أبو حمزة عمارة بن أبي الحسن اليمني من أهل الجبال ونزل زبيد وتفقه بها وهو من تهامة من مدينة يقال لها مرطان من وادي وساع من مكة في مهب الجنوب أحد عشر يومًا من قحطان من أولاد الحكم بن سعد العشيرة وجد أبيه زيد ابن أحمد كان ذا قدرة على النظم الحسن، وبلاغة في اللهجة واللسن، شعره كثير، وعلمه غزير، ذكر أنه وفد إلى مصر في زمان المعروف بالفائز، وأقام بها إلى أن نكب فعطب وهو بمرارة فائز، أمر بصلبه في القاهرة صلاح الدين
[ ٣٩٥ ]
في شعبان أو رمضان سنة تسع وستين في جملة الجماعة الذين نسب إليهم التدبير عليه، ومكاتبة الفرنج واستدعاؤهم إليه، حتى يجلسوا ولدًا للعاضد وكانوا معهم رجلًا من الأجناد ليس من أهل مصر فحضر عند صلاح الدين وأخبره بما جرى فاحضرهم فلم ينكروا الأمر ولم يروه منكرًا فقطع الطريق على عمر عمارة، وأعيض بخرابه عن العمارة، ووقعت اتفاقات عجيبة في قتله فمن جملتها أنه نسب إليه بيت من قصيدة ذكروا أنه يقول فيها: [بسيط]
قد كان أولُ هذا الدين من رجل سعى إلى أن دعوه سيد الأممُ
ويجوز أن يكون هذا البيت معمولًا عليه فأفتى فقهاء مصر بقتله، وحرصوا السلطان على المثلة بمثله، ومنها أنه كان في النوبة التي لا يقال عثرتها، ولا يحترم الأديب فيها ولو أنه في سماء النظم والنثر نثرتها، ومنها أنه كان قد هجا أميرًا كبيرًا فعدوا ذلك من كبائره، وجر عليه الردى في
[ ٣٩٦ ]
جرائره وعمل فيه تاج الدين الكندي أبو اليمن بعد صلبه: [طويل]
عمارةُ في الإسلام أبدى خيانةّ وبايعَ فيها بيعةً وصليبا
فأمسى شريك الشرك في بغض أحمدٍ فأصبح في حبَ الصليب صليبا
وكان خبيث الملتقى إن عجمتَه تجد منه عودًا في النفاق صليبا
سيلقي غدًا ما كان يسعى لأجله ويُسقي صديدًا في لظى وصليبا
فمن شعر عمارة ما أنشدنيه الأمير المفضل نجم الدين أبو محمد بن مصال ببعلبك في شهر رمضان سنة سبعين [كامل]
لو أن قلبي يوم كاظمة معي لملكتُه وكظمتُ فيض الأدمعِ
قلب كفاك من الصبابة أنه لبى نداءَ الظاعنين وما دعى
[ ٣٩٧ ]
ما القلب أول غادر فألومه هي شيمة الأيام قد خلقتْ معي
ومن الظنون الفاسدات توهمي بعد اليقين بقاءه في أضلعي
وأنشدني أيضًا لعمارة اليمني من قصيدة: ووجدت له بعد موته قصائد يرثى بها أهل القصر فمن جملتها قصيدة أولها: [بسيط]
رميتَ يا دهرُ كف المجد بالشللِ وجيدَه بعد حسن الحَلى بالعطلِ
وأنشدني الأمير العضد أبو الفوارس مرهف بن الأمير أسامة ابن مرشد بن منقذ من قصيدة له في فخر الدين شمس الدولة تورانشاه بمصر عند توجهه إلى اليمن قال أنشدها وأنا حاضر وأنشدني لعمارة أيضًا في الملك المعظم شمس الدولة.
وأنشدني له أيضًا من قصيدة في صلاح الدين [طويل]
وما فكرة الإنسان إلا ذُبالة تضيء وبكنْ نورها بالهوى يخبو
[ ٣٩٨ ]
ومن شعره قوله: [كامل]
إن كان يحسب أنّ خسّة أصله تحميه من حُمتي ومن ذُعافي
فالأسدُ تفترس الكلاب إذا عدت أطوارها والأسدُ غير ضعافِ
دعني أثقل بالهجاء لجامه إن البغال كثيرة الأخلافِ
لا تأمننّ أبا الرذائل بعدها وأحذرْ أمانة سارق خطافِ
فالمرتجى عند اللئام أمانةْ كالمرتجى ثمرًا من الصفصافِ
وذكر لي بعض المصريين بالقاهرة إن الصالح بن رزيك رغب عمارة في أن يعود متشيعًا ويأخذ منه ثلاثة ألف دينار فكتب إليه والعجب من عمارة أنه تأبى في ذلك المقام عن الانتماء إلى القوم وترك وغطى القدر على بصره حتى أراد أن يتعصب لهم ويعيد دولتهم فهلك.
[ ٣٩٩ ]