قد أنصفناك في الاستيفاءلك، والتبليغ عنك، ولسنا نُنكِر كثيرًا مما قلتَه، ولا نردّ اليسير مما ادّعيته، غير أن لخصمك حُجَجًا تُقابل حُجَجك، ومقالًا لا يقصّر عن مقالك. وزعم خصمُك أنك وأصحابك وكثيرًا منكم لا يعرف من السَّرَق إلا اسمَه، فإن تجاوزه حصل على ظاهره، ووقف عند أوائله؛ فإن استُثبتَ فيه، وكُشِف عنه، وُجد عاريًا من معرفة واضحهِ، فضلًا عن غامضه، وبعيدًا من جليه، قبل الوصول الى مُشكله؛ وهذا باب لا ينهض به إلا الناقد البصير، والعالم المبرِّز. وليس كل من تعرّض له أدركه استوفاه واستكمله. ولستَ تعدّ من جهابذة الكلام، ونُقّاد الشعر، حتى تميّز بين أصنافه وأقسامِه، وتحيط علمًا برُتَبه ومنازله، فتفصل بين السرق والغصْب، وبين الإغارة والاختلاس، وتعرف الإلمام من الملاحظة، وتفرِق بين المشترك الذي لا يجوز ادّعاء السّرَق فيه، والمبتذل الذي ليس أحدٌ أولى به، وبين المختصّ الذي حازه المبتدئ فملكه، وأحياه السابق فاقتطعه، فصار المعتدي مُختلسًا سارقًا، والمشارِك له محتذيًا تابعًا، وتعرف اللفظ الذي يجوز أن يقال فيه: أُخذ ونقل، والكلمة التي يصح أن يقال فيها: هي لفلان دون فلان.
فمتى نظرت فرأيت أن تشبيه الحسَن بالشمس والبدر، والجواد بالغيث والبحر، والبليد البطيء بالحجر والحمار، والشجاع الماضي بالسيف والنار، والصبّ المستهام بالمخبول في حيرته، والسليم في سَهره، والسقيم في أنينه وتألّمه، أمور متقررة في النفوس، متصورة في العقول، يشتركُ فيها الناطق والأبكم، والفصيح والأعجم،
[ ١٨٣ ]
والشعر والمفحَم، حكمتَ بأن السرقة عنها مُنتَفية، والأخذ بالاتباع مستحيل ممتنع، وفصلتَ بين ما يشبه هذا ويباينُه، وما يلحق به وما يتميز عنه، ثم اعتبرت ما يصح فيه الاختراع والابتداع؛ فوجدتَ منه مستفيضًا مُتداوَلًا متناقلًا لا يعدّ في عصرنا مسروقًا، ولا يُحسَب مأخوذًا، وإن كان الأصل فيه لمن انفرد به، وأوّله للذي سبق إليه؛ كتشبيه الطّلل المُحيل بالخطّ الدارس وبالبُرد النّهج والوشْم في المِعصم، والظُعُنِ المتحمّلة بالنّخل، وعلائقها بأعذاق البُسْر، والفحل بالفَدَن المَشيد، والظّليم المهيج بأحقَب يسوقُ أُتنه، وكوصف الحمول ومَوران الآلِ بها، وذم الغراب، والصُرَد، والسانح، والبارح، وسؤال المنزل عن أهله، والتفجّع لمن استبدل بعد ساكنه، ولومِ النفس على بُكاء الدار، واستعطاف العقل واستبطاء الصبر، وتحسينه تارة وتقبيحه أخرى، وتشبيه الفرس باللّقوَة، والظّبي بشهاب قُذُف، والعقاب بالدّلو التي خانها الرّشاء، وكوصف الغيثِ بالعموم والتطبيق، واقتِلاع الدوح، وتفريق الوحش، وتشبيه دفْعه بعَطّ المَزاد، وحلّ العزالي
[ ١٨٤ ]
ووصف البرق بخطْف الأبصار، وسرعة اللّمح، وأنه كالقَبَس من النار، وكالحريق المتضرّم، وكمصباح الراهب.
ولم أرد هذه بأعيانها دون غيره، ولم أوردها إلا دلائل على أمثالها؛ فإذا اعتبرتَها تصنّفت لك صنفين: إما مشترك عامّ الشّركة، لا ينفرد أحد منه بسَهم لا يُساهَم عليه، ولا يختص بقسم لا يُنازَع فيه؛ فإن حُسن الشمس والقمر، ومضاء السيف، وبلادة الحمار، وجوْد الغيث، وحيرة المخبول، ونحو ذلك مقرر في البداية، وهو مركّب في النّفس تركيبَ الخِلقة. وصنْفٌ سبق المتقدّم إليه ففاز به، ثم تدوول بعده فكثُر واستُعمل؛ فصار كالأول في الجلاء والاستشهاد، والاستفاضة على ألسُن الشعراء، فحمى نفسه عن السَّرق، وأزال عن صاحبه مذمّة الأخذ، كما يُشاهد ذلك في تمثل الطّلل بالكتاب والبُرد، والفتاة بالغزال في جيدها وعينيها، والمَهاة في حُسنها وصفائها. ومتى شئتَ أن ترى ما وصفتُه عِيانًا، وتعلمه يقينًا فاعترض أوّل عامي غُفْل تستقبله، وأعجمي جِلف تلقاه، ثم سلْه عن البرق فإنه يؤدي الى معنى قول عنترة:
ألا يا ما لذا البرْقِ اليَماني يُضيءُ كأنّه مِصباحُ بانِ
وإن لم يذكر لك البان لجهله بعادة العرب في الاستصباح به، ولأنه لم يعرف منه ما عرفه عنترة، ومعنى امرئ القيس في قوله:
يُضيءُ سناه أو مصابيحُ راهبٍ أمالَ السّليطَ بالذُبال المفتّل
[ ١٨٥ ]
وهيهات أن يعرضَ لك الأديب الفطِن لقول عامر الثقفي:
كأن ريِّقه لما علا سَبطًا أقرابُ أبلق ينفي الخيلَ رمّاح
وقول آخر:
وترى البرقَ عارضًا مُستطيرًا مرَح البُلق جُلنَ في الأجلال
إلا عن روية كثيرة، أو فكر طويل، ولو سمعتَ قائلًا يقول إن فلانًا الشاعر أخذ عن فلان قوله: لا مرحبًا بالشيب، وحبّذا الشباب! وكيف لو عاد، ويا أسفي لفراق الأحبة! وما لذذت العيش بعدهم، وفاضت عيني صبابةً لذِكرهم. لحكمت بجهله، ولم تشك في غفلته. وقد يكون في هذا الباب ما تتّسعُ له أمة، وتضيق عنه أخرى، ويسبق إليه قوم دون قوم؛ لعادة أو عهد، أو مشاهدة أو مِراس؛ كتشبيه العرب الفتاة الحسناء بتريكة النّعامة، ولعل في الأمم من لم يرَها؛ وحمرةَ الخدود بالورد والتفاح؛ وكثيرٌ من الأعراب لم يعرفهما؛ وكأوصاف الفلاة، وفي الناس من لم يُصْحِر؛ وسيرَ الإبل؛ وكثير منهم لم يركب.
وقد يتفاضل متنازعو هذه المعاني بحسب مراتبهم من العلم بصنعة الشعر؛ فتشترك الجماعة في الشيء المتداوَل، وينفردُ أحدهم بلفظة تُستعذب، أو ترتيب يُستحسَن، أو تأكد يوضع موضعه، أو زيادة اهتدى لها دون غيره؛ فيريك المشترَك المبتذل في صورة المبتدَع المخترع، كما قال لبيد:
[ ١٨٦ ]
وجَلا السّيولُ عن الطّلولِ كأنها زبُرٌ تجِدّ متونَها أقلامُها
فأدى إليك المعنى الذي تداولته الشعراء، قال امرؤ القيس:
لمَن طللٌ أبصرتُه فشجاني كخطّ زَبورٍ في عسيبِ يماني
وقال حاتم:
أتعرِفُ أطلالًا ونؤيًا مهدّما كخطّك في رقٍّ كتابًا مُنَمنَما
وقال الهذلي:
عرفتُ الديار كرسْم الكتا بِ يزْبُره الكاتب الحِميَري
وأمثال ذلك مما لا يحصى كثرة، ولا يخفى شُهرة، وبين بيت لبيد وبينهما ما تراه من الفضل، وله عليه ما تشاهد من الزيادة والشِّف. ولم تزَل العامّة والخاصة تشبّه الوردَ بالخدود، والخدود بالورد، نثرًا ونظمًا، وتقول فيه الشعراء فتُكثِر، وهو من الباب الذي لا يمكن ادّعاء السّرقة فيه إلا بتناول زيادة تُضمّ إليه، أو معنى يُشفَع به، كقول علي بن الجهم:
عشيةَ حيّاني بوردٍ كأنه خدودٌ أُضيفت بعضُهن الى بعض
فأضاف بعضهم الى بعض له، وإن أُخذ فمنه يُؤخذ، وإليه ينسب. وكقول ابن المعتز:
بياضٌ في جوانبه احمرارٌ كما احمرّت من الخجل الخدودُ
[ ١٨٧ ]
والخَجِل إنما يحمر وجنتاه، فأما منبت الأصداغ ومخطّ العِذار فقليلًا ما يحمران؛ فهذا التمييز مسلّم له، وإن لم يكن يسبق إليه، ولو اتفق له أن يقول: حمرة في جوانبها بياض، لكان قد طبّق المفصِل، وأصاب الغرَض، ووافق شبَه الخجل؛ لكن أراد أن البياض والحمرة يجتمعان، فجعل الاحمرار في جوانب البياض، فراغ عن موقع التشبيه. ثم قال أبو سعيد المخزومي:
والوردُ فيه كأنما أوراقُه نزِعت وردّ مكانهن خدود
فلم يزد على ذلك التشبيه المجرّد، لكنه كساه هذا اللفظَ الرشيق، فصرت إذا قستَه الى غيره وجدتَ المعنى واحدًا، ثم أحسست في نفسك عنده هِزّة، ووجدت طرْبَة تعلم لها أنه انفردَ بفضيلة لم يُنازع فيها.
ومتى جاءت السرقةُ هذا المجيء، لم تعدّ مع المعايب، ولم تُحْص في جملة المثالب وكان صاحبها بالتفضيل أحق، وبالمدح والتزكية أولى. ومن ذا يشكّ في فضل امرئ القيس يشبّه الناقة في سرعتها بتَيس الظباء في عدوه بقوله:
أو تيس أظبٍ ببطن واد يعدو وقد أُفرِد الغزالُ
على كل ما قيل فيه، والمعنى واحد؛ لكن امرأ القيس زاد في إفراد الغزال، وهذه زيادة حسنة؛ لأنه إذا أُفرد اجتمع للتيس الخوف والوَلَه؛ فكان أشدّ لعدْوه، وإن امرأ القيس زاد في قوله يصف الطعنة:
كجيْبِ الدِّفْنِس الوَرْها ءَ ريْعَت وهي تستَفْلي
[ ١٨٨ ]
على كل من شبّها بجيْب الحمقاء، وجيب الفتاة، لأنها إذا ريعَت وهي تستفلي عجلت عن الرّفق. وقال أوس بن حجَر:
وفي صدرِه مثلُ جيب الفتا ة تشهق حينًا وحينًا تهِرّْ
فزاد بالتقسيم الجاري على الشهيق والهَرير، ولكن زيادة الأول أحسن وأغمَض مأخذًا، وأوقع تشبيهًا، فأما الفِنْد فإنه أورد البيت على حاله: واضطرته القافية الى ترك الزيادة التي ذكرناها؛ فقال:
كجيْبِ الدفْنِس الورْها ء ريعَت بعد إجفالِ
ومتى سمعت قول أبي دهْبل الجُمَحي:
وكيف أنساك! لا أيديك واحدة عندي ولا بالذي أوْلَيت من قِدَم
علمتَ أنه من قول النابغة:
أبى غفلتي أني إذا ما ذكرتُه تقطّع حزنٌ في حشى الجوف داخِل
وأنّ تلادي إنْ نظَرت وشِكّتي ومُهْري وما ضمّت إليّ الأناملُ
حِباؤُك والعيسُ العِتاقُ كأنها هِجان المها تُرْدى عليها الرحائل
فإذا أنصفت أبا دهبل عرفت فضلَه، وشهدتَ له بالإحسان؛ لأنه جمع هذا الكلام الطويل: في ولا أيديك واحدة عندي. ثم أضاف إليه ولا بالذي أوليت من قدَم. فتم المعنى، وأكده أحسن تأكيد؛ لأن الأمور العظيمة قد تُنسي إذا طال أمدُها، وتقادَم عهدُها؛ فنفى عنه وجوه النسيان كلها، وقد اختصر
[ ١٨٩ ]
النابغة أبياته هذه في بيتٍ من كلمة أخرى؛ فقال:
وما أغفلتُ شكرَك فانتصحني فكيف ومن عطائِك جلُّ مالي
فأحسن وزاد على أبي دهبل بأن جعل كُلّ ماله من عطائه. واقتصر أبو دهبل على تتابع الأيادي، وقد تصْغُر وقد تكثُر، لكنه انفرد بالمصراع الثاني، فحصل له زيادة لا تقصر عن معنى منفرد.
وما أبعد ما وقع العطَوي من أبي دهبَل؛ إذ أخذ قولابن مُناذر قال الأصمعي: ابن مَناذر جمع مُنذر. قال القاضي؛ وهو أعرف به لأنه بصري؛ فقال:
تراضَيْنا بحكمِ الله فينا لنا أدبٌ وللثّقَفيّ مالُ
ففرّقه في أربعة أبيات، بيتُ ابن مناذر خيرٌ من جميعها؛ فقال:
رضينا بحُكمِ الله بين عباده رِضا عُلَماء لا تسخُّط جُهّال
لئن خصّ قومًا بالنباهة والغِنى وألبسَنا ثوبَيْ خمول وإقلالِ
لقد جاء بالعِلم النفيس الذي به رُشِدْنا فلم نلبس ملابسَ ضُلاّلِ
فلو سُمتَنا لم نُعطِ علمًا بثروة ولم نرَ للتمييز كُفْوًا منَالمالِ
وما ضرّ قول المتنبي:
فاستعارَ الحديدُ لونًا وألقى لونَه في ذوائبِ الأطفالِ
وإن كان مأخوذًا من قول العامة: هذا أمر يشيب الطفل. وكانتِ الشعراء قد تداولتْه وابتذلته حتى أخلق ورثّ، وقد زاد فيه الزيادة المليحة، وإنما العيبُ على أبي
[ ١٩٠ ]
الجويرية. العبدي إذ أخذ قول نُصَيب، فقال:
قفوا خبروني عن سليمان إنني لمعروفه من أهل وَدّانَ طالبُ
فعاجُوا فأثْنَوا بالذي أنت أهلُه ولو سكتوا أثنت عليكَ الحقائبُ
فنقل معناه وكثيرًا من ألفاظه، ثم يقعُ من إحسانه أحسن موقع فيقول:
أقول لقافلين يُرى عليهمْ عطايا منك ليس لها حِساب
قِفوا أُخبرْكمُ وتُخبّروني قليلًا واسّرابُ له اختِباب
لأفصِحَهم وما كفروك حُسْنا ولو فعلوا لكذّبه العِياب
وقد أخذ أبو الجُوَيرية بيتي الخنساء أحسن مأخذ، وجمعهما في بيت استوفى فيه معنييهما. قال الخنساء:
وما بلَغت كفُّ امرئٍ متناول من المجد إلا والذي فيك أطوَلُ
وما بلغ المُهدون نحوك مِدحَة وإن أطنَبوا إلا وما فيك أفضلُ
فقال أبو الجُويرية:
يزيد على سرْوِالرجال بسرْوِه ويقصر عنه قولُ مَنْ يتمدّح
وعلى من يأخذ قول أبي العطاء:
جلّتْ رزيّتُه فعمّ مُصابها فالناسُ فيه كلّهم مأجور
[ ١٩١ ]
فيقول:
ولقد أصاب غليلُها مَنْ لم يُصَب وتصيّرَت فقْدًا لمن لم يفْقِد
وبين الكلامين في صحّة النظم وعذوبة المنطق ما تراه. ثم قد كرر المعنى في المصراعين، ولم يزد على قول أبي العطاء: فعم مصابه، وبقية البيت فضل. ومن يأخذ قول ساعدة بن جؤية:
للمشرفيّة وقعٌ في قِلالِهم نخْتَ القُيون رِطاب الأثْل بالقُدُم
فيقول:
للمشرفيّة وقعٌ في قِلالهم وقْع القَدوم بكفّ القيْن في الخشبِ
فيبدل تلك الألفاظ، والبيت نقلًا ونسخًا على هيئته لما كان هذا المعنى يُعدّ مسروقًا؛ لأنه من المبتذَل العامي المشاهَد في كل حال.
ومتى أحكمتَ هذا الباب حقّ الإحكام، وأوليتَه حسنَ التمييز فقد ألقيت عن نفسك ثقلًا، وكفيتها مؤونة، ولم يبقَ عليك إلا أن تحترس من التفريط، كما احترستَ من الإفراط. فلا تكن كمن يرى السّرَق لا يتمّ إلا باجتماع اللفظ والمعنى، ونقْل البيت جملة، والمصراع تامًّا؛ بل لا يعرِفُ السارق إلا من يفعل فِعل عبد الله بن الزبير بأبيات معن بن أوس. حكى أبو عبيدة وغيره أن عبد الله بن الزبير دخل على معاوية فأنشده لنفسه:
إذا أنت لم تُنصِف أخاك وجدتَه على طرَفِ الهِجران إن كان يعقِل
ويركبُ حدّ السيفِ من أن تَضيمه إذا لم يكن عن شفرَةِ السيفِ مزحَلُ
فقال له معاوية: لقد شعرت بعدي يا أبا بكر! ولم يفارق عبد الله المجلس حتى دخل معنُ بن أوس المزني، فأنشده كلمته التي أولها:
[ ١٩٢ ]
لعمرُك ما أدري وإني لأوجَلُ على أيِّنا تعْدو المنيةُ أولُ
حتى أتى عليها، وهذه الأبيات فيها. فأقبل معاوية على عبد الله بن الزبير فقال: ألم تخبرني أنها لك؟ فقال: المعنى لي واللفظ له؛ وبعدُ فهو أخي من الرضاع وأنا أحق الناس بشعره.
وكفعل جرير بقول سُويد بن كراع العُكلي:
وما بات قومٌ ضامِنينَ لنا دمًا فنوفيها إلا دماءٌ شوافِعُ
فإنه نقل البيتَ الى قصيدة له، فلما أنشدها نبه عليه عمر بن نجاء التيمي، وكان أحد الأسباب التي هاجت الشر بينهما.
وفِعل الفرزدق إذ سمع جميلًا ينشد:
ترى الناسَ ما سِرْنا يسيرون خلْفنا وإن نحنُ أومأنا الى الناس وقّفوا
فقال: أنا أحق بهذا البيت، فأخذه غصبًا. وكما ادعى دِعبِل على أبي تمام في كلمته الرائية، التي رثى بها محمد بن حميد؛ فإنه زعم أن أبا مكنف المُزني، من ولد زهير بن أبي سلمى رثى ذُفافة العبْسي، فقال:
أبعد أبي العباس يُستعتب الدهرُ وما بعده للدهرِ عُتبى ولا عُذر
ألا أيها الناعي ذُفافةَ والنّدى تعِستَ وشلّت من أناملِك العشْر
إذا ما أبو العباس خلّى مكانه فما حملَت أنثى ولا مسّها طُهر
ولا مطَرت أرضًا سماءٌ ولا جرَت نجومٌ ولا لذّت لشاربها الخمرُ
كأنّ بني القَعْقاع بعد وفاتِه نجومُ سماء خرّ من بينها البدرُ
[ ١٩٣ ]
توفّيت الآمال بعد ذُفافةٍ وأصبح في شُغلٍ عن السّفر السّفْر
يعزَّوْن عن ثاوٍ تعزّى به العُلا ويبكي عليه البأسُ والمجدُ والشعرُ
وما كان إلا مالَ من قلّ مالُه وذخرًا لمن أمسى وليس له ذُخر
فأخذ أبو تمام أكثر هذه القصيدة وجعل مكان بني القعقاع بني نبهان وأبدل باسم ذُفافة محمدًا.
أو كما فعل أبو نُخيْلة بأرجوزة العجّاج: زعم أبو عبيدة عن أبي الخطاب أن أبا نُخيلة قال: وفدتُ على مسلمة بن عبد الملك وقد مدحته فأكرمني وأنزلني، ثم قال لي: ما لكَ والقصيد وأنتَ من بني سعد! عليك بالرجز! فقلت: أولستُ بأرجز العرب؟ فقال: أسمعني، فأنشدته:
يا صاحِ ما شاقَك من رسْم خالِ ودمنةٍ تعرفُها وأطلالِ
وهو من قول العجّاج، فلما سمع أولها أصاخ، فلما أسهبتُ فيها قال: أمسك. فنحن أروى لهذا منك، وظننته مقتَني، فما أصبت منه خيرًا.
وكما أخذ زُهير بيت أوس:
إذا أنت لم تعرِض عن الجهل والخنا أصبتَ حليمًا أو أصابكَ جاهلُ
وهو مرويٌ في قصيدته. وكقول المعلوط:
إن الظائنَ يومَ حزمِ عُنيزةٍ بكّيْن عند فراقهنّ عُيونا
غيّضْن من عبَراتِهنّ وقلنَ لي ما لقيتَ من الهوى ولقينا
وقال جرير:
إن الذين غدَوا بلبّك غادروا وشَلًا بعينك ما يزال مَعينا
[ ١٩٤ ]
غيّضنَ من عبراتهنّ وقلن لي ماذا لقيتَ من الهوى ولَقينا
ولا تعدّ المعنى مأخوذًا حتى يجيء مجيء قول النابغة:
لو أنها عرضَت لأشْمَطَ راهبٍ عبَد الإلهَ صَرورةٍ متعبِّدِ
وقول ربيعة بن مقروم:
لو أنها عرضَتْ لأشمَط راهبٍ عبَد الإلهَ صَرورةٍ متبتِّل
وقول امرئ القيس:
كأني لم أركَب جَوادًا للذّةٍ ولم أتبطّنْ كاعِبًا ذاتَ خَلخالِ
ولم أسْبأ الزِّقَّ الرّوي ولم أقل لخيْلي كُرّي كرّةً بعد إجفالِ
وقول عبد يغوث بن وقاص الحارثي:
كأني لم أركبْ جَوادًا ولم أقل لخيليكُرّي نفّسي عن رِجاليا
ولم أسبأ الزّق الرويّ ولم أقل لأيْسارِ صدْقٍ عظِّموا ضوْءَ نارِيا
وقول النابغة:
وما كان دون الخير لو جاء سالمًا أبو حجر إلا ليالٍ قلائل
[ ١٩٥ ]
وقول الحطيئة:
وما كان بيني لو لقيتُك سالمًا وبين الغِنى إلا ليالٍ قلائل
وقال مالك بن الرّيب:
العبد يُقرَع بالعصا والحرّ يكفيه الوعيدْ
وقول يزيد بن ربيعة بن مفرِّغ:
العبدُ يُقرع بالعصا والحرّ تكفيه الملامَهْ
وقال آخر بعدهما:
العبدُ يُقرع بالعصا والحرّ تكفيه الإشارَهْ
وقول ذي الرُمّة:
يطرحْن بالدّويّةِ الأمْلاس لكلّ ذئب قفرَة ولاّس
موتى العظام حيّةَ الأنفاس
وقول رؤبة:
يطرَحْن بالدّوّيّة الأغفالِ كلّ جنين لفق السِّرْبال
حتى الشّهيق ميّتِ الأوصال
[ ١٩٦ ]
وقول امرئ القيس بن عابس:
قِفِ الدّيار وقوفَ حابسْ وتأنّ إنك غير آيسْ
ماذا عليك من الوقو ف بهامدِ الطّللين دارِسْ
لعبَت بهن العاصفات الرا ئحات من الرّوائسْ
وقول الكميت:
قف بالديار وقوفَ زائرْ وتأنّ إنك غيرُ صاغرْ
ماذا عليك من الوقو ف بهامد الطّللين داثِرْ
درجت عليك الغاديات الرّا ئحات من الأعاصرْ
ومثل قول الأُقيْشر - إن كانت له:
جريْتُ مع الصِّبا طلْقَ العتيقِ وهانَ عليّ مأثورُ الفسوقِ
وجدْتُ ألذّ عاريةِ الليالي قرانَ النّغمِ بالوتَرِ الخَفوقِ
ومُسمعةً إذا ما شئت غنّت متى نزل الأحبّة بالعقيق
تمتّعْ من شباب ليس يبقى وِصلْ بعُرَى الصّبوح عُرى الغَبوقِ
وقول أبي نواس:
جريتُ مع الصّبا طلْق الجُموح وهان عليّ مأثورُ القبيحِ
وجدْت ألذّ عاريةِ اللّيالي قِران النّغمِ بالوتَرِ الفصيحِ
ومُسمعةً إذا ما شئتُ غنّت متى كان الخيامُ بذي طُلوحِ
[ ١٩٧ ]
تمتّع من شبابٍ ليس يبقى وصل بعُرى الغبوق عُرى الصّبوح
وأنا أرتابُ بأبيات الأقيشر؛ فإنها لا تُشبه شعرَه، ولم أرها في ديوانه.
وقول الرّاعي:
فتًى يشتري حُسنَ الثناءِ بماله إذا ما اشترى المَخزاةَ بالمال بيْهَسُ
وقال الأبيرِد:
فتى يشتري حسن الثناء بماله إذا السّنةُ الشّهباءُ أعوزَها القطْرُ
وقول أبي نواس:
فتىً يشتري حسنَ الثناء بماله ويعلم أن الدائرات تدور
وقول محمد بن وهْب:
هل الدّهر إلا غمرةٌ وانجلاؤها وشيكًا ولا ضيقةٌ تتفرّج
وقول البحتري:
هل الدهرُ إلا غمرة ثم ينجَلي عَماها وإلا ضيقةٌ وانفِراجُها
وقول حزْن بن جَناب المِنقريّ:
وما المرءُ إلا حيث يجعلُ نفسَه ففي صالح الأخلاق نفسَك فاجعَلِ
[ ١٩٨ ]
وقول حُريث أبو اللّحّام:
وما المرءُ إلا حيث يجعل نفسَه فأبصِر بعينيك امرأً حيث يعمد
وقال مالك بن الريب:
يقولون لا تبعَد وهم يدفنونني وليس مكانُ البُعد إلا مكانيا
وقول هُدبة بن الخشْرم:
يقولون لا تبعَد وهم يدفنونني وليس مكان البُعد إلا ضرائحي
وقول العباس بن المطلب:
وما الناس بالناس الذين عهدتهم ولا الدارُ بالدار التي كنت تعلمُ
وقول الفرزدق:
وما الناس بالناس الذين عهدتهم ولا الدارُ بالدار التي كنت تعرفُ
وقول نافذ بن عُطارد:
وإني لأعطي المال مَن ليس سائلًا ومن لم يكن يومًا ليُعطيني سُؤلي
وقول الأصلع بن قصّاب:
وإني لأعطي المال من ليس سائلًا وأُعرِض عن بادي الشّذاةِ مُليم
[ ١٩٩ ]
وقول المخضّع العبْدي:
ومن يقترف خُلقًا سوى خُلقِ نفسه يدعْه وترجِعه إليه الرّواجع
وقول الأعور الشّنّي:
ومن يقترف خُلقًا سوى خُلق نفسه يدَعْه ويغْلبه على النّفس خيمُها
وقول والبة:
يا شقيقَ النّفس من أسَد نمتَ عن ليلى ولم أكدِ
وقول أبي نواس:
يا شَقيق النّفس من حكَمٍ نمتَ عن ليلى ولم أنم
وقول حاتم:
وإني لعفُّ الفقْر مشترَكُ الغِنى وتاركُ شكلٍ لا يوافقُه شكلي
وقول جرير:
وإني لعفّ الفقرِ مشتركُ الغِنى سريعٌ إذا لم أرضَ داري احتماليا
وأشبه ذلك مما جمع اتفاق الألفاظ، وتساوي المعاني، وتماثُل الأوزن.
[ ٢٠٠ ]
وأول ما يلزمُك في هذا الباب ألا تُقصِر السّرقة على ما ظهر ودعا الى نفسه دون ما كمَن، ونضح عن صاحبه؛ وألا يكون همّك في تتبّع الأبيات المتشابهة، والمعاني المتناسخة طلب الألفاظ والظواهر دون الأغراض والمقاصد، ولن تُكمِل ذلك حتى تعرفَ تناسب قول لبيد:
وما المالُ والأهلونَ إلا ودائع ولا بدّ يومًا أن تردّ الودائعُ
وقول الأفوه الأوْدي:
وإنما نِعمةُ قومٍ متعةٌ وحياةُ المرءِ ثوبٌ مُستعارُ
وإن كان هذا ذكر الحياة، وذلك ذكر المال والولد، وكان أحدُهما جُعل وديعة، والآخر عارية، وتعلم أنّ قول الشاعر:
وما المرءُ إلا حيث يجعلُ نفسه
هو من قول الآخر:
فنفسَك أكرِمها فإنّك إن تهُن عليك فلن تلْقى لها الدهرَ مُكرِما
وحتى تتأمل هذه الأبيات فتعرف انتسابَ بعضِها الى بعض، واتصال كلّ واحد منها بصاحبه، مع افتِنان مذاهبهما، واختلاف مواقعهما، كقول زهير:
وليس لمنْ لم يركب الهوْلَ بُغية وليس لمن قد حطّه الله حاملُ
وقول حاتم:
إذا أوطنَ القومُ البيوتَ وجدتَهم عُماةً عن الأخبار خُرْقَ المكاسبِ
[ ٢٠١ ]
وقول الآخر:
خاطرْ بنفسك كي تصيبَ غنيمةً إن القعودَ مع العيالِ قبيح
وقول الآخر:
ومن يكُ مثلي ذا عيال ومُقتِرًا من المالِ يطرحْ نفسَه كلّ مطْرَحِ
وقال غيره - ويقال لسهم بن حنظلة:
اعْصِ العواذلَ وارمِ الليل عن عرَض بذي سبيب يُقاسي لَيلَه خَببا
حتى تصادِفَ مالًا أو يُقالَ فتًى لاقى الذي شعَب الفِتيان فانْشعَبا
وقول هبيرة بن عبد مناف:
إذا المرُ لم يغْشَ الكريهةَ أوشكَتْ حبالُ الهوينى بالفتى أن تقطّعا
وقول أبي تمام:
ذَريني وأهوال الزمان أعانِها فأهوالُه العظمى تليها رغائبُه
وتعلم أن زهيرًا جمع في قوله:
وليس لمن لم يركب الهولَ بُغية
ما بسطه هؤلاء، وأن أبا تمام زاد بأن حقق درك البُغية، وحصول المراد لا محالة؛ واقتصر زهير على التأميل؛ فلأبي تمام فضيلة التأكيد، وأن الغرض الحث على تجشّم الأهوال في الطلب، فكلما ازداد الكلامُ تأكيدًا كان أبلغ. ولزهير مزيّة الصدق؛ لأن الأملَ مقرون بهذه الحال، والبغية مطلوبة؛ فأما الظفرُ الذي حكم به
[ ٢٠٢ ]
أبو تمام فقد يكون، وقد يُقتَطع الطالب دونه، ويُحال بينه وبينه.
وألطف من هذا التناسب، وأغمض مأخذًا ما تجده بين هذه الأبيات إذا حذفتَ عنك اعتبار أمثلتها، وأقبلت على صريح معانيها: قال بعض العرب:
يهاب العديدَ الدُهْم من حيث لا يُرى ويخشى شَذاةَ العِزّ والعزّ غائبُ
وقال أبو هفّان:
أنا السيفُ يُخشى حدّه قبل هزّه فكيف وقد هُزّ الحُسامُ المهنّدُ
وقول البحتري:
ويخشى شَذاهُ وهو غيرُ مسلّط وقد يُتوقّى السيفُ والسيفُ في الغمدِ
وقول المتنبي:
تُهاب سُيوفُ الهند وهيَ حدائدُ فكيف إذا كان نزاريةً عُرْبا
ويُرهبُ نابُ الليثِ والليثُ وحدَه فكيف إذا كان الليوثُ له صَحْبا
ويُخشى عُباب البحرِ وهو مكانه فكيف بمنْ يغْشى البلادَ إذا عبّا
معنى هذه الأبيات الثلاثة واحد، وإن اختلفت المعارض والأمثلة.
وكاختلافها واتفاق أغراضها قول الطُفيل الغنَوي:
[ ٢٠٣ ]
نجومُ سماءٍ كلّما انقضّ كوكبٌ بدا وانجلَت عنه الدُجنّة كوكبُ
وقول أبي الطّمَحان القيْني:
نجوم سماء كلّما غارَ كوكبٌ بدا كوكبٌ تأوي إليه كواكِبُه
وقال أوس:
إذا مُقرَم منّا ذَرا حدُّ نابه تخمّط منا نابُ آخرَ مُقرَم
وقال الخُرَيمي:
إذا قمرٌ منا تغوّر أو خَبا بدا قمرٌ في جانب الأفْق يلمعُ
وقال أبو تمام:
رأيتهُم ريشَ الجناح إذا مضت قوادمُ منه بشّرت بقوادِم
وحتى لا يغرَّك من البيتين المتشابهين أن يكون أحدُهما نسيبًا، والآخر مديحًا، وأن يكون هذا هجاءً، وذاك افتخارًا؛ فإن الشاعر الحاذق إذا علِق المعنى المختَلس عدَل به عن نوعه وصِنفه وعن وزنه ونظمه، وعن روّيه وقافيته، فإذا مرّ بالغبيّ الغُفْل وجدهما أجنبيين متباعدين، وإذا تأملهما الفَطِن الذكي عرف قرابةَ ما بينهما، والوصْلَة التي تجمعهما، قال كثيّر:
[ ٢٠٤ ]
أريد لأنْسى ذكرَها فكأنما تمثّلُ لي ليلي بكلّ سبيل
وقال أبو نواس:
ملك تصوّر في القلوب مثالُه فكأنه لم يخْلُ منه مكان
فلم يشكّ عالمٌ في أن أحدهما من الآخر، وإن كان الأول نسيبًا والثاني مديحًا.
وقال أبو نواس:
خُليتَ والحُسن تأخذه تنتقي منه وتنتَخِب
فاكْتسَتْ منه طرائفَه واستزادت فضلَ
وقال عبد الله بن مُصعَب:
كأنك جئت مُحتكِمًا عليهم تخيّرُ في الأبوّة ما تشاءُ
فأحدُ البيتين هو الآخر في المعنى، وإن كان أحدُهما يتخيّر الحسن والآخر الأبوة، وإنما هما من قول بشار:
خُلِقْتُ على ما فيّ غيرَ مخيّرٍ هواي ولو خيِّرتُ كنتُ المهذّبا
ثم تناوله أبو تمام، فأخفاه فقال:
ولو صورتَ نفسكَ لم تزِدْها على ما فيك من كرَمِ الطِّباعِ
[ ٢٠٥ ]
وقد أخذ أبو نواس قول جرير:
بعثن الهوَى ثم ارتمَيْن قُلوبَنا بأسهُم أعداءٍ وهنّ صديقُ
فقال:
إذا امتحنَ الدنيا لبيبٌ تكشّفتْ له عن عدوٍّ في ثيابِ صديقِ
وأخذ أيضًا قول أبي خِراش الهُذَلي:
ولم أدرِ من ألقى عليه رِداءَه على أنه قد سُلّ من ماجدٍ محْض
فقال - يصف شَرْبًا:
ولم أدرِ منه غير ما شهدت به بشرقيّ ساباط الدّيار البَسابِس
فلم يخْفَ موضع لأخذ؛ وإن كان قد نقل الغزَل الى الزّهد، والمرثيّة الى المنادمة.
ومن لطيف السّرَق ما جاء به على وجه القلب، وقصد به النقض، كقول المتنبي:
أأحبّه وأحبّ فيه ملامةً إنّ الملامةَ فيه من أعدائه
إنما نقض قول أبي الشُيص:
أجد الملامةَ في هواكِ لذيذةً حبًّا لذكرِكِ فليَلُمْني اللّوَّمُ
[ ٢٠٦ ]
وأصله لأبي نواس في قوله:
إذا غاديتني بصَبوح عذلٍ فممزوجًا بتسميةِ الحبيبِ
فإني لا أعُدَّ اللوم فيه عليكِ إذا فعلتِ من الذّنوب
وقول المتنبي:
والجِراحاتُ عندَه نغَماتٌ سبقَتْ قبل سَيْبه بسؤالِ
إنما ناقض به أبا تمام في قوله:
ونغمةُ مُعتفٍ جدْواه أحلى على أذنَيْه من نغمِ السَّماعِ
وقد تبعه البحتري؛ فقال:
نشْوان يطربُ للسؤال كأنما غنّاه مالك طيئ أو معبَد
وقول المتنبي:
أنت نقيضُ اسمِه إذا اختلفَتْ قواضِبُ البيض والقَنا الذُبُل
إنما هو نقيض قول أبي نواس:
عباسُ عباسٌ إذا احْتدَم الوغى والفضلُ فضلٌ والرّبيعُ ربيعُ
وقول ابن أبي طاهر:
[ ٢٠٧ ]
يشترك العالَمُ في ذمّه لكنني أمدحه وحْدي
إنما هو عكس قول أبي تمام:
كريمٌ متى أمدحْه أمدحْه والورى معي وإذا ما لمتُه لمتُه وحْدي
وهذا بابٌ يحتاج الى إنعام الفِكر، وشدّةِ البحث، وحسن النظر، والتحرّز من الإقدام قبل التبيّن، والحكم إلا بعد الثقة. وقد يغمُض حتى يخفى، وقد يذهب منه الواضح الجلي على من لم يكن مرتاضًا بالصناعة، متدرّبا بالنقد؛ وقد تحمِل العصبيةُ فيه العالِمَ على دفع العِيان، وجحْدِ المشاهدة، فلا يزيد على التعرّض للفضيحة، والاشتهار بالجَوْر والتحامل!
[ ٢٠٨ ]