وإنما أحلْتُك على البحتريّ؛ لأنه أقرب بنا عهْدًا، ونحن به أشد أُنسًا، وكلامه أليق بطباعِنا، وأشبه بعاداتنا؛ وإنما تألَف النّفس ما جانَسها، وتقْبل الأقرب فالأقْرب إليها. فإن شئت أن تعرِف ذلك في شعرِ غيره كما عرفتَه في شعره، وأن تعتبر القديمَ كاعتبارِ المولَّد فأنشد قول جرير:
ألا أيها الوادي الذي ضمّ سيلُه إلينا نوى ظَمياءَ حُيّيتَ وادِيا
إذا ما أراد الحيّ أن يتفرّقوا وحنّت جِمالُ الحيّ حنّت جِماليا
فيا لَيت أنّ الحيَّ لم يتزيّلوا وأمسى جميعًا جيرَةً مُتدانيا
إذِ الحيُّ في دارِ الجميع كأنّما يكونُ علينا نصفُ حوْلٍ لَياليا
الى اللهِ أشكو أن بالغوْر حاجةً وأخرى إذا أبصرْتُ نجْدًا بَدا لِيا
نظرت برَهْبا والظّعائنُ باللّوى فطارَت برَهْبا شُعبةٌ من فؤادِيا
وما أبصر النّارَ التي وضحَت لنا وراءَ جُفافِ الطّيْرِ إلا تماريا
إذا ذُكِرتْ ليْلى أُتيحَ لي الهوى على ما تَرى من هِجرَتي واجتِنابيا
حليليّ لولا أن تظنّا بيَ الهَوى لقُلْتُ سمِعْنا من عُقَيلةَ داعِيا
قِفا فاسمَعا صوتَ المُنادي لعلّه قريبٌ وما دانيتُ بالوُدِّ دانِيا
ولوْ أنّها شاءَت شفَتْني بهيِّن وإنْ كان قد أعْيا الطّبيبَ المُداوِيا
[ ٢٩ ]
فإنكِ إن تعطي قليلًا فطالَما منعتِ وحلأْتِ القُلوبَ الصّواديا
دُنوَّ عِتاقِ الطّيرِ أسمَحْن بعْدما شمَسْنَ وولّيْن الخُدودَ العواصِيا
إذا اكتحَلَتْ عيني بعينِك مسّني بخير وجلّى غَمرَةً عنْ فُؤاديا
ويأمُرني العُذّال أنْ أغلِبِ الهَوى وأن أكتُمَ الوجْد الذي ليس خافيا
فيا حسَراتِ القلْبِ في إثْر مَن يُرى قريبًا وتلْقى خيرَهُ منكَ نائِيا
تعيّرُني الأخلافَ ليلى وأفضلَتْ على وصْلِ ليلى قوّةٌ من حِبالِيا
تخطّى إلينا من بعيدٍ خيالُها يخوضُ خُداريًّا من الليلِ داجيا
فحُيّيتَ من سارٍ تكلّف موهِنا مَزارًا على ذي حاجةٍ متراخِيا
ثم خرج فقال:
وإنّي لعفُّ الفَقْرِ مشترَك الغِنى سريعٌ إذا لم أرضَ داري احتِمالِيا
وإني لأستَحْييكَ والخرْقُ بيننا من الأرضِ أن تلْقى أخًا ليَ قالِيا
وقائلةً، والدّمْعُ يغسِلُ كُحلَها أبَعدَ جريرٍ تكرِمون المَواليا
فردّي جِمالَ البينِ ثم تحمّلي فما لكِ فيهمْ من مُقام ولا لِيا
تعرّضْتُ فاستمرَرتُ من دون حاجتي فدونَكَ إنّي مستمرٌّ لِحالِيا
وإني لَمَغرورٌ أعلَّلَ بالمُنى لَيالي أرجو أنّ ما لك ما لِيا
فأنت أخي ما لم تكُن لي حاجةٌ فإن أعرَضَتْ أيقنت أن لا أخالِيا
بأي نجادٍ تحمِلُ السّيفَ بعدَما قطعْتَ القُوى من محمَلٍ كان باقِيا
[ ٣٠ ]
بأي سِنانٍ تطعَنُ القَرمَ بعْدَما نزَعْت سِنانًا من قناتِك ماضِيا
ألمْ أكُ نارًا يصْطَليها عدوُّكم وحِرْزًا لما ألجأتُمُ من ورائِيا
وباسِطَ خيرٍ فيكُمُ بيمينِه وقابِضَ شرٍّ عنكُمُ بشِمالِيا
إذا سرّكُم أن تمسَحوا وجْهَ سابقٍ جَوادٍ فمُدّوا وابسُطوا منْ عِنانيا
أنا ابنُ صريحَي خِندِف غيرَ دِعوةٍ يكون مكان السّيف منها مكانيا
وليس لسَيفي في العِظام بقيّة وللسّيفُ أشوى وقعةً من لِسانيا
ألا لا تَخافا نَبوةً في مُلمّةٍ وخافا المنايا أن تَفوتَكما بِيا
وإنما أثبتّ لك القصيدة بكمالها، ونسختُها على هيئتها، لترى تناسبَ أبياتها وازدواجَها، واسواءَ أطرافها واشتباهها، وملاءمةَ بعضها لبعض، مع كثرة التصرف على اختلاف المعاني والأغراض.