وقد علمت أن الشعراء قد تداولوا ذكر عيون الجآذر ونواظر الغزلان؛ حتى إنك لا تكاد تجد قصيدة ذات نسيب تخلو منه إلا في النادر الفذّ؛ ومتى جمعت ذلك ثم قرنت إليه قول امرئ القيس:
تصُدّ وتُبدي عن أسيلٍ وتتّقي بناظِرةٍ من وحْش وَجْرة مُطفِلِ
أو قابلته بقول عديّ بن الرِّقاع:
وكأنّه بين النساءِ أعارَها عينيهِ أحْوَرُ من جآذرِ جاسِمِ
[ ٣١ ]
رأيت إسراع القلب الى هذين البيتين، وتبيّنت قربهما منه؛ والمعنى واحد، وكلاهما خالٍ من الصنعة، بعيدٌ عن البديع؛ إلا ما حسُن به من الاستعارة اللطيفة، التي كسته هذه البهجة. هذا وقد تخلل كلّ واحد منهما من حشو الكلام ما لو حُذف لاستغني عنه وما لا فائدة في ذكره؛ لأن امرأ القيس قال: من وَحْش وَجرة، وعديًّا قال: من جآذر جاسم، ولم يذكُرا هذين الموضعين إلا استعانة بهما في إتمام النظم، وإقامة الوزن، ولا تلتفتنّ الى ما يقوله المعنويون في وجْرة وجاسم، فإنما يطْلُب به بعضهم الإغرابَ على بعض؛ وقد رأيتُ ظِباءَ جاسم فلم أرها إلا كغيرها من الظباء. وسألت من لا أُحصي من الأعراب عن وحش وجْرة فلم يرَوا لها فضلًا على وحش ضريّة وغزلان بُسَيطة، وقد يختلف خلْق الظِباء وألوانها باختلاف المنشأ والمرتع؛ وأما العيون فقلّ أن تختلف لذلك؛ وأما ما تمم به عدي الوصف، وأضافه الى المعنى المبتذَل بقوله على إثر هذا البيت:
وسْنان أيقَظهُ النُعاسُ فرنّقتْ في عينِه سنَةٌ وليسَ بنائِمِ
فقد زاد به على كلّ منْ تقدم، وسبق بفضله جميعَ من تأخر، ولو قلت: اقتطعَ هذا المعنى فصار له، وحظَر على الشعراء ادّعاء الشرك فيه لم أرني بعُدت عن الحق، ولا جانبْتُ الصدق. وقد تغزل أبو تمام فقال:
دعْني وشُربَ الهوى يا شارب الكاسِ فإنني للذي حسيته حاسي
لا يوحِشنّك ما استعجمتَ من سَقمي فإنّ منزلَه من أحسن الناس
من قطْع ألفاظِه توصيلُ مَهلكَتي ووصْل ألْحاظه تقطيعُ أنفاسي
متى أعيش بتأميلِ الرّجاء إذا ما كان قطعُ رجائي في يديْ ياسي
[ ٣٢ ]
فلم يخْل بيت منها من معنى بديع وصنعة لطيفة؛ طابق وجانس، واستعار فأحسن، وهي معدودة في المختار من غزَله. وحقّ لها؛ فقد جمعت على قصرِها فنونًا من الحُسن، وأصنافًا من البديع، ثم فيها من الإحكام والمتانة والقوة ما تراه؛ ولكنّني ما أظنك تجدُ له من سَورة الطرب، وارتياحِ النفس ما تجده لقول بعض الأعراب:
أقول لصاحبي والعيسُ تهوي بنا بين المُنيفة فالضِّمار
تمتّعْ من شَميم عَرارٍ نجْدٍ فما بعْد العشيّة من عَرارِ
ألا يا حبّذا نفَحاتُ نجْدٍ وريّا روضهِ غِبَّ القِطارِ
وعيشك إذ يحُلّ القوم نجْدًا وأنتَ على زمانِك غيرُ زارِ
شُهورٌ ينقضين وما شعرْنا بأنْصافٍ لهنّ ولا سِرارِ
فأما ليلُهنّ فخيرُ ليلٍ وأقصر ما يكون من النهار
فهو كما تراه بعيد عن الصنعة، فارغ الألفاظ، سهل المأخذ، قريب التناول.
وكانت العرب إنما تُفاضل بين الشعراء في الجودة والحسن بشرف المعنى وصحّته، وجزالة اللفظ واستقامته، وتسلّم السّبْق فيه لمَنْ وصف فأصاب، وشبّه فقارب، وبدَهَ فأغزَر، ولمَن كثرت سوائر أمثاله وشوارد أبياته؛ ولم تكن تعبأ بالتجنيس
[ ٣٣ ]
والمطابقة، ولا تحفِل بالإبداع والاستعارة إذا حصل لها عمود الشعر، ونظام القريض.
وقد كان يقع ذلك في خلال قصائدها، ويتّفق لها في البيت بعد البيت على غير تعمد وقصْد، فلما أفْضى الشعر الى المحْدَثين، ورأوْا مواقعَ تلك الأبيات من الغرابة والحسن، وتميّزَها عن أخواتها في الرشاقة واللطف، تكلّفوا الاحتذاء عليها فسمّوْه البَديع؛ فمن محسن ومسيء، ومحمود ومذموم، ومقتصد ومُفرط.
فإذا جاءتك الاستعارة كقول زهير:
وعُرّيَ أفراس الصِّبا ورواحله
وقول لبيد:
إذ أصبحتْ بيد الشَّمال زِمامها
وقول ابن الطّثريّة:
[ ٣٤ ]
أخذنا بأطرافِ الأحاديث بيننا وسالت بأعناق المطيّ الأباطِحُ
وقول الحارث بن حِلِّزة:
حتى إذا الْتَفَع الظِّباءُ بأطْ رافِ الظِّلال وقِلْنَ في الكُنُسِ
وقول أبي نُواس:
أعطتك ريحانها العُقار
وقوله:
بصحن خدٍّ لم يغِضْ ماؤه ولم تخضه أعْينُ الناس
وقوله:
جريْت مع الصِّبا طلْق الجُموح وهان عليّ مأثور القبيح
وقوله:
مباحة ساحة القلوبِ له يرتع فيها أطايب الثمر
وقوله:
وإذا بَدا اقْتادَتْ محاسنهُ قسْرًا إليه أعنّةَ الحدَقِ
وقوله يصف الكأس:
بنينا على كِسرى سماءَ مُدامة مكلّلة حافاتُها بنجومِ
وقول مسلم:
ولما تلاقينا قضى الليلُ نحبَهُ
[ ٣٥ ]
وقوله:
ظلمتُك إن لم أجزِل الشكر إنّما جعلتَ الى شكري نوالَك سُلَّما
فانظر كم بين استعارته السُّلّم، واستعارة أبي تمام له في قوله:
ما ضرّ أروعَ يرتَقي في همة روعاء أن لا يرتقي في سُلّم
وأول من علمناه افتتح هذه اللفظة الحُصين بن الحُمام المُرِّي في قوله:
فلستُ بمبتاع الحياة بذلة ولا مُرتَقٍ من خشيةِ الموت سُلّما
وهذا قريب من الحقيقة، وإن كان فيه شُعبة من ضرب المثل.
وقول أبي تمام:
أدنَت نقابًا على الخدّين وانتقبَتْ للناظرين بقدٍّ ليس ينتقبُ
وقوله:
وقد علّم الأفشَين وهو الذي به يُصانُ رداء الملك عن كل جاذب
وقوله:
رقّت حواشي الدهر فهي تمرْمَرُ وغدا الثّرى في حَلْيه يتكسّرُ
على أن لفظة يتكسر حضَريّة مولدة.
[ ٣٦ ]
وقوله:
وكم سرق الدُجى من حُسنِ صبر وغطى من جِلادِ فتى جليد
وقوله:
ويضحكُ الدهر منهم عن غطارِفَةٍ كأنّ أيامَهم من حُسنِها جُمعُ
وقول البحتري:
يذكِّرنا ريّا الأحبّة كلّما تنفّس في هم في جنحٍ من الليل باردِ
وقوله يصف الخيال:
إذا نزعَتْه من يديّ انتباهةٌ عددت حبيبًا راح مني أو غَدا
وقوله:
وإذا دجَتْ أقلامُه ثم انتحَتْ برَقت مصابيح الدجى في كُتْبِه
وقوله:
وكُنتُ إذا استبطأْتُ ودّك زُرْتُه بتفويف شِعْرٍ كالرِّداء المُحبَّر
وقول ابن المعتز:
أقول ودمع العين تسرقه يدي حذار لدمع الشامت المتودّد
وقوله:
ساروا وقد خضعت شمسُ الأصيل لهم حتى توقّد في ذيل الدُجى الشّفقُ
[ ٣٧ ]
وقوله:
لو ترانا إذا انتبهنا قعودًا نستشف القرى عن الأحلام
وقوله:
ما زال يلطِم خدّ الأرض وابلُها حتى وقَتْ خدّها الغُدْرانُ والخضرُ
وشتان ما بين هذا اللطم ولطْم أبي تمام في قوله:
ملْطومة بالورد أطلق دونه في الخَلْق فهو مع المَنون مُحكَّمُ
وإنما نازع أبا نُواس قولَه:
تبكي فتُذْري الدرَّ من نرْجس وتلطِم الورْدَ بعُنّابِ
فسبق أبو نواس بفضل التقدم والإحسان، وحصل هو على نقْص السَّرَقِ والتقصير؛ لكنه أحسن في بقية البيت فجبر بعض ذلك النقص.
وقول كُشاجم يصف السحاب:
مُقبلةٌ والخِصْبُ في إقبالها والرعدُ يحدو الوُرْقَ من جِمالها
بخطبة أبدع في ارتجالها كأنها من ثقل انتقالها
تجلّها الريحُ عن استعجالها إلا بما تجذبُ من أذيالها
[ ٣٨ ]
فحين ضاق الجوّ عن مجالِها وراحت الرياحُ من كلالِها
جَنوبُها تشكو الى شَمالها دَنت من الأرض على أذْلالها
كأنما تسألُها عن حالِها والزّهرُ قد أصغى الى مقالِها
وكاد أن ينهضَ لاستِقبالها تسمّحت بالريّ من زُلالها
حتى لقال التُّرب من تهطالها إن سجلًا أتى على سجالها
ثم انثنى يُثني على فِعالِها
وقول السري الموصلي:
أقول لحنان العشيّ المغرد يهزّ صفيحَ البارقِ المتوقّد
تبسّم عن ري البلاد صَبيبُه ولم يبتسم إلا لإنجازِ موْعِد
ويا دَيرَها الشرقيّ لا زال رائح يحل عقود المُزْن فيك ومُغْتد
عَليلة أنفاس الرياح كأنّما يُعَلّ بماء الورْد نرْجسها النّدي
يشُقّ جيوبَ الورْد في جنباته نسيمٌ متى ينظر الى الماء يبرد
فقد جاءك الحسنُ والإحسان، وقد أصبتَ ما أردت من إحكام الصنعة وعذوبة اللفظ.
[ ٣٩ ]
فإذا سمعت بقول أبي تمام:
باشرت أسباب الغِنى بمدائح ضربت بأبواب الملوكِ طُبولا
وبقوله:
لها بين أبوابِ الملوكِ مَزامرٌ من الذكْر لم تنفخ ولا هي تزمرُ
وبقوله:
إذا ما الدّهْر جرّ جرَت أيادي يديه فغشّتِ الدُنيا ظلالا
وبقوله:
يا دهر قوِّمْ من أخدَعَيك فقد أضجَجْتَ هذا الأنام من خرَقك
وبقوله:
الى ملك في أيكة المجد لم يزَلْ على كَبد المعروف من نيله برْد
وبقوله:
كأنني حينَ جرّدْتُ الرّجاء له عضب صببتَ به ماءً على الزمنِ
وقول أبي نواس:
يا عمْرو أضحتْ مبيضةً كبدي فاصبغْ بياضًا بعصفُر العنبِ
[ ٤٠ ]
فاسدد مسامعك، واستغش ثيابك، وإياك والإصغاء إليه، واحذر الالتفاتَ نحوه؛ فإنه مما يُصدئ القلب ويُعميه، ويطمس البصيرة، ويكدّ القريحة.
وربما جاءَ من هذا الباب ما يظنّه الناس استعارةً وهو تشبيه أو مثَل؛ فقد رأيت بعض أهل الأدب ذكر أنواعًا من الاستعارة عدّ فيها قول أبي نواس:
والحبُّ ظهْرٌ أنت راكبُه فإذا صرفتَ عِنانه انصرفا
ولست أرى هذا وما أشبهَه استعارة، وإنما معنى البيت أن الحب مثل ظهْر، أو الحب كظهْر تُديره كيف شئتَ إذا ملكتَ عِنانه؛ فهو إمّا ضرب مثَل أو تشبيه شيء بشيء؛ وإنما الاستعارةُ ما اكتُفِي فيها بالاسم المستعار عن الأصل، ونقلت العبارة فجعلت في مكان غيرها. وملاكُها تقريب الشَّبَه، ومناسبةُ المستعار له للمستعار منه، وامتزاجُ اللفظ بالمعنى؛ حتى لا يوجد بينهما منافرة، ولا يتبين في أحدهما إعراض عن الآخر.
فأما التجنيس؛ فقد يكون منه المطلَق، وهو أشهر أوصافه، كقول النابغة:
وأقطَعُ الخرْق بالخَرْقاء قد جعلت بعد الكَلال تشكّى الأيْنَ والسّأما
وقول الشّنْفَرى:
فبِتْنا كأن البيت حُجِّرَ فوقنا بريحانة ريحَت عِشاء وطُلَّت
[ ٤١ ]
وقول رؤبة:
أحضرْت أهل حضرموت موتا
فجانس في موضعين في بيت رجز.
وقول أبي تمام:
تطلُّ الطلولُ الدمعَ في كل موقف وتمثُل بالصبر الديارُ المواثِلُ
فجانس في المصراعين.
وقول البحتري:
صدَق الغُراب لقد رأيت حمولَهم بالأمس تغرب عن جوانب غرّب
فجانس بثلاثة ألفاظ.
وقد يكون منه التجنيس المستوفى، كقول أبي تمام:
ما مات من كرم الزمان فإنّه يحيا لدى يحيى بن عبد الله
فجانس بيحيا ويحيى، وحروف كل واحد منهما مستوفاة في الآخر؛ وإنما عُدّ في هذا الباب لاختلاف المعنيين؛ لأن أحدَهما فعلٌ والآخر اسم؛ ولو اتفق المعنيان لم يُعدّ تجنيسًا، وإنما كان لفظة مكررة، كقول امرئ القيس:
فلما دنوت تسدّيتُها فثوبًا نسيتُ وثوبًا أجُرّ
[ ٤٢ ]
فقد تكرر في البيت ذكرُ الثوب، كما تكرر ذكر يحيى في بيت أبي تمام، إلا أن هذين اتّفق معناهما، واختلف ذانك المعنيان؛ فعُدّ الأول من البديع.
ومما أضيفُه الى هذا الباب وخالفني فيه بعضُ أهل الأدب قول الأعشى:
إنْ تسُدِ الحوصَ فلم تعدُهم وعامِرٌ سادَ بني عامرِ
فأقول: إنه قد جانس بعامر وعامر؛ لأن الأول اسم رجل، والآخر اسم قبيلة. وأراه يخالف قولَ الآخر:
قتلنا به خيرَ الضُبَيْعات كلِّها ضُبَيعة قيس لا ضُبيعةَ أضْجَما
لأن كلتيهما قبيلتان، فكأنّما جمع بين رجلين متَّفقي الاسم.
ومنه التجنيس الناقص، كقول الأخنَس بن شهاب:
وحامي لواء قد قتَلْنا وحاملٍ لواءً منعنا والسيوفُ شَوارعُ
فجانس بحامي وحامل، والحروف الأصلية في كل واحد منهما تنقص عن الآخر.
ومثله قول أبي تمام:
يمدّون من أيدٍ عواص عواصِم تطول بأسْيافٍ قواضٍ قواضبِ
فأما قوله:
خلّفْتَ بالأفق الغربيّ لي سكَنًا قد كان عيشي به حُلْوًا بحلوان
فهو من الأول وليس بناقص؛ لأن الألف والنون في حلوان زائدتان.
[ ٤٣ ]
ومنه التجنيس المضاف، كقول البحتري:
أيا قمر التِّمام أعَنْت ظُلْمًا عليّ تطاولَ الليل التِّمام
ومعنى التمام واحد في الأمرين، ولو انفرد لم يعدّ تجنيسًا؛ ولكن أحدَهما صار موصولًا بالقمر، والآخر بالليل؛ فكانا كالمختلفين. وقد يكون من هذا الجنس ما تجانس به المفردُ بالمضاف، وقد تكون الإضافة اسمًا ظاهرًا ومكنيًّا، وقد تكون نسبًا. ومن أملح ما سمعت فيه قول أبي الفتح بن العميد:
فإن كان مسخوطًا فقل شعر كاتب وإن كان مرضيًا فقل شعر كاتب
وأما المطابقة فلها شُعَب خفية، وفيها مكامن تغمُض، وربما التبست بها أشياء لا تتميّز إلا للنظر الثاقب، والذهن اللطيف؛ ولاستقصائها موضعٌ هو أملك به. ولم نفتح هذا الكلام وقصدنا ما جرى بنا القول إليه؛ لكنّ الحديث شُجون، وربما احتاج الشيءُ الى غيره فذُكر لأجله، وربما اتصل بما هو أجنبي منه فاستصحبه.
ومن أشهر أقسام المطابقة ما جرى مجرى قول دِعْبِل:
لا تعجبي يا سَلْمُ من رجلٍ ضحِك المشيب برأسِه فبكى
وقول مسلم بن الوليد:
مُستَعْبر يبْكي على دِمْنة ورأسُه يضحكُ فيه المشيب
[ ٤٤ ]
وقول أبي تمام:
وتنظّري خبَبَ الرِّكاب ينُصُّها مُحْيي القَريض الى مُميت المال
وقوله:
أرضى الثرى وأسخط الغبارا
وقوله:
هذا الذي عرفت يداهُ ساحتي من بعد ما جهل البخيلُ مكاني
فكل هذا بابٌ واحد، وقد يجيء منه جنسٌ آخر تكون المطابقةُ فيه بالنفي، كقول البحتري:
يُقيّض لي من حيث لا أعلم الهوى ويسري إليّ الشوق من حيث أعلم
لما كان قوله: لا أعلم كقوله: أجهل، وكان قوله: أجهل مطابقة كان الآخر بمثابته. ومن أغرَب ألفاظه وألطف ما وُجِد منه قول أبي تمام:
مَها الوحش إلا أنّ هاتا أوانِسٌ قَنا الخطِّ إلا أنّ تلْك ذَوابِلُ
فطابق بهاتا وتلك وأحدهما للحاضر، والآخر للغائب، فكانا نقيضين في المعنى، وبمنزلة الضدين.
وقد يخلط من يقْصُر علمه ويسوء تمييزه بالمطابق ما ليس منه؛ كقول كعب بن سعد:
لقد كان: أما حِلْمُه فمروَّحٌ علينا وأمّا جهْلُه فعزيب
[ ٤٥ ]
لما رأى الحلم والجهل، ومروّحًا وعزيبًا جعلهما في هذه الجملة. ولو ألحَقْنا ذلك به لوجب أن نُلحِق أكثر أصناف التقسيم، ولاتّسع الخرْقُ فيه حتى يستغرق أكثر الشعر. ولنا في استيفاء هذا الكلام وتحديد هذه الأضرب قولٌ سنفرِد له كتابًا يُحتمل استقصاؤه فيه.
ومن أصناف البديع التصحيف؛ كقول الشاعر:
ولم يكن المغترُّ بالله إذا سرى لِيُعجِز، والمعتزّ بالله طالبُه
وقوله:
فكأنّ الشّليل والنّثْرة الحصْ داء منه على سَليل غَريف
وقوله:
ما بعيني هذا الغزال الغرير من فُتونٍ مُستَجْلَبٍ من فُتورِ
وقول اسماعيل بن عبّاد:
غَمائمٌ هنّ فوق أرؤُسِنا عمائِم لم يُذَلْنَ بالخِرَق
وهذا يدخل في بعض الأقسام التي ذكرناها في التجنيس؛ لكن ما أمكن فيه التصحيف فله بابٌ على حِياله، وجانبٌ يتميّز به عن غيره.
ومنه التقسيم، وقد يكون موصولًا، كقول زهير:
يطْعَنُهم ما ارتَموا حتى إذا اطّعَنوا ضاربَ حتى إذا ما ضارَبوا اعْتَنقا
[ ٤٦ ]
فقسّم البيت على أحوال الحرب ومراتب اللقاء، ثم ألحق بكل قسم ما يليه في المعنى الذي قصده من تفضيل الممدوح، فصار موصولًا به، مقرونًا إليه. ونحوه قول عنترة:
أن يلْحَقوا أكرر وإن يستَلْحِموا أشدد وإن نزلوا بضيق أنْزل
فهذا كالأول في الصنعة، وإن كان إنما أزوج كل قسم بقرينه، وما هو وفْقه، ولم يرض الأولُ إلا بأن قسم ثم تقدم عن كل قسم قُدُمًا، وارتفع عليه درجة. وقد تكون القسمةُ مطلقة غير مشفوعة، كقول النابغة:
فلله عينا من رأى أهلَ قبة أضرّ لمن عادَى وأكثر نافعا
وأعظمَ أحلامًا وأكرم سيدًا وأفضل مشفوعًا إليه وشافعا
فهذا ضربٌ من التقطيع على معانٍ مختلفة؛ ولستُ أسمح بتسميته تقسيمًا؛ وقد رأيتُ من يُطلق له هذه التسمية.
ومما يقاربُ هذا جمعُ الأوصاف، كقول أبي دُواد:
بعيد مدى الظرف خاظِي البضيع مُمَرّ المَطا سمْهري العصَبْ
وقد يجمع على نوع آخر كقول النابغة:
حَديدُ الطّرْفِ والمنك ب والعُرقوب والقَلْبِ
[ ٤٧ ]
وقد يُعدّ فيه التّقفية والترصيع، كقول امرئ القيس:
والماء منهَمِرٌ والشّدُّ منحدِر والقُصْبُ مُضطَمِرٌ والمتن ملْحوب
وقد يمتنع بعضُ الأدباء من تسمية بعض ما ذكرناه بديعًا؛ لكنه أحدُ أبواب الصنعة، ومعدود في حلْي الشعر، وله أشْباه تجري مجراه، وتذكر معه؛ كالالتفات والتوصل وغيرهما، ولو أقبلنا على استيعابها، وتمييز ضروبها وأصنافها لاحتجنا الى اتباع كل ما يقتضيه من شاهد وبيان ومثال. ولو فعلنا ذلك لبخسنا أبا الطيب حقه، وافتتحنا الكتاب بذكره ثم شَغلْنا معظَمه بغيره؛ وإنما قدمنا هذا النّبْذ توطئةً لما نذكره على أثره، وتدريجًا الى ما بعده؛ ليكون كالشاهد المقبول قوله، وبمنزلة المسلم أمره.
والشاعر الحاذق يجتهد في تحسين الاستهلال والتخلص وبعدهما الخاتمة؛ فإنها المواقف التي تستعْطِف أسماعَ الحضور، وتستميلهم الى الأصغاء، ولم تكن الأوائل تخصّها بفضْل مراعاة؛ وقد احتذى البُحتري على مثالهم إلا في الاستهلال، فإنه عُني به فاتفقت له فيه محاسن؛ فأما أبو تمام والمتنبي فقد ذهبا في التخلص كلَّ مذهب، واهتمّا به كل اهتمام، واتفق للمتنبي فيه خاصة ما بلغ المراد، وأحسن وزاد.
[ ٤٨ ]