ولو لزمت هذا المثال في شعر أبي تمام لتظاهرتْ عليك الحُجج، وكثرت عندك الشواهد، فقوِي في نفسك رأيي واعتقادي، وتصور لك صدقي وإصابتي؛ وإذ رأيته يقول:
أموسى بنَ إبراهيم دعوة خامس به ظمأُ التثريب لا ظمأ الوِرْد
جليد على عتب الخطوبِ إذا عرَتْ وليس على عتب الأخِلاّء بالجَلْدِ
أأمنحُ هجْر القول من لو هجوْته إذا لهجاني عنه معروفه عندي
كريمٌ متى أمدحْه أمدحْه والورى معي وإذا ما لُمته لمتُه وحْدي
أردّ يدي عن عِرض حرٍّ ومنطقي وأملؤها من لِبدَةِ الأسد الوَرْد
فإن يك سُخْطٌ عنّ أو تَكُ هفوةٌ على خطأ مني فعذري على عمْد
[ ٦٥ ]
ويقول:
ومن لم يسلِّمْ للنوائب أصبحت خلائقه جمْعًا عليه نَوائبا
وقد يكْهَمُ السيف المسمى مَنيّة وقد يرجع المرءُ المظفَّرُ خائبا
فآفة ذا ألاّ يُصادِف مضربًا وآفة ذا ألا يصادفَ ضاربا
وقوله:
أقول وقد قالوا استراحت لموتها من الكرب: روحُ الموت شرٌّ من الكرب
قد نزلت ضنْكًا من اللحد والثرى ولو كان رحب الذّرْع ما كان بالرحب
وكنت أرجّي القُرْب وهي بعيدة فقد نُقلت بعدي عن البُعْد والقرب
لها منزلٌ تحت الثرى وعهدْتُها لها منزل بين الجوانِح والقلبِ
ويقول:
أرى الناسَ منْهاجَ الندى بعد ما عفَت مهايعُه المثلى ومحّتْ لواحِبه
ففي كل نجد في البلاد وغائر مواهب ليست منه وهي مواهبه
فيأيها السّاري اسْرِ غير محاذر جنان ظلام أو ردّي أنت هائبه
ويقول:
ذو الودّ مني وذو القربى بمنزلةٍ وإخوَتي أسوةٌ عندي وإخواني
في دهريَ الأول المذموم أعرفهم فكيف أنكرهم في دهريَ الثاني
عصابة جاورتْ آدابهم أدبي فهم إنْ فُرِّقوا في الأرض جيراني
[ ٦٦ ]
ويقول:
فتىً مات بين الضّرب والطّعن ميتةً تقوم مقام النصر إذ فاتهُ النصر
لئن أُبغِض الدهرُ الخئون لفقده لَعَهدي به ممّن يحَبُّ له الدهر
وكيف احتمالي للسحاب صنيعة بإسقائه قبرًا وفي لحده البحْرُ
ويقول:
وما اشتبَهَتْ طريق المجد إلا هداك لقِبلة المعروف هادي
وما سافرتُ في الآفاقِ إلا ومن جدْواك راحلتي وزادي
مقيم الظن عندك والأماني وإن قلقت ركابي في البلاد
فيترقى في هذه الدّرج العالية، ويتصرف هذا التصرف المعجز، ثم ينحط الى الحضيض ويلصق بالتراب، ويقول:
أصبحتَ نيءَ العقل فاصْل لميْسَم بيدي ألجِّ الناس في الإنضاج
ويقول:
ألا لا يمدّ الدهرُ كفًّا بسيئ الى مجتدى نصر فتقطع للزّنْدِ
ويقول:
لو كان كلّفها عُبيدٌ حاجةً يومًا لزنّى شدْقَمًا وجَديلا
وأظنه لو وجد لفظة أسقط من زنّى، وأقل مناسبة للمعنى لاستعملها.
[ ٦٧ ]
ويقول:
نمْ وإن لم أنم كراي كَراكا شاهدي الدّمع إنّ ذاكَ كذاكا
طال ضُرّي نفسي فداؤك بل مَنْ أنا حتى تكون نفسي فِداكا
ضاق صدري بل كيف أستطيع أن أصْ بِر إذ كان ناظري لايَراكا
ذهبت مُقلتاي بالدّم والدمْ عِ الى النارِ إذ نجَتْ مُقلَتاكا
ويقول:
بنفسي مَنْ هواهُ أخي وترْبي وحِبّيه رضيعُ بنات قلبي
ومن قد شفّني وصبرت حتى ظننتُ بأن نفسي نفسُ كلْب
ويقول:
قسّمَتْ لي وقاسمتني بسلطا نٍ من السحر مقلتا عبْدوسِ
فالقسيم القَسام عن لحظات منهما يختلسن حب النفوس
فالذي قاسمت بلحْظ إذا اللي ل تمطى من الكرى المنفوسِ
ولست أدري - يشهد الله - كيف تصوّر له أن يتغزّل وينسِب، وأي حبيب يستعطف بالفلسفة! وكيف يتّسع قلب عبدوس هذا؛ وهو غلام غِرّ، وحدَث مُتْرف لاستخراج العويص وإظهار المعمّى! ويقول:
لم يبرح البينُ المُشِتُّ جوانِحي حتى نروّث من دمٍ مسموم
[ ٦٨ ]
ويقول:
أأترك حاجتي غرَض التواني وأنت الدلوُ فيها والرِّشاءُ
ويقول:
ضاحي المحيّا للهجير وللقنا تحت العَجاج تخالُه مِحراثا
ويقول:
تُثَفّى الحربُ منه حين تغلي مراجِلُها بشيطان رجيم
ويقول:
ولّى ولم يُظْلَم وما ظُلِم امرؤ حث النّجاء وخلف التّنين
فهو يجعل الممدوح تارة دلوًا، وتارة محراثًا، ومرة رشاء، وأخرى تنّينًا وشيطانًا رجيمًا؛ وأظنه جسَر على ذلك لما سمع قول جرير:
أيام يدعونني الشيطان من غزلي وهنّ يهوَينني إذ كنتُ شيطانا
وما أبعد ما بين الكلامين، وأشد تفاوت ما بين الموضعين! ويقول:
كان الزمان بكم كلبًا فغادركم بالسيف والدهر فيكم أشهرُ الحرم
[ ٦٩ ]
ويقول:
فحرام عليك أن تقرعي ها مة قلبي بدمعك المهراق
وما تكاد قصيدة من شعره تسلم من أبيات ضعيفة؛ وأخرى غثّة، لاسيما إذا طلب البديع وتتبّع العويص؛ فجاء بمثل قوله:
لعمري لقد حرّرتُ يوم لقيته لو أن القضاء وحدَه لم يُبرَّدِ
وقوله:
لن يأكلوا هم ولا عشيرتهم ما كنزوه من صامت الحسب
وقوله:
ذلّتْ بهم عُنق الخليطِ وربما كان الممَنّع أخدعًا وصَليفا
وقد أولع بذكر الأخدع؛ فردده في عدة أبيات لم يوفق إلا في واحد منها.
قال:
سأشكر فُرجة اللّبَب الرخيّ ولينَ أخادع الزّمِنِ الأبيّ
وقال:
يا دهر قوّم من أخدعيك فقد أضجَجْتَ هذا الأنامَ من خرَقِكْ
وقال:
فضربتَ الشّتاء في أخدعيه ضربةً غادرتْهُ عَوْدًا رَكوبا
[ ٧٠ ]
وقد أحسن في قوله:
وما هو إلا الوحيُ أو حدُّ مرهفٍ تُميلُ ظُباه أخدَعَي كل مائلِ
وقد ذكره البحتري صفحًا، فقال:
عطَف ادّكارُك يوم رامة أخدَعي شوقًا وأعناقُ المطيّ قواصدُ
فوقع من الحلاوة والحسن في الموقع الذي تراه. وقوله:
لو لم تفتّ مُسنّ المجد مذ زمنٍ بالجود والبأس كان الجود قد خرِقا
وقوله:
كانوا رداء زمانهم فتصدّعوا فكأنما لبس الزمانُ الصوفا
وقوله:
ولديك آلات جنوبٌ كله فاحطم بأصْلبِهنّ أنف الشّمْألِ
فإن حمَل نفسه على التكلّف، وفارق الطبع الى التعمق أراك مثل قوله:
ألا سبيلَ ندًى إلا سبيلَ بِلَى لو كنت حيًا لأضحى للندى سُبُل
وقوله:
لو لم يمت بين أطراف الرماح إذًا لمات إذ لم يمتْ من شدّة الحَزنِ
وقوله:
أيعد التي ما قبلها أفبعدها مقام لحرّ قلت أنت عجولُ
[ ٧١ ]
وقوله:
ذهبت بمذهبه السماحةُ فالتوَتْ فيه الظنونُ أمُذهبٌ أم مذهبُ
وقوله:
المجدُ لا يرضى بأن ترضى بأن يرضى المؤمل منك إلا بالرضا
بلغنا أن إسحق بن إبراهيم الموصلي سمعه ينشد هذا البيت، فقال له أن: يا هذا، لقد شققت على نفسك، إن الشعر لأقرب مما تظن.
فإن أظهر التعجرف، وتشبّه بالبدو، ونسي أنه حضري متأدب، وقروي متكلف جاءك بمثل قوله:
قد قلتُ لما اطْلَخَمّ الأمر وانبعثت عشواءُ تاليةٌ غُبْسًا دَهاريسا
وقوله:
فعنيقُها يعضيدُها ووشيجُها سعدانُها وزميلُها تنّومها
وقوله:
إن الأشاءَ إذا أصاب مشذِّبٌ منه اتمهلّ ذُرًى وأثّ أسافِلا
وقوله:
[ ٧٢ ]
وحادِث أخرَق داويتُه ردّاعة داهِية درْدَبيسْ
وقوله:
ومُزَحْزِحاتي عن ذراكَ عوائِقٌ أصحرْن بي للعَنقَفير المؤبّدِ
وقوله:
مُقابلٌ في دِرى الأذواءِ منصبُه عيصًا فعيصًا وقُدموسًا فقُدموسا
ثم لو لزم ذلك واستمر عليه دينًا وعادة، واتّخذه إمامًا وقِبلة لقلنا: بدوي جرى على طبعه، أو متحضِّر حنّ الى أصله؛ لكنه يُعرِض عنه صفحًا، ويتناساه جملة، ويقول وهو يمدح خليقة:
مازلت في العفو للذنوب وإطْ لاقٍ لعانٍ في جُرمه غلِق
حتى تمنّى البُراءُ أنهم عندك أمسوا في القِدّ والحلَق
[ ٧٣ ]
فنازعه المعنى، وانفرد دونه بالعيب؛ لأن أبا دَهبل زعم أن البرآء يتمنون أن يُذنِبوا فيُصيبوا عفوة، ولا نقْص في ذلك على الممدوح؛ لأن انفراده بالعفو متعذّر، وإنما سببه الى ذلك ذنب المحرم وخطأ الجاني.
وزاد أبو تمام فزعم أنّهم يتمنون اليُتم؛ ليصلوا الى رِفده، ويلحقوا بالأيتام في تكفّله، والممدوح ممكّن من إفاضة العدل، وبثّ العُرف، وإغنائهم عن هذا التمني الذي لا يختاره العاقل إلا بعد بلوغ الجهد منه، ووصول القُنوط الى قلبه، واستيلاء الضّنك على معيشته؛ وليس من صفة الجواد أن يعرّض مُدّاحه وقصّاده، ومن علقت به آماله، وسمت إليه همتُه لسوء الحال، ويكلّفهم الأماني الرّذْلة. وقد مدح أبا المغيث، فقال:
اسقِ الرعية من بشاشتك التي لو أنها ماء لكان مَسوسا
إن البشاشة والندى خيرٌ لهم من عفة جمَسَت عليك جُموسا
لو أنّ أسباب العَفافِ بلا تُقًى نفعت لقد نفعتْ إذًا إبليسا
فليتَ شعري عنه لو أراد هجوه، وقصد الغضّ منه، هل كان يزيد على أن يذم عفّته، ويصفها بالجموس والجمود، وهما من صفات البرد والثقل، ثم يختم الأمر بأن يضرب له إبليس مثلًا، ويقيمه بإزائه كُفُوًا، هذا وهو يقول في مثل ذلك غير مادح، وبحيث يحتمل الاتساع ولا يضيق التصرف:
عجبًا لعمري أنّ وجهَك مُعرِض عنّي وأنت بوجهِ نفعِك مقبلُ
[ ٧٤ ]
أوَلا ترى أن الطلاقة جُنّة من سوء ما تجني الظنونُ ومعقِل
ومودة مطويةٌ منشورة فيها الى إنجاحها متعلل
إن يُعطِ وجهًا كاسفًا من تحته كرم وطيبُ خليقةٍ لا تدخل
فلرُبّ ساريةِ الغمام مطيرة جادت بوابلها وما تتهلل
على أنه قد تحامل بقوله: إن يعط وجهًا كاسفًا، وبقوله في مثله:
ليس يدري إلا اللطيفُ الخبير أي شيء تُطوي عليه الصّدورُ
فتطلّق مع العناية إنّ الْ بشْر في أكثر الأمور بشيرُ
إنما البشرُ روضةٌ فإذا كا ن ببذْل فروضةٌ وغدير
فتكلم بما تجَمْجِم فالمن طقُ عنوان ما يجنّ الضمير
فيتوصّل الى مراده أحسن ما توصل، ويعبّر عن ذات نفسه بألطف عبارة؛ وقوله:
شكوت الى الزمان نحولَ جسمي فأرشدني الى عبدِ الحميد
وإنما يُرشَد في نحول الجسم الى الأطباء، فأما الرؤساء والممدوحون فإنما يُلتَمس عندهم صلاحُ الأحوال؛ وقوله:
تكادُ عطاياه يجنّ جُنونها إذا لم يعوّذْها بنغمةِ طالبِ
[ ٧٥ ]
وما بالها يحوجها الى الجنون، ويلتمس لها العُوذ والرُقى، هلاّ فاكّ أسرها، وقدم خلاصها، ولم ينتظر بها نغمة الطالب، ففعل ما قاله أبو الطيب:
وعطاءُ مالٍ لو عداهُ طالبٌ أنفقتَه في أن تلاقي طالِبا
وقد تداول الناس هذا المعنى، فقال مسلم:
أخ ليَ يعطيني إذا ما سألتُه ولو لم أعرِّضْ بالسؤال ابتَدانِيا
وقال أبو العتاهية:
وإنا إذا ما تركنا السؤال فلم نبغ نائلَه يبتَدينا
وإن نحن لم نبغ معروفَه فمعروفُه أبدًا يبتَغينا
وقال أبو تمام:
فأضحَتْ عطاياه نوازعَ شُرّدا تسائِل في الآفاق عن كلّ سائل
وقوله:
ورأيتَني وسألتَ نفسك سيْبَها لي ثم جدتَ وما انتظرتَ سؤال
وقد زاد أبو الطيب عليهم بقوله:
أنفقته في أن تُلاقي طالب
وقوله:
قلْتًا من الرّيق ناقعَالذّوب إلْ لا أن برْد الأكباد في جمدِهْ
[ ٧٦ ]
فقد سلك مفسّرو هذا البيت غير طريق، وقالوا فيه غير قول، فلم يزيدوا على تأكيد المحال بالمحال، وإضافة الخطأ الى الخطأ، وما معنى جمد الريق؟ وكيف يكون برد الأكباد في جامده دون ذائبه! وقد أعطاك أن ذوبه ناقع مرّ، وهل بعد الري برد الأكباد! وبقوله:
ألذّ من الماء الزُلال على الظما وأطرف من مَرِّ الشمال ببغْداد
فجعل الشمال طرفه ببغداد، وهي أكثرُ الرياح بها هبوبًا. وقد رواه بعض الرواة أظرف؛ ولا أعرف معنى الظرف في الريح؛ وقوله:
ورحبَ صدْرٍ لو أنّ الأرض واسعة كوسعه لم يضق عن أهله بلدُ
وهذا المعنى فاسد؛ لأنه جعل البلادَ إنما تضيق بأهلها لضيق الأرض، وأنها لو اتسعت اتساعَ صدره لم تضِق البلاد. ونحن نعلم أن البلاد لم تخطط في الأصل على قدر سعةِ الأرض وضيقها، وأن الأرض تتّسع لبلاد كثيرة، ولاتّساع ما فيها من المدن أيضًا، وهي على حالها؛ وإنما تؤَسس وتبتدئ على قدر الحاجة إليها؛ فإذا استمر بها الزمان وكثرت العمارة، وظهر فيها ما يستدعي الناسَ إليها ضاقت، فإن جاورَتْها فُسَح وعِراص وسّعت، وإلا احتمل لها بعض الضيق؛ فلو اتسعت الأرض حتى امتدّت إلى غير نهاية وأمكن ذلك لم تزد البلاد التي تنشأ فيها على مقاديرها.
وقوله:
سبعون شهرًا كلها في كلِّه لي عائقٌ عن منزلي وبلادي
[ ٧٧ ]
فجعل للكل كلًا، كما جعل للدهر دهرًا في قوله:
تحمّلتُ ما لو حُمِّل الدهرُ شطرَه لفكّر دهرًا أي عبأَيْه أثقَلُ
وقوله:
رقيقُ حواشي الحلم لو أن حلمه بكفّيك ما ماريتَ في أنه بُردُ
والبُرد لا يوصف بالرِّقة، وإنما يوصف بالصفاقة والدّقة. وقد أقام الرقة مقام اللطف والرشاقة في موضعٍ آخر، فقال:
لك قدٌ أرقّ من أن يحاكي بقضيبٍ في النّعتِ أو بكثيبِ
والقد لا يوصف بالرقة. وقوله:
لآلٍ إذا مرّت على السمع ناسبَتْ لدقّة معنى نظمِها لؤلؤَ العِقْد
ومناسبة اللآلئ في دقة النظم لا يُفتخَر بها، ولا يجعل ما يناسبه في ذلك لآل؛ وإنما يشبه باللآلئ في الصفا والرونق والحسن، وقد يكون من سقط الخرز وصغاره ما هو أدقّ نظمًا من اللؤلؤ؛ وقد تنظِم الأعراب تيجانها من حبّ الحنظَل، وهو أدقّ نظمًا من كل جوهر نفيس، وإنما أراد ذِكر السبب الذي أفاده شبه اللؤلؤ فزلّ عنه. وقوله:
من الهيف لو أن الخلاخلَ صُيِّرت لها وشحًا جالت عليها الخلاخِلُ
[ ٧٨ ]
أراد وصفها بدقّة الخصر، فوصفها بغاية القصر والضئولة؛ لأن الوشاح يؤخذ من العاتق ويوشح إحدى طرفيه الصّدْر والبطن، والآخر الظهر، حتى ينتهيا الى الكشح ويلتقيا على الوِرك. وكيف حالُ من يجول الخلخال من عاتقها وكشحها، وهل تكون هذه من البشَر فضلًا عن أن تُنسَب الى الحُسن! وقوله:
يَدي لمن شاء رهْنٌ لم يذُق جرَعًا من راحتيك درَى ما الصّابُ والعسَل
فحذف عمدة الكلام، وأخلّ بالنظم؛ وإنما أراد يدي لمن شاء رهن إن كان لم يذق. فحذف إن كان من الكلام، فأفسد الترتيب، وأحال الكلام عن وجهه.
وقوله:
حلّتْ محلّ البِكْر من مُعطًى وقد زُفّت من المعطي زِفافَ الأيِّم
فجعل الأيّم مقابل البِكر في التقسيم، والأيّم قد تكون بِكرًا؛ وإنما هي التي لا زوج لها، يقال: آمت المرأة تئيم أيْمة. وكذلك الرجل إذا ماتت امرأته؛ وإنما لأهل اللغة قولان: أحدهما أن المرأة قد تكون أيِّمًا إذا لم يكن لها زوج؛ وإن لم تكن نكِحت قطّ. والثاني أنها لا تكون أيِّمًا إلا وقد نُكِحت، ثم خلَت بموت أو طلاق؛ بِكرًا كانت أو غير بكر، بنَى عليها الزوج أو لم يبْنِ. ويقال: تأيّمت المرأة؛ إذا لم تُنكح بعد موت زوجها.
فأما قول النبي ﷺ: الأيّم أحق بنفسها من وليّها، والبِكر تُستأذن في نفسها. فقد ذهب العراقيون فيه على ظاهر اللغة؛ فجعلوا الأيّم عامًا في الثّيّب والبكر، وجعلوا اللفظة الثانية مفردة بحكم، وداخلة من الثانية في حكمها، وأبى أصحابُنا ذلك؛ فذهب الشافعي الى أن المراد بالأيّم الثيّب، وليس يُحفظ عنه، ولا يوجد في شيء من كتبه أن الأيّم والثيّب في اللغة عبارتان عن معنى واحد، فيجد العائب طريقًا الى عيبه، ولكنه لُطف في الفكر فتوصل به الى استخراج ما غمض على غيره؛
[ ٧٩ ]
وذلك أنه رأى الخبر تضمّن ذكر الأيّم والبكر، ووجد البكر معطوفًا على الأيّم؛ وكان ظاهر الخطاب وحقيقة اللغة يقتضي تغايرَ المعطوف والمعطوف عليه. ومن الظاهر عند أهل اللسان أن الشيء لا يُعطَف على نفسه؛ هذا هو الأصل المطّرد، فإن وُجد في الكلام ما يخرج عنه، وأُصيب ما يخالف هذه القضية فزائل عن الظاهر تابع لدليله؛ كما يوجد عموم يُخَصّ، وأمر يحمل على النّدْب، وخبرٌ يراد به الأمر؛ فلا يُترك له موضوعات الأصول ولا يُعترض به على حقائق اللغة.
وكما لا يُعطف بالشيء على نفسه؛ فكذلك لا يُعطف به على جملة هو بعضُها؛ لأنه يكون معطوفًا به على نفسه وعلى شيء آخر معه.
ولو قال قائل من أهل اللغة، موثوق بسداده: جاءني عمرو وأكرمني أبو زيد؛ لوجب أن يكون أحدُهما غير الآخر في مقتضى الظاهر؛ وكذلك لو قال: وجدت عبد الله عاقلًا وأبا محمد فاضلًا لكان المعقول منهما تغايرهما، وإن أمكن أن يكون المسمى هو المكنى.
فلما تقرّر عنده الأصل، ووجد الأدلة تقوده إليه فصَل بين المعطوف والمعطوف عليه، فجعل الأيّم غير البِكْر؛ وليس غير الأبكار إلا الثُيَّب. وليس يعترض هذا قولُ من يزعم أنه إقرار بالعدول عن الظاهر، ومفارقة الحقيقة، فقد سلم للمخالف ورفعت المنازعة في هذه الدلالة؛ لأنا نقول: إن في الخبر ظاهرين متقابلين؛ أحدهما حقيقة الأيّم وهو انطلاقُها على كل خالية من حُرمة النكاح، والثاني ظاهر العطف ووجوب تميّز المعطوف عليه، فلما تقابل هذان الظاهران، ولم يكن من رفْض أحدهما بدّ اتّبع المتعارف، واستسلم لعادة الخطاب؛ وعادة الاستعمال في اللغات مقدمة على حقائقها، وهي أولى بالظاهر من أصولها.
وأما أنا فأرى ظاهرَ الترتيب من ظاهر الألفاظ المنفردة، وإن كان من أصحابنا من يخالفني فيه.
[ ٨٠ ]
وفي الإفصاح بما أشرت إليه، وتبيين ما أجملته كلامٌ يتسع، ولا يتصل بالغرض الذي قصدناه، وإنما نبذْت منه نُبذًا اقتضاها فصلٌ أصبته لبعض من اعترض على أبي تمام، جمع فيه بينه وبين الشافعي في النكير، ووازن بين قولهما في الخطأ، ولم أستحسن ما يتسرع إليه أصحابنا من التصريح بمخالفة اللغة، والتشبّث بالشواذ المردودة، ووجدت المعنى الذي ذكرته مستقيمًا على اللغة والمعقول، وكالمصرّح به في لفظه؛ فأومأت إليه.
[ ٨١ ]