ومعها ثلاثة أكياس ذهبًا والأبيات قوله.
[كامل]
قل للفقيه عمارةٍ يا خير من أضحى يؤلف خطبةً وخطابَا
أقبلْ نصيحةَ من دعاك إلى الهدىْ قل حطةُ زادخلْ إلينا البابا
تلقَ الأئمة شافعين ولا تجد إلا لدينا سنة وكتابَا
وعلى أن يعلو محلك في الورى وإذا شفعتَ إلى كنتَ مجابَا
وتعجلَّ الآلاف وهي ثلاثة صلةٌ وحقِكَ لا تُعدُ ثوابَا
فأجبته مع رسوله بهذه الأبيات [كامل]
حاشاك من هذا الخطاب خطابًا يا خير أملاك الزمان نصابًا
[ ٤٥ ]
لكن إذا ما أفسدت علماؤكم معمور معتقدي وصار خرابًا
ودعوتم فكري إلى أقوالكم من بعد ذاك أطاعكم وأجابا
فأشدد يديك على صفا محبّتي وأمنن على وسدّ هذا البابا
وهذه نكت من مواقع استحسانه لجيد الشعر نافق بهرام الغزي أحد غلمانه وتوجّه يد الصعيدي فأدركه العسكر فقتل أخوه وجماعة من الغزّ ودخل بهرام أسيرًا على جمل ومن معه من الغزّ وخليهم قلائع مجنوبه تحت الجمال وكان الصالح يكرر استحسانه بيت قلته من قصيدة ثابتة في الديوان وهو قولي.
[بسيط]
تسموا إبلًا تتلو قلائعهم ياعزة السرج ذرقى ذلّة القتيبِ
وكان يستحسن قولي في طرخان سليطٍ حين صلب
[ ٤٦ ]
[وافر]
وأتى دليل الحق أقوالهم ودعوت فكري عند ذاك أجابا
أراد عل منزلة وقدر فأصبح فوق جذع وهو عالِ
ومدّ على صليب الجذه منه يمينًا لا تطول على الشمالِ
ونكّس رأسه لعتاب قلبٍ دعاه إلى الغواية والضلالِ
ويستحسن [طويل]
ولو لم يكن أدرى بما جهل الورى من الفضل لم تنفق عليه الفضائلُ
لئن كان منّا قاب قوسٍ فبيننا فراسخ من إجلاله ومراحلُ
ومن هذا النمط [وافر]
أزال حجابه عني وعيني تراه من الجلالة في حجابِ
وقربني تفضّله ولكن بعدتُ مهابةً عند اقترابي
وهو شيء كثير في الديوان ولم تكن مجالس أنسه تنقطع
[ ٤٧ ]
إلا بالمذاكرة في انواع من العلوم الشرعية والادبية وفي مذاكرة وقائع الحروب مع أمراء دولته وكانت أحواله طورًا له وتارة عليه فمّما هو عليه فرط العصبية في المذهب ولو شرحت هذه الواحدة لكثرت وطالت واتسعت وعالت ومنها جمع المال واحتجانه وهذه هي غرامه وأشجانه ومنها الميل على جانب الجند وأضعافهم والقصّ من أطرافهم وأما التي له فكانت مرتاضًا قد شمّ أطراف المعارك وتميز على أجلاف الملوك الذين ليس عندهم إلا خشونة مجرّدة وكان شاعرًا محب الأدب وأهله ويكرم جليسه ويبسط أنيسه. وكان كرمه أقرب إلى الجزيل من الهزيل، ودخلت إليه ليلة السادس عشر من شهر رمضان سنة ست وخمسين وخمس مائة قبل أن يموت بثلاث ليال بعد قيامه من السماط ولم أكن رأيته من أول الشهر بليل فأمر لي بذهب وقال لا تبرح ودخل ثم خرج إلى وفى يده قرطاس قد كتب
[ ٤٨ ]
فيه بيتين من شعره عملهما في تلك الساعة وهما: [خفيف]
نحن في غفلة ونوم وللمو ت عيون يقظانة لا تنامُ
قد رحلنا إلى الحِمام سنينًا ليت شعري متى يكون الحِمامُ
ثم قال لي تأملهما وأصلحهما إن كان فيهما شيء قلت هما صالحان وكان آخر عهدي به لأنه مات بعد هذا بثلاثة أيام.
ومن عجيب الاتفاق أني أنشدت ابنه مجد الإسلام في دار سعيد السعداء ليلة السادس عشر من شهر رمضان أو السابع عشر قصيدة أقول فيها: [طويل]
أبوك الذي سطو الليالي بحده وأنت يمينٌ إن سطا وشمالٌ
لرتبته العظمى وإن طال عُمره إليك مصيرٌ واجبٌ ومآلُ
تخالَك اللحظُ المصون ودونها حجاب شريف لا انقضى وحجالُ
فانتقل المُلك بعد ثلاث ليال إليه ومما رثيته به وإن
[ ٤٩ ]
كان كثيرًا قولي: [طويل]
أفي أهل ذا النادي عليمٌ أسائلهُ فإني لما بي ذاهبُ اللب ذاهلُهْ
سمعتُ حديثًا أحسدُ الصُّمَّ عنده ويذهل واعيه ويخرس قائلُهْ
فقد رابني من شاهد الحال أنني أرى الدست منصوبًا وما فيه كافلُهْ
وإني أرى فوق الوجوه كآبةً تدل على أن الوجوه ثواكله
دعوني فما هذا بوقت بكائه سيأتيكم ظلُّ البكاء ووابله
ولِمْ لا نبكيه ونندب فقده وأولادنا أيتامه وأرملُهْ
فيا ليت شعري بعد حسن فعاله وقد غاب عنّا ما بنا الدهرُ فاعلُهْ
أيُكرَم مثوى ضيفكم وغريبكم فيسكن أو تطوى ببينٍ مراحلُهْ
وقلت فيه من قصيدة: [طويل]
[ ٥٠ ]
تنكد بعد الصالح الدهر فاغتدتْ مجالسُ أيتامى وهنّ غُيوبُ
أيُجدِب خدّي من ربيع مدامعي وربعي من نُعمَي يديه خصيبُ
وهل عنده أن الدخيل من الجوى مقيمٌ بقلبي ما أقام عَسيبُ
وإن برقتْ سِنّي لذكر حكايةٍ فإنّ فؤادي ما حييتُ كئيبُ
ورثيته بقصيدة أولها: [خفيف]
طمَعُ المرء في الحياة غُرورُ وطويلُ الآمال فيها قصيرُ
ولكم قدّر الفتى فأتته نُوَبٌ لم يُحِطْ بها التقديرُ
منها:
فَضَّ ختمَ الحياة عنك حِمامٌ لا يراعى أذنًا ولا يستشيرُ
ما تَخَطَّى إلى جلالك إلا قدرٌ أَمرُه علينا قديرُ
بذّرتْ عمرَك الليالي سَفاهًا=فسيعَلمنَ ما جنى التبذيرُ
[ ٥١ ]
يا أمير الجيوش هل لك علمٌ أن حَرَ الأسى علينا أميرُ
إن قبرًا حللتَهُ لغنىٌ إنّ دهرًا فارقتَه لفقيرُ
وبعيدٌ عنك السُّلُوُّ بشيء ولك الفكرُ موطنٌ والضميرُ
منها في صفة ابنه:
لا يقولنّ جاهلٌ بالقوافي ذهب الناقدُ السميع البصيرُ
فالمرَّجى أبو شُجاعٍ عليمٌ بمقادير هلهنّ خبيرُ
كنتُ أخشى بأن يقول المنادى أيُّها الضيف جفَّ عنك الغديرُ
فابتداني بفضله قائلًا لي لك في ظلّيَ المحلُ الأثيرُ
ثم أسدى اليدَ التي كل خِلٍّ حاسدٌ لي من أجلها وغيورُ
ملكَ القلب واللسان فهذا مضمِرٌ حبَّه وهذا شكورُ
أخبار الملك الناصر بن الملك الصالح فأما أخبار الملك
[ ٥٢ ]
الناصر العادل رزيك بن الصالح فإن الله لم يمهله إلا مديدةٌ يسيرة وكانت أفعال الخير فيها كثيرة وذلك أنه سامح الناس بالبواقي والحسبانات القديمة، وأسقط من رسوم الظلم مبالغ عظيمة، وقام عن الحاج بما يستأديه منهم أمير الحرمين وسيّر على يد الأمير شمس الخلافة إما خمسة عشر الفا أو دونها إلى أمير الحرمين عيسى بن أبي هاشم برسم إطلاق الحاج وظفر بقتلة أبيه ظفرًا عجيبًا بعد تشتيتهم في البلاد وكان زفاف أخته إلى الخليفة العاضد في وزارته ونُقل تابوت أبيه من القاهرة إلى مشهد بني له في القرافة كل ذلك في وزارته وحفر سردابًا تحت الأرض يوصل فيه من دار الوزارة إلى دار سعيد السعداء ومن محاسن أيامه وما يؤرخ عنها بل هي الحسنة التي لا توازي، واليد البيضاء التي لا تجازى، خروج أمره إلى وإلى الإسكندرية بتسيير القاضي الأجلّ الفاضل أبي على عبد الرحيم بن علي البيساني إلى الباب واستخدامه
[ ٥٣ ]
بحضرته وبين يديه في ديوان الجيش فإنه غرس منه للدولة بل للملة شجرة مباركة متزايدة النما، أصلها ثابت وفرعها في السما، تؤتى أكلها كل حينٍ بإذن ربها وحمل إلى الخليفة في زفاف أخته بيوت مال أقلها قناطير الذهب وترامت في أيامه الحال بالأمير عز الدين حسام قريبه وعظم صيته واستولى على تدبير كثير من أموره عمه فارس المسلمين وصهره سيف الدين وعظم غلمان أبيه عن الوقوف عند أوامره وفي أيامه قُتل الخارجي ابن نزار وقُتل أيضًا في أيامه المعظم بن قوام الدولة فإما فراسته فكان فارسًا يُطلق بعدة من القنطاريات ولم يُشهر له من البأس إلا خروجه بعد عمه وسيف الدين في نوبة غارة الإفرنج على أعمال الحوف فإنه أغذَّ السير خلف الإفرنج إلى أبي عروق
[ ٥٤ ]
وعاد ففرق في الجيش على بلبيس مالًا كثيرًا وحمل وخلع على أعيان والموقف الثاني إدراكه لبهرام الغزى حين نافق طالبًا للصعيد فإنه سرى فيمن خفَّ معه من الجيش حتى أدرك الغز عند الفجر فقتلهم وأسرهم وأما كرمه فلم يكن ببخيل وأبوه أكرم منه وأما فهمه فكان يعرف جيد الشعر ويستحسنه ويثيب عليه وما من هذه القضايا قضيةٌ إلا وهي مقيدة بأشعار لي ولغيري فمما قلت في غارته إلى أبي عروق في لتماس الإفرنج حين أغاروا على الحوف من قصيدة.
[بسيط]
أنت الذي يَعقد الإسلامُ خنْصَرَه عليه إن جلّ خَطْبٌ أو طرا وَطَرُ
متوَّج تشرِق الدنيا بطَلْعته وتَخجل الشمسُ مهما لاح والقمَرُ
كأن أخلاقه من حُسْنِ خِلْقته صيغت فقد راقت الأفعال والصُّوَرُ
إذا أقامت على ثغرِ صوارمُه فللنوائب عن سُكّانه سَفَرُ
[ ٥٥ ]
أغرتَ قبل أبي الغارات مقتحمًا للهول تستصغر الجُلَّى وتَحتقِرُ
فكان شمسًا وكنتَ الفجرَ يقدمُها والفجرُ في الجو قبل الشمس ينتشرُ
منها:
وحين أبليتَ عذرًا في اللحاق بهم والنصرُ يُقسم لا فاتوه والظفرُ
وقال عزمُك لما أن ألحّ ولم يَلُح له منهم عينٌ ولا أثرُ
إن ينجح منها أبو نصرٍ فعن قَدَرٍ نجا وكم قُدرةٍ قد عاقها القدرُ
وعُدتَّ نحو مقرّ العزّ في عُصَب يَفْنَى بها الأكثران الرمْلُ والمطرُ
[ ٥٦ ]
وبالصوارم في أجفانها أسفٌ تكاد من حرّه الأجفانُ تستعِرُ
أيقنت منذ أرحتَ المُلْكَ من تَعَبٍ أن سوف يتعبُ في أوصافكَ الفِكرُ
وخلع على ثيابًا وأمر لي بغلّة وذهب فقلت أشكره من قصيدة: [كامل]
من شاكرٌ عنّى نداه فإنني عن شكرِ ما أولاه ضاقَ نطاقي
مننٌ تخفَ عليه إلا أنها ثقلت مؤونتُها على الأعناقِ
وكان ينقم على قولي في عمه بدر الدين رزيك: [بسيط]
يا ثانيًا لأبي الغارات في شرف أمسى به ثامنًا للسبعة الشُّهُبِ
أنت الرديف له في رتبة سحبتْ أذيالها بكما عُجْبا على السُّحُبِ
فاسترضيتُه بقصيدة منها: [كامل]
[ ٥٧ ]
مولاي دعوةُ خادم أهملته بعد احتفالِكْ
إن كان عن سبب فلا يذهبْ بحلمك واحتمالِك
أو كان عن مَلَلٍ فما يَخشى وليُّك من ملالِكْ
إن خفتُ دهري بعد ما أعلقتُ حبلى في حبالِكْ
ومدحتُك المِدحَ التي عبّرتُ فيها عن فعالِكْ
فالجوُّ مسدودُ الهوى والأرضُ ضيقة المسالِكْ
ومما ذكرته في نوبة بهرْام الغُزّىّ قصيدة منها: [بسيط]
لما تمردّ بهرامٌ وأُسرتُه بغيًا وراموا قراعَ النبعْ بالغَرَب
ظنوا الشجاعةَ تُنجيهم فقارعهم أبو شُجاعٍ قريمُ المجد والحَسَبِ
أسرى إليهم ولو أسرى إلى الفلك الأ علىلخافت قلوبُ الأنجُم الشُّهُبِ
في ليلة قدحتْ زُرقُ النّضال بها نارًا تُشبّ بأطرافْ القنا الأَشِبِ
سما إليهم سُمُوَّ البدر تَصحبه كواكبٌ من سحاب النقع في حُجُبِ
[ ٥٨ ]
المشرِعون من المُران أرشيةٌ نابت قلوبُ أعاديها عن القلبِ
والطاعنون الأعادي كل مزبدة كأنها كأسُ خمرٍ حاشَ بالحبَبِ
تَرْوى الرماحُ الطوامي من مجاجتها فتنشنى وعليها نشوةُ الطَّرَبِ
كأنَ لمع المواضى في أكفهمْ صواعقٌ في الوغى تنقض من سُحُبِ
وقلت من قصيدة طويلة اذكر فيها مصاهرة الخليفة له: [طويل]
خليليَّ قولًا للأجلّ نيابة فقد منعتني هيبةٌ وجلالُ
أخالك لا ترضى الكواكبُ مغْشَرا وأنت لابناء الخلافة خالُ
ستفخر غسانُ بكم ويزيدها عُلى أن آل المصطفى لك آلُ
وقلت من قصيدة في ذكر بني رُزّبِك أُخاطب الخليفة واذكر الصهر: [كامل]
ضموا بشملك شملهم فكأنكم من ألفةٍ ألفٌ تُضَمُّ ولام
[ ٥٩ ]
وغدوتم كالخَمس في كف الهُدَى والدهرِ إلا أنك الإبهامُ
رحلتْ من الكنف الذي مازال في أرجائه لبنى الرَّجاء زِحامُ
كَنَفٌ يبيت العِلمُ في حُجراته يُتلى ويَخفق حوله الأعلامُ
ولقيتها بكرامة من أجلها قعد الرجالُ الحاسدون وقامُوا
وتبوأتْ من حسن رأيك منزلًا لم يَعْدُه كَرَمٌ ولا إكرامُ
لم يُرضِك القصرُ الشريف وقد غدتْ شُرفاتُه بالنَّيرات تُقامُ
فأحلها الإكرامَ خاطُرك الذي للوحي عنه رحلةٌ ومُقامُ
تهنى أميرَ المؤمنين مسرةٌ //هنّاه عنها المُلكُ والإسلامُ
لو لم يُسامح في الهناء عبيدَه لنهاهمُ الإجلالُ والإعظامُ
ومن قصيدة في ذكر لظفر بالخارجي ابن نزار أخاطب الخليفة: [كامل]
ولقد أعزَّ مرامَ بيعتك التي أضحى يناضل دونها ويرامي
وكفاك أمرُ النائبات لعزمة خزمت أنوفَ عِداك بالإرغامِ
[ ٦٠ ]
قُطعت رجاءُ الخارجي عليكم وصحابُها من سكرة الأحلامِ
أذكى العيونَ على عدوك ضابطًا أنفاسه في يقظة ومنامِ
حتى أتتك به السعادة راكبًا متن الصباح وصهوة الإظلامِ
ومما قلته في انعقاد الصهر بين الخليفة وبينه من قصيدة: [كامل]
زُقت إلى حُرم الأمام عقيلةٌ عُقلت لها أيدي الثناء الشاردِ
هي دُرّة لم يرضَ عالي قدرِها بحرًا سوى كَنَفٌ الأمام العاضِد
وقنيصةٌ لولا الخلافة لم تكن أبدًا لتُغلق في حبال الصائد
عربيةٌ الأنساب لكن لم تَقِدْ نيرانُها بالأَجرع المتقاوِدِ
زارتك من خيس الضراغم لبوةٌ تُخمَى بأشبال الهِزَبْر اللابدِ
لا يُسنَد المُران حول خِبائها إلا بجَنب مَراتبٍ ومَساندِ
[ ٦١ ]
صاهرتمُ من لا يزال رواقُها ال محروس قبْلة راكعٍ أو ساجدِ
فُزتم بأبلجَ من سُلالةِ حَيْدَرِ وَرَثَ الإمامةَ راشدًا عن راشدِ
تَغدو قريش بالإضافة نجوَهم مثلَ الجداول في الخِضَم الراكدِ
عن واحد وهو النبي تفرعوا وكذا الألوفُ تفرعتْ عن واحدِ
عقدٌ غدا صلةً لغير قطيعة لكن كما اتصل الذراعُ بساعدِ
لو كانت القصصُ الخوالي قبلنا مما يعود مع الزمان العائدِ
خِلْنا شُعَيْبا والكليم تجسدتْ=لهما حقيقةُ غائب في شاهدِ
وهي طويلة حصل لي على هذه القصيدة ثلاثُ صلات جزيلة من رزيك في إيوان القصر وقد ناب عن أبيه في الحضور مائةُ دينار على يد الأمير ابن شمس الخلافة وخرج عز الدين حسام من القصر إلى الصالح قبل كل أحد فقال له أنشد فلانٌ اليوم قصيدة من صفتها ومن شأنها فاستدعاني الصالح من ساعته إلى قاعة البحر من دار الوزارة فاستعادها ثم وصلني
[ ٦٢ ]
بصلة جزيلة أُسيتُ مبلغَها ثم حضرنا للمجالسة تلك الليلة فأمر الصالح أهلَ الأدب من جلسائه أن يُنشده كلُّ واحد منهم ما عمله في القضية فأنشدوه وأمرني بالنشيد لها ففعلت ثم وصل الجماعة بمال وأجزل نصيبي أيضًا في تلك الليلة وأبنني بخير وعملتُ في نقله تابوتَ الصالح إلى القرافة قصيدة فيها ذكر المشهد والظفر بقاتليه وهي طويلة منها في التابوت.
[كامل]
خربتْ ربوعُ المكْرَمات لراحل عُمرتْ به الأجداثُ وهي قِفارُ
نعشُ الجدود العاثراتِ مشيِّع عَميتْ برؤية نعشه الأبصارُ
نعشٌ تودُّ بناتُ نعش لو غدت ونظامُها أَسَفًا عليه نِثارُ
شخص الأنامُ إليه تحت جنازة خُفضتْ برفعة قدرها الأقدارُ
[ ٦٣ ]
ومنها:
وكأنها تابوتُ موسى أودعتْ في جانبيه سكينةٌ ووقارُ
أوطنتَه دارَ الوزارة ريْثَ ما بُنيت لنُقْلته الكريمةِ دارُ
وتغايَرَ الهَرمان والحَرمان في تابوته وعلى الكريم يُغارُ
آثرتَ مصرًا منه بالشرف الذي حسدتْ قَرافتَها له الأمصارُ
غضب الإله على رجال أقدموا جهلًا عليه وآخرين اشرُوا
لا تعجبْنْ لقُدارَ ناقةَ صالحٍ فلكل عصر صالحٌ وقُدارُ
أُحلِلْتَ دارَ كرامةَ لا تنقضى أبدًا وحلَّ بقاتليك بَوارُ
وقع القصاصُ بهم وليسوا مُقْنِعًا يُرضى وأين من السماء غُبارُ
ضاقت بهم سعةُ الفِجاج وربما نام الولي ولا ينام الثارُ
[ ٦٤ ]
فتَهَنَّ بالأجر الجزيل وميتةٍ دَرَجتْ عليها قبلك الأخيارُ
مات الوصىُّ بها وحمزةُ عمُّه وابنُ البَتول وجعفرُ الطيارُ
وقلت قصيدة طويلة في ذكر ما حمله إلى أمير الحرمين عن حاج أهل المغرب ومصر.
[طويل]
ويسرتَ قصد البيت من بعد عُسره فضاقت بحارٌ بالورى وسُهوبُ
فللفُلك في طامي العُباب تحدُّرُ وللعيس في بحر السراب رُسوبُ
بذلتَ عن الوفد الحجيج تبرُّعًا مواهبَ لم يسمح بهنّ وهُوبُ
وحُطَّتْ بها عن ذمة ابن فلُيْتةٍ وذمةِ أهل الأبْطَحَيْنِ ذنوبُ
وابيتَها وقفًا على البر خالصًا وفي بر قوم خالصٌ ومشوبُ
إذا جفَّ عودُ الزرع فهي مريعةٌ وإن جفَّ درُّ الضرع فهي حَلوب
وقلت قصيدة طويلة هي في ديوان مدائحه اذكرُ فيها الظفر
[ ٦٥ ]
بالخارجي الذي سيره عز الدين وكان يدعى الخلافة ويزعم الناس أنه من ولد نزار.
[طويل]
وفي لك خدُّ الجد والسيفُ غادرُ وأنهضك التأييدُ والدهرُ عاثِرُ
وأغنتك عن سلّ المواضى سعادةٌ تدور بهابها فيمن عصاك الدوائرُ
ليهنِك فتحٌ أنجبتْ لك أمة وأمُ العُلَى بالنصر والفتح عاقِرُ
نصبتَ له فوق التُّراب وتحته حبائلَ كيدٍ ما لهنّ مرائرُ
ومازال مرعيا من الصبح والدُّجى بعينِ رقيبٍ طرفُها لك ساهرُ
فكان ورودُ النيل أقصى أمانة فحلَّ به من أمنه ما يُحاذرُ
ثم دخلت قاعة السِّر من دار الوزارة وفيها طي بن شاوَرَ وضِرغامٌ وجماعة من الأمراء مثل عز الزمان ومُرتفع الظهير ورأسُ رزيك بن الصالح بين أيديهم في طَسْت فما هو غلا أن لمحتْه عيني ورددتُّ كمي على وجهي ورجعت على عقبي وما
[ ٦٦ ]
ملأتُ عيني من صورة الرأس وما من هؤلاء الجماعة الذين كان الرأس بين أيديهم إلا من مات قتيلا وقُطعت رأسه عن جسده فأمر طيٌّ من ردني فقلتُ والله ما أدخل حتى تغيب الرأس عن عيني فرفع الطستُ وقال لي ضرغام لم رجعت قلت بالأمس وهو سلطان الوقت الذي نتقلب في نعمته قال لو ظفر رزيك بأمير الجيوش أو بنا ما أبقى علينا قلت لا خير في شيء يؤول الأمر بصاحبه من الدست إلى الطست ثم رجت وقلت: [كامل]
أعزِز على أبا شُجاعٍ أن أرى ذاك الجبين مضرَّجًا بدمائهِ
ما قلّبته سوى رجال قلّبوا أيديهم من قبلُ في نعمائهِ
أيام أمير الجيوش شاورَ الأولى لما وصل شاورُ إلى الغربية وعدَّى من البحيرة أسرى ضرغام ونظراؤه من وجوه الأمراء كاخوته مُلهم وهُمام وحُسام ويحيى بن الخياط وبني الحاجب من عسكر بني رزيك فلمّا اجتمعوا بشاور أسقط ما في أيدي
[ ٦٧ ]
العسكر الباقي مع بني رزيك ولم يلبث الأمر إلا ريث ما عدّى شاور حتى زالت دولة بني رزيك وإنما زالت دولة مصر بزوالهم ولما جلس شاور في دار الذهب على شط الخليج انثالت عليه وعلى ولديه طي والكامل أموال بني ريك وودائعهم من عند الناس حتى كان في الناس من يتبرع بما عنده وافترقت أمراء البرقية فضرغام ومن معه حزبٌ والظهير مرتفع وعين الزمان وابن الزبد ومن معهم حزبٌ فأما ضرغام فكان أظهر الحزبين لأنه نائب الباب ولأنه من نفسه وأخوته وأصهاره في جيش عظيم وما نظراؤه فاختصوا بطي بن شاور فكاثروه ولازموه إلى أن ما كان من خروج شاور إلى الشأم وقتل ولده طي ووزارة ضرغام فأما أخلاق شاور في الوزارة الأولى فكانت مستورة باستمرار السلامة والطاعة والاستقامة ولم يكن فيها أقبح من قتل الناصر بن الصالح فإنها سودت ما أبيض من عالي قدره، وأعربت عن ضيق عطنه وحرج صدره،
[ ٦٨ ]
وما من هذه الأحوال وغيرها إلا ما وسمته بشيء من النظم وأنا مورد منه ما يكون شاهدًا لما ذكرته لما جلس شاور في دار الذهب قام الشعراء والخطباء ولفيف الناس إلا الأقل ينالون من بني رزيك وضرغام نائب الباب يحيى بن الخياط أسفهسلار العساكر وكانت بيني وبين شاور أنسة تامة مستحكمة فأنشدته قصيدة في اليوم الثاني من جلوسه والجمع حافل أولها.
[بسيط]
صحّت بدولتك الأيام من سقمِ وزال ما يشتكيه الدهر من ألمِ
زالت ليالي بني رزيك وانصرمتْ والحمدُ والذمُّ فيها غيرُ منصرمِ
كأن صالحهم يومًا وعادلهم في صدر ذا الدست لم يقعد ولم يقم
هم حركوها عليهم وهي ساكنة والسلمُ قد تُنبت الأوراقَ في السلم
كنا نظن وبعض لظن مأثمة بأن ذلك جمٌ غيرُ منهزمِ
فمذ وقعت وقوعَ النسر خانهمُ من كان مجتمعًا من ذلك الرحمِ
[ ٦٩ ]
كان ضرغام ينقم على هذا البيت ويقول أنا عندك من الرَّخم.
ولم يكونوا عدوُّا ذلَّ جانبه وإنما عرقوا في سيلك العرِم
وما قصدتُّ بتغطيتي سواك سوى تعظيم شأنك فأعذرني ولا تلمِ
ولو شكرتُ لياليهم حافظة لعهدها لم يكن بالعهد من قدمِ
ولو فتحت فمي يومًا بذمتهم لم ضرَ فضلك إلا أن يسد فمي
والله يأمر بالإحسان عارفة منه وينهي عن الفحشاء في الكلم
فشكرني شاور وأبناه في الوفاء بنى رزيك ولما انتقل شاور إلى دار سعيد السعداء أنشدته قصيدة هي ثابتة في الديوان منها في حق بني رزيك قبل أن يقتل الناصر ابن الصالح.
[طويل]
[ ٧٠ ]
وعلمتنا صون للسان بسيرةٍ رايناك في حقن الدماء تسيرها
أفضت على غربي حسامك ظهرها ففاض على غربي لساني ظهورُها
وحاشاك أن ترضى بذم خوادر بصارمك الماضي تُصان خدورها
وما الوزراء الغرُّ إلا سوابقٌ مضى أولٌ منها ووافى أخيرُها
وإن حُقق التشبيه فيكم فإنما طلعتم شموسًا حين غابت بدورها
سحائبُ إن لم أروَ منها فإنني أرى الغدر عندي أن يذَمَّ غديرها
ومن كتم الحُسنى فإني مذيعها ون كفر النُّعمى فإني شكورها
وعندي شكر المحسنين محاسنٌ تقدُّ على قد الأيادي سيورُها
أتاكم بها من رقةٍ وجزالة فرزَْدقُها في عصركم وجريرها
أنا العربي المحضُ شعرًا ومعشرًا إذا شانَ قومًا شعرُها أو عشيرُها
فلا تسمعوا مدحًا سوى ما أقوله فما يستوي حولُ العيون وحورُها
[ ٧١ ]
أرى سير الأملاك تفنى وإنما يكون بمثلى بعثُها ونشورُها
إذا دثرتْ أحسابُ قوم فإنما بصيقلِ هذا القول يُجلَى دثورُها
وإن القوافي تُنسى إناثها ويختص بالذكر الجميل ذكورها
ومدحت الكامل في الوزارة الأولى بقصيدة منها فيما يخص بني رزيك: [طويل]
سلبتم بني رزيك بيضة عزهم وكانت قديمًا لا تُراعُ بسالبِ
تجاذبتمُ حبلَ المعالي فكنتم على ترعها أقوى يدا في المُجاذبِ
ولم يذهبوا من أجل ضعف وإنما رُمُوا بشهاب من يد الله ثاقبِ
فإما كرم شاور فكان إليه المنتهى لم يكن يمسك شيئًا ولا يكنزه وأما الحماسة وشدة البأس فهو في مواطن الموت شديد الثبات، سديد الوثبات، وما أصدق ما قلت فيه من قصيدة أهنئه بفتح بلبيس بعد الحصار.
[كامل]
[ ٧٢ ]
حِمى الوطيس فخاضه بعزائمٍ علَّمن حسن الصبر من لم يصبر
ضجرَ الحديدُ من الحديد وشاورٌ في نصر آل محمد لم يضجرِ
حلفَ الزمان ليأتينَ بمثله حنِثتْ يمينُك يا زمانُ فكفِّرِ
وسمعت سيف الدين حُسيَنْا صهر الملك الصالح وقد جاء إلى فارس المسلمين بدر بن رزيك عند خروجه في العسكر إلى تروجة منع شاور عن الوصول من واحاتٍ إلى البحيرة يقول له انظر كيف يكون فإن طرخان لما ثار من إسكندرية يطلب الوزارة وسرتُ أنا وأنت في العسكر وامتنع الناس عن التعدية كان شاور أول من عدى ثم وثب على فرسه بلا سرج وهو بقول: [رجز]
لاخيرَ في الشيخ إذا لم يجهلِ
وزارة ضرغام وهو الملك المنصور وكانت مدة وزارته حمل الجنين تسعة أشهر سواء وضرغام أشهر محاسنا من أن يوصف كان فارس عصره، وفي الكتابة وكمال الصورة وجمال المحاضرة
[ ٧٣ ]
وحيد دهره، وكان عاقل الكرم لا يضعه إلا في سمعة ترفعه، أو مداراة تنفعه، وكان أذنًا مستحيلًا على أصحابه وإذا ظن بإنسان شرًا جعل الظن بقينا وبعد زوال ما سبق إلى خاطره وبُلى من أخيه فارس المسلمين همام بقذى الناظر، وشجا الحناجر، وفي أيامه ذهبت أمراء البرقية قتلا بسيفه صبرًا وهم صبح بن شاهنشاه والظهير مرتفع وعين الزمان وعلي بن الزبد وأسد الغاوى وأقاربهم وكنت في أيامه خائفًا منه متعلقًا بصحبة أخيه ناصر المسلمين وأحضرني ليلة بساعٍ إلى قاعة البستان من دار الوزارة بعد شهرين من وزارته فوقه في خاطري منه توهم لم يزله إلا حسن الإيناس عند الحضور والاتيحاش من الغيبة وبسطني وناولني مما بين يديه بيده وأمر لي بذهب وقال أنتم عنوان الجمال من جالستموه يا أصحاب الصالح فقد تجمَّل فدعوت له وعملت فيه قصيدة أنشدته إياها في مقام الخليفة بقاعة الذهب منها في صفة
[ ٧٤ ]
الدولة.
[كامل]
همَّ الزمانُ بها فمنذ كفلتها أضحى يوالي نصرها ويوالي
وأجبتَ عاديةَ الفرنج بديهةً قبل الروية بارتحال رجالِ
قدمت الفرنج الديار المصرية على زمان وزارته.
أطفأت جمْرتَها بإخوتك الأولى يتسنّمون غواربَ الأهوالِ
لم أدرِ والتشبيهُ يقصر عنهمُ أغيوثُ نُزلٍ أم ليوث نِزالِ
طالت بأيديهم قِصارُ صوارمٍ باتت بها الأعمارُ غيرَ طوالِ
وخلطتم أنصاركم بنفوسكم فالناسُ من مولى لكم وموالِ
يا صاحبي وفي السؤال شفاء ما استخبرتُ عنه إن أجيبَ سؤالي
هل للوزارة حاجة أو حجة ترجو تتمة نقصها بكمالِ
[ ٧٥ ]
هذا الذي مازال طرفُكِ دائمًا يرنو إليه في الزمان الخالي
هذا الذي عضلوكِ عنه لتخرجي من عدةٍ حرُمتْ ومن إحلالِ
ولحقُّ من وزر الخلافةَ من نشأ في حضرة الإعظام والإجلالِ
واختص بالخلفاء وانكشفتْ له أسرارُها بقرائن الأحوالِ
وتصرف الوزراءُ عن آرائه كتصرُّف الأسماء بالأفعال
يا ابن الأئمة والثناء عليكم يختال بين مفصَّلِ وطُوالِ
ما تخجل الدنيا وأنت إمامها ووزيرك الهادي أبو الأشبالِ
وذكر لي المهذب ابن الزبير أنه متغير علي ومضمر شرًا بسبب قولي في شاور وبني رزيك: [بسيط]
فمذ وقعتَ وقوعَ النسر خانهمُ من كان مجتمعًا من ذلك الرخَمِ
وبسبب ما كان بيني وبين الظَّهير مرتفع الثائر عليه من أكيد
[ ٧٦ ]
الصحبة وذكر المهذب فيما حكى لي عنه أن ضرغامًا قال غلِط معي عمارة يومًا غلطة في شهر رمضان الذي قُتل فيه الصالح أنا أحفظها عليه وهي أني قلت له أخرج معي إلى الهدف الذي على باب البرقية فقال أنا أكرهُ أن أرى البرقية ومرتفع في الاعتقال ومذ قبض عليه الصالح لم أجز بالبرقية ولعمري لقد جرى مني هذا القول ولم أعلم ما تؤول إليه الحال ولا ما في نفس بعضهم من بعض ولما داخلني الخوف من ضرغام انقطعت إلى أخيه همام ولم يكن ذلك إلا في آخر مدته ولما جاء شاور من دمشق بالغزشغل عني وعن نفسه ولما جازوا برأسه على الخليج وكنت أسكن صفَّ الخليج بالقاهرة قلت ارتجالًا: [وافر]
أرى حنكَ الوزارة صار سيفًا يجدُ يحده صيد الرقابِ
كأنك رائدُ البلوى وإلا بشيرٌ بالمنية والمُصابِ
[ ٧٧ ]
وزارة شاور الثانية وفيها تكشفت صفحاته، وأحرقت لفحاته، وأغرقت نفحاته، وغضه الدهر وعضه، وأوجعه الثكل وامضّه، وبان غمره وثماده، وجمره ورماده، ولم يجف من الأنكاد لبده، ولا صفا من الأقذاء ورده، وما هو إلا أن تسلمها بالراحة، وسلمت له الهموم عوضًا عن الراحة، وفي أول ليلة دخل القاهرة ارتحل أسد الدين طالبًا بلبيس فأقام بها ثم عاد إلى القاهرة فكسر الناس يوم التاج وأسر أخوه صبح وأصيب على باب القنطرة بحجر كاد ن يموت به وتعقب ذلك تثقيل القتال على القاهرة حتى دخلت من الثغرة ثم تبع هذا مجيء الفرنج وعمل البرج وحصار بلبيس ثم تلا ذلك قيام يحيى بن الخياط طالبًا للوزارة ثم تلا ذلك نفاق لواتة ومن ضامها من قيس وخروج أخيه نجم وابنه سليمن وجماعة من غلمانه لحربهم ثم خروج ابنه الكامل في بقية
[ ٧٨ ]
العسكر وفي أثناء هذه المدة قبضه على الأثير بن جلب راغب وقتله وأسر معاني بن فريح ثم قتله واتصل إليه الخبر من قدوم أسد لدين إلى إطفيح بأم النوائب الكبر ووافق مجيء الغز قدوم الإفرنج ناصرين للدولة وتوجهوا من مصر في البر الشرقي تابعين للغز ثم لاحت الفرصة للإفرنج فعادوا إلى مصر وافترحوا من المال، ما تنقطع دونه الآمال، وخيموا على ساحل المقسم وأظهروا رجوعهم إلى الشأم فتجهز الكامل للمسير صحبة الإفرنج حدثني القاضي الأجل الفاضل عب الرحيم ابن علي البيساني قال أنا أذكر وقد خلونا في خيمة وليس معنا أحد إنما هو شاور وابنه الكامل وأخوه نجم فعزم الكامل على النهوض مع الفرنج وعزم نجم على التعزيب إلى سليم وما وراءها قال شاور لكني لا أبرح أقاتل بمن صفا معي حتى
[ ٧٩ ]
أموت فنحن في ذلك حتى وصل إلينا الداعي ابن عبد القوي وصنيعة الملك جوهر وعز الأستاذ وقد التزموا المال وتفرع على هذا الأصل مقام الغز بالجيزة ونوبة البابين وحصار الإسكندرية وانصراف الغز راجعين والفرنج بعدهم فما هو غلا أن توهم شاور أن الدهر قد نام وغفا، وصفح عن عادته معه وعفا، وإذا الأيام لا تخطب إلا زواله وفوته، ولا تريد إلا انتقاله وموته، فكان من قدوم الإفرنج إلى بلبيس وقتل من فيها واسرهم بأسرهم ما أوجب حريق مصر ومكاتبة نور الدين ابن القسيم وإنجاده كلمة الإسلام باسد الدين ومن معه من المسلمين الذين قلت فيهم وقد ربط الإفرنج الطريق عليهم.
[طويل]
أخذتم على الإفرنج كل ثنية وقلتم لأيدي الخيل مرئ على مرئ
لئن نصبوا في البر جسرًا فإنكم عبرتم ببحر من حديد على الجسر
فقضى قدوم الغز برحيل الإفرنج عن البلاد المصرية
[ ٨٠ ]
ولم يلبث شاور أن مات قتيلًا بعد قدوم الغز بثمانية عشر يومًا وهذه السنوات التي وزر فيها شاور وزارته الثانية كثيرة الوقائع والنوازل زفيها ما هو عليه أكثر مما هو له وربما شرحت من ذلك في مواضعه من هذا المجموع ما يشهد النظم بصحة دعواه، وصدق نجواه، فمن ذلك أن طيا ولده قتل في يوم الجمعة الثامن وعشرين من شهر رمضان وأدرك ثأره في يوم الجمعة الثامن وعشرين من جمادى الآخرة فيكون بينهما تسعة أشهر وقلت في ذلك من قصيدة: [كامل]
ونزعت مُلكَك من رجال نازعوا فيه وكنتَ به أحق وأقعدا
جذبوا رداءك غاصبين فلم تزل حتى كسوتَ القوم أردية الردى
وبردت قلبك من حرارة حرقة أمرت نسيمَ الليل أن لا يبردَا
تأريخُ دينٍ نلتَه في مثله يومًا بيوم عِبرةً لمن اعتدَى
حملتْ به الأيام تسعةَ أشهر=حتى جعلن له جمادى مولدَا
[ ٨١ ]
وكان لا يزال يستعيدها ولما عاد من حصار بلبيس هنيته بقصيدة اذكر فيها الحال أولها: [كامل]
اسمع بذا الفتح المبين وأبصرِ وأقصرْ عليه خُطا الهناء وأقصِرِ
فتحٌ أضاء به الزمانَ كأنه وجه البشير وغرة المستشبرِ
فتحٌ يذكِرنا وإن لم ننسه ما كان من فتح الوصي لخيبرِ
فتحٌ تولَّد يُسره من عسرة طالت وأيُّ ولادة لم تعسُرِ
حملتْ به الأيام إلا أنها وضعته تِمًا عن ثلاثة أشهرِ
وهي القصيدة التي أقول منها:
تلقاه أولَ فارس إن قدمتْ خيلٌ وأولَ راجل في العسكرِ
هانت عليه النفسُ حتى أنه باع الحياة فلم يجد من يشتري
ضجر لحديدُ من الحديد وشاورٌ في نصر آل محمدٍ لم يضجرِ
حَلَف الزمانُ ليأتين بمثلهِ حنِثتْ يمينُك يا زمانُ فكفِّرِ
يا فاتحًا شرق البلاد وغربَها يُهنئْك أنك وارث الإسكندرِ
[ ٨٢ ]
وكانت هذه الأبيات من أحد الأسباب التي قوت عزمي على الاستعفاء من عمل الشعر لأن الناس فيما تقدم كانوا يغنون الشعراء بما ليس يفوقها في الجودة وقلت من قصيدة اذكر نوبة بلبيس ووزارته الأولى: [كامل]
إن بات من عدد الملوك فإنه لا يستوي نار الغَضا ودُخانُهَا
جُمعتْ لك الأمم الثلاث فستَها حتى كان لم تختلف أديانُهَا
خلّصتَ كلَّ قبيلة من ضدها لما التوتْ وتعقدت أشطانُهَا
إن السعادة قد أظلّ زمانُها وافتر من ثغر الهناء أوانُهَا
وأفاك أولُ عامها بمسرة لا الفِطرُ أهداها ولا رمضانُهَا
[ ٨٣ ]
لما رأيتَ بطانَها متضايقًا وسعتَ منها حين ضاق بِطانُهَا
رأى حقنتَ به دماء خلائقٍ ظنتْ بأن دروعها أكفانُهَا
أشبهتَ نُوحًا مدةً وهدايةً في أمة متزايدٍ طُغيانُها
فكأنما البرجُ المنيفُ سفينةٌ والنيلُ يومَ كسرتَه طوفانُهَا
منها:
كانت وزارتك القديمة مشرعًا صفْوًا ولكن كُدرتْ غُدرانهَا
غَصَبتْ رجالٌ تاجَه وسريره من بعد ما سجدتْ له تيجانُهَا
أخلى لهم دستَ الوزارة عالمًا أن سوف ينزع بينهم شيطانُهَا
قد كان أودع في الرقاب صنائعًا كفرتْ بها فأبادها كفرانُهَا
هجرَ الوزارة إذ تنكر عرفُها وكذا النبوة إذ نبت أوطانُهَا
ومن قصيدة: [طويل]
لك المعجزاتُ الخمسُ لم يفتخر بها سواك ولم تخفِق عليه بنودُهَا
[ ٨٤ ]
فمنها بنو رزيك حين أزلتهم وحمرُ المنايا في يديهم وسودُها
ومنهن صنعُ الله عندك في بني سوارٍ وما جرت عليها حقودُها
ومنها رجوعُ الغز عن مصرَ بعد ما أبيح بهم أغوارها ونجودُهَا
ومنهن أنّا ما رأينا وزارةً لغيرك عادت بعد ما صدَّ جيدُهَا
ومن أخرى: [بسيط]
أُثني عليه ولولا الفضل قال لنا كُفأ فإني بمدح السيف أقتنعُ
في كل يوم له نصرٌ ومعجزةٌ يقتضّها سيفُه بِكْرًا ويقترعُ
لله درك موتورًا أقضَّ به دستٌ وسرج وأجفان ومضطجعُ
ما غِبْتَ إلا يسيرا ثم لُختَ لنا والثأرُ مستدركٌ والملكُ مرتجَعُ
قضيةٌ لم ينلْ منها ابن ذي يزنٍ إلا كما نلتَ والآثارُ تتبعُ
فافخر على الحي من قيسٍ ومن يمنٍ أبا شجاعٍ فليس الحقُ يندفع
واسمعْ مديحي ولا تسمعْ سواه فما يشكُ فضلك أن الناس لي تبَعُ
[ ٨٥ ]
ورأيته يومًا وقد انشرح صدره فقلت له إن لي مدة تنازعني النفس في الحديث معك في حاجة وقد عزمت أن أقولها لك فإن قضيتها وإلا كنت قد أبليت عند نفسي عذرًا قال وما هي قلت تعفيني من عمل الشعر وتنقل الجاري على الخدمة راتبًا على حكم الضيافة فإني أرى التكسب بالشعر والتظاهر به نقيصةً في حقي قال منعك أن تستعفى في أيام الصالح وابنه قلت كانت لي أسوة وسلوة بالشيخ بالشيخ الجليس ابن الحباب وبابني الزبير الرشيد والمهذب وقد انقرض الجيل والنظراء قال تعفى ثم أمر بإنشاء سجل بإعفائي وأخذ عليه خط الخليفة وخطه بذلك فقلت أشكره من قصيدة: [كامل]
تغدو مهابته حجابًا دونه ونداه عنا ليس بالمحجوب
سكنت محبته وهيبة بأسه منا سوادى ناظرٍ وقلوبِ
ومنها:
ومحوتَ عن وجهي مواسم صنعةٍ ومعيشةٍ كان اسمها يزرى بي
[ ٨٦ ]
وجعلتني أحدوثةً تتلى بها أبدًا صحائفُ أجرك المكتوبِ
فليفتخر بالشعر فيرى إنه حسبٌ لمثلى ليس بالمحسوبِ
أصبحتُ شاكرَ نعمةٍ لا خدمةٍ أقضي يد المفروض بالمندوبِ
ولما عاد من حصار الإسكندرية أكثر من سفك الدماء بغير حق وكان يأمر بضرب الرقاب بين يديه في قاعة البستان من دار الوزارة ثم تُسحب القتلة إلى خارج الدار فسألي الجماعة أن أعمل قصيدة في هذا المعنى فقلت من قصيدة: [طويل]
ألا إن حدّ السيف لم يُبقَ خاطرًا من الناس إلا حائرًا يترددُ
ذعرتَ الورى حتى لقد خاف مصْلِحٌ على نفسه أضعافَ ما خاف مفسدُ
فأغمد شفارَ المشرقي وعدْ بنا إلى عادة الإحسان وهي التغمدُ
فإن بروق الماضيات وصوتَها رواعدُ منهنّ الفرائضُ تُرعدُ
وإن صليل السيف أفحشُ نغمةٍ تظلُّ تغنَّى في الطُّلى وتغردُ
تجاوز وإلا فالمقطَّمُ خِيفةً يذوب وماء النيل لاشكَّ يجْمُدُ
[ ٨٧ ]
فقال قد كان من القتل ما كان وإن تجدد شيء لم يكن في الدار لأن القضاة وأرباب الخِرق قلوبهم ضعيفة عن رؤية السيف ومما هو عليه لا له ظلم إخوته وأولاده وعبيده ومن يلوذ به ولم يُربِ أحدٌ رجال الدولة مثل ما رباهم الصالح ولا أفنى أعيانهم مثل ضرغام ولا أتلف أموالهم مثل آل شاور وشاور وهو الذي أطمع الإفرنج والغز في الدولة حتى انتقلت عن أهلها وكانت لشاور واحدة مما هو عليه لا له وهي طاعته لوله الكامل وانقياده له وتسليمه الأمر إليه وهذه تعدل كل سيئة لغيره من الوزراء وتطمس نور كل حسنة له فإنها هي السبب من كل دخيلة على الناس من آل شاور وسبب كل دخيلة عليهم من الناس ولو أخذت أشرح يسيرًا من هذه الجملة خرجت عن قصد الكتاب ومن كرم شاور أني بعد حريق داري على شط الخليج ونهب ما أبقت النار لزمني دين كثير فاداه عني وبقيتْ منه مائتا دينار فدفع لي
[ ٨٨ ]
مائة دينار وأمر لي بمائة كبش بيعت مائة وعشرين فقلت أشكره على ذلك منها في ذكر وزارته: [كامل]
فنُصرتَ في الأولى برعبٍ زلزل الأ قدامَ وهي شديدة الإقدامِ
ونُصرتَ في الأخرى بضربٍ صادقٍ أضحى يطير به غرابُ الهامِ
أدركتَ ثأرًا وارتجعتَ وزارةً نزعًا بسيفك من يدي ضرغامِ
منها بعد أبيات:
هذي وقائعك اختصرتُ حديثها حذرًا عليها من قصور كلامي
وإذا أردتَّ على الحقيقة شرحَها فاسئل مضارب سيفك الصَّمامِ
فلقد روينا عن حسامك بعض ما يروى ويحفظ ألسنُ الأيام
فاسمعْ غرائبَ من مدائحك التي تُثنى السيوف على الأقلامِ
آنستني بالقرب منك تكرّما فتغايرَ الساداتُ في إكرامي
ورفعتَني حتى توهم جاهلٌ بالحال أني من ذوي الأرحامِ
وحملتَ عني ثقل دينٍ فادحٍ لولا عظيم نداك رضَّ عظامي
ولقد سلكت من السماح طريقةً مهجورةً ليست بذات زحامِ
[ ٨٩ ]
وكان ضيق العطن عن سماع ما يروى له من الأخبار وكان على الطعام لا يكاد يرد سائلًا في حاجة وكان شديد النكال إذا عاقب وكان صاحب الديوان خاصة لدولة ابن دخان ربما نادني في الجاري فيبلغه عني ما يضيق به صدره فيعود معي إلى الملاطفة فأعود له إلى المكارمة إلى أن قال لشاور أما صُنتني من فلان وإلا أستعفيت فقال يا هذا استحي على نفسك من مناكدة رجل يأكل معي في إناء واحد كل يوم مرتين فما زلت من بعدها أعرف مكارمة ابن دخان والمسارعة إلى حوائجي وقبول شفاعتي فيما لا يسوغ فكنت أشكر ذلك من فعل شاور.
ووقعت الشمعة ليلة على طرف ثوبي فجمد عليه يسير من الشمع فلما رحت من مجلسه لحقني الفراش إلى داري ومعه عشر نصافيات رفيعة ولما كان من الغد قال للفراش ونحن على الغداء أنت تحب العشرة فقلت نعم هو يحبهم كأنه استفهمني عن المبلغ هل وصل إلي بكماله أم لا وقل أن يمضي ليلة من مجالس أنسه
[ ٩٠ ]
إلا ويحمل إلى داري على الدائم في الأكثر الحلاوات الكثيرة ولم يكن تفقده في كل شهر ينقطع عني بالدنانير العشرين فما فوقها وكان يقول ما تركنا الزمان نفعل في حقك بعض ما يجب من حقك وكان يقول إذا غبت عن مجلس أنسه لعن الله مجلسًا لا يحضره فلان وأمر بقتل أبي محمد ابن شعيب وعلي بن مفلح وقد وصلا من عدن أساؤوا العشرة على مبهج افتخار السعداء حين توجه مع الوجيه بن شعيب إلى اليمن سنة إحدى وستين فقلت لشاور إن الرجلين في منزلي من ثلاثة أيام وإنه لا سبيل إليهما فأمسك مليًا ثم قام ولم ينطق وأخذت أسامره بإخبار ملوك اليمن زبيد وعدن وأورد من محاسنهم وإخبارهم ما أزال ما عنده ثم أحضرت الكتب واستخبرت الجواب وأخذت لهما منه مائة دينار وقال لهما يوم الوداع والله لولا فلان لضربتُ رقابكما وقطعت ما بين الدولة وبين أهل عدن والزمني أن أترسل في الرسالة التي سار فيها حمائل إلى
[ ٩١ ]
دمشق فاعتذرته فأبى فتركت من قال له هذا صاحب بني رزيك وإذا وقعت الوجوه في الوجوه لم يستكمل الحجة في خدمتك ولم يؤد الأمانة فقال أو يكون بنو رزيك عنده أحبَّ مني ما أظن هذا فتركت من قال ذلك للكامل فأعفوني ومن جميل ما كان يوليني أن الداعي ابن عبد القوي والأجل الفاضل وشاور والكامل عزموا على أن يتبرعوا ابتداء بتسيير الدعوة لولدي صاحب عدن بعد موته ثم قال شاور أحضروا فلانًا وخذوا ما عنده ولم يبقَ في النوبة إلا صرمها فلما حضرت واعلموني منعتهم وقلت إن أهل اليمن إنما يبعثون لكم الهدايا والتحف والنجاوي ويتوالونكم لأجل الدعوة فإذا تبرعتم بها فقد هونتم حرمتها فرجع لجميع عما كانوا عليه وعزم على
[ ٩٢ ]
أن يبعث الفقيه ابن غاز صاحب سيف الدين ونشئ الدولة أبا الحسن العابد رسولين إلى عدن فوصلاني وسألاني التلطف في حالهما معه فقلت له على خلوة إن كان قصدك نفعهما ورفعهما فسيرهما فإنه لا تبقى تحفه، ولا طرفه، إلا خدما بها وإن كان قصدك ضد ذلك فاتركهما فتركهما وله معي من الإحسان ما هو أشهر من هذا وأكثر ولكني اتركه لكثرته وما مثلي ومثل غيري معه إلا مثل رجلٍ قتل أبوه فقتل خيرًا من أبيه ثم قال كان أبي لي جيدًا وإن كان رديئًا عندكم قد أتيت على نبيذة يسيرة من الفقر العصرية، فيما شاهدتُ من أحوال الوزراء المصرية، وأنا ذاكر في هذا المختصر نتفًا جرت لي مع أقارب الوزرا، وأكابر الأمرا، فما منهم إلا من كاثرته، وعاشرته، وبلوت سمينهم وغثهم، وقويهم ورثّهم، وانكشف المصقول من الصدى، والجيد من الردى، فمنهم مجد الإسلام ابن الصالح في حياة أبيه ذكرني له سعد
[ ٩٣ ]
الملك بختيار وعز الدين حسام وشكرًا فعث خلفي ساعيًا إلى هدف كان له في المقابر التي على باب النصر فدفع لي ثلاثين دينارًا من غير مدح ولا خدمة ثم واصلته فتضاعف بره وإيناسه حتى لم يكن يركب إلى متنزهاته من التاج والروضة والمختص وعين. شمي للصيد إلا وإنا معه ولم يزل لي مكرمًا إلى أن خرج الملك الصالح إلى بلبيس خرجته الأولى وعمل فارس المسلمين بدر بن رزيك لأخيه الصالح ضيافةً مثله لمثله ثم خلع خلعًا كثيرة ووهب خيولًا وفرق مالًا على الجلساء فلما عدنا إلى القاهرة مرض فارس المسلمين وعوفي فدخلت أهنئه وليس معي شعر ولا بيني وبينه أنسه كثيرة لانقطاعي إلى رزيك فأمسكني عنده حتى خرج الناس ثم أفاض علي خلعًا سنيةً ودفع لي ذهبًا وقال لا تنقطع عني فمدحته بقصيدة أذكر فيها ما فعل في بلبيس واشكره على الخلعة والبر منها: [كامل]
لم يبقِ نوعًا تقتضيه كرامةٌ حتى أتى منها بما لم يُعهدِ
[ ٩٤ ]
أهدى مع الخلع النضارَ وما ارتضى بهما فجاد بكل نهدٍ أجرد
ورأت عيون الناس من نفحاته كرمًا بخبر عنه من لم يولد
منها في ذكر الخلعة:
فأثابني عن حمده الخلع التي خلعت بحسرتها قلوبُ السد
رقت كما رق الهوى وتجسمت فلبست ذوب الماء لو لم يجمدِ
وأجلُّ ما في الأمر عندي أنه شرفٌ وبرٌ لمي كن عن موعدِ
مدتْ بهما يده إلى بدايةً منه ولا طرفي مددتُ ولا يدي
جاءت كما اختار السماح مصونة الإ حسان عن تسويف يومٍ أو غدٍ
منها:
ملك إذا قابلت غرة وجهه شفع الندى ببشاشة الوجه الندى
وأغِبُّ عن نادى نداه زيارتي خجلًا فيأبى أن يُغبَّ تفقدي
وحين وقف رزيك على هذه الحال لم توافقه وشرع في التقصير
[ ٩٥ ]
عما الفتة وأخذ فارس المسلمين يتابع بالجميل عندي ويستدعيني للمؤانسة في كل يوم وليلة إلى أن انقطعت عن رزيك إلى فارس المسلمين وكتبت إليه في يوم عيد ولم يأتني من عنده أضحية.
[بسيط]
يا منعمًا بنداه يعدمُ العدمُ وينجلي بهداه الظلمُ والظلمُ
وقادرًاَ أمطرَ الدنيا ندىً وردىً ففاض من راحتيه البأسُ والكرمُ
هنيتَ عيدًا تخطتني سحائبه وقد سقى الخلق منها وابلٌ رذمُ
عجبتُ كيف تناساني نداك وقد ظلت ضحاياك بين الناس تقتسم
نسيانُ مثلي بعد الذكر مغضبة إن الغنيمة عندي ما هي الغنم
ونشبت بينه وبين عمه وأخذ الرشيد ابن الزبير والشيزري
[ ٩٦ ]
يحرضان مجد الإسلام على قطيعتي ويوقولان له من صحبتي لعمه ما أوجب اعتذاري إليه بقصيدة طويلة منها: [طويل]
ولي حرمة الضيف الغريب وخدمةٍ جنيتُ بها من جودكم ثمرَ العلمِ
وأحضرتموني في صدور مجالسٍ سرتُ بعلاكم وهي أعلى من النجمِ
فهل أنت يا ذخر الأئمة مقبلٌ عليّ ومجزٍ لي على سابق الرسمِ
فإن ابتسام البرق ليس بنافع إذا لم يبتْ فوق الثرى صوبه يهمي
ومن عجبٍ أن مر حولٌ محرَّم كما ساءني من غير ذنب ولا جرمِ
أمورٌ غدتْ في النفس منها حزازةٌ وحظٌ يخزُ الدهرُ فيه إلى العظمِ
وما جاءني ن قلة الحزم حادثٌ وإني لمدلول على طرق الحزمِ
ولكنها الأقدارُ يمضي صروفها على المرء مختارًا لها وعلى الرغمِ
ومنها في مدحه ومدح عنه:
وكم من يدٍ مجديةٍ فارسيةٍ أتتني كما يأتي الشفاءُ إلى القسمِ
[ ٩٧ ]
فقل لليالي قد حللتُ ببرزخ يحيط به بحران فضلهما يطمي
إذا اشتاق غيري ساحل اليم موردًا وجدتُ جهاتي كلها ساحلَ اليمِّ
وفي أي ظل منهما كنتُ نازلًا رأيت نزول المكرمات على حُكمي
واجتمع الصالح وأخوه وأبناه في مجلس في بعض الولائم فأمرني عز الدين أن ارتحل فيهم فقلت ارتجالًا.
[طويل]
إذا نزلتْ أبناءُ رزيكَ منزلًا تبتسم عن ثغر النباهة خاملُهُ
وخيّم في أرجائه المجدُ والعلى وجاد به طلُّ السماح ووابلُهْ
ملوكٌ لهم فضل بأبلج منهم محافله تُزهى به وجحافلُهْ
تزرُّ على الليث الغضنفَر درعُه وتُلوى على الطود المنيف حمائلُهْ
يفيضُ علينا كل يوم وليلة بلا سبب إفضالُه وفضائلُهْ
يُثيب على أقوالنا متبرعًا على أنها من بعض ما هو قائلهْ
بكم شرفَ الإسلامُ وانتصر الهدى وقامت قناة الدين واشتد كاهلُهْ
وأصبح منكم مجدُه وجلاله وفارسه يوم الهياج وكافلُهْ
يتلوه أخباري مع عمه فارس المسلمين أخبار بدر بن
[ ٩٨ ]
رزيك فارس المسلمين أخي الملك الصالح اختصني بأنسه، واصطفاني لنفسه، واستغنى بي عمن ألفه، وسلا بي عمن عرفه، وساهمني في جميع أسراره، وغوامض أخباره، وكانت حاشيته تلوذ بي فيما يرجونه ويخشونه منه ووجدته سليم الصدر، من كدر الغدر، حمل إلي مهرًا كميتًا بعدته فشكرته بقصيدة منها: [طويل]
فدى لبنى رزيكَ قومٌ رفعتُهم بمدحي ولما يرفعوا لثنا قدرا
لقد زهدتني في رجالا صلاتكم ومن شام نور الشمس لم يحمد الفجرَا
بعثتَ بطرفٍ يسبق الطرفَ عفوهُ وتغدو الرياح الهوجُ من خلفه حسرَى
حكى الوردَ والياقوتَ حسنًا وحمرةً وتاهَ فلم يرضَ العقيقَ ولا الجمرا
وأرسلتُه في الحسن وثرًا كأنني أطالب عند النائبات به وِثرا
نذِرْتُ ركوب البرق قبل وصوله فوفيتُ لما جاءني ذلك النَّذرا
زففتُ القوافي في عُلاك عرائسًا فساق لها الإحسانُ في مهرها مهرًا
[ ٩٩ ]
ولما قتل لصالح هاجت، القاهرة وماجت، وذل الجرى، وخاف البري، فلم أشعر حتى وصلني أحد غلمانه بخمسين دينارًا وقال إنه قد جاءنا من هذا الأمر ما يشغلنا عنك وإنا لا ندري ما تكون العاقبة فانقل أهلك إلى مصر ورتب أحوالهم بهذا الذهب فانتقلت إلى مصر وصعدت إليه فوجدته في قاعة البحر وهو لا يوصل إليه لفرط الزحام عليه ثم بصر بي فأومى لي بيده أن أدور من ناحية أخرى ففتح الخريطة وقبض لي منها قبضة بلا عدد زادت على الثلاثين وقال اشترِ بهذه الدنانير على وجه العيد ما يحتاجه أهلك فإنا عنك مشاغيل فقلت من قصيدة أشكره على ذلك.
[طويل]
وفي كل يوم لا تزال صلاتُكم إلى منزلي تُبدي الندى وتعيدُ
وأعجبُ ما شاهدتُ إحسانُ كفّه إلى وقد عضَّ الحديدَ حديدُ
ولم تُلْهِه عن عادة الود مِخنةٌ بها الرمح غاوٍ والحسامُ رشيدُ
[ ١٠٠ ]
رآني لو رأت يابسَ الثرى لأينعَ مخضرٌ وورقَ عودُ
وما الجود إلا فطنةٌ وتيقُّظ وما البُخل إلا حيرةٌ وجمودُ
وأحسنُ من نُعماه عندي كرامةً صديقي عليها كاشحٌ وحسودُ
وخلع علي يومًا وحملني على حجر فقلت أشكره من قصيدة: [بسيط]
قد كثَّرتْ عدد الحُسّاد أنعمه عندي وما كثَّر الحسادَ كالنِعَمِ
كم رحتُ عنه أجرُّ الذيل من خلعٍ أعلامُها كرياض الحزن والسلَمِ
إن كنتَ أحسنتَ فالإحسانُ أنطقني والشكرُ من نفحات الروض للديمِ
سكرُ لقوافي على مقدار ما شربتْ من خمرة عُصرتْ من كرمة الكَرَمِ
وقال من قصيدة يذكر حريق منظرته على الخليج بعد نصف الليل ويذكر داره الأخرى وما فيها من الستور وتصاويرها وقاطعها.
[كامل]
[ ١٠١ ]
وأرى السعودَ لها عليك وفادةٌ تصل الهواجرَ والمدياجرهَ والسُّرَى
فلو اقترحتَ على الزمانِ شبيبةً سلفَتْ أتاك بها المشيبُ مبشرًا
لم تحترق دارُ الخليج وإنما شبتْ لمن يسرى بها نارَ القِرَى
طلبتْ يفاعَ الأرض دون وهادها فتوقدت في رأي شامخة الذرى
أو هل تزور النارُ ساحةَ جنةٍ أجريتَ فيها من نداك الكوثراَ
أنشأتَ فيها للعيون بدائعًا زفتْ فأذهل حُسنُها من أبصرا
فمن الرُّخام مسيَّرًا ومسهَّمًا ومنمنَمًا ومدرْهَمًا ومدنَرًا
والعاجَ بين الآبنوس كأنه أرضٌ منالكافور تُنبت عنبرًا
قد كان منظرها بهيًا رائقًا فجعلتها بالوشى أبهى منظرَا
وكذاك جيدُ الظبي يُحسن عاطلًا ويرقك البيتُ الحرامُ مستَرَا
ألبستها بيضَ الستور وحمرَها فأتت كزهر الورد أبيضَ أحمراَ
فمجالسٌ كسيت رقيمًا أبيضًا ومجالسٌ كسيتْ طميمًا أصفرَا
لم يبقَ نوعٌ صامتٌ أو ناطقٌ إلا غدا فيها الجميعُ مصوَّرَا
فيها حدائقُ لم تجدها ديمةٌ أبدًا ولا نبتت على وجه الثَّرَى
[ ١٠٢ ]
والطيرُ مذ وقعتْ على غصانها وثمارها لم تستطع أن تنفرَا
لا تعدمُ الأبصارُ بين مروجها ليثًا ولا ظبيًا بوجرةِ أعْفَرَا
أِنستْ نوافر وحشها بسباعها فظباؤها لا تتقي أسدَ الشرَى
وبها زرافاتٌ كأن رقابها في الطول ألويةٌ تؤمُّ العسكرا
نوبيةُ المنشى تُريك من المها رَوْقا ومن بزل المهاري مشفَرَا
جُبلتْ على الإقعاء من إعجابها فتخالها للتيه تمشى القهقَرَا
يا أيها الملك الذي اعتصمتْ يدي منه بحبل غير منفصم العُرَى
اسمع جواهر خاطرٍ لو لم يَغُضْ في بحر جودك لم يقلْ ذا الجوهرَا
روَّى منابتَ كرْمها الكرَمُ الذي أضحى بينبوع النَّدى متفجرَا
واتفق حضوره ليلةً مجلس أخيه الصالح والشعراء تنشد المدائح في مجد الإسلام بسبب نوبة بهرام وليس له فيها ذكر وكان الفتح له ولضرغام وكنت لا أقدر أن أذكره في القصيدة خوفًا من رزيك لأن كل من كان من أصاب رزيك أخذ الإنعام ومن كان مع فارس المسلمين حرم حتى أن الأمر بلغ به أن سيرني إلى ضرغام أخطب واحدة من بنات أخويه ملهم أو همام لولده
[ ١٠٣ ]
العماد قصدا منه في الاعتضاد بهم وعمل القاضي الأعز في القضية شيئًا يظن قوم أنه شعر ذكر فارس المسلمين فيه فلما زرته من الغد قال فتحتي ولا أنت وأنت صاحبي قلت فأنى يمكنني أن أجعلك إضافةً في مديح غيرك قال فهاتِ ما عملت لي على الانفراد فلعله أن يزيل ما عندي من العتب عليك ولم أكن عملت شيئًا قلت له في غدٍ إن شاء الله ثم بت ساهرًا ليلي كله حتى غدوت عليه بقصيدة أولا: [طويل]
نسيبٌ ولكن بالقنا والصوارم ومدحٌ ولكن للعلى والمكارمِ
ومقتضباتٌ من قوافٍ كأنها جواهرُ لم تعبث بها كفُّ ناظمِ
شغلتَ بأوصاف لمظفَّر خاطرا يرى مدحه إحدى الفروض اللوازم
إذا عرضتْ لي مقرباتُ جياده نسيتُ بها سرب الظباء النواعمِ
[ ١٠٤ ]
وإن بسمتْ يومًا بروقُ سيوفه ذهلتُ بها عن بارقات لمباسمِ
أراك إذا قارءتَ يا بدرُ خطةً من الدهر لم تقرع لها سنَّ نادمِ
ولله عزمٌ ليلةَ السبت أسفرتْ صبيحتُه عن مُسفِر الوجه باسِمِ
طويَ بساط الأرض في نصف ليلة كأنك طيفٌ زار أجفانَ نائمِ
كتمتَ السرَى حتى كأنك في الدُّجى خيالٌ ملمٌ أو سريرةُ كاتمِ
تخوفتَ منها أن تنمَ إليهمْ بمسراكما والريح أمُّ النمائمِ
توهم بهرامٌ أو يوسفُ ضلةَ من الرأي لم تخطر على وهم واهمِ
لقد قسم الرحمنُ بينهما البلا بما فعلا والله أعدلُ قاسمِ
فهذا له بالأسر فقرُ وذلّة وهذا له بالقتل حزُّ الغلاصمِ
ولم أورد منها هذه الأبيات إلا شاهدًا للحال الجارية فرضى وتضاعف إكرامه وإنعامه واجتمع هو والصالح ورزيك في وليمة عنده وفيها عقدٌ للعماد ابنه بتقدمة زمّ أو شيءٍ أنسيته
[ ١٠٥ ]
قلت من قصيدة كلها جيدةٍ؛ [وافر]
فمن عثرتُ به قدمٌ فإني بمصرٍ قد عثرتُ على المرادِ
حللتُ بنيلها فوجدتُّ نيلًا كفاني منةَ الوَشْل الثِمادِ
ولما زاف عندي كلُّ نقد وميَّزْ بهرجَ الناس انتقادي
جعلت إلى بني رزيك قصدي فأولوني الجميلَ بلا اقتصادِ
بذلتُ لمجدهم غُرَّ القوافي بما بذلوه من غُرّ الأيادي
همُ جعلوا لساني بالعطايا خطيبَ نداهمُ في كل نادِ
منها في الصالح:
مطاعُ الأمر تقسَم من يديه على الآمال أرزاقُ العبادِ
واذكر يومًا أني كتبت غليه هذه الأبيات أسئلة أن يجعل جاريَّ فيما يستخلصه غلامه صابر الدولة من راتبه والشريف الجليس
[ ١٠٦ ]
يومئذ ناظر مع ابن دخان في الديوان وهي: [سريع]
قل لأبي النجم الذي منُّه كمنّة النجم على الساري
وحقِ نعمائك وهي التي أعدُّها من نعمة الباري
ما يَملك الخادم في وته الح اضر شيئًا غير دينارِ
والويل للشعر إذا لم يصل وأنت لي عونٌ إلى الجاري
وصابر الدولة أقوى على العُ صفور من ظفري ومنقاري
فوزن المبلغ من خريطته وأمر صابر الدولة باستخراجه وكنت قد شرعت في مرمة دار سعدٍ الافتخاري فكتبت ليه: [كامل]
يا سيدا أوصفُه درجُ المديح إلى الفخارِ
اسمعْ فديتُك قصتي متفضِلًا وأقلْ عِثاري
هي قصة نتفتْ سبا لَ الشعر بل سلبتْ شِعاري
[ ١٠٧ ]
لا أستجير حديثَها إلا بحُكم الاضطرارِ
أوقعتُ نفسي جاهلًا في دار سعدِ الافتخارِي
غلطتُ فيها غلظةُ أزرتْ بقدري واقتداري
ضرب الظَّهيرُ ببذلها منّى الفقارَ بذي الفقارِ
وظننتُ شرَ بليتي فيها يؤول إلى اختصارِ
وإذا العِمارة لا يليق بغير أرباب اليسارِ
وكفاك شرًا أنني بِعتُ المُوطَأَ والبُخارِي
لم أدرِ أني عندها كمبحَّر في ألف خارِ
لما كشفتُ عيوبها أكسلتُ بعد الانتشارِ
دارٌ هممتُ بتركها ولو أنها دار القرارِ
وعلى نداك معونتي فيها فقد وقفتْ حمارِي
وتسابق فرس صالحي وفرس فارسي فسبق الفارسي فعز ذلك على الصالح وعلى ابنه ولما كان بالليل مجلس الأنس أعاد الجماعة
[ ١٠٨ ]
ذكر السبق فقلتُ ارتجالًا في المجلس.
[طويل]
سأحكم في أمر السباق حكومةً تُبرهن عن فصل الخطاب وتنطقُ
رأيتُ الجواد الفارسيَّ وقد أتى أمام الجواد الصالحي يُحلّقُ
فقلتُ لقوم لا تظنوه سابقُ فما هو إلا حاجبٌ ومُطرِّقُ
جوادان كلٌّ منهما في رهانه بأخلاق مولاه غدا يتخلقُ
فقال الجماعة فتحت لنا باب لعذر بقولك حاجب ومطرق ثم اجتمعت بفارس المسلمين فأشرت عليه بحمل الفرس إلى أخيه ومحاسن المديح فيه تخجل من إحسانه أخبار الأمير عز الدين حسام وهو يضرب من خؤولة الصالح لأمة بسهم أغنته شهرته عن أبيه وعمه همته عصامية، وراحته غمامية، أول معرفتي به أني في سنة إحدى وخمسين أقبتُ رسولًا من أمير الحرمين ووجدته واليًا بعض مراكز الصعيد وقد سمع بخبري عند ناصر الدولة بقوص فأعد لي ضيافة على ساحل النيل وصلت معي لكثرتها إلى القاهرة ثم لم يلبث أن صرف فتأكدت المعرفة والصحبة وحين قدمت في الطريق
[ ١٠٩ ]
الثانية أرسل إلى منزلي ذهبًا وغلة وغنمًا ثم اتصل افتقاده وكسواته ولما ولى لحبرة استدعاني بكتاب واستأذن الصالح في انحداري إليه فوصلني بعين وثياب وغلة وغنام ودواب وفرس تزيد قيمة الصلة عل خمس مائة دينار ولم أقم عنده سوى ليال ثلاث وهو بكوم شريكٍ وعمل شعرا في الصالح يسئل الصرف وسيره على يدي وتكدر صفوه وتقاصر بره بميلي إلى فارس المسلمين وبسبب بعض أهل الأدب كان تغيره علي ولما بعد قدومه من دلجة وراح شاور إلى الواحات استأذنت الناصر رزيك في السلام عليه فقال والي الآن لم تسلم عليه وله في جزيرة الذهب ثلاثة أيام فمضيت إليه وعاتبني على انقباضي عنه ثم قال ما الذي أعددت لي من ضيافة قلت حسن الظن فيك وأليقه بكرمك فقال تناول ما تحت المخدة فوجدت خمسين دينارًا ثم قال
[ ١١٠ ]
لي إني كنت سيرت إلى كل واحد من الجلساء على يد وكيلي بصلة وأغفلتك قاصدًا لعتبي عليك في انقطاع مديحك عني ثمانية عشر شهرًا قلت له لم أزرك إلى البحيرة إلا بكتابك فلو فعلت ذلك زرتك قال حديثنا في غير هذا ثم أتيت إليه بعد دخول القاهرة بقصيدة فقال أوقفني عليها قبل أن يسمعها غيري فإن كانت جيدة فقد أعددت لها جائزة جيدة قلت لا تسمعها إلا مني ثم أنشدته قول البحتري: [كامل]
اسمعه من قوالةٍ تزددْ به عجبًا فحسنُ الورد في أغصانه
ثم أنشدته القصيدة فملأ يدي ذهبًا ولم تلبث أيامهم أن زالت ولما عاد من دمنهور في نوبة طرخان تذاكرنا أحوال من تسمو نفسه إلى الوزارة فقال لي ما أخاف على ملكنا إلا من شاور لا غير وكانت دعابته كثيرة الودك لا يغسلها الاعتذار وكانت نفسه ملوكية الرئاسة تنمو وتسمو تهب الكثير وتحتقره
[ ١١١ ]
يحذو على مثال الصالح في ارتياض النفس بالمعارف ومحبة أهلها فما قلت فيه أشكره [بسيط]
يا سائلي عن فروض الجود أو سننهْ وعن مناقب من يمشي على سننهْ
إن المظفَّر عزّ الدين أكرمُ من عرفتُ في الزمن الماضي وفي زمنِهْ
وما مدحتُ أنا الماضي مجازفةً لكن شهدتُّ بما شاهجتُّ من مننِهْ
لم يستفد عاذلوه بالملام له فأطلقوا جودَه يمشي على رسنهْ
تفيض بالبذل عند العذل راحتُه كأنّ راحته تصغي إلى أذُنِهْ
وقت أشكره: [بسيط]
إني غنيتُ بعزّ الدين عن نفرٍ خطي المديح إليهم من خطاياهُ
أغرَّ تندى قوافي الشعر إن ذكرتْ أخلاقه الغُرُّ فيها أو عطاياهُ
فلو لمستَ القوافي أو أشرتَ إلى ألفاظها قطرتْ منها سجاياهُ
[ ١١٢ ]
ولما ثار طرخان من الإسكندرية يطلب الوزارة ندبه الصالح ووردًا غلام الصالح ليهجما عليه في البحيرة قبل أن يعدى إلى الغربية في غلمانهما فسارا من البحيرة صلوة العصر أو بعيدها وهما على طرخان بدمنهور في زقت صلوة العصر من اليوم الثاني فكسراه وهرب تحت الليل فقلت أمدحه وأذكر الحال من قصيدة أولها [كامل]
بهرت مناقب مجدك الأوهاما واستبعدت حسناتك الأفهاما
ونصرت ألوية الهدى بوقائعٍ أصبحت فيها يا حسامُ حساما
ألونْ بطرخانٍ بوادرك التي سبقت غليه الظنَّ والأوهاما
لولا الفرار وساتر من ظلمة قسماته منها أشد ظلاما
لجعلته للبيض أول مغنم وقسمته بشفارها أقساما
وخلقت من صمّ الصعاد لرأسه جسما يزيد على الجسوم تمامًا
[ ١١٣ ]
رام الوزارة خاطبًا فأجبته بفوارس أسلته عما راما
قد كان هام بها فلما عقته عن وصلها ركبَ الفرار وهاما
ولقيته حين استدعاني إلى البحيرة بقصيدة أولها [كامل]
أنسيم عرفك أم شميم عرارِ وسقيم طرفك أم سفيحُ غرارِ
جادت محلك بالغميم غمامةٌ تخلى بوادر دمعي المدرارِ
لا تبعثي طيف الخيال مذكرًا فهواك يغنيني عن التذكارِ
منها:
وإلى البحيرة لا إلى صوب الحيا طارت بنا العزمات كل مطارِ
لبيك من داعٍ أتيتُ ملبيًا لما دعا والثغر فيه شعاري
وردتْ أوامره على فمذ اتا ني أمرهُ لم يستقرَّ قراري
فارقتُ في قصدي لبابك حضرةً شرفتْ بها مصر على الأمصارِ
متيقنا أني بقصدك لم أغب عنها ولا عن مجلس السمارِ
لك من بني رزيك بيتٌ خلقتْ أقداره بقوادم الأقدارِ
[ ١١٤ ]
إن أيدوك وأيدوا بك ملكهم فلكم يمين أيدت بيسار
لما غدوتَ أبا المهند عندهم سِرَّ الضمير وفارس المضمارِ
عقدوا عليك خناصرَ الثقة التي تزهتَ صافيها عن الأكدارِ
منها
لنا وليتَ على البحيرة أصبحت حرمًا رخيص الأمنْ والأسعارِ
أمنتها حتى توهمَ أهلها أن لا يروعَ ليلهم بنهارِ
وحميت قطريها فليس بجوها ريحٌ تهبّ ولا خيالٌ سارِ
من مبلغٌ عني العواذلَ أنني ضيفٌ لرحب الباعِ رحبِ الدارِ
ملكٌ عيبَ عيبَ بأنه عاري المناكب من ثيابٌّ العارِ
قد قلتُ من حسن الثناءِ قصائدٌ ركبتْ إلى التيار في التيارِ
قد قلتُ إذ قالوا أجدت مديحه شكرُ الرياض يقلُّ للأمطارِ
مختارُ قيسٍ حاز مختارَ الثنا ما أحسنَ المختارَ في المختارِ
[ ١١٥ ]
وهي طويلة فخلع على بدلة مذهبة ووصلني بمال وناب عني وقد جرى ذكري فقال خيرًا وأخبرني الشيخ الجليس أبو المعالي ابن الحباب بذلك فقلت أمدحه وأشكره من قصيدة طويلة منها [طويل]
وقدمك السعيُ الحميدُ إلى العُلى ومن لم تقدمه المساعي تأخرًا
أقول لمن أطرى على الجود حاتمًا وكعبا ويوم البأس عمرًا وعنترًا
أما وأبي الماضي لقد قال مجده دعِ الخبر الماضي وحدث بما ترى
لئن أحسنتْ فيه القوافي فإنه رآني بعين لا يراني بها الورى
أضاف إلى الجود الكرامة واستوت نيابته عني مغيبًا ومخضرًا
وألبسني الموشى من حبراته فألبسته وشى الثناءِ محبرًا
وحالفني فالجود منه مكرر ومني له المدح الذي ما تكررا
وإني وإن أهديتُ من حسناته إلى سمعه القول الذي ليس يفترا
[ ١١٦ ]
أذمُّ إليه خاطرًا كلما جرى إلى شكر ما أولى من الجود قصرًا
ولو بلغتني ما أريد بلاغتي نظمت له نثر الكواكب جوهرًا
ولما خيم على جزيرة الذهب من الجيزة بعد نوبة ولجة ورجوع شاور إلى واحات عديت إليه بعد العشاء الأخرة والمشاعل قد كشفت الأشخاص من بعد والناس عنده على السماط فقالوا له هذا شخص واصل من المعادي فقال ما زيه قالوا زي القضاة قال هو فلان لأنه لم يبق أحد ن أهل القاهرة ومصر حتى جاءني إلا هو قالوا هوهو ثم قال لورد عش الناس وقام من السماط إلى الخيمة فجلس لي حتى سلمت عليه وكان أبوه نائمًا في الخيمة فقال له ادع لنا الخيمة نتفسح أنا وفلان ثم قال هات حدثني بأي عين عندكم ولا تجاملني قلت له أنت الأمير عز الدين حسام قال لا غير قلت لا غير وكأنه أراد مني أكثر من ذلك فقال الله ولولا أنا ودفاعي لشاور لعز على صاحبك فارس المسلمين شرب النبيذ على الأغاني في مناظر الخليج ثم قال لي ما ألفت من مناصحتك في المشورة فإني
[ ١١٧ ]
أشكر لك مشورات كثيرة قلت كم في ركابك من الغلمان قال خلق كثير قلت ومن السودان الذين يحملون السلاح قال جماعة فيها كثيرة قلت فإني أرى لك ألا تركب ومعك من السودان ا؛ د ولا من الركابية أكثر من عشرة ولا تتشبه بخالك إلى نزق الشبيبة عزة الملك وسوء التخيل منك والأجلان بدر وحسين جليساه وبينك وبينهم ما تعلم والشاعر يقول: [طويل]
متى يفلحُ الإنسانُ فيما يرومه وأعداؤه عند الأمير جلوسُ
قال نصحتني ولم يلبث أن دخل القاهرة فأنشدته قصيدة أعاتبه فيها وأمدحه أولها: [طويل]
قليل لك المدحُ الذي أنت فخرهُ ولو كان من نظم الكواكب نثرهُ
فسامحْ فما في مادحيك بأسرهم فتىً فكَّ من ربقِ انتقادك أسرهُ
فأنت الذي أغنى عن المسك نشرهُ ثناءً وأحيا ميتَ الجود نشرهُ
[ ١١٨ ]
منها العتاب والاستماحة
فيا بحرَ جود طبق الأرض مدُّه ولم يك إلا دون أرضي جزرهُ
ويا وابلا بم يحظَ روضى بطله وقد عمَّ أقطارَ البسيطة قطرهُ
فأنعمْ بما عودتني من كرامة فوجهك معروفٌ نداه زبشرهُ
وليس بمثلي ثروةٌ تستفيدها ولكن به بعد الكرامة حقرهُ
ولي سابقاتٌ من وداد وخدمة يسرك سرُّ العبد فيها وجهرهُ
عمارتكم عمارُ بيتكمُ الذي به طل باعُ للثناء وعمرهُ
تخيركم دون الملوك فقد غدا إلى جودكم يعزى غناه وفقرهُ
وأنت الذي لا يعتريني نقيصةً إذا مر ذكري في القوافي وذكرهُ
وعندي من الشعر الملوكيّ ينتقى من اللؤلؤ المكنون باسمك درهُ
ومنها في ذكر رجوعه إلى الصعيد
وما الدهرُ شيء غيرُ ما أنت فاعل وإلا فما الليل البهيم وفجرهُ
فأوصِ بنا صرفيه خيرًا فإنه إليك انتهى نهُى الزمان وأمرهُ
فإن يفعل الحسنى فأنت دللته عليها وإن يذنبْ فإنك عذرهُ
[ ١١٩ ]
فقال لي أحسنت ولكن القصيدة ما يتوجه فيه الانتقاد على حزمك وعلى أدبك فأما الحزم فلو وقعت القصيدة في يد عدو لك آنذاك عند زريك وأما الطعن عليك من حيث الأدب فإنك أفرغت وسعك في المدح ولم تترك بيني وبين الخليفة والوزير غاية ترقيني إليها قلت أما التعرض للخطر مع السلطان فأنا واثق بك أنها لا تصل إليه وأما قولك أني لم أترك للخلافة والوزارة غاية من المدح إلا وقد مدحتني بها فدعني من قولك والله لو نثرت عليك عقد الجوزاء لاعتقدت أن حقك فوق ذلك فضحك وكان هذا آخر شعر لقيته به لأنه لم يبلغ إلى الصعيد إلا وقد توجه شاور من واحات يطلب البحيرة فذكر الله أيامهم بحمد لا يكل نشاطه، ولا يطوى بساطه، فقد وجدت فقدهم، وهنت بعدهم.
وممن يرتفع عن الأمراء بأبوة الوزراء حسان الدين محمود بن المأمون وإني لم أشعر في غداة عيد الفطر سنة إحدى وخمسين حتى وصلتني منه بدلة من ثياب الملوك وخاصة ما يستعمل لهم ويلبسونه في المواسم من غير معرفة لي به ولا مكاثرة له ولا معاشرة ومع الغلام الواصل بها رقعة منه كتبت
[ ١٢٠ ]
على ظهرها ارتجالًا مع رسوله [خفيف]
قد آتتني تلك اليد البيضاء والأماني مصونةُ والرجاءُ
منة لا يلوح منُّ عليها وابتداءُ لا ينتديه ابتداء
فتقبلتها وقبلت منها موضعا مسَّه الندى والسخاء
وتخيرت في المكافاة عنها فإذا خيرُ ما ملكتُ الثناءُ
فبعثتُ المديح يشكر عنّي منةً تركُ شُكرها فخشاءُ
وعلى أنني وإن كنتُ متن تتحلَّى بشعره الجوزاءُ
فيدُ الشكر والمحامد أرضٌ ويدُ الفضل والجميل سَماءُ
ومن آل رزيك الأجل سيف الدين الحسين بن أبي الهيجاء صهر الصالح كانت الأخبار قد ترامي إليه بخبر وصولي إلى عيذابَ وقوصَ فلما وصلت إلى العدوية تركت العشارى بها وركبت حمارًا وأتيت على بئر الدرج والقرافة واجتمعت به في خزانته من دار الوزارة عند المغرب وأنا ضاربٌ لثاما ومخففٌ عمامتي ومجرس صوتي فقلت له أنا رسول الرسول إليك وجميع حاجته أن تحمل عنه مؤونة السجود عند السلام
[ ١٢١ ]
على الخليفة والوزير فقال أما السجود للوزير فأنا أحمله عنه وأما الخليفة فأنا أجتهد في تخفيف الحال وأما رفعها بالجملة فلا أقدر ثم قال لي وما الذي يحسن هذا الرجل قلت هو فقيه وعنده طرف من الأدب فقال تعني شاعرًا قلت نعم قال هذه نقيصة في حقه ثم دعته وركبت الحمار وخرجت من القاهرة ليلًا فبت مصر ولما اجتمعت بسيف الدين في اليوم الثاني قال لي اجتمع بي كاتبك البارحة فأما السلام على السلطان فيكون في هذه الساعة فلما استدعى للغذاء عند السلطان قال عندي رسول صاحب مكة وكنت أظنه عاقلًا وإذا هو ناقص قال له الصالح وبأي شيء عرفت نقصه قال لكونه يحسن شيئًا من هذا السُّحت الذي تعلمته أنت والجليس وابن الزبير قال الصالح لعله شاعر قال نعم قال الصالح هاته هاتِ الرجل ثم انشد الصالحُ [بسيط]
إن الذي تكرهون منه ذاك الذي يشتهيه قلبي
[ ١٢٢ ]
وبالغ سيف الدين في إكرامي وقضاء حوائجي ومن مجلسه عرفت أعيان الأمراء وتوجهت إلى الحجاز واليمن وأنا من أشكر الناس له وأكثرهم ثناءً عليه ولمّا حججت سنة وهمسن لقيت بمكة قومًا من أصحابه في المذهب ولا علم لي بهم فجرى بيني وبين رجال منهم مذاكرة في مسألة كنت فيها مستظهرًا عليه وخرجت من مكة إلى اليمن وعاد ذلك الرجل إلى سيف الدين فنسبوا إلى القول في مذهبهم ما غير نية سيف الدين ورجعت إلى مكة حاجًا في الموسم الثاني فوجهني أمير الحرمين ثانيةً إلى الصالح أعتذر عنه في مال تناوله خدمةً من التجار فلما قدمت قوصَ كتب سيف الدين ملطفًا إلى عز الدين طرخان وإلى الصعيد الأعلى بأن يعوقني عن الانحدار وعن الرجوع إلى اليمن والحجاز وأن يقطع عني رسم الضيافة حتى يرد أمير الحرمين ما أخذ من أموال التجار ولما وصلت إلى مصر كتبت إلى الصالح بخبر قدومي فاعترض سيف الدين
[ ١٢٣ ]
وتقدم إلى أصحاب الديوان ودار الضيافة أن لا ينزلوني ولا يطلقوا لي رسم الضيافة ومرضت شهرًا ثم عوفيت فلقيت سيف الدين بقصيدة زال بها ما عنده وعاد إلى أفضل عاداته وضاعت القصيدة فيما نهب لي عند حريق القاهرة وقتل ضرغام ثم قلت فيه قصيدة أخرى أشكره على ما تجدد من جميل رأيه أولها وعرضت به في الغزل.
[بسيط]
تيقنوا أن قلبي منهم يجب فاستعذبوا من عذابي فوق ما يجب
وأعرضوا ووجوه الودّ مقبلةٌ وللمكلَّفٌّ قلبٌ ليس ينقلبُ
ولو قدرتُ لاسلاني عقوقهم وكم عقوقٍ سلتْ أمٌ به وأبُ
إن م يكن ذلك الإعراضُ عم مللٍ فسوف ترضيهم العتبى إذا عتبوا
وإن تكدّر صافٍ من مودتهم فالشمس تشرق أحيانًا وتحتجبُ
منها:
لم ترضَ عيذابُ أني مسني نصبُ من أهلها وجرى لي منهم شغبُ
حتى لقيتُ بقوصٍ لا سقتْ أبدًا أكنلفَ قوصٍ ولا من حلَّها السحتُ
[ ١٢٤ ]
عوارضًا كشفَ المريخُ صفحته فيهمنَ والمشتري عنهن مختجبٌ
وكان إعراض سيف الدين أكبرَ ما لقيتُ والبحرُ تنسى عنده القلبُ
أتيتُ من مأمني فيه وفاجأني ما لم تكن أعينُ الآمال ترتقبُ
وأرجف الناس حتى قال قائلهم يا رائد الحيّ لا ماءٌ ولا عشبُ
فقلت هل أقفر الوادي أم افترق الس نادي أم انحلّ ذاك العقدُ والكربُ
فقيل بل جملةُ الأحوال حالية ومعقلُ العزّ معمورُ القنا أشبُ
وإنما المجلسُ السيفيُّ منحرف فإن تعذَّر مأمولٌ فلا عجبُ
وكيف لا تعرضُ الدنيا متابعةً لرأيه وهو في إقبالها السبُ
لولا شفاعته الحسنى ونائله ال أسنس لما أنجح المسعى ولا الطلبُ
يا جامع العزّ والتقوى وبينهما بونٌ بعيدُ المرامي ليس يقتربُ
قد بان لي منك أمرٌ كنتُ أجهله وغامضُ العلم بالتدريج يكتسبُ
بأنكِّ المرءُ في أهل وفي وطنٍ لكنه بالسجايا البيض مغتربُ
ضافي المروءة لولا فضلُ نخوته ودينه أدرك الواشون ما طلبوا
وكيف ينفقُ زورٌ عند مجلسيه والغالبان عليه الدين والحسبُ
[ ١٢٥ ]
وعاد معي إلى أفضل ما كان عليه من الانبساط وسماع الفضيلة والنادرة والضحك فكنت لا أجتمع به إلا إذا حجب الناس وقام فإني أقعد عنده حتى يقوم فأتحدث معه بما يخف عليه من أنواع المحاضرة والمذاكرة فأذكر يومًا أنه توضأ ومسح رجليه ولم يغسلهما فتناولت الإبريق فسكبت الماء على رجله فجذبها وهو يضحك فقلت له إن كان الحق معكم في مسح الرجلين يوم القيامة فما نُعطى ولا نعاقب على غسلهما وإن كان الحق معنا في غسل الرجلين خرجتم من الدنيا بلا صلاة لأنكم تتركون غسل الرجلين وهو فرض فكان يقول لي بعد ذلك الله لقد ادخلت على قلبي الشك والوسواس بكلامك في مسألة الوضوء وقال لي يومًا ونحن على خلوة أعلمت أن الصالح طمع فيك أن تصير مؤمنًا من يوم دخل الأشتر بن ذي الرئاستين في المذهب ولولا طعمه فيك أن ترجع إلى مذهبه ما سامح ابن ذي الرئاستين بدرهم
[ ١٢٦ ]
فأنشدته قولي: [مجتث]
مجالس الأنس تطوى على الذي كان فيها
فقال قل ولا حرج قلت لو لم أكن على بصيرة من مذهبي لمنعتني النخوة من التنفل فكان بعد ذلك يقول للصالح ما لكم فيه طمع فاتركوه.
وأما طي بن شاور فإن جميع ما قلته فيه نهب من دار الخليج ولم تطل مدته بل كان لي مكرمًا وإلى محسنًا هو الذي زادني في الراتب خمسة عشر دينارًا إقامة وأطلق لي في القوت مائة اردب وستين وأطلق لي رسم الشعير لخيلي ورتب لي عشرين اردبًا من القمح في كل شهر وعشرة شعيرًا ورتب لي من خريطته خارجًا عن راتبي وهو أربعة وعشرين دينارًا وخلع على ثلث مرات وحملني على مهرة دهماء وبرذون وأطلق
إذني عليه وقبل شفاعتي إليه وأذكر ليلة أنه استدعاني وقد
نمت فركبت ومعي مشعل من عنده فوجدته في دار عباس بالصاغة وقد كاد الشراب أن يغلبه فأفاض على ثيابا سنية
[ ١٢٧ ]
ودفع لي خمسين دينارًا وقال الله لو ملاك لك هذه الفسقية ما قضيت حقك لقولك في أبى؛ [طويل]
ولله في واحات أيامك التي تزيد على مر الدهور شهورها
أقمت بها تلوي حبالَ مكيدة لوى عنقَ الدنيا إليك مريرها
وقد زعموا أنّ الملوك مناهلٌ فإن صح ما قالوا فأنتم بحورها
ودخلت إليه يومًا وفي يده تفاحة كبيرة مذهبة فدفعها لي فوجدتها ثقيلة فقال لي هبها لجواريك وبقيت في كمي ولما قمت قال لمن لحقني قل له أن فيها أربعين دينارًا ورباعية فدفعتها للجواري كما أمر هذا في اليوم السابع والعشرين منه سير إلى
[ ١٢٨ ]
منزلي من الفطرة معتصمين كبيرين وسدًى من الحلاوة وعشرين دينارًا برسم العيد وفي اليوم الثامن والعشرين منه جاز رأسه على رمح تحت الطيقان والنساء يكبرن تلك الفطرة بأرجلهن ويولولن بالصراخ وكانت فيهن واحدة تحفظ قولي في الصالح [طويل]
أينسى وفي العينين صورةُ وجهه الكريم وعهدُ الانتقال قريبُ
فما زالت ٠تكرره حتى رأت ضرغام فتركت ذلك فرحم الله طيًا وأما أخبار الكامل بن شاور فإني أفتح من ذكرها كنيفًا، وأسعها ذمًا وتعنيفًا، لما ولى أبوه أعمال قوص قال لي قبل مسيره ساعدني عند فارس المسلمين أن يقرضني مالًا أدفعه للصالح قبل خروجي فما معنى أكثر من ألف وثلاثمائة
[ ١٢٩ ]
دينارًا فأخذتُ له من فارس المسلمين مائة دينار حتى حمل للصالح الفين وقال لي قبل مسيره إن العرب من العرب وقد أوصيت الكامل أن لا ينقطع عنك وعاهدني على ما أراد وتوجه فلم يكن الكامل ينقطع عن منلي في الأسبوع مرارًا إما ثلاثًا أو أكثر وربما ظل النهار كله وبعض الليل وربما طرقني سحيرًا وخرج عشيًا فما وزر أبوه [طويل]
تكلَّف لي عند اللقاء بشاشتهً وأقبحُ ما استحسنتُ بشرُ التكلفِ
ثم لزم الحجاب والإعجاب فكأنه ما يعفني وهذا غاية اللوم ولقيته بقصيدة أولها [طويل]
إذا لم يسالمك الزمانُ فحارب وباعدْ إذا لم تنتفع بالأقاربِ
ولا تحتقرْ كيدًا ضعيفًا فربما تموت الأفاعي من سمام العقارب
فقد هدَّ قدما عرشَ بلقيسَ هدهدٌ وأخربَ فأرٌ قبل ذا سد مأربِ
[ ١٣٠ ]
إذا كان رأسَ المال عمرك فاحتزرْ عليه من الإنفاق في غير واجب
فبين اختلاف الليل والصبح معركٌ يكرُّ علينا جيشُه بالعجائب
وما راعتني غدرُ الشباب لأنني أنستُ بهذا الخلق من كل صاحبِ
وغدرُ الفتى في عهده ووفائه وغدرُ المواضى في نُبوء المضارب
منها:
إذا كان هذا الدرُّ معدنه فمى فصونوه عن تقبيل راحة واهبِ
رأيتُ رجالًا أصبحتُ في مآدبِ لديكم وحالي وحدها في نوادبِ
تأخرتُ لما قومتهم عُلاكمُ على وتأبى الأسدُ سبق الثعالبِ
تُرى أين كانوا في مواطني التي غدوت لكم فيهن أكرمَ نائبِ
لياليَ أتلو ذكرَكم في مجالسٍ حديثُ الورى فيها بغمز الحواجبِ
فلم يفلح لما زالت أيامهم الأولى وصار هو وعمه صبح منقطعين إلى همام أخي ضرغام لقيت هماما بقصيدة أقول منها في حق آل شاور جريا على عاديت في حفظ من مضت
[ ١٣١ ]
أيامه [بسيط]
مآثرٌ لو تركنا شرحَ جملتها غنيتُ فيها عن التفصيل بالجملِ
منها الجميلُ الذي أبقيتَ سيرته في آل شاورَ حتى سار كالمثلِ
ما زلت توسعهم بشرًا وتكرمةٌ حتى كأنَ ليالي القوم لم تزلِ
ولستُ في هذه الدعوى بملتمسٍ شهادة ولسانُ الحال يشهدُ لي
سجيةٌ من وفاءٍ فيك لو خلقتْ في صبغة الشعرَ المسودَ لم تحلِ
فقال الكامل بعد قيام همام لا أماتني الله حتى أقدر على مكافاتك فقلت في نفسي ولو ردوا لعادوا لما نهوا عنه وإنهم لكاذبون ولم تمض إلا أيام قلائل حتى عادت الوزارة إلى أبيه وإليه فاستأنف طريقته الأولى وتضاعفت وكأن الأيام بالنكبة الأولى أغرته وأضرته على مساوي العشرة مع الخلق حتى مع أبيه فإنه كان يصل إلى داره فيحجب عنه.
[ ١٣٢ ]
وكتبت إليه من قصيدة: [طويل]
وسمتَ بنعماك الرقاب تبرعا وأجيادُ شعري ما عيهن ميسمُ
وأنسيتني حتى وقفتُ مذكرًا بنفسي وقوفًا حقه لك يلزمُ
وألغيتني حتى رأيتُ غنيمةً دخولي مع الجم الغفير أسلمُ
كأنيَ لم أخدمكمُ في مواطنٍ أصرحُ فيها والرجالُ تجمجمُ
ولم أغشَ هذا البابَ لأيام لم تكن تضايقي فيه الرجالُ وتزخمُ
كذبتُ على نفسي إذا قمتُ شاكرًا وليس لسانُ الحال عني يترجمُ
وقالوا يجملْ لا تخلّ بعادة عرفتَ بها فالطيرُ أولى وأحزمُ
وهل بعد عتادانَ تعلمُ قريةٌ كما قيل أو مثلُ ابن شاورَ يغلمُ
فلم يفلح وخاطبته بقصيدة أقول فيها: [وافر]
مضى بدرٌ فأغنى عنه طيٌ بما أولى من الكرم الجزيل
وقدمًا ما كنتُ أمدحُ للعطايا فقد أصبحتُ أمدحُ للسبيلِ
لقد طلعتْ علىَّ الشمسُ لما عدمتُ وقايةَ الظلّ الظليلِ
ولي فيه أشعار كثيرة ثابتة في الديوان لا حاجة إلى إيرادها
[ ١٣٣ ]
وأما البخل فكان مفتوح البصيرة فيه [طويل]
تسمى بأسماء الشهور فكفه جمادى وما ضمت عليه المحرمُ
ولم تكن له إلا حسنةٌ واحدة ولست أظلمه حقه فيها وهي أنه كان يردع إخوة شاور عن كثير من الظلم فإنه لولا هيبته عليهم أهلكوا الناس.
وأما الأوحد صبح أخو شاور فجاءني رسوله من سندفا بكسوة وغلة يستدعي المدح مني فكتبت إليه قصيدة منها: [كامل] لبيكَ تلبيةَ الحجيج إلى الصف=يا داعيَ الكرم المقيمَ بسندفا جودٌ تشوفَ ناظراه فزارني=كرمًا ولم أكُ نحوه متشوفًا نزهتُه عن موعدٍ يغدو الندى=بنَجازه لي آملًا ومسوفًا وافي كبادرة الغمام إذا سرتْ=فتقدمت عن رعدها وتخلَّفًا قل لي فداك الأكرمُون ولا غدت=طيرُ المُنَى إلا ببابك عكَّفَا لأمِن السماحة أن تبيت مقدَّمًا=بين المدائح قبلها وملَّفا وكتبتَ تسأل في قبول مثوبةٍ=منها ببابك منعمًا ومشرِفَّا
[ ١٣٤ ]
وهي طويلة
أخبار ركن الإسلام نجم أخي شاور لم تكن لي به أنسة ولا معرفة حتى سمعني أنشد أخاه شاور بالليل قصيدة وفيها ذكر الكامل دون أهله فلما أصبح وجه إلى رسولا فحضرت إليه فقال لم تركت ذكرى وذكرت الكامل قلت إنما ذكرته تقربا إلى قلب أبيه فاعمل قلت حتى تعمل فضحك وأمر لي بعشرة دنانير فرددتها عليه وأقسمت لا صارت إلى ثم حملت له ما يوكل وعملت له مقطوعًا فغنى به عنده وتزايدت المعرفة عن الصحبة إلى المودة والمكاشفة فدفع لي إقطاعًا بمنية أبي اليسار من السمنودية وأطلق لي من خريطته في غرة كل شهر خمسة عشر دينارًا مدة ثلاث سنين فمن الشعر الذي قلته فيه على جهة الدعابة [متقارب]
أتيت إلى بابك المرتجى فالفيتهُ مغلقًا مرتجا
فقلت لبوابه سائلًا أيغلقُ باب الندى والحجى
[ ١٣٥ ]
فقال أراك كثيرَ الكلام وعندي من الرأي أن تخرجا
وإلا نتفتُ سبالَ المديح وأتبعتها بسبال الهجا
فضرب البواب وطرده عن بابه ولم يكن له ذنب وصرف من الغربية بالفلماط وشاور والروم على الإسكندرية فغضب وعاد إلى منية غمر فركبت إليه في البحر باستدعائه وأنشدته قولي [طويل]
ولما دنا علي ركابك هزني إليك اشتياق ضاع في جنبه صبري
وحين رأيت البرَ وعرًا طريقه ركبت أخاك البحرَ شرقًا إلى البحر
وما أنا بالمجهول علم مسيره إليك ولا الخافيَّ حديثي ولا ذكري
ولا أنت بالمرغوب عن قصد بابه لقد جل عن زيد سؤالي وعن عمرو
[ ١٣٦ ]
ولا أنت ممن يرتجى لسوي الغنى ولا أنا من أهل الضرورة والفقرِ
سيسألني بعد القدوم جماعةٌ من الناس عماذا لقيت من الأمرِ
ولا بدَّ أن يجري الحديثُ بذكر ما فعلت معي فأخترْ بنا أشرفَ الذكرِ
ومن ينتجع أرض العراق وَجِلِق فمنيةُ غمرٍ مركزُ الكرم الغمرِ
ولي فيه من مقطوع [وافر]
ولا تسئلْ لجودِ يديه غيري فإنك قد سقطتَ على الخبيرِ
هو الركنُ الذي أسندتُ ظهري إليه فكان أقوى من ثبيرِ
ولستُ أخافُ أيامي ونجمٌ مجيري في زمان بني المجيرِ
حملتُ على نداه ثقل هميّ فقام وخفف عن ضمبري
واستشفع بي بعض أصحابه في حاجة فمكل بقضائها فقلت [طويل]
سأحمل نفسي عنك فعلَ مخُففٍ وأبقى على ودي وشكر لساني
[ ١٣٧ ]
تماطلني في حاجة لو بذلتها وأكرمتني أكرمتَ غيرَ مهانِ
وما أصنعُ المعروفَ إلا صنيعةُ يؤرخها شكري وفضلُ بياني
ولم يكن لسليمان بن شاور إلى من الإحسان ولا من التقصير ما يوجب ذكره.
ومن أماثل الأمراء وأعيانهم محمد بن شمس الخلافة كتبت إليه وقد انصرف من الإسكندرية أو من دمياط وقد سير إلى خمس منتخبات.
[وافر]
أيا شمس الخلافة وهو نعتٌ يصدقه جبينك بالضياءِ
رأيتُ ندى بنانك وهو أندى على العافينَ من ماء السماءِ
أبي حبِّ الصحابة في الهدايا ودان بحب أصحاب الكساءِ
تشيع جودُ كفك في الهدايا وعهدي بالتشيُّع في الولاءِ
وقلت في المعنى [منسرح]
[ ١٣٨ ]
قل للخطير الذي مكارمُه قد عظمتْ في زمانه خطرَهْ
وأقسم المجدُ أنّ صاحبه لا يتقي شره ولا أشرهْ
ليت نداه في حقّ خادمه كلُّ محبٍ للخمسة البرره
وكتبت إليه وهو بدمياط أستهديه عمامة شرب جديدة قصيدة منه: [وافر]
رأيتك في المنام بعثتُ نحوي بحامله الحيَا وهي الغمامة
فأولتَ الحيَا حياك مني وصحفت الغمامةَ بالعمامةْ
فأنفذْ لي بأطولَ من حسابي إذا أحضرتُ في يوم القيامة
ولا تك يا خطيرُ فدتك نفسي قديمةَ مدة لحقت قدامهْ
وأرسلها وختمَ الشرب فيها كخودٍ فوق وجنتها عرامةْ
كأن بياضها وجه نقيٍّ وحسنَ الرقم فوق الخدّ شامةْ
ولا تبعث بقيمتها فإني أراه من التكلف والغرامةْ
[ ١٣٩ ]
وليس القصدُ إلا تاجَ فخر يطول قامةً ويصون هامةْ
وما هذا المديحُ سوى أذانٍ فقل لنداك حيَّ على الإقامةْ
فسير تلثيمة جديدة طولها اثنان وثلاثون ذراعًا
وممن لا أقيس أحدًا من الأمراء الأكابر بمكارمه إلى وجميلة على الأمير الظهير مرتفع الثائر في أيام ضرغام من الإسكندرية يطلب الوزارة عرفته من مجلس سيف الدين حسين وكنت مجاورًا له في الصاغة بحارة الأمراء سنة إحدى وخمسين وحصلت بيني وبينه مودة أكيدة ففلما عزمت على الحج دفع لي عينا وكسوة ما ينيف على مائة وستين دينارًا وعمل لي أزوادًا منها عشرون حملة دقيق وعشرون سلة حلاوة وكعك مطابق وكساء غلماني وأهدى على يدي إلى أمير الحرمين
[ ١٤٠ ]
بدلة مذهبة وثلاثين منتخبة وأهدى لي سرية جميلة وركب معي إلى مصر يودعني ومعه القطوري وصبح بن شاهانشاه وواليها تاج الملوك بدران ثم قال إن بت في هذه الليلة عندنا وتركت السفر حصلت لك مائة دينار قلت فإني أبيت فأنزلهم الوالي دار الطاؤوس وسير مرتفع غلامة اليّ وقال قل له يدخل الحمام فدخلت الحمام فقال لتاج الملوك عب للرجل بدلة يخرج فيها من الحمام فهو ضيف السلطان وضيف أخيك ففعل ثم أخذ منه ومن القطوري والمفضل وتاج الملوك مائة دينار ثم دفع لي ستين دينارً ثمن أستاذين من عدن وخمسين دينارًا ثمن لؤلؤ يشتري له ثم سافرت ولا والله ما قلت فيه بيتًا واحدًا من الشعر فلما عدت في السفرة الثانية أخلى لي دارًا له على ضفة الخليج وحمل لي الغلة والغنم والسكر ما كفاني سنة ثم جائتني رقعة منه بخمسين تليسا قبضت ثمنها قبل أن يقبض
[ ١٤١ ]
عليه الصالح بيومين لأنها وأنا غني عنها ولما قبض عليه جاءتني رقعته من الاعتقال ومعها صندوق نحاس وديعة لم أدر ما فيه إلى أن خرج من الاعتقال في أيام رزيك فقال ما فعلت في الصندوق قلت هو مودع بمصر قال فاركب بنا حتى نأخذه فلما فتح الصندوق أخرج منه حليًا وسبع مائة دينار عينًا ثم قبض بيده قبضتين عزلهما لي ومبلغهما مائة وثلاثون دينارًا ثم سير لي من الشرقية من الغلة مائتي أردب قمحًا ولما خرج إلى الغربية في أيام رزيك وعاد إلى القاهرة بعد إصلاح ما تشعث من الغربية وعريانها لقيته مهنئًا بقصيدة أولها [متقارب]
قدومك أفرحَ قلبَ الهدى وآنسَ وحشَ عراضِ الندى
وبرد مني جوى لوعةٍ نهتْ نفسَ الليل أن يبردا
أرحتَ على الدجى أبيضًا وقد كان وجه الضحى أسودًا
منها
[ ١٤٢ ]
فدى للظهير لا أتق ملامةَ من لام أو فندا
رجالُ هم المبتدا في السماح بهم وهم خبرُ المبتدا
ينداي السماحُ على بابه هلموا فهذا مجيبُ الندا
أبا العزَ لو جاز أن تعبد الك رام لأفتيتُ أن تعبدا
رأيتك تسلف أهل المديحُ نووالك من قبل أن تخمدا
وغيرك يسدي جميل الثناءِ إليه فيذهب لغوا سدى
وكم لك عندي من منةٍ أطلتَ على الشكر فيهال المدى
وبرٍ تعودَ قصدي فلو سرى في الدجى وحده لاهتدى
أجدتَّ وعلمتني ما أقول فلا يشكرُ الشعرُ إن جودا
وحضرت معه يومًا عند عز الدين حسام في داره فلما فرغ الغذاء قام مرتفع فقال عز الدين ما في الأمراء أكرم من هذا الأحوال الأعرج ويتلوه مرتفع بن فحل قال ورد ما نرى
[ ١٤٣ ]
من كرمه شيئًا فأمر عز الدين من رده وقال له إن ولد فلان يعني ولدي محمدًا عازم على السفر إلى زبيد يأخذ أهله ويجيء قال اكتب له غنى ما شئت إلى ابن ميسر من ثمن القند الذي لي عنده قال اكتب علامتك على هذه الورقة فكتب العلامة وخرج فقال عز الدين لورد كيف رأيت قال ورد والله لا كتب المبلغ غيرك يعني حسامًا فكتب بمائة دينار وخمسين وسيرتها إلى مصر وتشاغلنا في الحديث والمذاكرة إلى اصفرار الشمس حتى جاء المبلغ بكامله فقبضته وأتيت به إلى الظهير وأعلمته الحال فقال وبقي له الزاد والحلاوة والدقيق وأربع شكائر ثم لم أشعر به يومًا بعد خروجه من الاعتقال حتى استدعاني فركبنا إلى شمس الخلافة فاشترى منه جارية حتى حملها إلىّ وقال إن زوجتي جرى بيني وبينها شر على هذه الجارية وقد وهبتها لك واحترق جميع ما قلت فيه من الأشعار
أخبار المكرم علىّ بن الزيد كان المذكور من الغلاة
[ ١٤٤ ]
المغتالين في مذهبه من غير علم وكان في الوفاء لبني رزيك نصيري الموالاة والعقيدة وحضر مع الصالح يوم قاعة الذهب فقاتل عنه أشد القتال ولم يزل يضرب بسيفه حتى انقطع من وسطه نصفين فلما لم يبق معه سيف ألقى نفسه على الصالح وهو طريح في دهليز السرداب ووقاه بنفسه فلم تزل السيوف تنحره حتى قام الصالح وتكاثر الناس وذكرته في قصيدة رثيت بها الصالح يوم نقل تابوته إلى القرافة منها في ذكر ابن الزبد.
[كامل]
أوفى أبو حسنٍ عند ما خذلت يمين أختها ويسار
لا تسئلا إلا مضارب سيفه فلقد تزيد وتنقص الأخبار
حتى إذا انقطع الحسام بكفه وانفلّ منه مضربٌ وغرارُ
منها
ألقى عليك وقاية لك نفسَه لما انتحتك صوارمٌ وشفارُ
إن لم يذق كأس الردى فبقلبه من خمرها أسفا عليك خمارُ
هي وقفةُ رزق المكرمُ حمدها وعلى رجال لؤمها والعار
[ ١٤٥ ]
وحضرنا ليلة عند رزيك في وزارته وقد جمع له كل واحد من أهل الأدب بين العزاء والهناء على عظيم الرزية، وجسيم العطية، فلما أنشدناه قال أنتم تعلمون أن الصالح لو قطع رأسه في القصر لم يصح لي ملك بعده ولولا بلاء على بن الزبد يومئذ لم يسلم رأس الصالح فمن كان منكم عاملًا شعرا فينا فليمدح ابن الزبد فعملت في ذلك قصيدة أولها: [بسيط]
أوجبتَ في ذمة الأشعار والخطبِ دنيا أبا حسن يبقى على الحقبِ
أيامك البيضُ لا تحْصى وأفضلها يومٌ خصصتَ به في قاعة الذهب
وفيتَ للصالح الهادي وقد غدرتْ به الصنائع من ناءٍ ومقترب
كان ضرغام يقول لو قلت لعدت كان أصلح من غدرت قلت إنما أردت مقابلة الوفاء بالغدر قال وعلى مقابلتك تنسبنا إلى الغدر.
فعلت فعلَ علىٍ علىُّ وقد فدى نبيَّ الهدى بل سيدَ العربِ
[ ١٤٦ ]
لما أتتك بنانُ الموت سائلةً وهبتَ روحكَ مختارًا ولم تهبِ
أقدمتَ وحدكَ إقدام الليوث على هول يمهدُ عذرَ الليث في الهربِ
آثار سيفك أجلى من روايتنا والسيف أصدقُ إنباءً من الكتبِ
أرهفته بيمين غير طائشة عند الضراب وعزمٍ غير مضطربِ
فهل بنانك أقوى أم جنانك إذ شطبت بالضرب متن السيف ذي الشطبِ
لولا حفاظك يوم القصر لاضطربت قواعد الملكِ واحتاجت إلى التعبِ
وحضر معي ضرغام دفن امرأة لي ماتت وكانت من أهل اليمن فقال أعندك حرة غيرها قلت لا قال فلا خير في دار ليست فيها حرة مهيبة ثم ذكر لي عدة نساء وقع الرأي على واحدة منهن قال ضرغام وعلى أن آخذ لك مهرها وكان حسن التأني في الحوائج عند السلطان فلم أشعر بعد يومين حتى جاءتني منه رقعة ومعها أربعون دينارًا لم أشعر ما الذي قال لرزيك حتى دفعها وسمع ابن الزبد بالحديث وكانت بينه وبين
[ ١٤٧ ]
ضرغام منافسة الضرائر فسير إلى ابن الزبد بثلاثين دينارًا وستة أباليج سكر وبدلة ثياب مذهبة ومعها ثوب ديباج أحمر بأزرار ذهب وخمس شمعات موكبية وعشرة أرؤس غنم ومعها رقعة بغير خطه فيها بيت للمتنبي وهو قوله: [كامل]
ليس الذي يعطيك تالدَ ماله مثل الذي يعطيك مال الناسِ
وولى المحلة فقلت أودعه: [كامل]
قل للمكرم والألقاب واقعةٌ على علاهُ وقوعَ النقش في الحجرِ
يا كعبةً للندى لو كنت ذا أملٍ غدًا إلى بها حجي ومعتمري
إن كنت أزمعتَ مختارًا على سفرٍ فاللهُ يُحْمَدُ عقبى ذلك السفرِ
أين المحلة من والٍ محلته من المعالي محلُّ النور في البصرِ
أثنى عليه بما يبقى بما يبقى مناقبه مذكورةً بلسان الصارم الذكرِ
وسوف تنظم أشعاري وقد نظمتْ له من المدح عقدا فاخر الدررِ
[ ١٤٨ ]
لك الأمانةُ في ودي أبا حسنٍ محمولةٌ فأقمْ إن شئتَ أو فسرِ
فقد منحتك ودًا مثل عرضك لا تسمو إلى صفوه الأيام بالكدرِ
وصادفت عند وداعه رسولا له كان بدمياط يستعمل شروبًا فدفع لي ممل إليه في تلك الساعة شقة خزائني ولفافة وتلثيمة طولها ثلاثون دراعًا رقم الجميع نسجة واحدة كان استعملهم لنفسه فبما صرف هاداني بألطاف جزيلة منها بدلة ذهبية الثوب والعمامة
وأما أسدٌ الغاوي فغاو فسد موضع جسمه من الأرض، ومكان اسمه من جريدة العرض، هذا على أنه كان يوافق في المذاهب والاعتقاد، وينافق في الانتقاد.
وأما صبح بن شاهنشاه فرفق يلم الصحبة يلين لين الفتاة، ويبعد بعد الظبي في الفلاة، لا تعرف سمينه من غثه، ولا
[ ١٤٩ ]
قويه من رثه، وليس لسوء نية، ولا لخبث طويه، وإنما عنانه في خطواته.
[بسيط]
يومًا بخزوي ويمًا بالعقيق ويو مًا بالعُذيبِ ويومًا بالخُليصاءِ
وكان شاور في وزارته الأولى قد وهب لي حجرًا دهماء تسوي خمسين دينارًا فلما خرج شاور إلى دمشق ادعاها أحد الأستاذين وجاءني صبح سائلًا فيها مع الأستاذ وقال هذه الحجر من خيل بني رزيك وما يحل لك أن تركبها وهي معصوبة وكان صبح قد تزوج بنت سيف الدين حسين فقلت له ركوبي ظهور خليهم أخف عند الله من ركوبك بطون نسائهم فقال جرى القبيح لعن الله الفرس وصاحبها ولم يراجعني بعد ذلك فيها وقال لي ويمًا لي ويمًا عز الدين حسام ما ترى في أن أزايد لورد ولأخي مؤيد حتى آخذ لك من كل واحد خلعة فقلت: [طويل]
من كلّ واحد خلعة فقلت وما لم يكن طبعًا فذاك تكلفُ
ثم قال لأخيه إنه قبيح بمثلك أن لا تحتال على مدح
[ ١٥٠ ]
فلان بشيء توصله إليه ولورد كذلك فأما أخوه فيسر لي منديلًا طوله مائة ذراع فرددته وقلت ما أريد إلا أن تشتري لي نسخة من الكامل للمبرد وكانت في عشرة أجزاء طائلة فاشتراها ثم رغب فيها فكتبت إليه: [الكامل]
يا سيّدًا قامت علاه بذاتها مستغنيًا عن نعتها وصفاتها
إن لم يكن لك في القوافي رغبةٌ فالطمْ بها وجهَ الرَّجاء وهاتها
فالأمُّ لا تأبي إذا لم تولها أصهارها خيرا طلاقَ بناتها
فغضب وقال هجوتني فقلت بل عاتبتك ولكنك لا تفرق بين الهجاء والعتب وتحاكما إلى عز الدين فقضى لي عليه وسير لي النسخة والمنديل وذهبا وصار صديقا