ومتى طالعتَ ما أخرجه أحمد بن أبي طاهر وأحمد بن عمار من سرقات أبي تمام، وتتبّعه بِشْر بن يحيى على البُحتري، ومهلهل بن يموت على أبي نواس عرف قُبح آثار الهَوى، وازداد الإنصاف في عينك حسنًا. زعم مهلهل أن قول أبي نواس:
إليك أبا العبّاس من بين من مشى عليها امتطينا الحضرَميّ المُلَسَّنا
مأخوذ من قول كثيّر:
لهم أزُرٌ حُمرُ الحواشي يَطَوْنَها بأقْدامهم في الحضرميّ الملسَّنِ
والحضرمي الملسّن أشهر عند العرب من أن يُفتَقر فيه الى قول كثير أو غيره، وإنما هو صنف من نِعالهم كان مستحسنًا عندهم، فما في ذِكر أبي نواس له من السرقة المعروفة شيء، ثم لو ذكر بعض شعرائنا اليماني المخصّر والكنانيّ المُطبّق، ثم وجدنا في شعر غيره، أكنّا نقول: إنه مأخوذ منه؟ أو كنا نعدّه سرقة؟ وليس بين البيتين اتّصال ولا تناسب إلا في هذه اللفظة؛ لأن كثيرًا مدح قومًا فوصفهم بالمَرح والنعمة والخُيَلاء، وذكر سُبوغَ أزُرِهم، وأنهم يطئونها بنعالهم الحضْرمية المُلسّنة هَوانًا بها، وقصد أبو نواس معنًى آخر فذكر أنه قصَد ممدوحه ماشيًا
[ ٢٠٩ ]
وامتطى نعله الحضرمية الملسّنة؛ فما أرى بينها غيرَ ما ذكرت. وزعم أن قول أبي نواس:
نعزّي أميرَ المؤمنين محمدًا على خير ميْتٍ غيّبته المقابرُ
وإنّ أميرَ المؤمنين محمدًا لَرابِطُ جأش للخُطوب وصابرُ
من قول موسى شهَوات:
بكتِ المنابرُ يوم مات وإنما أبكى المنابرَ فقدُ فارسهنّه
لما علاهنّ الوليدُ خليفةً قلن: ابنُه ونظيرُه فسكنّه
وهذا أعجبُ من الأول؛ لأنهما لم يتشابها في لفظ ولا معنى، وأكثر ما فيها أن كل واحد منهما عزّى خليفة عن أبيه ومدَحه، فإن كان هذا سرقة فالكلامُ كله سرقة؛ وإنما الذي يقاربُ قولَ موسى قول محمد بن عبد الملك يرثي المعتصم ويمدح الواثق:
لن يجبرَ الله أمةً فقدتْ مثلَك إلا بمثلِ هارون
لأنه جعل انجبارَ الأمة بعد الوهن الشديد بهارون كسُكون المنابر بالوليد بعد البُكاء على أبيه؛ وهذا أخذٌ لطيف. وقد زعم أن قوله:
حبا رياب جَلهَتي ملحوبِ فالقُطبيّات الى الذَّنوب
من قول عبيد:
أقْفرَ من أهْله ملحوب فالقُطبيّاتُ فالذَّنوبُ
وهذه أسماءُ مواضع لا معنى للسّرقة فيها، ولو كان الجمع بينها سرقة لكان إفرادها كذلك، فكان يحرم على الشاعر أن يذكرَ شيئًا من بلاد العرب. وأن قوله في الخمر:
[ ٢١٠ ]
أتت دونها الأيامُ حتى كأنها تساقُط نور من فُتوق سماء
من قول جرير:
يجري السِّواك على أغرَّ كأنه برَدٌ تحدّر من مُتونِ غَمامِ
ولست أرى شبهًا يشتركان فيه إلا إن ادُّعي احتذاء المثال فلعلّه. وأن قوله:
ترى العينَ تستَعفيك من لمعانِها وتحسِر حتى ما تُقلُّ جفونَها
من قول الأبيرِد:
وقد كنت أستعفي الإله إذا اشتكى من الأمر لي فيه وإن عظُم الأمر
ولا أراهما اتفقا إلا في الاستعفاء، وهي لفظةٌ مشهورة مبتذَلة، فإن كانت مستَرقة فجميعُ البيت مسروق، بل جميع الشعر كذلك؛ لأن الألفاظَ منقولة متداوَلة وإنما يُدَّعى ذلك في اللفظ المستعار أو الموضوع، كقول أبي نواس:
طوى الموتُ ما بيني وبين محمدٍ وليس لما تَطوي المنيةُ ناشرُ
وقول البطَيْن البَجلي:
طوى الموتُ ما بيني وبين أحبّةٍ بهم كنتُ أعطي ما أشاءُ وأمنعُ
وكقوله:
سقَتْه كفُّ الليل أكؤُسَ الكَرى
وقول الآخر:
سقاه الكرى كأسَ النُعاس فرأسُه لدِين الكَرى في آخرِ الليلِ ساجِدُ
[ ٢١١ ]
وقوله:
كدّت منادمةُ الدماءِ سيوفَه فلقلّما تختارُه الأجفان
وقول بعض العرب:
وتنادمت دُفع الدماءِ سيوفنا حتى اجْتوى أصحابها سُكْر القَنا
وقول أبي تمام:
حتى تعمّم صُلْعُ هامات الرُبى من دونه وتأزّرَ الأهضامُ
وقول بعض الأعراب:
أصبحت العُقدة صَلعاء اللِّمم وأصبح الأسودُ مخضوبًا بدَم
وقول آخر:
بكى فاستملّ الشوقَ منْ في حمامةٍ أبت في غصونِ الأيْكِ إلا ترنّما
وقول أبي تمام:
وقد كاد يُنسى عهدُ ظَمياءَ باللِّوى ولكن أملّتْه عليه الحمائِم
فأخذ أملّ من استملّ، وإن كان تهييجُ الحمام صبابةَ المشتاقِ مبتذلًا.
وقول أشجع:
إذا خالطَ الشيبُ الشباب تجهّزتْ الى البين أفراسُ الصِّبا ورواحِله
[ ٢١٢ ]
وقول زهير:
صَحا القلبُ عن سلمى وأقصرَ باطلُه وعُرِّي أفراسُ الصّبا ورواحلُه
وقول الحلاّج:
نفضنا الى الموت أدْراعَنا كما تنفُض الأسدُ ألْبادَها
وقول حسان:
ويثربُ تعلمُ أنّا بِها أُسودٌ تنفِّضُ ألبادَها
ومما ادّعاه أيضًا على أبي نواس قوله:
كأنّ فخذَيه وقد ضُمَّتا وال فيه عقد عشرينا
أنه مأخوذ من قول عبد بني الحسحاس:
وأشهدُ بالرحمن أني رأيتُها وعشرين منها إصبعًا من ورائِيا
وليس بين البيتين اتفاق بحال إلا في ذكر العشرين، والمعنيان شديدا التباين؛ هذا يذكرُ أنه علاها والتحفتْ عليه فعقدت يديها ورجليها فصارت أصابعها العشرون من ورائه، وأو نواس يشبّه ما ذكره بعقد عشرين، فأيّ قُرْبى أو نسب بين هذين.
وشبيه بهذا ما زعم ابن قتيبة في قول هُدبة:
ولا أتمنّى الشرَّ والشرُ تارِكي ولكن متى أحمَل على الشرِّ أركَب
أنه مأخوذ من قول تأبّط شرًا:
ولستُ بمِفراحٍ إذا الدهر صرّني ولا جازعٍ من صرْفِه المتحوِّلِ
[ ٢١٣ ]
تأمّلهما فإنك ترى بينهما من التّباين ما يحظُر ادِّعاء ذلك فيهما، ولو احتمل الكتابُ استقصاءَ ما حافَت به هذه الطائفة على أبي نواس وأبي تمام والبحتري لبسطنا القولَ فيه؛ لكنه لما ضاق عنه اقتصرنا على قدْر ما أريناك به الطريقة، ووقفْناك به على المنْهج، فإن سمَتْ بك همّة، ونازعتك رغبة، فاقْتَفِ فيه هذا الأثر، وعايره بهذا المعيار فإنك لا تبعدُ عن الإصابة ما لم تمِلْ بك العصبيةُ، ويستولي عليك الهوى والمداهنة.
والسَّرَق - أيدك الله - داءٌ قديم، وعيبٌ عتيق، وما زال الشاعر يستعينُ بخاطرِ الآخر، ويستمدّ من قريحته، ويعتمدُ على معناه ولفظه؛ وكان أكثره ظاهرًا كالتوارد الذي صدّرنا بذكره الكلام، وإن تجاوزَ ذلك قليلًا في الغموض لم يكن فيه غيرُ اختلاف الألفاظ، ثم تسبّب المحدثون الى إخفائه بالنقل والقلب؛ وتغيير المنهاج والترتيب، وتكلّفوا جبْرَ ما فيه من النقيصة بالزيادة والتأكيد والتعريض في حال، والتصريح في أخرى، والاحتجاج والتعليل؛ فصار أحدهم إذا أخذ معنى أضاف إليه من هذه الأمور ما لا يقصر معه عن اختراعه وإبداع مثله. وقد ادّعى جرير على الفرزدق السَّرَق فقال:
سيعلمُ منْ يكونُ أبوه فينا ومن عُرِفت قصائدهُ اجتلابا
وادّعى الفرزدق على جرير فقال:
إنّ استراقَك يا جريرُ قصائدي مثل ادّعاك سوى أبيكَ تنقُّلُ
ومتى أنصفتَ علمت أن أهل عصرِنا، ثم العصر الذي بعدنا أقربُ فيه الى المعذرة، وأبعد من المذمّة؛ لأن من تقدّمنا قد استغرق المعاني وسبق إليها، وأتى على معظمها؛ وإنما يحصل على بقايا: إما أن تكونَ تُرِكت رغبةً عنها، واستهانةً بها، أو لبعدِ
[ ٢١٤ ]
مطلَبها، واعتياص مرامها، وتعذّر الوصول إليها؛ ومتى أجهَد أحدُنا نفسَه، وأعمل فكرَه، وأتْعب خاطره وذهنه في تحصيل معنى يظنّه غريبًا مبتدَعًا، ونظم بيت يحسبه فردًا مخترعًا، ثم تصفّح عنه الدواوين لم يُخطِئه أن يجدَه بعينه، أو يجد له مثالًا يغضّ من حُسنِه؛ ولهذا السبب أحظر على نفسي، ولا أرى لغيري بتّ الحكم على شاعر بالسرقة. وقد أحسن أحمد بن أبي طاهر في محاجّة البحتري لما ادّعى عليه السّرَق قوله:
والشعرُ ظهر طريقٍ أنت راكبه فمنه مُنشَعِب أو غيرُ منشعِب
وربما ضمّ بين الرّكب منهجه وألصَق الطُّنُبَ العالي على الطُنُبِ
إلا أني إذا وجدتُ في شعره معاني كثيرة أجدها لغيره حكمت بأن فيها مأخوذًا لا أثبته بعينه، ومسروقًا لا يتميز لي من غيره، وإنما أقول: قال فلان كذا وقد سبقه إليه فلان فقال كذا، فأغتنم به فضيلةَ الصدق، وأسلم من اقتحام التهوّر.
[ ٢١٥ ]