ولو تأملت شعر أبي نواس حقّ التأمل، ثم وازنت بين انحطاطه وارتفاعه، وعددتَ منفيّه ومختاره، لعظّمتَ من قدْر صاحبنا ما صغّرت، ولأكبرت من شأنه ما استحقرت، ولعلمت أنك لا ترى لقديم ولا محدَث شعرًا أعم اختلالًا، وأقبح تفاوتًا، وأبين اضطرابًا، وأكثر سفسفة، وأشد سقوطًا من شعره هذا؛ وهو الشيخ المقدّم والإمام المفضّل الذي شهد له خلَف وأبو عبيدة والأصمعي، وفسر ديوانه ابنُ السكيت؛ فهل طمست معايبه محاسنَه؟ وهل نقص رديُّه من قدر جيده؟ وهل ضرّ قوله:
يحميك مما يستسر بفعله ضحكاتُ وجه لا يَريبُك مشرقِ
حتى إذا أمضى عزيمة أمره أخذت بسَمْعِ عدوِّه والمنطقِ
وقوله:
يا ناقُ لا تسأمي أو تبلُغي ملكا تقبيلُ راحته والركن سيّانِ
متى تحطّي إليه الرّحْل سالمةً تستجمعي الخلْق في تمثال إنسانِ
وقوله:
لعمرك ما غاب الأمينُ محمدٌ عن الشيء يعْنيه إذا حضر الفضلُ
ولولا مواريثُ الخلافة أنها له دونه ما كان بينهما فضْلُ
فإن كانت الأحساب فيها تباينٌ فقولُهما قولٌ وفعلُهما فعلُ
أرى الفضْل للدنيا وللدين جامعًا كما السهمُ فيه الفوقُ والرّيشُ والنّصْل
[ ٥٥ ]
وقوله:
إذا نحن أثنينا عليك بصالحٍ فأنتَ كما نُثني وفوق الذي نُثني
وإن جرتِ الألفاظُ منّا بمدحة لغيرك إنسانًا فأنتَ الذي نعْني
وقوله:
لا أذودُ الطّيرَ عن شجَرٍ قد بلوت المُرَّ من ثمَرِه
خِفْتُ مأثورَ الحديث غدًا وغدٌ دانٍ لمُنتظره
خاب مَن أسْرى الى ملِكٍ غير معلوم مدَى سفَرِه
فامْضِ لا تمْنُن عليّ يدا منُّكَ المعروف من كدره
رُبّ فتيان ربَأتهمُ مسقطَ العيّوق من سحَرِه
فاتّقوْا بي ما يَريبهمُ إنّ تقوى الشرِّ من حذَره
وقوله:
قالوا كبرت فقلت ما كبِرت يدي عن أن تخبّ الى فمي بالكاس
[ ٥٦ ]
وإذا عددت سنيّ كم هي لم أجدْ للشيب عذرًا في النزول براسي
وقوله:
بانوا وفيهم شموسُ دُجنٍ تُنعِلُ أقدامَها القرونُ
تعومُ أعجازُهنّ عوْمًا وتنثني فوقها المُتونُ
وقوله:
وكأسٍ كمصباح السماء شربتُها على قُبلة أو موعد بلقاءِ
أتت دونها الأيام حتى كأنها تساقُطُ نورٍ من فُتوق سماءِ
وقوله:
قامت تريك وأمرُ الليل مجتمع صبحًا تولّد بين الماء والعنب
كأن صُغرى وكُبرى من فواقِعها حصْباءُ دُرٍّ على أرضٍ من الذهب
كأن تُرْكًا قيامًا في جوانِبها تواتَروا الرمي بالنشّاب من كثَب
وإن كان النحويون ينكرون صغرى وكبرى بغير ألف ولام.
وقوله:
فإذا علاها الماء ألبَسَها زبَدًا شبيهَ جلاجل الحِجْل
[ ٥٧ ]
حتى إذا سكنت جوامحها كتبت بمثل أكارِع النمل
خطّين من شتى ومُجتَمع غُفْل من الإعجام والشّكْل
وقوله:
فتمشّتْ في مفاصلهم كتمشي البُرْءِ في السّقم
ومن سلك هذا المسلك من شعره فقد صافح السماء وتناول النجوم.
هل ضرّ قولَه هذا غَثاثةُ قوله يمتدح الأمين:
فعصا نداه براحتي أعلو بها الإفلاسَ قرْعا
وعليّ سورٌ مانعٌ من جوده إن خفتُ كسْعا
فلو أنّ دهْرًا رابني لصفعتُه بالكفّ صَفْعا
وقوله:
ما لرِجْلِ المالِ أضحَتْ تشتكي منك الكَلالا
ما لأمْوالِك منْ جا ءَ احتَثى منها وَكالا
وقوله:
أيا مَنْ وجهه الداحي ومن منزله الماحي
أماليَ منك يا ظال م إلا اللاهي واللاحي
وضعفُ قوله:
[ ٥٨ ]
ألا يا قمرَ الدّار ويا مِسكة عطّار
ويا نفْحة نسرينٍ ويا وردةَ أسحار
ويا جدول بُستان على شاطئ أنهار
ويا كعبَيْن من عاج ويا غرّةَ دينار
ويا نرْدًا لفِتْيان ويا لُعْبة أبكار
ويا مسواك جمّاش ويا طنبور شطّار
وقوله:
قد غَنينا عن الشِّتا وعن اللّبْس للفِرا
وعن الحشو للعِما مة والكنِّ والصِّلا
وعن الفرْش والوِطا ببيوت بلا كرا
قدم الصيف بالولا بةِ قدّامه اللِّوا
بالمناديل والغلا لة والنّعل والرِّدا
والطنابير والطبو ل وبالرقص والغِنا
يُحشَرُ الناس في القيا مة مُرْدًا بلا لِحى
أنا مالي وللربا ط وللغَزْوِ والفِدا
لستُ ممن يطوف في عرفات ولا مِنى
أركبُ المرد في الديا ر وفي المدن والقُرى
فإذا ما تمنعوا وعصوا أبذلُ الرِّشا
وهو كما تراه في سُخْف اللفظ، وسوء النظم، وسقط المعنى، وقوله:
حمْدان ما لك تغضبْ عليّ من غير مُغضبْ
فقد حلفتُ يمينًا مبرورة ليس تُكذبْ
[ ٥٩ ]
فثق بذلك مني يا بنَ الكريم المَرْكَبْ
فالبحر أصبح شاني والبحر أشهى وأطيبْ
وقد تآليتُ ألاّ في البر ما عشتُ أركَبْ
وقوله:
ذاك الذي من يد الل هـ حار فيه القبولُ
فكلّ جانب قلبي شوقًا إليه يميلُ
ويلي! وليس يرى لي حقَّ الهوى فيميلُ
ويلي! وما هكذا إخ وتي يكونُ الخليلُ
لم يختَرِقْ بيتنا حسنًا بودّ رسولُ
حتى بَدا منه ما لم يَفعَله قطّ مَلولُ
ولا اهتَدى باحتيالٍ إليه قطّ بخيلُ
ما أفصَح الطّرْفَ حدا للودِّ حين يجولُ
وقوله:
ونائح هبّ في الغصون ضُحًا كمُنْتَشٍ موْهِنًا إذا انْقَلبا
يدعو بذكر على اسمه لهوًى يذكرنا في أوانه الرّطبا
وقوله:
فاردُدْ عليّ حياتي عضًّا بفيك ولَحْسا
وقوله:
قد حكى البدرُ بَهاكا فرآه مَنْ رآكا
وازدَهى بالحُسْنِ لمّا صار في الحسنِ حَكاكا
[ ٦٠ ]
وقوله:
عليو يا ريموده أصبحْت لي مستعدّه
وقد علِمت لعَمْر الْ إله أنك جَلده
بالاستلاب إذا ما مشيت لي مشي نجده
ورجرجت من وَراها أردافَ إيزارِ بنده
وقوله:
قد صبَغتْ بنتُ المدينيه للفطر يا عباس فوهيّه
وسلّفَتْ ماشِطَها أجرة واشترطت في المَشْط رازيّه
فاسلفوا يا قوم في من نقْدِ بيتِ المالِ بخيّه
فإنها أعشق بغّايةٍ لهذه المعصوبة النيه
يا عمْرو ما بالُ المدينيه لا تأكل العصبان مشْوِيه
ونحو هذا مما يملّ الناظر، ويضيع وقْت الكاتب. ولو وُجد لأبي الطيب بيت مثله، وحرفٌ يقاربه لعُصِب بعارِه، ولا انطلقت الألسن بعيبه، وصُدِّر به ديوان مثالبه وصحيفة مساويه.
فإن طلبَ اللحنَ والغلط أخذ عليه مثل قوله:
وضيْف كأس محدثهْ ملك تِيهُ مُغنٍّ وظَرْفُ زِنديقِ
فسكن الهاء، وقوله: يا ربيَ الجبار. فرفع الجبار.
وقوله:
يا خيْرَ من كان ومَنْ يكونُ إلا النبيّ الطاهرُ الميمونُ
[ ٦١ ]
وقوله:
فلما خشي الإيبا ء من صحْبٍ وجلاّسِ
وإنما هو الإباء.
وقوله:
وإذا نزعتَ الى الغواية فليكُن لله ذاك النزعُ لا للناس
وإنما هو نزع عن الشيء نزوعًا، وأبيات كثيرة يضعفُ عذة في معظمها، وإن كان باب التأويل يتسع، ومذاهب الاحتيال في النحو لا تضيق.
ووجد له في الإحالة مثل قوله:
وأخَفْتَ أهْلَ الشِّرْكِ حتى إنّه لتَخافُك النُّطَفُ التي لم تُخْلَقِ
وقوله:
حتى الذي في الرحم لم يك نطفة لفؤاده من خوفه خفَقان
وقوله يصف الباري، جلّ أن يوصَف:
إن الذي لا يخيّب سائله جوهره غير جوهر البشر
وقوله:
كانت ذخيرة صانع متنوَّق
يعنيه - جل وعز.
ومن الخطأ في الوزن قوله:
رأيت كل من كا ن أحمقًا معتوها
في ذا الزمان صار المقدم الوجيها
يا رب نذل وضيع نوهته تنويها
هجوته لكيما أزيده تشويها
[ ٦٢ ]
فبعضه مستفعلن مفعول وفعول، وبعضه مستفعلن فاعلاتن.
والعَجَب ممن ينقص أبا الطيب، ويغضّ من شعره لأبيات وجدها تدل على ضعف العقيدة وفساد المذهب في الديانة كقوله:
يترَشفْن من فمي رشَفاتٍ هنّ فيهِ أحلى من التوحيد
وقوله:
وأبهَرُ آيات التِّهاميّ أنّهُ أبوكم وإحدى ما لكُم من مَناقب
وهو يحتمل لأبي نواس قوله:
قلت والكاس على ك فَّيّ تهوي لالتثامي
أنا لا أعرف ذاك ال يوم في ذاك الزحام
وقوله:
يا عاذلي في الدهر ذا هجْرُ لا قَدرٌ صحّ ولا جبْرُ
ما صح عندي من جميع الذي يُذكر إلا الموتُ والقبرُ
فاشرب على الدهر وأيامه فإنما يهلكنا الدهرُ
وقوله:
عاذلتي بالسّفاه والزجر استمعي ما أبثّ من أمري
باح لساني بمضمر السرِّ وذاك أني أقول بالدهرِ
بين رياض السرور لي شيع كافرة بالحساب والحشرِ
[ ٦٣ ]
موقنة بالممات جاحدة لما رووه من ضغطة القبرِ
وليس بعد الممات منقلب وإنما الموت بيضة العَقْرِ
وقوله:
أأترك لذة الصهباء نقدًا لما وعدوه من لبن وخمر
حياة ثم موت ثم بعْث حديث خرافة يا أمَّ عَمرو
وقد رُوي أنهما لديك الجن.
وقوله:
فدع الملامَ فقد أطعتُ غَوايتي ونبذتُ موعظتي وراء جداري
ورأيت إيثارَ اللذاذة والهوى وتمتعًا من طيب هذي الديارِ
أحرى وأحزمُ من تنظّر آجل ظنّي به رجْمٌ من الأخبارِ
إني بعاجل ما ترين موكل وسواه إرجافٌ من الآثارِ
ما جاءنا أحدٌ يخبر أنه في جنة مذ مات أو في النار
فلو كانت الديانة عارًا على الشعر، وكان سوء الاعتقاد سببًا لتأخر الشاعر، لوجب أن يُمحى اسمُ أبي نواس من الدواوين، ويحذف ذكره إذا عُدّت الطبقات، ولَكان أولاهم بذلك أهل الجاهلية، ومن تشهد الأمة عليه بالكفر، ولوجب أن يكون كعب بن زهير وابن الزِّبَعري وأضرابُهما من تناول رسولَ الله ﷺ وعاب من أصحابه بُكْمًا خرسًا، وبِكاء مفحمين؛ ولكنّ الأمرين متباينان، والدين بمعزل عن الشعر.
[ ٦٤ ]