ومتى أردت أن تعرف ذلك عِيانًا، وتستثبته مُواجهة، فتعرفَ فرق ما بين المصنوع والمطبوع، وفضْل ما بين السمْح المنقاد والعَصيّ المستكرَه فاعمِد الى شعر البحتري، ودعْ ما يصدر به الاختيار، ويُعَدّ في أول مراتب الجودة، ويتبيّن فيه أثرُ الاحتفال، وعليك بما قاله عن عفْو خاطره، وأوّل فكرته، كقوله:
أُلامُ على هواكِ وليس عدلًا إذا أحببْتُ مثلكِ أنْ أُلاما
أَعيدي فيّ نظرةَ مُستَثيبٍ توخّى الأجْرَ أو كرِه الأثاما
تَريْ كبِدًا محرّقةً وعينا مؤرّقة وقلبًا مستهاما
تناءت دارُ عَلْوة بعد قُرْبٍ فهل ركْبٌ يبلِّغُها السّلاما
وجدّد طيفُها عتْبًا علينا فما يعْتادُنا إلا لِماما
[ ٢٥ ]
ورُبَّتَ ليلة قد بتّ أُسْقَى بعينيْها وكفّيْها المُداما
قطعنا الليل لثْمًا واعتناقا وأفنيناه ضمًّا والتزاما
وقوله:
أُصْفيك أقصى الود غير مقلّلٍ إن كان أقْصى الود عندك ينْفَعُ
وأراك أحسَنَ مَنْ أراه وإن بَدا منك الصّدودُ وبانَ وصلُك أجمَع
يعتادني طرَبي إليك فيغْتلي وجْدي ويدعوني هواك فأتبع
كلِفًا بحبّك مولَعًاويسرّنيأني امرؤ كلِفٌ بحبّك مولَعُ
وقوله:
ردّي على المُشتاق بعضَ رُقاده أو فاشْركيه في اتّصال سُهادِه
أسهَرْتِه حتى هجَر الكرى خلّيتِ عنه ونمْت عن إسعادِه
وقسا فؤادُكِ أن يَلينَ للوْعَةٍ باتتْ تقلقل في صميم فؤاده
ولقد عززْتِ فهان طوعًا للهوى وجنبْته فرأيت ذُلَّ قِياده
مَنْ مُنصِفي من ظالم ملّكْتُه ودّي ولم أملك عسيرَ وِداده
ما كنت أعرف غيرَ سالفِ وُدِّه فبُليتُ بعد صدوده ببِعاده
وقوله:
أجدّك ما ينفكّ يسري لزينبا خيال إذا آب الظلام تأوّبا
سرى من أعالي الشام يجلبُه الكَرى هبوب نسيم الروض تجلبه الصّبا
وما زارني إلا ولِهْتُ صَبابةً إليه وإلا قلت: أهلًا ومرْحبا
وليلتنا بالجَزْع بات مساعفًا يريني أناة الخطْو ناعمة الصِّبا
أضرّت بضوء البدر، والبدرُ طالع وقامت مقام البدر لما تغيّبا
[ ٢٦ ]
ولو كان حقًا ما أتاه لأطفأت غليلًا ولافْتكّتْ أسيرًا مُعذّبا
علمْتُك إن منيّتِ منيّتِ موعِدًا جَهامًا وإن أبْرَقْتِ أبرقتِ خُلَّبا
وكنت أرى أن الصّدود الذي مضى دلالًا فما إن كان إلا تجنُّبا
فوا أسفي حتّام أسألُ مانعًا وآمَنُ خوّانًا وأعتِبُ مُذْنبا
سأثني فؤادي عنك أو أتبع الهوى إليك إن استعفى فؤادي أو أبى
ثم انظر: هل تجدُ معنى مبتذلًا ولفظًا مشتهرًا مستعملًا! وهل ترى صنعة وإبداعًا، أو تدقيقًا أو إغرابًا! ثم تأمّل كيف تجد نفسك عند إنشاده، وتفقّدْ ما يتداخُلك من الارتياح، ويستخفّك من الطرف إذا سمعته، وتذكّر صَبْوةً إن كانت لك تراها ممثّلة لضميرك، ومصوّرة تلقاء ناظرك.
فإن قلت: هذا نسيب والنفس تهَشُّ له، والقلب يعْلَق به، والهوى يُسرع إليه، فأنشِد له في المديح قوله:
بلوْنا ضرائب مَنْ قد نرى فما إنْ وجدنا لفَتْحٍ ضَريبا
هو المرءُ أبدت له الحادثا تُ عزْمًا وشيكا ورأيًا صليبا
تنقّل في خُلُقي سودَدٍ سماحًا مرجّى وبأسًا مَهيبا
فكالسّيف إنْ جئته صارخًا وكالبحر إن جئته مستثيبا
فتى كرّم الله أخْلاقه وألبَسَه الحمد بُرْدًا فشيبا
وأعطاه من كل خبر يُعدّ حظًّا ومن كل مجد نصيبا
فديناك من أيّ خطب عرا ونائبةٍ أوشكت أن تَنوبا
[ ٢٧ ]
ثم خرج الى الاستعطاف وأخذ في العتاب:
وإن كان رأيُك قد حال فيّ فألبستَني بعد بِشرٍ قُطوبا
وخيّبت أسبابي النازعات إليك وما حقها أن تخيبا
يريّبني الشيء تأتي به وأُكبِرُ قدرك أن أستَريبا
وأكره أن أتمادى على سبيل اغترار فألْقى شَعوبا
أُكذِّب ظني بأن قد سخِطْتَ وما كنتُ أعهد ظني كذوبا
ولو لم تكن ساخطًا لم أكن أذُمّ الزمان وأشكو الخُطوبا
ولابد من لوْمةٍ أنتحي عليك بها مُخطئًا أو مُصيبا
أيصبح وِرْديَ في راحتيْ كَ رنْقًا ومرْعاي محْلًا جَديبا
أبيع الأحِبةَ بيع السّوام وأثني عليهم حبيبًا حبيبا
ففي كل يوم لنا موقف يُشقِّق فيه الوداعُ الجيوبا
وما كان سخطُك إلا الفراق أفاض العيون وأشْجَى القُلوبا
ولو كنت أعرف ذنبًا لما تخالجني الشكّ في أن أتوبا
سأصْبِرُ حتى ألاقي رِضا كَ إما بعيدًا وإما قريبا
أراقبُ رأيك حتى يصحّ وأنظرُ عطفَك حتى يَثوبا
[ ٢٨ ]