وهذا ما ادُّعي على أبي الطيب فيه السّرقة، وما أُضيف إليه مما عثرت به: قال أبو تمام - وقد روى هذا البيت لبكر بن النَّطاح، وقد دخل في شعر أبي تمام:
ولو لم يكن في كفهِ غيرُ نفسه لجادَ بها فليتّق اللهَ سائلُه
قال أبو الطيب:
يا أيّها المُجْدَى عليهِ روحُه إذ ليس يأتيه لها استِجْداءُ
احمَدْ عُفاتَك لا فُجِعْتَ بفَقْدِهم فلَتَرْكُ ما لم يأخذوا إعْطاءُ
وبيت أبي تمام أو بكر بن النّطاح أملحُ لفظًا وأصحّ سبكًا. وزاد أبو الطيب بقوله: إنه يجدي عليه روحه. ولكن في اللفظ قصور، والأول نهاية في الحسن، ثم نقل المعنى عن الروح الى الجسد، فقال:
لو اشتهَتْ لحْمَ قاريها لبادرَها خراذِلٌ منهُ في الشِّيزَي وأوصالُ
وهذا هو الأول، ومن جاد بأوصاله فقد جاد بروحه، وكأنه من قول ابن الرومي:
لو حزّ من جسمه لسائِلِه أنفَسُ أعضائِهِ لما ألِما
ثم كرره وغيّره بعض التغيير فقال:
[ ٢١٦ ]
مِلت الى من يكادُ بينَكُما لو كُنتما السّائلَيْن ينقسِمُ
ثم لاحظ هذا فأخفاه؛ وأحسن ما شاء، فقال:
إنّك من معشرٍ إذا وهبوا ما دون أعمارِهم فقد بخِلوا
فجاء به معنى مفردًا، وهو من باب السماحة بالرّوح. والغرض واحد. ومن هذا المعنى قول بكر بن النَّطاح:
ولو خذلَتْ أموالُه فيضَ كفّه لقاسم من يرجوه شطْرَ حياته
قال أبو تمام:
لو حار مُرتادُ المنيّة لم يجدْ إلا الفِراقَ على النّفوس دَليلا
قال أبو الطيب:
لولا مُفارقَةُ الأحباب ما وجَدتْ لها المنايا الى أرواحِنا سُبُلا
وقال الأعشى:
لو أسندْتَ ميْتًا الى نحرِها عاشَ ولم يُنقَل الى قابرِ
وقال أبو الطيب:
فذُقْتُ ماءَ حياةٍ من مقبَّلها لو صابَ تُربًا لأحْيا سالفَ الأممِ
[ ٢١٧ ]
وهذا معنى متداوَل بعد الأعشى، وقد قيل فيه ما كثُر.
قال أبو العباس الناشئ الأكبر:
لفظي ولفظُك بالشّكوى قدِ ائتَلَفا يا ليتَ شِعري فقلْبانا لمَ اختَلفا
قال أبو الطيب:
أبدَيْتث مثل الذي أبديتُ من جزَعٍ ولم تجِنّي الذي أجنَنْتُ من ألَمِ
والأول أملح لفظًا.
قال محمد بن داود:
كأنّ رقيبًا منكِ يرْعى خواطِري وآخرَ يرعى ناظري ولساني
وإنما أخذه من قول العبّاس بن الأحنف:
أقامتْ على قلبي رقيبًا وناظري فليس يؤدّي عن سواها الى قلبي
قال أبو الطيب:
كأنّ رقيبًا منكِ سدّ مسامِعي نِ العذْل حتى ليس يدخُلُها عذْلُ
أبو تمام:
مُتواطئو عقبَيْكَ في طلبِ العُلا والمجدِ ثمّتَ تستوي الأقدامُ
[ ٢١٨ ]
قال أبو الطيب:
رأيتُ عليًّا وابنَه خيرَ قومِه وهم خيرُ قومٍ واستوى الحرُّ والعبدُ
وأعاده فقال:
حتى يُشار إليكَ ذا مولاهُمُ وهمُ الموالي والخليقةُ أعبدُ
قال أبو تمام:
غرّبَتْه العُلا على كثرةِ الأه لِ فأضحى في الأقرَبين جنيبا
فليَطُلْ عمرُه فلو ماتَ في مرْ وَمُقيمًا بها لمات غريبا
وقال أبو الطيب:
وهكذا كنتُ في أهلي وفي وطَني إنّ النفيسَ غريبٌ حيثما كانا
وبيتُ أبي الطيب أجودُ وأسلم، وقد أساء أبو تمام بذكر الموت في المديح، فلا حاجةَ به إليه؛ والمعنى لا يختلّ بفقده، ومن مات في بلده غريبًا فهو في حياته أيضًا غريب، فأي فائدة في استقبال الممدوح بما يتطيّر منه! قال أبو تمام:
كفى فقتْلُ محمد لكَ شاهد أنّ العزيزَ مع القضاء ذَليلُ
قال أبو الطيب:
[ ٢١٩ ]
ألا إنما كانت وفاةُ محمّد دَليلًا على أنْ ليسَ للهِ غالبُ
قال كُثير:
أريد لأنسى ذكرَها فكأنما تمثَّلُ لي ليلَى بكلِ سبيلِ
وقال أبو نواس:
ملكٌ تصوّرَ في القلوبِ مثالُه فكأنّه لم يخلُ منه مكانُ
قال أبو الطي:
كذب المخبِّرُ عنك دونَك وصفُه منْ بالعراقِ يراك في طرْسوسا
فقصّر، لأنه اقتصر على مَن بالعراق، وعمّ أبو نواس القلوب والأماكن، وبين اللفظين بوْن في الجزالة والصّحة؛ وقد كرّره واستوفى، فقال:
هذا الذي أبصرتَ منه حاضرًا مثلُ الذي أبصرتَ منه غائبا
ثم مثّل فقال:
كالبدرِ من حيثُ التفتّ رأيتَه يُهدي الى عينيك نورًا ثاقِبا
قال عبد الله بن محمد المهلّبي:
ما كنتَ إلا كلَجْم ميتٍ دعا الى أكله اضطِرارا
وقال أبو الطيب:
غيرَ اختيارٍ رضيتُ برّكَ بي والجوعُ يُرضي الأسودَ بالجيَفِ
[ ٢٢٠ ]
وقريب منه قول أبي عليّ البصير:
ولكنّ البلادَ إذا اقشعرّتْ وصوّح نبتُها رُعِي الهشيمُ
ومنه قول الآخر:
فلا تحمَدوني في الزيارةِ إنني أزورُكمُ إذ لا أرى متعلِّلا
وهذا مما قدمتُ لك ذكرَه من اختلاف صور الأمثلة على المعنى الواحد.
قال أبو تمام:
هانت على كلّ شيءٍ فهو يسفكُها حتى المنازلُ والأحداجُ والإبلُ
قال أبو الطيب:
فما أمرّ بربْعٍ لا أسائِله ولا بذاتِ خِمارٍ لا تُريقُ دمي
جعل أبو تمام كل شيء يسفك دمه، وجعل أبو الطيب ذات خمار تريق دمه، فاقتصر على بعض تلك الجملة.
قال بشار:
إذا أنشَد حمّادٌ فقُل أحسنَ بشّارُ
وقال أبو هفّان يهجو ابن أبي طاهر:
إذا أنشدكم شِعْرًا فقولوا أحسنَ النّاسُ
[ ٢٢١ ]
وقال أبو تمام مثله في غير هذا المعنى:
ومهما تكنْ من وقعَةٍ بعدُ لا تكنْ سوى حسَنٍ مما فعلْتَ مردَّدِ
فقال أبو الطيب:
أجِزني إذا أُنشِدْتَ شعرًا فإنما بشِعري أتاك المادِحون مردَّدا
وقال أبو تمام:
وكانت وليس الصُبحُ فيها بأبيض فأمست وليس الليلُ فيها بأسودِ
وقال أبو الطيب:
فالليل حين قدِمتَ فيها أبيضٌ والصُبْحُ منذ رحلْتَ عنها أسودُ
وقال أبو تمام:
لبستُ سواهُ أقوامًا فكانوا كما أغنى التّيممُ بالصّعيد
قال أبو الطيب:
وزارَك بي دون الملوكِ تحرّجي إذا عنّ بحرٌ لم يجُز لي التّيممُ
[ ٢٢٢ ]
قال ابن الخياط:
لمسْتُ بكفّي كفَّهُ أبتغي الغِنى ولم أدرِ أنّ الجودَ من كفِّه يُعدي
فلا أنا منهُ ما أفادَ ذوو الغِنى أفدْتُ، وأعْداني فأتلَفْتُ ما عندي
قال أبو تمام:
علّمني جودُك السّماحَ فما أبقيْتُ شيئًا لديّ من صلَتِكْ
وقال آخر:
لستُ أُضحي مصافحًا لسلام إنني إن فعلتُ أتلَفْتُ مالي
فنقله أبو الطيب الى الزمان، فصار كالمعنى المنفرد، فقال:
أعْدى الزمنَ سخاؤهُ فسخا به ولقد يكون بهِ الزمانُ بخيلا
وأما بخل الزمان فمن قول أبي تمام:
هيْهاتَ لا يأتي الزمانُ بمثلِه إنّ الزمانَ بمثلِه لبَخيلُ
أبو تمام:
لمّا انتضيتُك للخُطوبِ كفيتَها والسيفُ لا يكفيكَ حتى يُنْتضى
أبو الطيب:
وما الصارمُ الهنديُّ إلا كغيرِه إذا لم يفارِقْه النِّجادُ وغمدُه
[ ٢٢٣ ]
أبو تمام:
فاضت سحائبُ من نَعمائه وكفَتْ بؤسًا على البؤس حتى اجتثّتِ البؤْسا
قال أبو الطيب:
نقَمٌ على نِقَم الزّمان يصُبُّها نعَمٌ على النِّعمِ التي لا تُجحَدِ
أبو تمام:
كتبْتَ أوجهَهُم مشْقًا ونمنَمةً طعْنًا وضرْبًا يفُلّ الهامَ والصُّلُفا
قال أبو الطيب:
وكلّ فتًى للحُرب فوق جبينه منَ الضّرْبِ سطْرٌ بالأسنّة معجَمُ
العتّابي:
فإنّ جسيماتِ المعالي مشوبةٌ بمستَودَعاتٍ في بُطونِ الأساوِدِ
أبو الطيب:
تُريدين إدراكَ المعالي رخيصةً ولا بدّ دون الشّهْدِ منْ إبرِ النّحْل
[ ٢٢٤ ]
قال أبو تمام:
لا يحسَبُ الإقلالَ عُدْمًا بل يرى أنّ المُقِلّ منَ المروءةِ معدِمُ
فقال أبو الطيب - وهو منقول:
وربّ مالٍ فقيرًا من مروّتِه لم يُثرِ منها كما أثرى منَ العدَمِ
أبو تمام:
هم صيّروا تلك البروقَ صواعقًا فيهم وذاك العفوَ سوطَ عذاب
قال أبو الطيب:
ولما سقى الغيثَ الذي كفَروا به سقى غيره في تلكَ البوارِق
وقد ألمّ بألفاظه فقال:
ليتَ الغمامَ الذي عندي صواعقُه يزيلهُنّ الى منْ عندَهُ الدِّيَمُ
فأما صريحُ المعنى فمن قول أبي تمام:
فلو شاءَ هذا الدهرُ أقصرَ شرَّهُ كما قصُرَت عنّا لُهاهُ ونائلُهْ
قال أبو تمام:
تلْقى السّعودَ بوجهِه وتجيئه وعليك مَسحةُ بغضةٍ فتحَبَّبُ
[ ٢٢٥ ]
قال أبو الطيب:
فإنّك ما مرّ النّحوسُ بكوكبٍ وقابلْتَه إلا ووجهُك سعدُه
أبو تمام:
إن حنّ نجدٌ وأهلوهُ إليكَ فقد مررتَ فيه مرورَ العارضِ الهطِلِ
أبو الطيب:
وليستْ من مواطِنِه ولكنْ يمرّ بها كما مرّ الغمامُ
أبو تمام:
وأنا الفداءُ إذا الرماح تشاجرَت لك والرماحُ من الرماح لكَ الفِدا
أبو الطيب:
ولك الزمانُ من الزمانِ وقايةٌ ولك الحِمام من الحِمام فداءُ
أبو تمام:
لبسَ الشّجاعة إنها كانت له قِدْمًا نَشوغًا في الصِّبا ولدودا
أبو الطيب:
[ ٢٢٦ ]
ألِفَ المروّةَ مذْ نشا فكأنّما سُقيَ اللّبانَ بها صبيًّا مُرضَعا
أبو تمام:
أيقنْتَ أنّ من السّماحِ شجاعةً تُدمي وأنّ من الشجاعة جودا
أبو الطيب:
هو الشجاع يَعدّ البُخلَ من جُبُنٍ وهْو الجوادُ يعدّ الجبنَ من بخَلِ
وقال في أخرى:
فقلت: إنّ الفتى شجاعَتُه تُريه في الشُحّ صورةَ الفرَقِ
وقد لوحظ في هذه الأبيات قول مسلم؛ إذ بيّن أنّ الشجاعة جود بالنفس في قوله:
تجودُ بالنّفس إذ ضنّ الجوادُ بها والجودُ بالنّفسِ أقصى غايةِ الجودِ
عبد الله بن طاهر في السيف:
أخو ثِقةٍ أرضاهُ في الرّوعِ صاحِبًا وفوقَ رضاهُ أنّني أنا صاحبُهْ
أبو الطيب في الرمح:
وأسمَرَ ذي عِشرين ترْضاهُ وارِدًا ويرْضاكَ في إيرادِه الخيلَ ساقِيا
[ ٢٢٧ ]
وأصله من قول موسى بن جابر الحنفي، وهو من خفيّ الأخذ:
فلا أسلمَتْنا عند قوم حفيظةٌ ولا نحنُ أغمدنا السيوفَ على وتْرِ
عبد الله بن طاهر:
إنّ الفتوحَ على قدرِ المُلوك وهمْ ماتِ الولاةِ وأقدامِ المقادير
أبو الطيب:
على قدْرِ أهل العزْم تأتي العزائم وتأتي على قدرِ الكِرام المكارمُ
العباس بن الأحنف:
بكت غيرَ آنسةٍ بالبُكا ترى الدمعَ في مُقلتَيها غريبا
أبو الطيب:
أتتهُنّ المصائب غافِلاتٍ فدمْعُ الحزنِ في دمْعِ الدّلالِ
فزاد وأحسن وملح بذكر الدّلال.
منصور بن الفرج:
حلّ في جِسميَ ما كا نَ بعينيكَ مُقيما
البحتري:
[ ٢٢٨ ]
وكأنّ في جسمي الذي في ناظرَيكَ منَ السّقَمْ
أبو الطيب:
أعارَني سُقمَ جفنَيهِ وحمّلَني من الهوى ثِقلَ ما تحْوي مآزِرُه
فاختصر وأحسن وأورد البيت في نصف مِصراع.
أبو عُيينة:
لو كما تنقُصُ تزدا دُ إذَنْ نلتَ السّماءَ
فنقله أبو تمام:
أمَا لو أنّ جهْلَكَ كان عِلْمًا إذنْ لنفَذْتَ في عِلمِ الغُيوبِ
أبو الطيب:
ولو نقصْتُ كما قد زِدْتَ من كرمٍ على الورى لرأوْني مثلَ شانِيكا
فزاد بقوله: لرأوني مثل شانيكا.
قال جرير:
كأن رءوسَ القومِ فوقَ رماحِنا غداةَ الوَغى تيجانُ كِسرى وقيصَرا
مسلم:
يكسو السيوفَ نفوسَ النّاكثينَ به ويجعلُ الهامَ تيجانَ القنا الذُّبُل
[ ٢٢٩ ]
وقريب منه قول أبي تمام:
أبدلْتَ أرؤُسَهم يوم الكريهة من قنا الظّهورِ قَنا الخطّيِّ مدَّعَما
وقد عدّ هذا من سرقاتِ أبي تمام، ولست أراه كذلك؛ لأنه ليس فيه أكثر من رفع الرءوس على القنا، وهذا معنى مشترَك لا يسرق، فأما إبدالُ القَنا بقنا الظهور فلم يعرِض له مسلم ولا جرير، وهي ملاحظة بعيدة. وأقرب من ذلك إليه قول أبي تمام:
من كلّ ذي لِمّةٍ غطّت ضفائرُها صدْرَ القناةِ فقد كادت تُرَى علَما
ومثله قول أبي الطيب:
مبَرْقِعي خيلِهم بالبيضِ متّخذي هامَ الكُماةِ على أرْماحِهم عذَبا
قال البحتري:
متسرّعين الى الحُتوفِ كأنها وفْرٌ بأرضِ عدوِّهم يُتنهَّبُ
قال أبو الطيب:
بكلّ أشعَثَ يلْقى الموتَ مُبتسمًا حتى كأنّ له في قتلِه أرَبا
وإنما نقل البحتري كلام أبي تمام:
مُسترسلينَ الى الحُتوفِ كأنّما بين الحُتوفِ وبينَهم أرحامُ
[ ٢٣٠ ]
وقال البحتري أيضًا:
تسرّع حتى قال من شهِدَ الوغى لقاء أعادٍ أم لقاء حبائب
ونحوه قول أبي تمام:
حنّ للموتِ حتى ظنّ جاهلُه بأنّه حنّ مُشتاقًا الى الوطنِ
فأخذه أبو الطيب فقال:
مُقيمٌ من الهيجاءِ في كل منزلٍ كأنّك من كلِّ الصّوارمِ في أهْلِ
البحتري:
تعْنو لهُ وُزَراءُ المُلْكِ خاضِعَةً وعادةُ السيفِ أن يستخدِمَ القَلما
أبو الطيب:
حتى رجعْتُ وأقلامي قوائلُ لي المجدُ للسيفِ ليسَ المجدُ للقلَمِ
اكْتُبْ بِنا أبدًا بعدَ الكتابِ به فإنّما نحن للأسيافِ كالخدَمِ
بعضهم:
أُحامقُه حتى يقولَ سجيّةٌ ولو كان ذا عقلٍ لكُنتُ أُعاقلُهْ
أبو الطيب:
وخلّةٍ في جليسٍ أتّقيه بها كيْما يُرى أننا مِثلانِ في الوهَنِ
[ ٢٣١ ]
أبو تمام:
نوالُك ردّ حُسّادي فُلولًا وأصْلحَ بين أيامي وبيْني
وله:
كثُرَت خطايا الدّهر فيّ وقد يُرى بنَداك وهو إليّ منها تائبُ
أبو هفان:
أصبحَ الدهرُ مسيئًا كله ما لَه إلا ابنُ يحيى حسنَهْ
أبو الطيب:
أزالَتْ بكَ الأيامُ عتْبى كأنّما بنوها لها ذنْبٌ وأنت لها عُذر
النّمري:
وقَفْتُ على حاليْكُما فإذا النّدىعليك أميرَ المؤمنين أميرُ
أبو تمام:
ألا إنّ النّدى أضحى أميرًا على مالِ الأميرِ أبي الحسينِ
أبو الطيب:
أميرٌ أميرٌ عليه النّدى جوادٌ بخيلٌ بأنْ لا يجودا
[ ٢٣٢ ]
أبو تمام:
وترْكي سُرعةَ الصّدرِ اغتِباطًا يدلّ على موافقَة الورودِ
وقال أيضًا:
همَمي معلّقةٌ عليك رقابُها مغلولةٌ إن الوفاءَ إسار
ألمّ به أبو الطيب فقال وأحسن:
وقيّدتُ نفسي في ذَراك محبّة ومَن وجد الإحسانَ قيْدًا تقيّدا
وقد قال:
وما قيّدت من صُعلوكِ قوْم بنيلِ الرّزْق تُخرِجه الرِّقاع
البحتري:
أضرّت بضوءِ البدرِ والبدرُ طالعٌ وقامت مقامَ البدرِ لمّا تغيّبا
وهذا معنى متداوَل، وهو أحسنُ ما جاء فيه، وأشدّ استيفاء واختصارًا.
وقال أبو الطيب فأتى بالمصراع الثاني:
وما حاجةُ الأظعانِ حولَك في الدُجى الى قمرٍ ما واجِدٌ لك عادِمُهْ
يزيد بن الطّثريّة:
وليس قليلًا نظرةٌ إن نظرْتُها إليكَ، وكلا ليس منك قليلُ
[ ٢٣٣ ]
إسحاق الموصلي:
إنّ ما قلّ منكَ يكثرُ عندي وكثيرٌ من المحبِّ القليلُ
أبو الطيب:
وجودُك بالمقامِ ولو قليلًا فما فيما تجودُ به قليلُ
بعض العرب - وهو عروة بن الورد:
تقول سُليمى لو أقمْتَ بأرضِنا ولم تدْرِ أنّي للمُقامِ أطوِّفُ
العبّاس بن الأحنف:
سأطلُبُ بُعدَ الدارِ عنكم لتقرفبوا وتسكُب عينايَ الدموعَ لتَجمُدا
أبو تمام:
أآلِفةَ النّحيبِ كمِ افتِراقٍ ألمّ فكان داعيةَ اجتماعِ
أبو الطيب:
لعلّ اللهَ يجعلُه رحيلًا يُعينُ على الإقامة في ذَراكا
بعضهم:
غمضْتُ عيني لا أرى أحدًا حتى أراهُم آخرَ الدهرِ
أبو الطيب:
[ ٢٣٤ ]
فلو أنّي استطعْتُ خفضْتُ طرْفي فلم أُبصِر به حتى أراكا
أشجع:
فقد كنتَ تبكي وهم جيرةٌ فكيفَ تكون إذا ودّعوا
آخر:
أبكي إذا غضبت حتى إذا رضيتْ بكيت عند الرّضا خوفًا من الغضبِ
آخر:
فتبكي إن نأى شوقًا إليه وتبكي إن دنا خوفَ الفِراقِ
آخر:
لقد كنتُ أبكي خيفةً لفِراقها فكيف إذا بان الحبيبُ فودّعا
أبو الطيب:
أرى أسفًا وما سِرْنا شديدًا فكيفَ إذا غدا السيرُ ابتِراكا
وله:
بكيتُ عليها خيفةً في حياتِها وذاقَ كِلانا ثُكلَ صاحبِه قِدْما
وقال في أخرى:
ولقد بكيتُ على الشّبابِ ولمّتي مسودّةٌ ولِماءِ وجهيَ رونَقُ
[ ٢٣٥ ]
حذَرًا عليه قبلَ يوم فِراقِه حتى لكدْتُ بماءِ دمعيَ أشرَقُ
بشار:
يا أطيب الناس ريقًا غير مُختبَرٍ إلا شهادة أطراف المساويك
أبو الطيب:
ويمنعُ ثغرَهُ من كل صبٍّ ويمنحُه البشامةَ والأراكا
عمْران بن حِطّان:
أنكرتُ بعدَك مَن قد كنتُ آلفُه ما النّاس بعدَك يا مرداسُ بالناسِ
قال أبو الطيب:
ومن أعتاضُ عنكَ إذا افترَقْنا وكلّ الناسِ زورٌ ما خَلاكا
وله في أخرى:
إنما الناسُ حيثُ أنت وما النّا سُ بناسٍ في موضعٍ منكَ خالِ
فتبرّد وبالغ.
أبو تمام:
[ ٢٣٦ ]
لا أظلِمُ البينَ قد كانت خلائِقُها من قبلِ وشْك النّوى عندي نوًى قُذُفا
وله:
ففِراقٌ جرَعْتُه من فِراقٍ وفراقٌ جرعْتُه من صُدودِ
البحتري:
على أنّ هجرانَ الحبيبِ هو النّوى لديّ وعِرفانَ المُسيءِ هو العذلُ
قال أبو الطيب:
أبعَدُ نأْي المليحةِ البخَلُ في البُعدِ مالًا تكلَّفُ الإبلُ
فاستوفى المعنى وأكّده في مصراع واحد.
وقد أحسن إبراهيم بن العباس في هذا المعنى بقوله:
وإنّ مُقيماتٍ بمنقَطَع اللِّوَى لأقرَبُ من ليْلَى وهاتيكَ دارُها
ابن الرومي:
شكرَتْ نعمةَ الوليّ على الوسْ ميّ ثمّ العِهادِ بعدَ العِهادِ
فهيَ تُثني على السّماءِ ثناءً طيّبَ النّشرِ شائعًا في البِلادِ
من نسيمٍ كأنّ مسراه في الأر واحِ مسرَى الأرواحِ في الأجسادِ
أبو الطيب:
[ ٢٣٧ ]
وذكيُّ رائحةِ الرّياض كلامُها تبغي الثّناءَ على الحيا فتفوحُ
بعضهم:
اعدد ثلاثَ خِلالِ قد جُمعن له هل سُبّ من أحد أو سَبّ أو بَخِلا
أبو الطيب:
ولكنْ نفاها عنهُ غيرَ كريمةٍ كريمُ النّثا ما سُبّ قطُّ ولا سَبّا
أبو تمام:
لقد بثّ عبدُ الله خوفَ انتقامِه على الليلِ حتى ما تدبُّ عقاربه
فنقله أبو الطيب فقال:
تصُدّ الرياحُ الهوجُ عنها مخافةً وتفزَعُ فيها الطيرُ أن تلقُطَ الحبّا
محمود الورّاق:
إذا أنتَ لم تسْلُ اصطِبارًا وحِسبةً سلوْتَ على الأيام مثلَ البهائم
أبو تمام:
أتصبِرُ للبَلْوى عزاءً وحِسبةً فتُؤجرَ أم تسْلو سُلوّ البهائم
[ ٢٣٨ ]
وقال أبو الطيب:
وللواجِد المكروبِ من زفَراتِه سُكونُ عَزاءٍ أو سُكون لُغوبِ
بعضهم:
إني رأيتُك في نومي تُعانقُني كما تعانقُ لامُ الكاتبِ الألِفا
ألمّ به أبو الطيب فقال:
دون التّعانُق ناحلَينِ كشَكلَتيْ نَصبٍ أدقّهُما وضَمّ الشّاكِلُ
فكأنه معنى مفرد؛ ولئِن أخذه منه كما يزعمون فما عليه معْتب؛ لأن التعبَ فيه ونقْلَه لا ينقص عن التعب في ابتدائه.
أبو تمام:
وإن نجِدْ علّةً نُغَمّ بها حتى ترانا نُعادُ من مرضِهْ
علي بن الجهم:
وإذا رابكُم من الدهرِ ريبٌ عمّ ما خصّكُم جميعَ الأنامِ
أبو هفّان:
قالوا اعتلَلْتَ فقلتُ ك لاّ إنما اعتلّ العِبادُ
أبو الطيب:
[ ٢٣٩ ]
وما أخصُّك من بُرءٍ بتهنئةٍ إذا سلمْتَ فكل الناسِ قد سلِموا
وله:
إذا اعتلّ سيفُ الدولة اعتلّتِ الأرضُ ومن فوقَها والبأسُ والكرَمُ المحضُ
علي بن الجهم - في السحاب:
إذا أوقِدَت نارُها بالعراق أضاءَ الحجازَ سنا نارِها
نقله أبو الطيب الى السيف، فقال:
سلّهُ الرّكضُ بعد وهْنٍ بنجدٍ فتصدّى للغيثِ أهلُ الحجازِ
يعقوب بن الربيع يرثي جارية له تسمى ملكًا:
يا مَلْكُ إن كنتِ تحت الأرضِ باليةً فإنني فوقَها بالٍ منَ الحزَنِ
أبو الطيب:
بنا منكَ فوق الرّملِ ما بكَ في الرّمل وهذا الذي يُضْني كذاكَ الذي يُبْلي
محمد بن وهْب:
وحارَبَني فيه ريْب الزمان كأنّ الزّمانَ لهُ عاشِقُ
[ ٢٤٠ ]
البحتري:
قدْ بيّن البينُ المفرِّقُ بيننا عِشْقَ النّوى لربيبِ ذاك الرّبرَب
أبو الطيب:
مَلامُ النّوى في ظُلمِها غايةُ الظُلْمِ لعلّ بها مثلَ الذي بي منَ السُقْمِ
فلو لم تغَرْ لم تزْوِ عنّي لقاءَكُمْ ولو لم تُرِدْكُم لم تكُن فيكُمُ خصْمي
أبو تمام:
أقولُ وقد قالوا استراحَ لموتِها من الكرْبِ روحُ الموتِ شرٌ من الكرْبِ
وقريب منه قوله:
أجارَك المكروهُ من مثلِه فاقِرةٌ نجّتكَ من فاقِرَهْ
أبو الطيب:
ولمْ يُسلِها إلا المَنايا وإنما أشدُّ من السُقْمِ الذي أذهبَ السُقْما
حاتم، ويروى لربيعة بن مِرداس:
متى ما أتى يومًا الى المالِ وارِثي يجدْ ملءَ كفٍّ غير مَلأى ولا صِفْرِ
يجدْ فرسًا ملءَ العِنان وصارِمًا حُسامًا إذا ما هُزّ لم يرْضَ بالهَبْرِ
[ ٢٤١ ]
وأسمرَ خطّيًا كأنّ كُعوبَه نَوى القسْبِ قد أرْبى ذِراعًا على العَشْرِ
امرأة من العرب:
مضى وورِثناهُ دَريس مُفاضةٍ وأبيضَ هِنديًا طويلًا حمائِلُهْ
عروة بن الورد:
وذي أملٍ يرجو تُراثي وإنّ ما يصيرُ له منْه غدًا لَقليلُ
وماليَ مال غير دِرْع ومِغفَر وأبيض من ماء الحديد صَقيلُ
وأسمرُ خطّيُّ القناةِ مثقّفٌ وأكردُ عُريان السّراةِ طويلُ
أبو الطيب:
كنّا نظنّ ديارَهُ مملوءةً ذهبًا فمات وكلّ دارٍ بلْقَعُ
وإذا المكارمُ والصّوارمُ والقنا وبناتُ أعوجَ كلُّ شيء يجمَعُ
الفرزدق:
وهمْ قادوا سَفيهَهُم وخافوا قلائدَ مثلَ أطواقِ الحمامِ
[ ٢٤٢ ]
ابن هرْمة:
عقدْتُ من مُلتَقى أوداج لَبّته طوقَ الحمامة لا يبْلى على القِدَم
بعضهم:
وهنّ إذا وسمتَ بهنّ قومًا كأطْواقِ الحمائم في الرّقابِ
أبو الطيب:
أقامتْ في الرِّقاب له أيادٍ هي الأطواقُ والناسُ الحمامُ
وهذا من المبتذل الذي لا يعد سرقة إلا بزيادة تلحقه، وزيادة أبي الطيب فيه حسنة بديعة، ولأجلها ذكرتُ الأبيات.
محمود الوراق:
كفاكَ بالشّيبِ ذنْبًا عند غانيةٍ وبالشّبابِ شفيعًا أيها الرجلُ
أبو نواس في الشباب:
كان المشفّع في مآربه عند الفتاةِ ومدرِك القبل
النمري:
وإذا توسّل بالشّباب أخو الهَوى ألْفاهُ نِعمَ وسيلةُ المتوسِّل
أبو الطيب:
وغضْبَى من الإدْلالِ سكْرى من الصِّبا شفعْتُ إليها من شبابي بريِّقِ
والمعنى مبتذل.
[ ٢٤٣ ]
بكر بن النطّاح:
ولو لم يجر في العُمر قسمٌ لمالكٍ وجاز له الإعطاءُ من حسناتِه
لجادَ بها من غيرِ شِركٍ بربِّه وأشْركَنا في صوْمِه وصلاتِه
أبو الطيب:
ولو يمّمتَهُم في الحشرِ تجْدو لأعطَوْكَ الذي صلّوا وصاموا
وهذا معنى مليح. ولفظ ابن النطاح أحسن، وله زيادة قوله: من غير شِرْك بربه، وفيه نفي التهمة في الاستهانة بالأعمال الصالحة، ولأبي الطيب فضيلة ذكر الحشْر؛ لأنه خصّ الوقت الذي يظهر فيه الافتقار الى الحسنات، والضنّ بها؛ وأصلُه لأبي العتاهية، قال:
فمَن لي بهذا؟ ليت أني أصبْتُه فقاسَمتُه مالي من الحسَنات
أبو خِراش:
فإذا وذلك ليسَ إلا ذكْره وإذا مضى شيء كأن لم يفعَل
متمّم بن نويرة:
فلمّا تفرّقْنا كأني ومالكًا لطولِ اجتماعٍ لم نبتْ ليلةً معا
عليّ بن جبَلة:
شبابٌ كأنْ لم يكن وشيب كأنْ لم يزَلْ
[ ٢٤٤ ]
وما أملح ما قال البحتري في قريب من هذا المعنى:
فلا تذْكُرا عهدَ التّصابي فإنّه تقضّى ولم يشعُرْ به ذلك العصرُ
أبو الطيب:
ذكرْتُ به وصْلًا كأنْ لم أفُزْ به وعيشًا كأني كنتُ أقطعهُ وثْبا
فأما المصراع الثاني فمن قول الهذلي:
عجبتُ لسعي الدهر بين وبينكم فلما انقضى ما بيننا سكن الدهرُ
فجعل أبو الطيب السعيَ وثْبًا.
وقد ملح في اللفظ علي بن جبلة:
وأرى الليالي ما طوتْ من قوّتي زادَتْه في عقلي وفي أفهامي
ابن المعتز:
وما يُنتَقصْ من شباب الرجال يزِد في نُهاها وألبابِها
فقلبه أبو الطيب فقال:
ليتَ الحوادثَ باعَتْني الذي أخذتْ مني بحِلمي الذي أعطتْ وتجريبي
فما الحداثةُ من حِلمٍ بمانِعةٍ قد يوجَدُ الحِلمُ في الشُبّان والشّيبِ
وقد اقتدى في قوله بأبي تمام في قوله:
حلّمتني زعمتمُ وأراني قبل هذا التحليم كنتُ حليما
[ ٢٤٥ ]
فجمع هذا المعنى الى المعنى الأول ببيتيه.
علي بن جبلة:
قمر نمّ عليه نورُه كيف يُخفي الليل بدرًا طلَعا
أبو الطيب:
أمنَ ازديارَكِ في الدُجى الرُقَباءُ إذ حيثُ كنتِ من الظلامِ ضياءُ
دِعبل:
تلك المساعي إذا ما أخّرتْ رجلًا أحبّ للناس عيبًا كالذي عابَه
كذاك من كان هدمُ المجد غايتَه فإنه لبُناةِ المجد سبّابَه
أبو تمام:
وذو النّقْص في الدنيا بذي الفضلِ مولَعُ
مروان بن أبي حفصة:
ما ضرّني حسدُ اللّئام ولم يزلْ ذو الفضل يحسُده ذوو التّقصير
غيره:
وأجرأ مَن رأيت بظهر غيب على عيبِ الرجال ذوو العُيوب
أبو الطيب:
والحُرّ ممتحَنٌ بأولادِ الزِّنى
[ ٢٤٦ ]
ومثله له:
تُعادينا لأنّا غيرُ لُكْنٍ وتُبغضُنا لأنّا غيرُ عور
ثم نقله وزاد فيه وغيّره فأحسن:
وإذا أتتْك مذمّتي من ناقصٍ فهي الشهادةُ لي بأني كامِلُ
ومن هذا المعنى قول الطّرمّاح:
لقد زادَني حبًا لنفسيَ أنّني بغيضٌ الى كل امرئ غيرِ طائل
وإني شقيٌ باللّئام ولن ترى شقيًا بهم إلا كريمَ الشمائل
أبو سعيد المخزومي:
قوم إذا أخذوا عليك ثنيّة ضاقت عليك سهولُها ووعورُها
أبو الطيب:
أخذت على الأرواح كل ثنيّةٍ من العيشِ تعطي ما تشاء وتمنعُ
قد أخرج هذا في سرقاته وما أراه منها؛ لأن أخذ الثنية لفظة مستعملة عند العرب.
المخزومي:
أمَلي في التاج ألبَسه وله في الشعر آمال
أبو الطيب:
[ ٢٤٧ ]
وشُغلُ النفسِ عن طلَب المعالي ببيعِ الشّعر في سوقِ الكسادِ
النمري:
ومصلتات كأنّ حقدًا بها على الهام والرّقاب
أبو تمام:
كأنها وهي في الأوداجِ والغةٌ وفي الكُلَى تجدُ الغيظَ الذي تجِد
أبو الطيب:
تحمي السيوفُ على أعدائِه معهُ كأنّهنّ بنوهُ أو عشائِرُه
أبو عطاء السندي:
عشية قامَ النائحاتُ وسُقّقَتْ جُيوبٌ بأيدي مأتَم وخُدودِ
أبو تمام:
شقّ جَيْبًا من رجالٍ لو اس طاعوا لشقّوا ما وراءَ الجُيوبِ
أبو الطيب:
عليْنا لك الإسعادُ لو كان نافعًا بشقّ قلوبٍ لا بشقّ جُيوبِ
[ ٢٤٨ ]
الفرزدق:
وما وامَرَتْني النفسُ في رحلة الى جَدا أحدٍ إلا إليك ضميرُها
أبو نواس:
وإن جرتِ الألفاظُ يومًا بمَدحةٍ لغيرِك إنسانًا فأنت الذي نعْني
أبو الطيب:
وظنّوني مدحتُهُم قديمًا وأنت بما مدحتُهم مُرادي
أبو تمام:
مُقيمُ الظنّ عندَك والأماني وإن قلقَتْ ركابي في البلادِ
أبو الطيب:
وإني عنكَ بعدَ غدٍ لغادٍ وقلبي عن فِنائِكَ غيرُ غادِ
أبو تمام:
وما سافرْت في الآفاق إلا ومن جدواكَ راحلتي وزادي
أبو الطيب:
محبُّكَ حيثُما اتّجهتْ ركابي وضيفُك حيثُ كنتُ من البلادِ
وهذا من أقبح ما يكون من السّرَق، لأنه يدل على نفسه باتفاق المعنى والوزن والقافية، ومثل المصراع الأول لأبي الطيب وهو محتذ قول البحتري:
[ ٢٤٩ ]
متى ما أسيّر في البلاد ركائبي أجد سائقي يهوي إليك وقائدي
وقد لاحظ أبو تمام قول المثقّب:
الى عمْرو ومن أثنى عليه أخي النّجدات والحِلْم الرّزين
أبو تمام:
له منظرٌ في العينِ أبيضُ ناصعٌ ولكنّه في القلبِ أسودُ أسفَعُ
أبو الطيب:
ابعَدْ بعِدْتَ بياضًا لا بياضَ له لأنْت أسودُ في عيني من الظُلَمِ
أبو دُلَف:
وكلّ يومٍ أرى بيضاءَ قد طلعتْ كأنّما طلعتْ في ناظرِ البصَر
أبو الطيب:
إذا لحظَتْ بياضَ الشيبِ عيْني فقد وجدَتْهُ منها في السّوادِ
أبو تمام:
أثافٍ كالخُدودِ لُطمْنَ حُزنًا ونُؤيٌ مثلُ ما انقصَم السِّوارُ
أبو الطيب:
[ ٢٥٠ ]
ونؤِيٍّ كأنّهنّ عليه نّ خِدامٌ خُرسٌ بسوق خِدالِ
نقل اللفظ من السوار الى الخِدام، وقد أحسن أبو تمام بقوله: مثل ما انقصم السوار؛ لأن النؤي لا تستدير بالبيت إلا وفيه فرج، وربما كان من أحد الجوانب تعريج، فهو كالسوار المنقصم. وقصّر أبو الطيب عنه في هذا الوجه، وإنما جعلها خُرسًا، وجعل السوق خِدالًا؛ لأنها إذا كانت لاصقة بالبيوت، فهي كأنما تضغطها ضغطة الخدمة الساق الخدلة، وإذا كانت كذلك فهي خُرس، لأنها لا تتحرك فتصوّت؛ وإنما أخذه أبو تمام من قول الأول:
نُؤْيٌ كما نقصَ الهِلال محاقُهُ أو مثلُ ما قصَم السّوارَ المعصَمُ
أحمد بن أبي فنن:
حان الرّحيلُ وقد أولَيْتَنا حسنًا والآن أحوجُ ما كُنّا الى زادِ
أبو الطيب:
وقد نظرْتُك حتى حان مرتحَلٌ وذا الوَداعُ فكُن أهلًا لما شِيتا
أبو تمام:
فرُدّتْ علينا الشمسُ والليلُ راغمٌ بشمسٍ لهمْ من جانبِ الخِدرِ تطلُع
أبو الطيب:
رأتْ وجْه من أهْوى بليلٍ عواذِلي فقلنَ نرى شمسًا وما طلع الفجرُ
[ ٢٥١ ]
البحتري:
ولم ألْقَ في رنْقِ الصّرى لي مورِدًا فحاولْتُ وِرْدَ النّيلِ عند احتِفالِه
أبو الطيب:
قواصِدَ كافورٍ توارِكَ غيرِه ومن قصد البحرَ استقلّ السّواقيا
وهذا مصراع نادر، مستوفي المعنى سائر المثَل البحتري:
وأشهدُ أني في اختِياريكِ دونهمْ مؤدًّى الى حظّي ومتّبع رُشدي
أبو الطيب:
وما شئتُ إلا أن أدُلّ عواذِلي على أنّ رأيي في هَواك صوابُ
وأعلِمَ قومًا خالفوني وشرّقوا وغرّبْتُ أني قد ظفِرْتُ وخابوا
البحتري:
إذا سار كفّ اللحْظِ عن كل منظر سواه وغضّ الطرْف عن كل مُسمع
فلستَ ترى إلا أفاضة شاخص إليه بعينٍ أو مشيرٍ بإصبَع
أبو الطيب:
بمَنْ تشخَصُ الأبصارُ يومَ رُكوبه ويُخرَقُ من زحْمٍ على الرّجلِ البُردُ
وتُلقي وما تدري البنانُ سلاحَها لكثرة إيماء إليه إذا يبدو
[ ٢٥٢ ]
فأكد المعنى وزاد فيه، كأنه اقتبس معنى البيت الثاني من قوله تعالى: (فلمّا رأينَه أكبَرْنَه) .
البحتري:
تقاذَفُ بي بلادٌ عن بلادٍ كأنيَ بينها عيرٌ شَرودُ
بعضهم:
كأني قذًى في عين كلّ بلادِ
أبو الطيب - وهو منقول الى معنى آخر كالمفرد:
يُخيَّل لي أنّ البلاد مسامِعي وأني فيها ما تقولُ العواذِلُ
أشجع:
وعلى عدوّك يا بنَ عمّ محمدٍ رصَدانِ: ضوءُ الصُبْحِ والإظلامُ
فإذا تنبّه رُعْتَه وإذا غفا سلّتْ عليه سُيوفَك الأحلامُ
أبو الطيب:
يرى في النوم رمحَك في كُلاه ويخشى أن يراهُ في السُهاد
فقصّر في ذكر السُهاد؛ لأنه أراد أن يقابل بها النوم، وبذلك يتم المعنى، وليس كل يقظة سهادًا؛ إنما السهاد امتناع الكرى في الليل، ولا يسمى المتصرف في حاجاته بالنهار ساهدًا وإن كان مستيقظًا، وقد جاء به في بيت آخر فقال:
وكلّما حلمَت عذراءُ عندَهُم فإنما حلمَت بالسّبي والجمَل
[ ٢٥٣ ]
وإنما ذكر الجمل؛ لأن الروم لا تعرفه إلا إذا غزاها المسلمون، فهم أشد شيء فرَقًا منه ونفارًا عنه.
أبو تمام:
شابَ رأسي وما رأيت مشيب الرّ أسِ إلا من فضلِ شيبِ الفؤادِ
وهو مما استقبح من استعاراته، وزعموا أنه لما أنشد ذلك بحضرة أحمد بن أبي دؤاد قال من حضر: وكيف يشيب الفؤاد؟ فقال ارتجالًا:
وكذاك القلوب في كل بؤسٍ ونعيمٍ طلائع الأجسادِ
فقال أبو الطيب - ونقل شيب الفؤاد الى الكبد:
إلا يشِبْ فلقد شابَت له كبدٌ شيْبًا إذا خضّبته سَلوةٌ نَصَلا
قال أبو نواس:
وليس على الله بمُستَنكرٍ أن يجمَع العالَمَ في واحِدِ
وكرره فقال:
متى تحُطي إليه الرحلَ سالمة تستجمعي الخلْق في تمثال إنسان
قال أبو الطيب:
هديّةٌ ما رأيتُ مُهديَها إلا رأيتُ العِبادَ في رجُلِ
ثم كرره فقال:
[ ٢٥٤ ]
أَمِ الخلقُ في شخص حيّ أُعيدا
ومثل قوله:
ومنزلُك الدُنيا وأنتَ الخلائِقُ
وكرر وزاد فقال:
ولقيتُ كل الفاضِلين كأنّما ردّ الإلهُ نفوسَهم والأعصُرا
ومن مليح ما يشاكل هذا قوله:
نُسِقوا لنا نسْقَ الحساب مقدَّمًا وأتى فذلك إذ أتيتَ مؤخَّرا
فعلل وشبه، وأوضح المعنى بذكر الحساب واجتماع أعداده في الفذْلكة، وهو قريب من قوله في أخرى:
مضى وبنوه وانفردْتَ بفضلهم وألفٌ إذا ما جُمِّعتْ واحدٌ فرْدُ
فجعل الألف واحدًا فردًا، يجمع ما تحته من الأعداد؛ كجمع هذا فضائل آبائه وهو فرد، كجمع الفذلكة ما تقدمها من تفضيل الحساب.
أبو تمام:
[ ٢٥٥ ]
أفي الحقِّ أن يُضحي بقلبيَ مأتمٌ من الشوقِ والبلْوى وعيني في عرْسِ
أبو الطيب:
حشايَ على جمْرٍ ذكيّ من الهَوى وعينايَ في روضٍ من الحسن ترتَع
وهو نحو قول العباس بن الأحنف:
إذا زرت شمسًا تستضيء بشمسِه فقلبك مغبونٌ وطرْفُك رابحُ
ومن هذا قول أبي الطيب، وقد أحسن:
فإني قد وصلْت الى مكانٍ عليه تحسُدُ الحدَقَ القلوبُ
البحتري:
سُلِبوا وأشرقَتِ الدماءُ عليهمُ محمرّةً فكأنّهم لم يُسلَبوا
وهو من قول بعض العرب:
وفرّقْت بين ابني هُشيمٍ بطعنة لها عائدٌ يكسو السّليبَ إزارا
فنقله أبو الطيب الى السيف، فقال:
يبسَ النّجيعُ عليه وهْو مجرّدٌ من غِمدِه فكأنّما هو مُغمَدُ
البحتري - وهو معنى مبتذل كثير:
ولو أنّ الجبالَ فقدْن إلْفًا لأوشَكَ جامدٌ منها يذوبُ
[ ٢٥٦ ]
أبو الطيب:
ولو لقيتْ صمُّ الجبالِ الذي بنا غداةَ افترقْنا أوشكتْ تتصدّعُ
البحتري:
لا يتمطّى كما احتاجَ البخيلُ ولا يُحب من مالِه إلا الذي يهَبُ
أبو الطيب:
إذا حاز مالًا فقدْ حازَه فتًى لا يُسرّ بما لا يهَبْ
البحتري:
وإذا اجتداه المجتَدون فإنّه يهَبُ العُلا في نيلِه الموهوبِ
أبو الطيب:
إذا كسبَ الناسُ المعالي بالنّدى فإنّك تُعطي في نداك المعالِيا
البحتري:
ملكٌ له في كل يومِ كريهةٍ إقدامُ غِرٍّ واعتِزامُ مجرِّبِ
[ ٢٥٧ ]
أبو تمام:
ومجرِّبون سقاهمُ من بأسِه فإذا لُقوا فكأنهم أغمارُ
وله:
كهلُ الأناةِ فتى الشّذاةِ إذا غدا للحربِ كان الماجِدُ الغِطريفا
أبو الطيب:
تدبيرُ ذي حُنَكٍ يفكِّر في غدٍ وهجومُ غِرٍ لا يخاف عواقِبا
وقد قالوا: إن الأصل فيه قول قَطري بن الفُجاءة:
ثم انثنيت وقد أُصبتُ ولم أصِبْ جذَع البصيرة قارح الإقدام
وليس هو عندي كذلك؛ لأن قطريًا زعم أن إقدام قارح، وبصيرَته بصيرة جذَع، والقارح أتم سنًا من الجذع. وهؤلاء زعموا أن إقدامهم إقدام غِرّ، وتجاربهم تجارب كهلٍ محنّك؛ فهو ضد ذلك المعنى، اللهم إلا أن يُقال قلَبه؛ فلا يبعد ذلك عن الصواب.
أبو نواس:
جُدت بالأموال حتى قيل ما هذا صحيحُ
[ ٢٥٨ ]
وقال:
جاد بالأموالِ حتى حسِبوه الناسُ حُمْقا
أبو تمام:
ما زال يهذي بالمكارِمِ والنّدى حتى ظننّا أنه محمومُ
فتناول معنى باردًا، وغرضًا فاسدًا، فأكده وأضاف الى الحمى الهذيان. وقال البحتري:
إذا معشر أصابوا السماح تعسّفت به همةٌ مجنونة في ابتذالها
وقال آخر في قريب من هذا المعنى:
بطل تناذره الكُماة كأنه مما يدلّ على الفوارس أحمقُ
وأصله من قول العنبري:
ما كان يُعطي مثلَها في مثلِه إلا كريمُ الخيمِ أو مجنونُ
فقال أبو الطيب:
حتى يقولَ الناسُ ماذا عاقِلًا ويقول بيتُ المالِ ماذا مُسلِما
قال أبو العتاهية:
وإن نحن لم نبغِ معروفَه فمعروفُه أبدًا يبتَغينا
[ ٢٥٩ ]
أبو تمام:
تكادُ مغانيه تهشّ عِراصُها فتركبُ من شوقٍ الى كلّ راكبِ
وله:
وفدتْ الى الآفاق من نفَحاتِه نعمٌ تسائلُ عن ذوي الإقْتار
وله:
فإن لم يفِد يومًا إليهنّ طالبٌ وفدْن الى كلّ امرئٍ غير طالِبِ
أبو الطيب:
قَيلٌ بمنبجَ مثْواهُ ونائلُه في الأفْقِ يسألُ عمّن غيرَهُ سألا
ثم كرره فقال:
وأنفسُهم مبذولةٌ لوفودِهم وأموالُهم في دارِ من لم يفِد وفْدُ
ثم كرره فزاد وأحسن، فقال:
وعطاء مالٍ لو عداهُ طالبٌ أنفقتَه في أن تُلاقي طالِبا
لبعضهم في طاهر بن الحسين:
عجبتُ لحرّاقةِ ابنِ الحسيْ نِ لا غرقت كيف لا تغرَقُ
وبحرانِ: من فوقِها واحد وآخر من تحتها مُطبِقُ
وأعجبُ من ذاك عيدانُها وقد مسّها كيفَ لا تورِقُ
[ ٢٦٠ ]
قال أبو الطيب:
وعجبتُ من أرض سحابُ أكفِّهم من فوقِها وصخورُها لا تورِق
وأصله من قول أبي صخْر الهذَلي، وإن كان في النسيب:
تكادُ يدي تندى إذا ما لمستها وينبُتُ من أطرافها الورقُ النّضرُ
بشار:
أو كبدْر السّماء غير قريب حين يوفي والضوء منه قريب
أبو عيينة:
وقلت لأصحابي هي الشمسُ ضوءها قريبٌ ولكنْ في تناوُلِها بُعدُ
الطّرمّاح:
أنا الشمسُ لما أن تغيّب ليلُها وغرتْ فما تبدو لعينٍ نجومُها
تراها عيونُ الناظرينَ إذا بدت قريبًا ولا يسطيعُها مَن يرومُها
أبو الطيب:
كأنها الشمسُ يُعيي كفّ قابضِها شُعاعها ويراه الطّرفُ مُقتَربا
أبو تمام:
قريبُ النّدى نائي المحلّ كأنه هِلالٌ قريبُ النّور ناء منازله
[ ٢٦١ ]
البحتري:
كالبدرِ أفرطَ في العُلوّ وضوءه للعُصبة السّارين جدُّ قريبِ
أبو الطيب:
كالشمسِ في كبدِ السماء وضوءها يغْشى البلاد مشارقًا ومغارِبا
العباس بن الأحنف:
نعمةٌ كالشمسِ لما طلعتْ بثّتِ الإشراقَ في كلّ بلد
البحتري:
عطاء كضوءِ الشمس عمّ فمغرِبٌ يكون سواءً في سناهُ ومَشرقُ
أبو الطيب:
كالبدرِ من حيثُ التفتّ رأيتَه يُهدي الى عينيكَ نورًا ثاقبا
أبو تمام:
مضَوا وكأن المكرُمات لديهمُ لكثرةِ ما أوصوا بهنّ شرائعُ
ثم قلبه فقال:
جودٌ تدين بحُلوهِ وبمرّه فكأنه جزءٌ من التوحيدِ
أبو الطيب:
[ ٢٦٢ ]
كأن سخاءَك الإسلامُ تخشى متى ما حُلْتَ عاقبةَ ارتِداد
العوام بن سوذب الشيباني:
ولو أنها عُصفورة لحسِبتها مسوّمةً تدعو عُبيدًا وأزْنَما
جرير:
ما زال يحسِب كل شيء بعدهُم خيلًا تكرّ عليهمُ ورِجالا
عُروة بن عُتبة الكلابي:
إذ تحسِب الشّجراء خلف ظهورنا خيلًا وأن أمامنا الصحراء
أبو نواس في غير هذا المعنى:
فكل كفٍ رآها ظنها قدَحًا وكل شخص رآه ظنه الساقي
أبو الطيب:
وضاقت الأرض حتى كان هاربُهم إذا رأى غيرَ شيء ظنّه رجُلا
فبالغ حتى أحال وأفسد المعنى.
البحتري:
جلّ عن مذهبِ المديح فقد كا دَ يكون المديحُ فيه هجاء
[ ٢٦٣ ]
المتنبي:
تجاوز قدْر المدْح حتّى كأنه بأحسنِ ما يُثنى عليه يُعابُ
ونحوه له:
وعُظمُ قدرِك في الآفاق أوهمني أني بقلّةِ ما أثنيْتُ أهجوكا
وكرره فقال:
وكان مَنْ عدّد إحسانَه كأنه أسرفَ في سبِّه
بعضهم - في وصف عقعَق:
يقلِّبُ عينين في رأسِه كأنّهما قطْرَتا زئبَقِ
أبو الطيب:
أدرْن عُيونًا حائراتٍ كأنها مركّبةٌ أحداقُها فوقَ زئبقِ
الفرزدق:
جُعلتَ لأهل الأرض عدلًا ورحمة وبُرءًا لآثار الجروح الكَوالِم
كما بعث الله النبيّ محمدًا على فترة والناس مثلُ البَهائم
أبو الطيب:
مثل ما أحدث النبوّة في العا لمِ والبعثَ حين شاع فسادُهْ
[ ٢٦٤ ]
البحتري:
في كل مشرفةٍ حصاها لؤلؤٌ وتُرابُها مسكٌ يُشابُ بعنبَر
أبو الطيب:
وليلًا توسّدْنا الثؤيّة تحته كأن ثراها عنبر في المفارِق
بلادٌ إذا زار الحسانَ بغيرِها حصا تُربِها ثقّبْنَه للمخانِقِ
البحتري:
ملكٌ بعاليةِ العِراق قبابُه يقْري البُدورَ بها ونحنُ ضُيوفهُ
المتنبي:
ومللتُ نحر عِشارِها فأضافَني من ينحَر البدرَ العِشار لمن قَرى
عمر بن أبي ربيعة:
ألقى عصاه وأرخى من عِمامَتِه وقال: ضيف فقلت: الشيبُ؟ قال: أجلْ
آخر في الشيب:
أهلًا وسهلًا بضيفٍ نزلْ وأستودِعُ الله إلفًا رحلْ
أبو الطيب - وهو مبتذل:
[ ٢٦٥ ]
ضيفٌ ألمّ برأسي غير محتشِم والسيف أحسنُ فِعلًا منه باللّمَمِ
والمصراع الثاني من قول البحتري:
ودِدْتُ بياضَ السيفِ يومَ لقينَني مكان بياضِ الشّيبِ حلّ بمفرِقِ
عبد الله بن محمد المهلّبي:
يا ذا اليمين لم أزُرْك ولم أصحبك من خَلّة ولا عدَمِ
زارتْك بي همّةٌ منازعةٌ الى جسيمٍ من غاية الهِمَم
أبو تمام:
ونادبٌ رفعةً قد كنتُ آملُها لديك لا فضةً أبكي ولا ذهبا
وقال يزيد بن محمد المهلّبي في معناه وأحسن:
لم تزرني أبا علي سِنو الجدْ بِ وعندي بعدَ الكَفاف فضولُ
غير أني باغي الجَليلِ من الأمْ ر وعند الجليل يُبْغى الجليلُ
أبو تمام:
ومن خدَم الأقوام يرْجو نوالَهُم فإني لم أخدُمك إلا لأُخدَما
أبو الطيب:
وما رغبتي في عسجَدٍ أستَفيدُه ولكنها في مَفخَرٍ أستجدّه
وله:
[ ٢٦٦ ]
فسِرْتُ إليكَ في طلب المعالي وسار سوايَ في طلبِ المعاشِ
عبد الله بن المهلّب:
فهلْ لك في الإذْن لي راضيًا فإني أرى الإذنَ غُنْمًا كبيرا
أبو الطيب:
إذنُ الأمير بأن تسير إليهمُ صلةٌ تسيرُ بذكرِها الأشعارُ
العباس بن الأحنف:
فما بكيتُ ليومٍ منك أسخطَني إلا بكيتُ عليه بعدَ ما ذهبا
عبد الله المهلّبي:
وكم مُدركٍ أمنيّةً كان داؤه بإدراكها والغيبُ عنه محجّب
نحوه لغيره:
رُبّ يومق بكيتُ منه فلما صرتُ في غيرِه بكيتُ عليهِ
أبو الطيب:
فكيف أذمّ اليوم ما كنتُ أشتهي وأدعو بما أشكوه حين أُجابُ
الجُلاح:
وللمنْع خيرٌ من عطاءٍ مكدّر
أبو الطيب، وهو معنى مشهور كثير:
أبدًا تستردّ ما نَهبُ الدُنْ يا، فيا ليتَ جودَها كان بُخلا!
[ ٢٦٧ ]
وهو مستوفى زائد. وقريب من قوله هذا قول عليّ بن جبلة:
وما صاحب الأيام إلا دربة على أنها تغذوه وهو لها أكل
ذو الرمة:
لِنِي وَليةً تُمرِع جَنابي فإنني لما نِلتُ من وسْميّ نيلَكِ شاكرُ
أبو الطيب:
أمُنعمةٌ بالعودة الظّبيةُ التي بغير وليٍّ كان نائلَها الوسْميّ
وهذا من الألفاظ التي يصح فيها الأخذ.
ابن المعتز:
وأرى الثُريّا في السماءِ كأنها خُرُدٌ تبدّتْ في ثيابِ حِدادِ
أبو الطيب:
كأن بناتِ نعشٍ في دُجاها خرائدُ سافِراتٌ في حِداد
الراعي:
[ ٢٦٨ ]
رجاؤك أنساني تذكُّرَ إخوَتي ومالُك أنساني بوهْبَين مالِيا
البحتري:
ومثلُ نداكَ أذهلَني حبيبي وأكسبَني سُلوًّا عن بلادي
أبو الطيب - وأساء غاية الإساءة:
أمُنسيّ السكونَ وحضْر موتًا ووالدتي وكندةَ والسّبيعا
ونحوه له - وقد أحسن:
لولاك لم أترُك البحيرةَ وال غَورُ دَفيءٌ وماؤها شَبِم
البحتري:
أرى الحلم بؤسًا في المعيشة للفتَى ولا عيشَ إلا ما حَباك به الجهلُ
المتنبي:
ذو العقل يشقى في النّعيم بعقلِه وأخو الجَهالَة في الشّقاوة ينعَمُ
وله:
تصْفو الحياةُ لجاهلٍ أو غافلٍ عمّا مضى منها وما يُتوقّعُ
ومثله له:
[ ٢٦٩ ]
يخلو من الهمّ أخلاهُم منَ الفِطَنِ
البحتري:
يذكّرنا ريّا الأحبّةِ كلّما تنفّسَ في جُنحٍ من الليل باردُ
نقله أبو الطيب وأحسن:
إذا كان شمُّ الرَّوْح أدنى إليكمُ فلا برحَتْني روضةٌ وقَبول
وفي هذا المعنى كلام.
البحتري:
سَماحًا وبأسًا كالصّواعقِ والحَيا إذا اجتَمعا في العارض المتراكمِ
أبو الطيب:
فتًى كالسّحاب الجُونِ يُرجى ويُتّقى يرجّى الحَيا منه وتُخشى الصّواعقُ
البحتري:
وحاولنَ كِتمانَ التّرحّلِ في الدُجى فباحَ بهنّ المِسكُ حين تضوّعا
أبو الطيب:
[ ٢٧٠ ]
قلقُ المليحة وهي مسكٌ هتْكُها
البحتري:
نزلوا بأرضِ الزّعفران وجانَبوا أرضًا تربُّ الشّيحَ والقَيصوما
أبو الطيب:
تركتْ دُخان الرّمث في أوطانها طلبًا لقومٍ يوقدونَ العَنبرا
البحتري - في وصف الأسد:
شارَكْتَه في البأسِ ثم فضلْتَه بالجودِ محْقوقًا بذاك زَعيما
قال أبو الطيب:
فتشابَه الخُلُقان في إقدامِه وتخالَفا في بذْلِك المأكولا
حاتم:
إذا كان بعضُ المال ربًّا لأهلِه فإني بحمدِ الله مالي معبَّدُ
حُطائط بن يعفُر:
ذَريني أكن للمال ربًّا ولا يكنْ لي المالُ ربًّا تحمَدي غِبهُ غَدا
[ ٢٧١ ]
أبو نواس:
أنت للمال إذا أمسكتَه وإذا أنفقتَه فالمالُ لكْ
أبو تمام:
فلمالُك العبدُ المذل إذا غدوا وهم لمالهم المصونِ عبيدُ
ونحوه قول المخزومي:
إنّ ربّ المال آكِلُه وهْو للبُخّال أكّال
أبو الطيب:
همُ لأموالِهم وليس لهمْ والعار يبقى والجُرحُ يلتئمُ
حاتم:
لحى الله صُعلوكًا مُناه وهمّه منَ الدّهر أنْ يلقى لَبوسًا ومطْعَما
آخر:
وليس فتى الفِتيان من راح واغْتَدى لشُربِ صَبوح أو لشُربِ غَبوقِ
والأصل قول امرئ القيس:
فلو أنّ ما أسْعى لأدنى معيشةٍ كفاني ولم أطلُب قليلٌ من المال
ولكنّما أسعى لمجدٍ مؤثّلٍ وقد يدرِك المجدَ المؤثّلَ أمثالي
فأخذه خُفاف بن غُصَين البُرجُمي فقال:
فلو أنّ ما أسعى لنفسيَ وحدَها لزادٍ يسيرٍ أو ثياب على جِلدي
[ ٢٧٢ ]
لأُبتُ على نفسي وبلّغ حاجتي من المالِ مالٌ دون مالي الذي عندي
ولكنما أسعى لمجد مؤثل وكان أبي نال المكارم عن حدّي
ثم أكثر الناس فيه. وقال أبو الطيب:
تهوى بمُنجردٍ ليست مذاهبُه للُبْسِ ثوبٍ ومأكولٍ ومشروبِ
وقال:
وفي الناس من يرضى بميْسور عيشِه ومرّ كوبُه رجلاهُ والثوبُ جلدُه
ولكنّ نفسًا بين جنبيّ ما لَها مدًى ينتهي بي في مُرادٍ أحُدُّهُ
قوله: والثوب جلده، من قول أبي هفّان:
وما شعاري الدّهرَ غير جِلدي
مُسلِم:
قتِلَتْ وعالجها المديرُ ولم تُقَدْ فإذا به قد صيرتُه قتيلا
ديك الجن - ونقله الى غرض آخر:
تظل بأيدينا نتعتعُ روحَها وتأخذ من أقدامنا الراح ثارَها
أبو تمام:
وكأسٍ كمعسولِ الأماني شربْتُها ولكنه أجلَت وقد شربَت عقْلي
وله:
أفيكُم فتًى حيٌ فيُخبِرَ كم عنّي بما شربَتْ مشروبَةُ الرّاح من ذِهني
[ ٢٧٣ ]
أبو الطيب:
نال الذي نلتُ منه منّي لله ما تصنعُ الخَمور
الأفوه الأودي:
وترى الطّيرَ على آثارِنا رأيَ عينٍ ثقةً أن سَتُمارْ
النابغة:
إذا ما غزوا بالجيش حلّق فوقَهم عصائبُ طيرٍ تهتدي بعصائب
حُميد بن ثوْر:
إذا ما غدا يومًا رأيت غمامة من الطير ينظُرْن الذي هو صانِع
أبو نواس:
تتأبّى الطيرُ غُدوتَه ثقةً بالشِّبْع من جزَرهْ
أبو تمام:
وقد ظُلِّلَتْ عِقبانُ أعلامِه ضُحًى بعِقبان طيرٍ في الدّماءِ نواهِلِ
أقامت مع الرّاياتِ حتى كأنّها منَ الجيش إلا أنّها لم تُقاتِلِ
زعم كثير من نقاد الشعر أن أبا تمام زاد عليهم بقوله: إلا أنها لم تُقاتِل، فهو المتقدم، وأحسنُ من هذه الزيادة عندي قوله: في الدماء نواهل، وإقامتها مقام الرايات، وبذلك يتم حسنُ قوله: إلا أنها لم تقاتل، على أن الأفوَه الأوديّ قد فضل الجماعة بأمور: منها السبق وهي الفضيلةُ العظمى، والآخر قوله: رأيَ عين،
[ ٢٧٤ ]
فخبر عن قُربها لأنها إذا بعُدت تُخيِّلَتْ ولم تُر، وإنما يكون قُربُها متوقعًا للفريسة، وهذا يؤيد المعنى، ثم قال: ثقة أن سَتُمار، فجعلها واثقة بالميرَة، ولم يجمع هذه الأوصاف غيرُه، فأما أبو نواس فإنه نقل اللفظ ولم يزد فيفضَّلُ. وقال أبو الطيب:
سَحابٌ من العِقبان يزحَفُ تحتَها سَحابٌ إذا استَسْقَتْ سقَتْها صوارمُهْ
فزاد إذ جعلها سحابتين، وجعل السحابة السفلى تسقي ما فوقها، وهذا غريب، وقد يعيبُه المتكلّفون في هذا البيت بأمرين: أحدُهما أنّ السحاب لا يسقي ما فوقه، والآخر أن العقبان والطير لا تستقي، وإنما تستطعِم، فأما إسقاء ما فوقه فهو الذي أغرَب به، ولم يجعل الجيش سحابًا في الحقيقة فيمتنع إسقاؤه ما فوقه، وإنما أقامه مقام السحاب من وجهين لتزاحمه وكثافته، وقد فعلت العرب ذلك في أشعارها، وأما أنه يستسقي كاستسقاء السحاب فلأنه لما سماه سحابًا جعله يستسقي. وقد قال أبو تمام في صفة المنجنيق:
أرض على سمائها درور
مع أن الطير لا تُصيبُ فرائسها وهي في الجو، وإنما تهبط الى الأرض فهي تستسقي والسحاب الساقي عال عليها، وأما استسقاء الطير فجار على عادة العرب في استعارة هذه اللفظة في كل طلب، تعظيمًا لقدْر الماء، ولذلك قال علقمة:
وفي كل حيٍ قد خبطْتَ بنعمة فحُقّ لشأسٍ من نداك ذَنوب
وقال رؤبة:
يا أيها المائح دلوي دونَكا
وهما لم يستسقيا ماء، وإنما طلب أحدهما مالًا واظتطلق الآخر أسيرًا. ولذلك
[ ٢٧٥ ]
سموا الجندي والسائل مستميحين، وإنما الميح جمع المائح الماء في الدلو، والمائح الرجل الذي ينزل في البئر يملأ الدلاء، وقد تلغ سباع الطير الدماء. ولذلك قال أبو تمام:
بعِقبانِ طيرٍ في الدّماء نواهِل
وإنما النّهَل في الشراب. وقد كرر أبو الطيب هذا المعنى فغيّره، ولطُف فجاء كالمعنى المخترع فقال:
يفَدّى أتمُّ الطّيرِ عُمرًا سلاحَهُ نُسورُ المَلا أحداثُها والقشاعمُ
وما ضرّها خلْق بغير مخالبٍ وقد خُلِقت أسيافُه والقوائم
أبو تمام:
تعوّد بسْط الكفّ حتى لو انّه ثَناها لقبضٍ لم تُطِعْه أناملُه
أبو الطيب - ونقله الى البأس:
وفي الحرب حتى لو أراد تأخّرًا لأخّره الطبعُ الكريمُ الى القُدْم
أبو تمام:
عطاءٌ لو اسْطاع الذي يستميحُه لأصبح ما بين الوَرى وهو عاذله
أبو الطيب:
وكنتُ أعيبُ عذْلًا في سماحٍ فها أنا في السّماح له عَذول
[ ٢٧٦ ]
البحتري:
وأحَبُّ أقطار البلاد الى الفتى أرضٌ ينالُ بها كريم المطلَبِ
أبو الطيب:
وكل مكانٍ يُنبتُ العزَّ طيبُ
أبو تمام:
وليس يعرفُ طيبَ الوصل صاحبُه حتى يصابَ بنأيٍ أو بهِجران
وله:
والحادثاتُ وإن أصابَك بؤسُها فهو الذي أنْباك كيف نعيمُها
وله:
قد علمت ما رزئتْ إنما يُعرفُ فقْد الشمس عند المغيب
وله:
سمُجَت ونبّهنا على استِسْماجِها ما حولها من نُضرةٍ وجمال
وكذاك لم تفرط كآبةُ عاطل حتى يجاورها الزمانُ بحال
وله:
بيّن البينُ بينَها قلّما تعْ رف فقْدًا للشمس حتى تَغيبا
[ ٢٧٧ ]
البحتري:
وقد زادها إفراط حسنٍ جوارُها خلائق أضداد من المجد غُيَّبِ
وحسن دراري الكواكب أن تُرى طوالع في داجٍ من الليلِ غيْهَبِ
وقد ملُح بشار في هذا المعنى بقوله:
وكن جواري الحيّ ما دُمتِ فيهمُ قِباحًا فلما غِبتِ صِرن مِلاحا
وقال أبو الطيب:
ونذمّهم وبهِم عرفْنا فضلَه وبضدّها تتبيّنُ الأشياءُ
فصرّح بالمعنى، وبين أن المضادة هي التي تُثبتُ حُسنَ الشيء وقُبحَه، ثم أخفاه فقال:
ولولا أيادي الدهرِ في الجمع بينَنا غفَلْنا فلم نشعُر له بذنوبِ
وهذا قلب بيت أبي تمام الأول:
ما إنْ ترى شيئًا لشيءٍ مُحييًا حتى تُلاقيه لآخَر قاتِلا
أبو الطيب:
بذا قضتِ الأيامُ ما بين أهلِها مصائبُ قوم عند قومٍ فوائدُ
وله:
ومَوالٍ تُحييهم من يديهِ نعَمٌ غيرُهم بها مقتولُ
[ ٢٧٨ ]
وهذا البيت كأنه من قول النابغة:
يريشُ قومًا ويبرى آخرين بهم لله من رائش عمرو ومن باري
الحُصين بن الحُمام:
يطأْن من القتْلى ومن قِصَد القَنا خَبارًا فما يجْرين إلا تجشُّما
أبو الطيب:
يطأن من الأبطال من لا حملْنَه ومن قِصَد المُرّان ما لا يُقوَّمُ
قيس بن ذَريح:
وما كنتُ أخشى أن تكون منيّتي بكفّيّ إلا أنّ ما حان حائنُ
دِعبل:
لا تأخُذا بظُلامتي أحدًا قلبي وطرْفي في دَمي اشتَركا
أبو الطيب:
وأنا الذي اجتلَب المنيّة طرفُه فمَنِ المُطالَبُ والقتيلُ القاتِلُ
[ ٢٧٩ ]
أبو تمام:
كثُرتْ خطايا الدهرِ فيّ وقد يُرى بنَداك وهْو إليّ منها تائبُ
أبو الطيب:
حالٌ متى علِم ابنُ منصورٍ بها جاء الزمانُ إليّ منها تائِبا
ابن وهيب:
لبسا البلى فكأنما وجَدا بعد الأحبة مثل ما أجد
أبو الطيب:
ما زال كل هزيمِ الودْق يُنحِلُها والسّقمُ ينحِلُني حتى حكتْ جسدي
وله نحوه، وقد زاد في الصراع الأول:
أثافٍ بها ما بالفؤاد منَ الصّلى ورسمٌ كجِسمي ناحلٌ متهدّمُ
عقيل بن عُلّفة:
طويلُ نِجادِ السيفِ وهو كأنّما تَصول إذا استنجدْتَه بقَبيل
أبو تمام:
ثبتُ المقام يرى القبيلة واحدًا ويُرى فيحسبُه القبيلُ قَبيلا
[ ٢٨٠ ]
أبو الطيب:
بقيَتْ جُموعُهم كأنك كلُّها وبقيتَ بينَهُم كأنّك مُفرَدُ
أبو تمام:
فرأيتُ أكثر ما حبَوْتَ من اللُهى نزْرًا وأصغَر ما شكرْتَ جَزيلا
أبو الطيب:
يستصغِر الخطر العظيم لوفْدِه ويظنّ دجلَة ليس تكْفي شارِبا
أبو تمام:
يودّ ودادًا أن أعضاء جسمه إذا أنشدت شوقًا إليها المسامع
غيره:
غنّتْ فلم تبق فيّ جارحة إلا تمنّتْ بأنّها أذُنُ
أبو تمام في غير هذا المعنى:
ترى صِلًا تخال بكل عضو له من شدة الحركات قلْبا
أبو الطيب:
حتى كأنّ لكلِّ عظْمٍ رنّةً في جِلدِه ولكلِّ عِرقٍ مدْمَعا
[ ٢٨١ ]
بشار:
صحِبْته في الملك أو سوقة فزاد في كثرَة حُسّادي
أبو نواس:
دعيني أكثِّرْ حاسِديك برحلةٍ الى بلدٍ فيه الخصيبُ أميرُ
البحتري:
وألبَستَني النُعمى التي غيّرَتْ أخي عليّ فأمسى نازِحَ الودِّ أجْنَبا
أبو الطيب:
أزِل حسَد الحُسّاد عني بكبْتِهم فأنت الذي صيّرْتَهُم ليَ حُسَّدا
وأصله لأبي جُويرية العبديّ، وهو أحسن ما قيل فيه:
وما زال يُعطيني وما ليَ حاسدٌ من الناس حتى صرْت أرْجَى وأحسَدُ
بشار:
خُلِقوا سادةً فكانوا سَواء ككُعوبِ القناةِ تحت السِّنان
البحتري:
كالرُمحِ فيه بضْعَ عشرةَ فقْرةً منقادةً تحت السّنان الأصيدِ
أبو الطيب:
[ ٢٨٢ ]
وكلّ أنابيبِ القَنا مَدَدٌ له وما تنكُثُ الفُرسانَ إلا العواملُ
معاوية بن مالك بن جعفر بن كِلاب:
رأيت الصّدْع من كعْب جميعًا وكان الصّدْع لا يعْدو ارتيابا
فأمسى كعبُها كعبًا وكانت من الشنآن قد دعيت كِعابا
أبو الطيب:
وعمْرٌ في ميامِنِهمْ عُمورٌ وكعبٌ في مياسرِهم كِعابُ
وقال ذؤيب بن كعب التّيمي:
جانيك من يجني عليكَ وقد تُعدى الصِّحاحَ مبارِكُ الجُرْبِ
آخر:
الحرب يلحق فيها الكارهون كما تدنو الصِّحاح الى الجرْبَى فتُعديها
ومثله قول الآخر:
إنّ الفتى بابْنِ عمِّ السوء مأخوذُ
[ ٢٨٣ ]
البحتري:
نصدُّ حياءً أن نَراك بأعين أتى الذنبَ عاصيها فليمَ مُطيعها
أبو الطيب:
وجُرمٍ جرّه سُفَهاءُ قومٍ وحلّ بغير جارِمِه العذابُ
كأنّما اقتبسه من قوله تعالى: (أتُهلِكُنا بما فعلَ السُفَهاء منا) .
أبو تمام:
في عُصبةٍ إن سرَوا فجِنٌ أو يمّموا شُقّةً فيرُ
أبو الطيب:
نحن ركبٌ مِلجِنِّ في زِيّ ناسٍ فوقَ طيرٍ لها شُخوصُ الجِمالِ
أبو تمام:
إذا أنا لم ألُمْ عثراتِ دهرٍ أُصبْتُ به الغَداةَ فمَن ألومُ
أبو الطيب فأحسن وزاد:
إذا أتتِ الإساءة من وضيعٍ ولم ألُمِ المسيءَ فمنْ ألومُ!
[ ٢٨٤ ]
أبو تمام:
طلعَت على الأموال أنحسَ مطْلَع وعدَتْ على الأمال وهيَ سُعود
أبو الطيب:
فأنجُمُ أموالِه في النّحوسِ وأنجمُ سؤّالِه في السّعودِ
أبو تمام:
تبشِّرُهُ خُدّامُه بعُفاتِه كما بشّر الظّمآنَ بالماءِ واشِلُهْ
أبو الطيب:
يعطي المبشِّرَ بالقُصّاد قبلَهم كمنْ يبشّرُهُ بالماءِ عطْشانا
أبو تمام:
لقد خاب مَن يهدي سويداءَ قلبِه لحدّ سِنان في يدِ الله عاملُهْ
أبو الطيب:
على عاتِقِ المُلكِ الأغرّ نجادُه وفي يدِ جبّار السّموات قائمُه
وله:
فأنت حُسام المُلكِ والله ضاربٌ وأنت لواءُ الدّين واللهُ عاقدُ
أبو تمام:
[ ٢٨٥ ]
فحاط له الإقرارُ بالذّنبِ روحَه وجُثمانَه إذ لم تحُطْهُ قنابلُه
أبو الطيب:
أعدّوا رِماحًا من خضوعٍ فطاعَنوا بها الجيشَ حتى ردّ غرْبَ الفيالِقِ
بعض العرب:
ما قصّر الجودُ عنكم يا بني مطرٍ ولا تجاوزَكُم يا آل مسعودِ
يحُلّ حيثُ حللتُم لا يفارِقُكم ما عاقبَ الدهرُ بين البيضِ والسودِ
الكُميت:
يصير أبانٌ قريع السّما حِ والمكرُمات معا حيث صارا
أبو نواس:
فما جازه جودٌ ولا حلّ دونَه ولكن يصير الجودُ حيث يصير
أشجع:
فما خلْفَه لامرئٍ مطمعٌ ولا دونَه لامرئٍ مَقنَعُ
أبو تمام:
إليكَ تناهى الجودُ من كلِّ وِجهة يصيرُ فما يعدوك حيثُ تصيرُ
أبو الطيب:
ولستَ بدونٍ يُرتجى الغيثُ دونَه ولا مُنتَهي الجودِ الذي خلفَه خلْفُ
[ ٢٨٦ ]
فأساء وجاوز حتى قارب الهذيان.
منصور النمري:
الجودُ أخشنُ مسًّا يا بَني مطرٍ من أن تبُزّكُموه كفُّ مستلِب
ما أعرفَ الناسَ أنّ الجودَ مدفعة للذم لكنّه يأتي على النّشَبِ
أبو الطيب:
لولا المشقّةُ سادَ الناسُ كلهُم الجودُ يُفقِرُ والإقدامُ قتّالُ
فزاد بقوله: الإقدام قتّال.
أشجع:
وليس بأوسعِهم في الغِنى ولكنّ معروفَه أوسَعُ
أبو الطيب:
بمِصر مُلوكٌ لُم ما لَه ولكنّهم ما لَهُم همّهُ
وأصله قول الأعرابي:
ولم يكُ أكثرَ الفتيانِ مالًا ولكنْ كان أرحبَهُم ذِراعا
أبو تمام:
وقد يكهَمُ السيفُ المسمّى منيةً وقد يرجعُ النّجدُ المظفَّرُ خائبا
[ ٢٨٧ ]
فآفةُ ذا ألا يصادف مضربًا وآفة ذا ألا يصادف ضاربا
البحتري:
رمى كلَب الأعداء عن حدّ نجدة بها قطعت تحت العَجاج مناصِلُه
وما السيفُ إلا بزُّ غادٍ لزينةٍ إذا لم يكن أمضى من السيف حاملُهْ
أبو الطيب:
إن السيوف مع الذين قلوبُهم كقلوبهنّ إذا التقى الجمْعان
تلْقى الحسامَ على جَراءَةِ حدِّه مثلَ الجبان بكفِّ كلّ جبانِ
ثم نقله وغيّره:
إذا ضربَتْ بالسيف في الحرب كفُّه تبيّنْت أن السيفَ بالكف يضربُ
ومثل هذا البيت قول البحتري:
فلا تغلبَنْ بالسيف كلّ غلائِه ليمضي فإن الكفّ لا السيف يقطع
وقد أعاد المتنبي، فقال:
إذا الهند سوّت بين سيفَي كريهةٍ فسيفُك في كفٍّ تُزيلُ التّساوِيا
ثم نقله الى الخيل فقال:
فما تنفعُ الخيلُ الكرامُ ولا القَنا إذا لم يكنْ فوقَ الكِرام كرامُ
[ ٢٨٨ ]
أبو تمام:
فهل كنتُ إلا مذنِبًا يوم أنتحي سواك بآمالي فجئتُك تائِبا
أبو الطيب:
وتعذُلُني فيك القوافي وهمّتي كأني بمدحٍ قبلَ مدحِك مذنِبُ
أبو تمام:
فغرّبْتُ حتى لم أجِد ذكرَ مشرِقٍ وشرّقتُ حتى قد نسيتُ المَغاربا
البحتري:
فأكون طورًا مشرقًا للمشرق ال أقصى وطورًا مغرِبًا للمغرب
أبو الطيب:
فشرّق حتى ليس للشّرق مشرِقُ وغرّب حتى ليسَ للغرب مغرِبُ
بعض العرب:
تخاله مستَقْبلًا أقْعَدا وهو إذا استدبَرْتَ مكبوب
عليّ بن جبلة:
تحسِبُه أقعدَ في استقبالِه حتى إذا استدبرْتَه قلتَ أكبّْ
المتنبي:
إنْ أدبرَتْ قلتَ لا تَليلَ لها أو أقبلتْ قلتَ ما لها كفلُ
[ ٢٨٩ ]
وهو مأخوذ من قول أقيشر الأسدي لما سُئل عن أكرم الخيل، فقال: هو الذي إذا استقبلته أقْعى، وإذا استدبرته جَثا، وإذا استعرضته استوى.
يحيى بن مال:
أحقًا فما وجدي عليك بهيّنٍ ولا الصّبرُ إن أُعطيتُه بجميلِ
العتبي:
والصّبْرُ يحسُن في المواقِفِ كلِّها إلا عليْكَ فإنّه مذمومُ
أبو تمام:
وقد كان يُدعى لابسُ الصّبرِ حازِمًا فأصبحَ يُدعى حازمًا يجزَع
وله:
لا تُنكرنّ مع الفراقِ تبلّدي فبراعةُ المشتاقِ أن يتبلّدا
أبو الطيب:
وجلا الوداعُ من الحبيبِ محاسِنًا حُسنُ العزاء وقد جُلِينَ قبيح
وقال:
أجدُ الجفاءَ على سواك مروءةً والصبرَ إلا في نواكِ جميلا
[ ٢٩٠ ]
العباس بن الأحنف:
لو قسّم اللهُ جزءًا من محاسنِها في الناس طُرًّا لتمّ الحسنُ في الناس
أبو تمام:
لو اقتُسمَتْ أخلاقُه الغُرُّ لم تجدْ معيبًا ولا خَلْقًا من الناسِ عائِبا
وقلبه فقال:
لو أنّ عُشر الذي أمسى وظلّ به بالعالمين من البلْوى إذًا فسدوا
منصور الفقيه:
لو أنّ ما فيه من جودٍ تقسّمَه أولادُ آدمَ عادوا كلهم سمحا
أبو الطيب:
لو فرّق الكرَمَ المفرِّقَ مالَه في الناسِ لم يكُ في الزمان شحيح
ابن المعذّل:
باكرَتْه الحُمّى وراحتْ عليه فكسَتْه حمّى الرّواح بَهارا
لم تشِنْه لمّا ألحّت ولكِنْ بدّلَتْه بالاحمِرار اصفِرارا
أبو تمام:
[ ٢٩١ ]
لهم من لوعةِ البين التِدامٌ يُعيد بنَفسَجًا ورْدَ الخُدود
أبو الطيب:
وقدصارتِ الأجفانُ قرْحى من البُكا وصار بَهارًا في الخدود الشّقائقُ
البحتري:
إذا ما الجرحُ رُمَّ على فسادٍ تبيّن فيه تفريطُ الطّبيبِ
أبو الطيب:
فإنّ الجرحَ ينفِر بعد حينٍ إذا كان البناءُ على فسادِ
نصر بن سيّار:
وإن النار بالزَّندَين تورَى وإنّ الفعلَ يقدُمه الكلام
أبو الطيب:
وإنّ الله يجري من جمادٍ وإنّ النار تُقدَح من زِنادِ
النابغة الذُبياني:
قد عيّرتني بنو ذُبيان رهبتَهُ وهل عليّ بأنْ أخشاهُ من عار
[ ٢٩٢ ]
شمْعَلَة بن قائد:
وإن أميرَ المؤمنينَ وفِعله لكالدّهرِ لا عارٌ بما فعَل الدهرُ
أبو تمام:
خضَعوا لصولتِك التي هي عندَهم كالموت يأتي ليس فيه عارُ
أبو الطيب:
وما في سطوةِ الأرباب عيبٌ ولا في ذِلّةِ العِبدانِ عارُ
وكل ما تقدمه أحسن منه. وقد أحسن يزيد بن محمد المهلّبي في قوله:
لا عار إن ضامَك دهر أو ملِك
ومثل هذا الأخذ هو الذي يرحَضُ العار عن صاحبه.
عنترة:
وأنا المنيّةُ في المواقفِ كلِّها والطّعْنُ منّي سابِقُ الآجالِ
أبو تمام:
يكادُ حين يُلاقي القِرْنَ من حنَقٍ قبلَ السِّنان على حَوبائِه يرِدُ
أبو الطيب:
يسابِقُ سيفي منايا العِبادِ إليهم كأنّهُما في رِهان
ثم قلبه وغيّره فقال:
[ ٢٩٣ ]
يكاد من طاعة الحِمام له يقتُل من مادَنا له أجل
ذو الرمة:
كأنها فضّةٌ قد مسّها ذهبُ
أبو الطيب:
لوني كما صبغَ اللجينَ العسجدُ
أبو نواس:
إليكَ أبا العباس من بين من مشى عليها امتطيْنا الحضرميّ الملَسّنا
قلائصَ لم تعرِفْ حنينًا الى طلًا ولم تدْرِ ما قرْعُ الفَنيقِ ولا الهِنا
أراد بالحضرمي الملسَّن النعال فجعلها قلائص تمتطى وتركب، وتبعه أبو الطيب فغيّر الوصف فقال:
لا ناقتي تقبَل الرّديف ولا بالسّوط يومَ الرهان أُجهِدُها
[ ٢٩٤ ]
شِراكُها كورُها ومشفَرُها زِمامُها والشّموعُ مقوَدُها
ثم أكمل المعنى ونقله الى ذكر الخُفّ فقال:
وحُبيتُ من خوصِ الرّكاب بأسوَدٍ من دارِشٍ فغدوْت أمشي راكِبا
وأظنهما لاحظا قول بعض المفسرين لبيت عنترة:
وابن النّعامةِ يوم ذلك مركبي
فإنه زعم أن ابن النعامة عِرْق في باطن القدم؛ لأن معنى البيت أنه راكب أخمصَه ماشيًا. وقد جاء في تفسير قوله تعالى: (قل لا أجدُ ما أحملُكُم عليه) أنهم التمسوا نعالًا. ومثله ما روي عنه ﷺ أنه قال: المُنتعِل راكِب.
بعض العرب:
أنخْتُ قَلوصي واكتلأتُ بعينها وأمّرْتُ نفسي أيَّ أمرَيَّ أفعلُ
أبو الطيب:
وعيني الى أذْنَي أغرَّ كأنّه من الليلِ باقٍ بين عينيه كوكبُ
[ ٢٩٥ ]
فنقل العين الى الأذن واكتلائها.
قال عنترة:
وإذا صحوْتُ فما أقصّر عن ندًى وكما علِمْت شمائلي وتكرّمي
وأجود منه قول زهير:
أخو ثِقةٍ لا تُهلكُ الخمرُ ما له ولكنه قد يُهلِكُ المال نائلُهْ
وقول أبي نواس:
فتًى لا يذيبُ الخمر شحمةَ مالِه ولكنْ أيادٍ عُوَّدٍ وبوادي
أبو الطيب:
لا تجدُ الخمرُ في مكارمِه إذا انتشى خلّةً تلافاها
بعض العرب:
تغضي العيونُ إذا تبدّى هيبةً وينكّسُ النظّارُ لحظَ النّاظر
الحزين الدّؤلي:
يُغضي حياءً ويُغضى من مهابتِه فلا يكلَّمُ إلا حين يبتسِمُ
[ ٢٩٦ ]
أبو نواس:
إنّ العيون حُجبنَ عنك؛ بهيبةٍ فإذا بدوْت لهنّ نكِّسَ ناظرُ
أبو الطيب:
إذا بدا حجبَتْ عينيكَ هيبته وليس يحجُبه سترٌ إذا احتجَبا
والمصراع الثاني مثل قوله:
أصبحْتَ تأمر بالحجاب بخلوة هيهات لستَ على الحجاب بقادر
من كان ضوء جبينه ونواله لم يُحْجَبا لم يحتجِب عن ناظر
فإذا احتجَبْت فأنت غيرُ محجّب ورذا بطَنْت فأنت عينُ الظاهرِ
أما ذكره الجود؛ فمن قول أبي تمام:
يا أيها المُعرضُ النّائي برؤيته وجوده لمراعي جودِه كثبُ
وقد كرره أبو الطيب فقال:
حتى وصلْتُ الى نفسٍ حجّبة تلقى النّفوسَ بفضلٍ غيرِ محجوبِ
وأما ضوء جبيه، فمن قول قيس بن الخطيم:
قضى لها الله حين صوّرها ال خالِق أن لا يُكنّها سدَف
ومن هذا المعنى أخذ أبو تمام:
فنعمْتِ من شمسٍ إذا حُجبَت بدتْ من خِدرِها فكأنّها لم تُحجَبِ
وقول أبي نواس في الخمر:
[ ٢٩٧ ]
ترى ضوءَها في باطن الكأس ظاهِرًا عليك ولو عطّيتها بغِطاء
أوس بن حجَر:
الألمعيّ الذي يظنّ بك الظ نّ كأنْ قد رأى وقد سمِعا
أبو تمام:
ولذاك قيلَ من الظنون جليةٌ علمٌ وفي بعض القُلوب عُيونُ
وقد أكثر الناس فيه.
أبو الطيب:
ماضي الجَنان يُريه الحزمُ قبلَ غدٍ بقلبِه ما ترى عيناهُ بعدَ غدِ
وكرره فقال:
ذكيُّ تظنيه طليعةُ عينِه يرى قلبُه في يومِه ما يرى غَدا
وأعاده فقال:
ويعرفُ الأمرَ قبلَ موقِعِه فما له بعدَ فعلِه ندمُ
وقال أيضًا:
مستَنبِطٌ من علمِه ما في غدٍ فكأنّ ما سيكونُ فيه دوِّنا
وهذا المعنى الآخر يقرب من قول أبي نواس:
ما تنطوي منه القلوب بعجرَةٍ إلا تكلّمه به العينان
علي بن الخليل:
كلّمني لحظُك عنك لمّا أضمَرهُ قلبُك من غدْرِ
[ ٢٩٨ ]
الخليع:
أما تقرأ في عين يّ عُنوان الذي عندي
وقد سبق إليه المتقدمون، قال الثقفي:
تخيّرني العينانِ ما القلبُ كاتِمٌ وما جنّ بالبَغْضاء والنّظر الشّزْرِ
آخر:
تكاشِرُني كُرهًا كأنّك ناصحٌ وعينُك تبدي أنّ قلبَك لي دَوي
أبو الطيب:
كأنّك ناظرٌ في كلّ قلبٍ فما يخْفى عليكَ محلُّ غاشِ
وله:
له خطَراتٌ تفضحُ الناس والكُتْبا
ومثله له:
ووكّل الظنَّ بالأسرار فانكشفَتْ له ضمائرُ أهلِ السّهلِ والجبلِ
وهذا المعنى هو الأول، وإنما فرق ما بينهما أن ذاك في العواقب، وهذا في الأسرار والضمائر، والمراد منهما صحة الحدْس وجودة الظن، ومثل قول الثّقفي:
تخبِّرني العينان ما القلبُ كاتِم
قول أبو الطيب:
يُخفي العداوةَ وهْي غيرُ خفيّة نظرُ العدوِّ بما أسرّ يبوحُ
[ ٢٩٩ ]
علاثة بن عربي:
وكنتم قديمًا في الحُروب وغيرها ميامينَ في الأدنى لأعدائكم نكدُ
لبيد:
مُمقِرٌ مرٌّ على أعدائه وعلى الأدنَينَ حلوٌ كالعسلْ
وهو معنى قد تُدوول بأمثلة مختلفة، منها قول المسيَّب بن علس:
هم الربيعُ على من ضاف أرحُلَهم وفي العدوّ مناكيدٌ مشائيمُ
وقال كعب بن الأجذم:
بنو رافِع قومٌ مشائيمُ للعِدا ميامينُ للمولى وللمُتحرِّم
وقال أبو دؤاد:
فهُمُ للمُلاينين أناةٌ وعُرامٌ إذا يُرادُ عُرامُ
وأخذه بشار فزاد فيه وشبّه وأحسن فقال:
يلينُ حينًا وحينًا فيه شدّتُه كالدّهر يخلِطُ إيْسارًا بإعسارِ
وتبعه أبو نواس فقال:
حذرَ امرئ نُصِرَتْ يداهُ على العِدا كالدهرِ فيه شراسةٌ وليانُ
وأخذه أبو الشّيص فأحسن ما شاء، ونقل التشبيه من الدهر الى السيف فقال:
وكالسّيف إنْ لا ينتَه لان متنُه وحدّاه إنْ خاشنْتَه خشِنان
فقال أبو الطيب:
[ ٣٠٠ ]
أنت طورًا أمرُّ من ناقِع الس مِّ وطورًا أحلى من السّلْسالِ
وهو بيت لبيد لفظًا ومعنى، وقد قصّر عنه؛ لأن لبيدًا فصّل الحالين بين الأعداء والأدنين، وأجمل أبو الطيب القول، ثم أعاده فأخفاه وأجاده فقال:
متفرِّقُ الطَّعمينِ مجتمعُ القوى فكأنّه السرّاءُ والضرّاءُ
وكأنه ما لا تشاءُ عُداتُه متمثِّلًا لوفودِه ما شاءوا
البحتري:
وإذا ما تنكّرَتْ لي بلادٌ أو صديقٌ فإنني بالخِيارِ
وهو معنى مبتذل بين المتقدمين والمتأخرين، وقد جمع هذا البيت طرافة. وقال ابن المعذل فأحسن وأوجز؛ لكنه اقتصر على البلد:
إذا وطنٌ رابني فكلّ بلادٍ وطنْ
وقد أجاد البحتري في قوله:
فالأرضُ من تُربة والناسُ من رجُلِ
وقال أبو الطيب واحتذى مثال البحتري وأجاد، وللبحتري الفضل:
إذا صديقٌ نكِرْتُ جانبَه لم تُعيني في فراقِه الحيَلُ
[ ٣٠١ ]
في سَعة الخافِقَينِ مضطرَبٌ وفي بلادٍ من أختِها بدَلُ
البحتري:
إذا شئتَ ألا تعذِلَ الدهرَ عاشقًا على كمدٍ من لوعةِ البين فاعْشقِ
أبو الطيب:
لا تعذِلِ المشتاق في أشواقِه حتى يكون حشاكَ من أحشائِه
أوس - من مرثيّة:
أبا دُلَيجةَ من توصي بأرملةٍ أم من لأشْعَث ذي هِدمَين ممْحال
أبو الطيب في مثله:
ومنِ اتّخذْت على الضيوفِ خليفةً ضاعوا ومثلك لا يكاد يُضيِّع
فزاد المصراع الثاني زيادة صالحة.
أوس:
وأفضلتَ في كل شيء فما تناول سعيُك من طالِب
أبو نواس:
كأنّما أنت شيءٌ حوى جميعَ المعاني
أبو الطيب:
[ ٣٠٢ ]
يُدِلّ بمعنًى واحدٍ كلّ فاخِرٍ وقد جمعَ الرحمَنُ فيك المعانِيا
بعضهم:
إذا أسلَفتْهُنّ الملاحمُ مغنمًا دعاهنّ من كسْب المكارم مَغرَمُ
أبو تمام:
إذا ما أغراروا واحتَووا مال معشر أغارت عليهمْ فاحتوتْهُ الصّنائعُ
أبو الطيب:
فالسِّلْمُ يكسِرُ من جَناحَيْ مالِه بنوالِه ما تجبُرُ الهيجاءُ
أبو تمام:
لو أنّ إجماعَنا في فضْل سؤدُدِه في الدين لم يختلِف في الملّةِ اثنانِ
البحتري:
أرى الناس مُجمعينَ على فضْ لِك من بينِ سيدٍ ومَسودِ
أبو الطيب:
جرى الخُلفُ إلا فيك أنّك واحدٌ وأنّك ليثٌ والملوكُ ذئابُ
أبو تمام:
فتًى لا يرى أن الفريصةَ مقتلٌ ولكنْ يرى أنّ العيوبَ المقاتِلُ
[ ٣٠٣ ]
أبو الطيب:
يرى أن ما ما بانَ منك لضاربٍ بأقْتل مما بان منكَ لعائِبِ
أبو تمام:
ولولا خِلالٌ سنّها الشعرُ ما درَى بغاةُ العُلا من أينَ تأتي المكارمُ
أبو الطيب:
وعلّموا الناس منك المجدَ واقتدَروا على دقيقِ المعاني من معانيكا
والمصراع الثاني من قول أبي تمام:
تُغري العيونُ به فيفلِقُ شاعر في نعته وصْفًا وليس بمُفلِق
ونحوه، وهو كالمحتوي على معنى البيتين قول أبي العتاهية:
شيَمٌ فتّحَتْ منَ المجدِ ما قدْ كان مُستغلِقًا على المدّاح
وقول ابن أبي فنن:
يعلّمنا الفتحُ المديحَ بجودِه ويُحسِن حتى يحسِنَ القولَ قائِلُه
ومثل لأبي الطيب:
أحييتَ للشعراءِ الشعرَ فامتدحوا جميعَ من مدحوه بالذي فيكا
علي بن جبلة:
يأسو الذي يجرحُ أعداؤه وما لما يجرحْهُ آسِ
[ ٣٠٤ ]
أشجع:
فما يرفعُ الناسُ من حطّه ولا يضعُ الناسُ من يرفَعُ
أبو تمام:
فإنْ أفسَدْت شيئًا فليس بصالح وإن أصلحْت شيئًا فليس بفاسد
أبو الطيب:
فلا ترتُقِ الأيامُ ما أنت فاتقٌ ولا تفْتق الأيامُ ما أنت راتق
أبو تمام في القلم:
أحدُّ اللفظِ ينطق عن سواهُ فيُفهِمُ وهْو ليس بذي سَماع
أبو الطيب في مثله:
ويُفهِم عمّن قال ما ليس يسمعُ
أبو العتاهية:
إن المطايا تشتكيك لأنها قطعتْ إليكَ سَباسِبًا ورِمالا
أبو الطيب:
قُصِدْتَ من شرقِها ومغرِبِها حتى اشتكتْك الرِّكابُ والسبُلُ
فزاد السبل.
[ ٣٠٥ ]
وقال جرير:
إنْ كان شأنُكُم الدّلالَ فإنّه حسنٌ دلالُك يا أمَيْمَ جميلُ
أبو الطيب:
وأرى تدلّلَك الكثيرَ محبّبًا وأرى قليلَ تدلّلٍ مملولا
أبو تمام:
لو سعَتْ بُقعةٌ لإعظامِ أخرى لسعى نحوَها المكانُ الجديبُ
البحتري:
ولو أنّ مُشتاقًا تكلّف فوق ما في وُسعِه لسعى إليكَ المنبرُ
أبو الطيب:
تحاسدَتِ البلدان حتى لو انّها نفوس لسار الشرق والغرب نحوَكا
لبعض العرب، وينسب الى المجنون:
ولا شوق حتى يلصَقَ الجلدُ بالحشى وتصمُت حتى لا تُجيبَ المُناديا
وقال قيس بن ذريح:
[ ٣٠٦ ]
وما هو إلا أن أراها فجاءةً فأبهَت حتى ما أكاد أجيبُ
أبو الطيب:
الحبّ ما منع الكلامَ الألسُنا وألذّ شكْوى عاشقٍ ما أعلَنا
فأما المصراع الثاني فمن قول أبي نواس:
ولا خيرَ في اللّذاتِ من دونِها سِترُ
بعضهم:
الله يعلمُ أني لست أذكره وكيف يذكرُه من ليس ينْساهُ
نقله أبو الطيب فقال:
نيطَت حمائلُه بعاتِقِ محرَبٍ ما كرّ قطُّ وهل يكُرّ وما انْثَنى
بعضهم:
وإذا جهِلتَ من امرئٍ أعراقه وأصولَه فانظُر الى ما يصنعُ
أبو تمام:
فُروعٌ لا ترفّ عليك إلا شهدت لها على طيب الأرومِ
أبو الطيب:
[ ٣٠٧ ]
أفعالُه نسبٌ لو لم يقُل معها جدّي الخصيبُ عرفْنا العرقَ بالغُصُنِ
أبو تمام:
أغارُ من القميص إذا علاه مخافةَ أن يلامسَه القميصُ
الخُبزَأرزي:
من لُطف إشفاقي ودقّة غيرَتي أني أغار عليك من ملَكَيْكا
ولو استطعتُ جرحتُ لفظَك غيرةً أني أراه مُقبِّلًا شفتَيْكا
أبو الطيب:
أغارُ من الزجاجةِ وهي تجري على شفةِ الأمير أبي الحسين
فأساء؛ لأن هذه الغيرة إنما تكون بين المحب ومحبوبه؛ فأما الأمراء والملوك فلا يُغار على شِفاههما.
أبو تمام:
قومٌ إذا اسودّ الزمان توضّحوا فيهِ وغودِرَ وهْو منهم أبلقُ
أبو الطيب:
أفاعيلُ الورى من قبلُ دهمٌ وفعلُك في فِعالِهمُ شياتُ
أبو تمام:
[ ٣٠٨ ]
لو لم يقُدْ جحفلًا يوم الوغى لغدا من نفسِه وحدَها في جحفلٍ لجِبِ
أبو الطيب:
الجيشُ جيشُك غير أنّك جيشُه في قلبِه ويمينه وشمالِه
أبو تمام:
وكأنّ الأناملَ اعتصرَتْها بعد كدٍ من ماءِ وجهِ البخيل
أبو الطيب:
وعُمرٌ مثلُ ما يهَبُ اللّئامُ
أبو تمام:
إليك تجرّعْنا دُجًى كحِداقِنا
أبو الطيب:
لقى ليلٍ كعينِ الظّبيِ لونًا وهمٍ كالحُميّا في المُشاشِ
وأما المصراع الثاني فكثير؛ منه قول الأبيرد:
عساكرُ تغشى النّفسَ حتى كأنني أخو سَكرةٍ دارتْ بهامته الخمرُ
[ ٣٠٩ ]
الناشي الأكبر:
ولو لم يبُحْ بالشُكر لفظي لخبرَتْ يميني بما أولَيتَني وشِمالِيا
أبو الطيب:
أقرّ جِلدي بها عليّ فما أقدِرُ حتى المماتِ أجحدُها
وأصله من قول الله ﷾: (وقالوا لجُلودِم لمَ شهدْتُم علينا) الآية. وهو كثير للمتقدمين ومن بعدهم.
مسلم:
يفترّ عندَ افتِرار الحرب مُبتسمًا إذا تغيّر وجهُ الفارسِ البطلِ
أبو الطيب:
تمرّ بك الأبطال كلمى هزيمةً ووجهُك وضّاحٌ وثغرُك باسمُ
وله:
بكلّ أشعثَ يلقى الموتَ مبتسمًا حتى كأنّ له في قتلِه أرَبا
دِعبِل:
وقد علمتُ وما أصبحتُ مرتيبا أن التي أدركتني حرفةُ الأدب
الحمدوني:
إن المقدَّمَ في حِذقٍ بصنعته أنّى توجّه فيها فهْو محرومُ
[ ٣١٠ ]
أبو الطيب:
وما الجمعُ بين الماءِ والنارِ في يدي بأصعبَ من أن أجمعَ الجدَّ والفَهْما
فزاد وأكّد.
البحتري:
وإذا تلألّق في النّديّ كلامُه ال مصْقولُ خِلتَ لسانَه من عضْبِه
أبو الطيب:
كأنّ ألسُنَهم في النُطقِ قد جُعِلَتْ على رماحِهم في الطّعن خُرْصانا
أوس بن حجر:
وإنا وجدْنا الحلم أنفسَ ساعةً الى الصّون من رَيْط يمانٍ مسهّمِ
فقد تداوله الشعراء فأكثروا؛ فقال سالم بن وابصة:
إنّ من الحِلم ذُلًا أنت عارفُه والحِلمُ عن قُدرةٍ فضلٌ من الكرمِ
وقال الخُزَيمي ففصّل معنيَيْه، وتبع سالمًا:
أرى الحِلمَ في بعض المواطنِ ذِلّةً وفي بعضِها عِزًّا يسوِّدُ صاحِبَه
أبو الطيب:
إذا قيلَ مهلًا قال للحِلمِ موضِعٌ وحِلمُ الفتى في غيرِ موضِعِه جهلُ
[ ٣١١ ]
ونحوه له:
فوضْع الندى في موضِع السيفِ بالعُلا مُضرٌ كوضْعِ السيفِ في موضع النّدى
وله في مثله:
إنّي أصاحبُ حِلمي وهْو بي كرمٌ ولا أصاحبُ حِلمي وهْو بي جُبُنُ
وله في معنى قول الخُرَيمي:
كلّ حِلمٍ أتى بغير اقتِدارٍ حُجّةٌ لاجئٌ إليها اللئامُ
فبيّن العلة، ونحوه له:
من الحِلمِ أنْ تستعمِل الجهلَ دونه إذا اتّسعتْ في الحِلم طُرْقُ المظالمِ
امرؤ القيس:
ألم ترَ أنّي كلّما جئتُ طارِقًا وجدتُ بها طيبًا وإن لم تطيّبِ
فأخذه الناس بعده وأكثروا فيه.
أبو الطيب:
أتتْ زائِرًا ما خامرَ الطيبُ ثوبَها وكالمِسكِ من أرْدانِها يتضوّع
أبو نواس:
سُنّة العُشّاقِ واحدة فإذا أحببْت فاستَكِنِ
[ ٣١٢ ]
بعض المحدثين:
كن إذا أحببْتَ عبدًا للذي تهوى مُطيعا
أبو الطيب:
تذلّلْ لها واخضعْ على القربِ والنوى فما عاشقٌ من لا يذِلّ ويخضعُ
بشار:
خلقْنا سماءً فوقَنا بنُجومِها سُيوفًا ونقْعًا يقبضُ الطّرْفَ أقتَما
ومثله لبشار:
كأنّ مثار النّقعِ فوق رؤوسنا وأسيافَنا ليلٌ تهاوى كواكبُه
بعضهم:
نسجَتْ حوافرُها سماءً فوقنا جعلتْ أسنّتَنا نجومَ سمائِها
أبو الطيب:
يزورُ الأعادي في سماءِ عجاجةٍ أسنّتُها في جانبيها كواكبُ
البحتري:
ملوكٌ يعُدّون الرماحَ مخاصِرًا إذا زعزعوها والدّروعَ غَلائِلا
ثم أعاده فقال:
[ ٣١٣ ]
متعوِّدًا لُبسَ الدّروع يخالُها في البردِ خزًّا والهواجر لاذا
ففصّل ما أجمل البحتري في قوله: والدروع غلائلا، وقصر في اللفظ، وسلم للبحتري بقية بيته، وحسن لفظه.
أمية - ويروى لغيره:
عطاؤك زينٌ لامرئٍ إن أصبتَه بخيرٍ وما كلّ العطاءِ يزينُ
وليس بعارٍ لامرئٍ بذلُ وجهه إليكَ كما بعضُ السؤالِ يَشينُ
فتبعه فيه الشعراء وأكثروا.
وقال أبو الطيب فسفسف:
وقبْضُ نوالِه شرفٌ وعزٌ وقبضُ نوالِ بعضِ القومِ ذامُ
أبو تمام:
وقفْتُ وأحشائي منازِلُ للأسى به وهْو قفْرٌ قد تعفّتْ منازلُه
أبو الطيب:
لكِ يا منازلُ في القُلوبِ منازلُ أقفرْتِ أنتِ وهنّ منكِ أواهِلُ
[ ٣١٤ ]
أبو نواس:
قالت لقد أبعدَ المسْرى فقلت لها من عالجَ الشوقَ لم يستبعد الدّارا
نقله أبو تمام فقال:
هيهات لم يعلمْ بأنك لو ثوَى بالصين لم تبعد عليك الصين.
ابن الناصر:
من لم يُزَر زيرَ إن الشوق راحلةٌ تُدني البعيدَ وتطوي السّبسَبَ العافي
العباس:
يقرّب الشوقُ دارًا وهي نازحة من عالج الشوق لم يستعِدِ الدارا
وأصله قول الأعرابي:
بعيدٌ على كسلان أو ذي ملالةٍ فأما على ذي حاجةٍ فريبُ
أبو الطيب:
نضحتُ بذِكراكُم حرارةَ قلبها فسارتْ وطولُ الأرضِ في عينها شِبر
وله:
يرمي بها البلدَ البعيد مظفرٌ كلّ البعيدِ له قريبٌ داني
وله:
كن حيثُ شئْت فما تحولُ تنوفةٌ دون اللقاءِ ولا يشِطّ مزارُ
مسلم:
[ ٣١٥ ]
بارزتُه وسلاحُه خلخالُه حتى فضضْتُ بكفّيَ الخَلخالا
أبو الطيب:
من طاعِني ثُغَرَ الرجالِ جآذرٌ ومنَ الرماحِ دمالِجٌ وخلاخِلُ
والغرض غير الأول؛ لكنهما جعلا الخلخال سلاحًا.
أبو تمام:
ويضحكُ الدهرُ منهم عن غطارفةٍ كأنّ أيامهُم من أنسِها جُمَعُ
أبو الطيب:
لقد حسُنَت بك الأوقاتُ حتى كأنك في فمِ الدهرِ ابتِسامُ
فزاد وأحسن؛ على أن أبا تمام لم يقصّر.
بعض العرب:
إذا نحنُ أدْلجْنا وأنت أمامَنا كفى لمطايانا بريّاكَ هادِيا
نقله أبو العتاهية الى المدح فقال:
ولو أنّ ركْبًا يمّموكَ لقادَهم نسيمُك حتى يستدِلّ به الرّكْبُ
وتبعه أبو الطيب فقال:
[ ٣١٦ ]
أدلّتُها رياحُ المسكِ فيه إذا فتحَتْ مناخِرَها انتِشاقا
الخنساء:
وما بلغ المُهدون نحوَك مِدحةً وإنْ أطنَبوا إلا وما فيك أفضلُ
أبو نواس:
إذا نحن انثنَيْنا عليك بصالحٍ فأنت كما نُثني وفوقَ الذي نُثني
أشجع:
وما ترك المُدّاح فيك مقالة ولا قال إلا دون ما فيك قائلُ
أبو الطيب:
ويبقى ضِعفُ ما قد قيلَ فيه إذا لم يتّرِكْ أحدٌ مقالا
إياس الكِلابي:
فإن تكُ في عديدِكم قليلُ فإنا في عدوّكُمُ كثيرُ
أبو الطيب:
كثيرٍ إذا شدّوا قليلٍ إذا عُدّوا
خالد الكاتب:
[ ٣١٧ ]
صبًا كئيبًا يتشكّى الهوى كما اشتكى نصفُك من نصفِكا
أبو الطيب:
ظَلومٌ كمَتنَيها لصبٍّ كخصْرِها ضعيفُ القوى من فعلِها يتظلّمُ
فأما المصراع الثاني فمشهور متداول.
عبد الله بن الحسن العلَوي، وهو متداول:
يُحسَبن من لين الكلام زَوانِيًا ويصدّهنّ عن الخَنا الإسلامُ
أبو الطيب:
بيضاءُ تُطمِعُ فيما تحت حُلّتها وعزّ ذلِك مطلوبًا إذا طُلِبا
بشار:
وقد عركت بتدمُر خيلُ قيس وكان لتدمُرٍ فيها دمار
أبو الطيب:
وليس بغيرِ تدمُر مستَغاتٌ وتدمرُ كاسْمِها لهُمُ دمارُ
أبو العتاهية:
فما آفةُ الآجالِ غيرُك في الوغى ولا آفةُ الأموالِ غيرُ حِبائكا
أبو الطيب:
[ ٣١٨ ]
ولا موتَ إلا من سنانِك يُتّقى ولا رِزقَ إلا من يمينك يُقسَمُ
أبو العتاهية:
بدت بين حورٍ قِصارِ الخُطا تجاهِدُ بالمشْي أكفالَها
أبو الطيب:
بانوا بخُرعوبَةٍ لها كفَلٌ يكادُ عندَ القيامِ يُقعِدُها
أبو نواس:
ألا يا بْنَ الذي فنوا وبادوا أما والله ما بادوا لتبقى
أبو الطيب:
نحن بنو الموتى فما بالنا نعافُ ما لا بدّ من شُربِه
وأصله لمتمّم بن نويرة:
فعدوْت آبائي الى عرقِ الثّرى فدعوتُهُم فعلمتُ أنْ لم يسمَعوا
ولقد علمْتُ ولا محالةَ أنّني للحادِثات فهل تَريْني أجزَعُ
[ ٣١٩ ]
بعض العرب:
وإنما القرْمُ من الأفيلِ وسُحقُ النّخلِ من الفَسيل
أبو الطيب:
فأول قُرّحِ الخيل المِهارُ
أبو نواس:
تبكي فتُذري الدُرّ من نرجِسٍ وتلطِمُ الوردَ بعنّابِ
ابن الرومي:
كأنّ تلكَ الدموعَ قطرُ ندًى يقطُرُ من نرجسٍ على ورْدِ
أبو الطيب:
وتمسَحُ الطّلَّ فوق الوردِ بالعنَمِ
أبو نواس:
فهْي إذا سميَتْ فقد وُصفَتْ فيجمَعُ الإسمُ معنَيْن معا
[ ٣٢٠ ]
فقلبه أبو الطيب فقال:
ومَن يصِفْك فقد سمّاك للعَرَبِ
منصور النّمَري:
من كلّ سمْحِ الخُطى وكلّ يعمَلةٍ خُرطومُها باللُّغامِ الجعْدِ ملتَفِعُ
أبو الطيب:
وهل أرمي هوايَ براقِصاتٍ مُحلاّةِ المقاودِ باللُّغامِ
الخُريمي:
شفعتْ مكارمُه لهُم فكفتْهُم جهدَ السؤال ولُطفَ قولِ المادح
أبو تمام:
طوى شِيمًا كانت تروحُ وتغتدي وسائِلَ من أعيتْ عليه وسائِلُهْ
أبو الطيب:
إذا عرضَتْ حاجٌ إليه فنفْسُه الى نفسِه فيها شفيعٌ مشفَّعُ
[ ٣٢١ ]
الخُرَيمي:
صبرْتُ فكان الصبرُ خيرَ مغبّةٍ وهل جزَعٌ أجدى عليّ فأجزَعُ
أبو الطيب:
وهان فما أبالي بالرّزايا لأني ما انتفعْتُ بأنْ أبالي
العباس:
لا تحسبنّي عنكمُ مقْصِرًا إني على حبّكم مطبوعُ
أبو الطيب:
يُراد من القلب نسيانُكم وتأبى الطباعُ على النّاقِلِ
أحمد بن طاهر:
وأبوهم أبو الصنائع عندي حين أعتدّ بالصنائع عندي
أبو الطيب:
فكم وكم نِعمةٍ مجلّلةٍ ربّيتَها كان منكَ مولدُها
فأخذ الولادة وزاد فيه ربيته وهو حسن.
أبو تمام:
ثمّ انقضتْ تلك السّنون وأهلُها فكأنّها وكأنهم أحلامُ
وهو كثير مشهور: أبو الطيب:
[ ٣٢٢ ]
نصيبُك في حياتك من حبيب نصيبُك في منامك من خيالِ
أبو طاهر:
خلائِقُكم للمكرُمات مناسِب تناهى إليها كلّ مجدٍ مؤثّل
نقله أبو الطيب فقال:
ويُغنيكَ عما ينسُبُ الناس أنه إليك تناهى المكرُماتُ وتُنسَبُ
أبو هفّان:
وزادَه عجَبًا أن رُحتُ في سمَلٍ وما درَتْ دُرُّ أنّ الدرَّ في الصّدَفِ
نقله أبو الطيب فقال:
لو كان سُكناي فيكَ منقصةً لم يكن الدرّ ساكنَ الصّدفِ
أبو العتاهية:
هب لي أمينَ الله من بعضِ ما ملّككَ الرّحمنُ من نفْسي
أبو الطيب:
فاغفِر فدًى لك واحبُني من بعدِها لتَخُصّني بعطيّةٍ منها أنا
ونحوه:
له أيادٍ إليّ سابقةٌ أعدّ منها ولا أعدِّدُها
[ ٣٢٣ ]
البحتري وهو كثير مشهور:
من قهوةٍ تُنسي الهمومَ وتبعث الشّوْ قَ الذي قد ضلّ في الأحشاءِ
أبو الطيب:
رأيتُ المُدامةَ غلاّبةً تهيّجُ للقلب أشواقَهُ
البحتري:
كلّ الذي تبغي الرجال تُصيبُه حتى تبغّي أن ترى شرْواهُ
وله مثله:
ولئن طلبْتُ شبيهَهُ إني إذًا لمكلِّفٌ طلبَ المحال ركابي
نقله أبو الطيب فقال:
وما عزّه فيها مُرادٌ أراده وإنْ عزّ إلا أن يكون له مثلُ
فزاد؛ لأنه بيّن وجهين من المدح: أحدُهما وصفُه بالاقتدار والتمكّن من المراد، والثاني انفرادُه بالفضل عن الأمثال، وقد قال مقتصرًا على المعنى الأول:
أمُريدَ مثلِ محمدٍ في عصره لا تبلُنا بطلابِ ما لا يُلحَقُ
البحتري:
يتعثّرْن في النّحورِ وفي الأوْ جُه شُكرًا لمّا شربْن الدماءَ
أبو الطيب:
[ ٣٢٤ ]
تميل كأن في الأبطال خمْرًا عُلِلنَ اصطِباحًا واغْتِباقا
ثم نقله الى الخيل فقال:
ما زال طِرفُك يجري في دمائِهمُ حتى مشى بك مشيَ الشاربِ الثّملِ
ابن المعتز، وهو معنى مشهور، وهذا من مليح ما قيل فيه:
إنّا على البِعاد والتفرّق لنَلتقي بالذّكرِ إن لم نلتَقِ
أبو الطيب:
لنا ولأهلِه أبدًا قُلوبٌ تلاقَى في جُسومٍ ما تَلاقى
وله نحوه:
قرُب المزارُ ولا مزارَ وإنّما يغدو الجَنانُ فنلتقي ويروحُ
البحتري:
وأصفحُ للبلى عن ضوءِ وجهٍ غنيتُ يروعُني فيه الشّحوبُ
أبو الطيب:
وبالٍ كان يُفكِرُ في الهُزالِ
أبو تمام:
هم رهْطُ من أمسى بعيدًا رهْطُه وبنو أبي رجُلٍ بغيرِ بني أبِ
[ ٣٢٥ ]
أبو الطيب:
إذا تركَ الإنسانُ أهلًا وراءَه ويمّم كافورًا فم يتغرّبُ
وأصله قول الأول:
ومن تكرّمِهم في المحلِ أنهُمُ لا يعلم الجارُ فيهم أنه جارُ
مثله:
وما زال بي إكرامُهم وافتِقادُهم وإلطافهمْ حتى حسبتُهمُ أهلي
أبو تمام:
فلقَبلُ أظهرَ صقْلُ سيفٍ أثرَه فبَدا وهذّبَتِ النّفوسَ همومُها
أبو الطيب:
ويبقى على مرِّ الحوادثِ صبرُهُ ويبدو كما يبدو الفِرِندُ على الصّقْلِ
أبو تمام:
لها منزلٌ تحت الثرى وعهدتُها لها منزلٌ بين الجوانحِ والقلبِ
أبو الطيب:
فإن تكُ في قبرٍ فإنّك في الحشا
أبو تمام:
[ ٣٢٦ ]
قد قلّصَتْ شفتاهُ من حفيظَتِه فخيلَ من شدّة التّعبيسِ مبتسما
أبو الطيب:
إذا رأيت نيوبَ الليث بارزةً فلا تظنّن أن الليثَ يبتسمُ
البعيث:
وإنا لنُعطي المشرفيّة حقها فنقطَعُ في أيمانِنا وتقطّعُ
أبو تمام:
وما كنتَ إلا السيف لاقى ضريبةً فقطّعها ثم انثَنى فتقطّعا
المتنبي:
وهولٍ كشفْتَ ونصلٍ قصفْتَ ورُمحٍ تركْت مُبادًا مُبيدا
ثم أعاده فقال:
فتُسفِر عنه والسّيوفُ كأنما مضاربُها مما انفلَلْن ضرائِبُ
ثم أعاد وزاد؛ إذ جعل الحديد مقتولًا فقال:
قتلْت نُفوسَ العِدا بالحدي دِ حتى قتلْتَ بهنّ الحديدا
وكأنّه ألمّ في استعارة القتل للحديد بقول أبي تمام:
وما مات حتى مات مضرِبُ سيفِه من الضّربِ واعتلّتْ عليه القَنا السُمْرُ
[ ٣٢٧ ]
ثم كرره وزاد إذ جعله مقتولًا في جسم القتيل وجعل للسيوف آجالًا فقال:
القاتلُ السيفَ في جسمِ القتيلِ به وللسيوفِ كما للناس آجالُ
ثم أعاد وزاد تشبيهًا فقال:
ومنعفِرٍ لنصْلِ السيفِ فيه تواري الضّبِّ خافَ من احتِراشِ
وكأنه اقتدى في ترْكِ السيف في جسم القتيل بقول الحُصين بن الحُمام:
نطاردُهم نستنفِذُ الجُرد كالقَنا ويستنفِذون السّمهريَّ المقوَّما
قيل في تفسير قوله:
ويستنفِذون السّمهريَّ المقوّما
إنا نطعنهم فتبقى الرماح أو عواليها فيهم إذا أعجلونا بركْضِ الخيل عن انتزاعِها؛ وقيل غير ذلك. وقد قالت امرأة من بني عامر:
تعرفكم جزر الجزور رماحُنا ويمسِكْن بالأكبادِ مُنكسرات
وقد قيل في تفسيره: إن التماح تنكسر فتعلق بالأكباد عواليها.
وقد قال أبو الطيب:
نصرِّفُه للطّعْنِ فوقَ حواذِرٍ قدِ انقصفَتْ فيهنّ منهُ كِعابُ
[ ٣٢٨ ]
وقال، وقد زاد كأنه اخترع المعنى وإن كان يلاحظ بيت أبي تمام:
ونالتْ ثارَها الأكبادُ منه فأولَتْه اندقاقًا أو صُدوعا
سعيد بن حُميد:
جلّت يدُ الدهرِ عندي في اجتماعهما وإن أساء بنا في كلّ ما صنعا
أبو الطيب:
يدٌ للزمان الجمعُ بيني وبينه لتفريقِه بيني وبين النّوائب
وقد نقله الى معنى آخر فقال:
ولولا أيادي الدهْر في الجمْع بيننا غفَلْنا فلم نشعُر له بذُنوبِ
وكأنّه ألمّ في هذا المعنى بقول البحتري - وإن كان في الغرضين بعض الاختلاف:
تنسى أيادي الزّمانِ فينا فما نذْكرُ شيئًا منه سوى نُوَبِهْ
الكميت:
وكائِن في المعاشر من أناسٍ أخوهم فوقهم وهمُ كِرامُ
أبو الطيب:
كلّ آخائِه كِرامُ بني الدنْ يا ولكنّه كريمُ الكِرامِ
[ ٣٢٩ ]
أبو تمام:
مضى طاهرَ الأخلاق لم يبق بقعة من الأرض إلا واشتهَتْ أنها قبرُ
أبو الطيب:
وتغبِطُ الأرضُ منها حيثُ حلّ به وتحسُدُ الخيلُ منها أيّها ركِبا
غيره:
إن أجرَمَتْ لم تنصّلْ من جرائِمِها وإن أساءَت الى الأقوامِ لم تُلَمِ
أبو الطيب:
وجدْنا ابنَ إسحاقَ الحُسين كجدِّه على كثرةِ القتْلى برِيًّا من الإثم
أبو تمام:
مستَبسِلون كأنما مهَجاتُهم ليست لهم إلا غداةَ تسيل
ألِفوا المَنايا فالقتيلُ لديهمُ لم يُخَلّ العيش وهْو قتيلُ
ونحو هذا اللفظ قول أبو الطيب:
وكقتْلِه ألا يموتَ قَتيلا
[ ٣٣٠ ]
ومثله:
لا ييأسون من الدنيا إذا قُتِلوا
أبو الطيب:
ضربْتَه بصدورِ الخيلِ حاملةً قومًا إذا تلِفوا قُدْمًا فقد سلِموا
وله:
وفوارسٍ يُحيي الحِمامُ نُفوسَها فكأنها ليستْ من الحيوان
وأنا أرى أن هذا المعنى منقول من قول زهير:
تراهُ إذا ما جِئتَه متهلِّلًا كأنّك تعطيه الذي أنت سائلُه
لأن زهيرًا جعله يُسَر بالبذل حتى كأنه أخذ، وجعله هذا يسرع الى القتل حتى كأنّه حياة، فالمعنيان واحد في التحصيل، وقد قال أبو الطيب في معنى قول زهير:
من القاسمين الشُكْرَ بيني وبينهم لأنهم يُسْدَى إليهم بأن يُسْدوا
أبو تمام:
ويهتزّ مثلَ السيفِ لو لم تسُلَّهُ يدانِ لسلّتْه ظُباه من الغِمدِ
[ ٣٣١ ]
أبو الطيب:
وتكاد الظُبى لِما عوّدوها تنتَضي نفسَها الى الأعناق
زيد الخيل:
وأسمَر مرفوعٍ يرى ما أريْتُه بصيرٍ إذا صوّبْتُه بالمقاتِلِ
أبو تمام:
من كل أزرق نظّارٍ بلا نظَرٍ الى المقاتلِ ما في متنِه أودُ
أبو الطيب:
يرى حدُّهُ غامِضاتِ القُلوبِ إذا كنتُ في هبْوةٍ لا أراني
وقد زعموا أن قوله:
وقد صُغْتَ الأسنّة من هُمومٍ فما يخطُرْنَ إلا في فؤادِ
مأخوذ من هذا، ومن قول أبي تمام:
يظل فؤادًا للفؤاد سنانُه
ولا أبعد أن يكون قد لاحظه؛ لنّه قد أبرّ به على كل مخترع وسابق ومنفرد. والأقربُ عندي أن يكون مأخوذًا من قول أبي تمام:
كأنّه كان تِرْبَ الحبِّ مذْ زمنِ فليس يحجُبُه قلبٌ ولا كبِدُ
أبو تمام:
تجاوز غاياتِ العُقولِ رغائبٌ تكادُ بها لولا العِيان يُكذّبُ
[ ٣٣٢ ]
البحتري:
وحديث مجدٍ عنك أفرَط حُسنُه حتى ظننّا أنه موضوع
وأصله قول بعض العرب:
أحدّث من لاقيتُ يومًا بلاءَه وهم يحسبون أنني غيرُ صادق
أبو الطيب:
كرَمًا فلو حدّثْتَه عن نفسِه بعظيم ما صنَعتْ لظنّك كاذِبا
فأساء؛ لأنه جعله يستعظم فعله، وإنما الجيد قوله:
يستصغِرُ الخطَر العظيمَ لوفدِه ويظنّ دِجلةَ ليس تكفي شاربا
أبو نواس في الكئوس:
طالعات مع السُقاةِ علينا فإذا ما غرّبْنَ يغرُبْنَ فينا
أبو الطيب في السيوف:
طلعْنَ شُموسًا والغمودُ مشارقٌ لهنّ وهاماتُ الرجالِ مغارِبُ
فأما جعل السيوف شموسًا فكثير النابغة:
لَما أغفَلْتُ شكرَك فانتَصِحْني فكيف ومن عطائِكَ جُلّ مالي
ثم فسر فقال:
وإنّ تِلادي إنْ نظرتُ وشِكّتي ومُهري وما ضمّت إليّ الأناملُ
[ ٣٣٣ ]
حِباؤكَ والعيسُ العِتاقُ كأنّها هِجانُ المَهى تُحدَى عليها الرّحائلُ
أبو نواس:
وكلّ خيرٍ عندهُم من عندِه
وفسر أبو الطيب وشرح وملح:
أسيرُ الى إقطاعه في ثيابِه على طِرفِه من دارِه بحُسامِه
وما مطَرتنيه من البيضِ والقَنا ورومِ العِبِدَّى هاطِلاتُ غَمامِه
حاتم:
ومن يبتدِعْ ما ليس من خِيمِ نفسِه يدعْه ويغلبْه على النفس خِيمُها
وقال الأعور الشّنّي:
ومن يقترف خُلْقًا سوى خُلقِ نفسِه يدعْهُو تغلبْه عليه الطّبائعُ
إبراهيم بن المهدي:
من تحلّى شيمةً ليستْ له فارقَتْه وأقامتْ شيمتُه
أبو الطيب:
وأسرعُ مفعولٍ فعلْتَ تغيُّرًا تكلّفُ شيءٍ في طباعكَ ضدُّه
[ ٣٣٤ ]
وهذا المعنى متداول، وقد أكثر الناسُ فيه، وأشبهه بقول أبو الطيب قول الأعور الشّنّي:
وأدْوَم أخلاقِ الفَتى ما نَشا به وأقصَرُ أفعالِ الرجالِ البدائِعُ
المصراع الثاني هو بيت أبو الطيب بكماله.
طُفَيل:
وما أنا بالمُستَنِْر البيْن إنّني بذى لطَفِ الجيرانِ قِدْمًا مفجَّعُ
أبو الطيب:
وما استغرَبَتْ عيني فِراقًا رأيتُه ولا علّمتْني غيرَ ما القلبُ عالِمُه
المصراع الثاني من قول عديّ بن الرّقاع:
وعرفْتُ حتى لستُ أسأل عالِمًا عن حرفِ واحدةٍ لكيْ أزدادَها
ومن قوله الأعور:
لقد أصبحتُ ما أحتاج فيما بلوْتُ من الأمورِ الى السؤال
وقد كرره أبو الطيب فقال:
عرفتُ الليالي قبلَ ما صنعتْ بِنا فلمّا دهَتْني لم تزِدْني بها عِلما
أبو الطيب:
فلا يتّهمْني الكاشِحون فإنني رعيْتُ الرّدى حتى حلَتْ لي علاقِمُهْ
[ ٣٣٥ ]
وهو من قول الآخر:
وفارَقتُ حتى ما أحِنّ الى هوًى وإنْ بان جيرانٌ عليّ كِرامُ
وقد جعلتْ نفسي على النّأيِ تنطوي وعيني على فقْدِ الحبيبِ تنامُ
وهو معنى قوله حتى حلت لي علاقمه. ومثله قول المؤرِّج بن عمرو:
رُوِّعْتُ بالبين حتى ما أراعُ له وبالتفرّقِ من أهلي وجيراني
أو قول الخُريمي:
لقد وقرَتْني الحادثاتُ فما أُرى لنازلةٍ من ريْبها أتوجّعُ
وقد بسطه أبو الطيب وشرحه وزاد فيه تمثيلًا حسنًا فقال:
رماني الدهرُ بالأرْزاءِ حتى فؤادي في غِشاءٍ من نِبال
فصِرْتُ إذا أصابتْني سهامٌ تكسّرتِ النِّصالُ على النّصالِ
وقد تقدم ما يقارب هذا المعنى، وإن كنا أعدناه لتمييز أحدهما عن الآخر.
الطّرمّاح:
يفرّق منا من نحبّ اجتماعَه ويجمع منا بين أهلِ الضّغائن
آخر:
عجِبتُ لتطويح النّوى من أحبّه وإدْناءِ من لا يُستلذّ له قُربُ
[ ٣٣٦ ]
وهو كثير، وأصله لمضرِّس بن ربعي من قوله:
لعمرُك إني بالخليل الذي له عليّ دلالٌ واجبٌ لمفجّعُ
وإني بالمولى الذي ليس نافِعي ولا ضائِري ما ساءه لممتّعُ
فنقله أبو الطيب فأحسن وأطاب:
أما تغلَطُ الأيامُ فيّ بأن أرى بغيضًا تُنائي أو حبيبًا تقرِّبُ
يزيد المهلّبي، وهو معنى مشهور:
إن يُعجز الدهرُ كفّي عن جزائِكُمُ فإنني بالهَوى والشُكرِ مجتهدُ
أبو الطيب:
لا خيلَ عندَك تهديها ولا مالُ فليُسعِدِ النُطقُ إن لم تُسعِدِ الحالُ
وأصله قول الأول:
يَجزيك أو يُثْنى عليك وإنّ منْ أثنى عليك بما فعلتَ كمن جزَى
أبو العَمَيثل الأعرابي:
اصْدُقْ وعِفّ وبر واصْبِر واحتمِلْ واصفَحْ ودارِ وكافِ وابذُل واشْجُعِ
أبو الطيب:
أقلْ أنِل أُنْ صنِ احمِلْ علِّ سلِّ أعِدْ زِدْ هشَّ بَشَّ هبِ اغفرْ أدْنِ سُرَّ صِلِ
فزاد، وأصل هذه الطريقة قول امرئ القيس:
[ ٣٣٧ ]
أفاد وجادَ وسادَ وزاد وقاد وعادَ وأفضَلْ
الحُصين بن الحمام:
تأخرتُ أستَبقي الحياةَ فلم أجِدْ لنفسي حياةً مثلَ أنْ أتقدّما
أبو الطيب:
فحبُّ الجبانِ النّفْسَ أوردَه التُقى وحبّ الشُجاعِ النّفسَ أوردَهُ الحرْبا
سعيد بن حُميد:
يا ليلُ لو تَلْقى الذي ألقى به أو تجدُ
قصّرَ من طولِك أو أضعفَ منك الجلدُ
نقله أبو الطيب فقال:
كأنّ الليلَ قاسى ما أُقاسي فصارَ سوادُه فيه شُحوبا
علي بن محمد البسّامي:
منْ كان في الدنيا له شارةٌ فنحن من نظّارة الدنيا
نرمُقها من كثَبٍ حسرةً كأنّنا لفظ بلا معنى
أبو الطيب:
والدهرُ لفظٌ وأنت معناهُ
[ ٣٣٨ ]
بعضهم:
وأُسَرُّ في الدُنيا بكلِّ زيادةٍ وزيادَتي فيها هوَ النّقْصُ
أبو الطيب:
زيادةُ شيب وهي نقْصُ زيادتي وقوّةُ عِشقٍ وهيَ من قوّتي ضعفُ
ومثله له:
متى ما ازددْتُ من بعدِ التناهي فقد وقع انتِقاصي في ازْدياد
علي بن الجهم في صفة الشعر، وهو معنى مشهور:
فصار مسيرَ الشمسِ في كل بلدة وهبّ هبوبَ الريح في البرّ والبحرِ
أبو الطيب:
قوافٍ إذا سِرْنَ عن مِقولي وثبْنَ الجبال وخُضْنَ البِحارا
وله مثله:
إذا قُلتُه لم يمتنِعْ من وُصولِه جدارٌ معلَّى أو خِباءٌ مطنّبُ
وأصله قول عنترة بن الأخرس:
ألم تر أنّ شِعري سار عنّي وشِعرَك حولَ بيتك ما يسير
[ ٣٣٩ ]
ابن الرومي:
وما ازْدادَ فضلٌ فيك بالمدْح شُهرةً بلى؛ كان مثل المِسك صادفَ مِخْوضا
أبو الطيب:
وذاك النّشر عِرضُك كان مسْكًا وهذا الشعرُ فهْري والمَداكا
الحادرة:
فأثنوا عليْنا لا أبا لأبيكُمُ بأحسابنا إن الثّناء هو الخُلدُ
غيره:
ردّت صنائِعُه عليهِ حياتَه كأنهُ من نشرِها منشورُ
أبو تمام:
سلَفوا يرَوْن الذّكْرَ عيشًا ثانيًا ومضَوْا يعدّون الثّناءَ خُلودا
أبو الطيب:
كفَلَ الثّناءُ له بردِّ حياتِه لما انْطوى فكأنّه منشورُ
وكأنّما عيسى ابنُ مريمَ ذكرُه وكأن عازَر شخصُه المقبورُ
وكرره فقال:
[ ٣٤٠ ]
فإنّ له ببطنِ الأرضِ شخصًا جديدًا ذِكرُناهُ وهو بالي
بعض العرب:
وقاسَمَني دهْري بنيَّ بشطْرِه فلما تقضّى شطرُهُ عادَ في شطْري
أبو الطيب:
قد كان قاسمَك الشّخصين دهرُهُما وعاش دُرُّهُما المفدِيُّ بالذّهبِ
وعاد في طلبِ المتروكِ تاركُه إنّا لنغفُلُ والأيامُ في الطّلبِ
ومثل المصراع الأخير قولُ النمِر بن تولَب:
تدارك ما قبل الشباب وبعده حوادث أيام تمرّ وأغفُلُ
بعض المُحدَثين:
وما فسدَتْ لي يشهدُ الله نيّةٌ عليك بلِ استفْسَدْتَني فاتّهَمْتني
أبو الطيب وأحسن غاية الإحسان:
إذا ساءَ فعلُ المرءِ ساءتْ ظُنونه وصدّقَ ما يعتادُه من توهُّمِ
وعادى محبّيه بقولِ عُداتِه وأصبحَ في ليلٍ من الشكِّ مُظلِمِ
بعض العرب:
لمّا رأوهُم لم يُحسّوا مُدرِكًا وضعوا أناملَهُم على الأكباد
أبو الطيب:
[ ٣٤١ ]
ظَلْتَ بها تنطَوي على كبِدٍ نضيجةً فوقَ خِلبِها يدُها
يحيى بن زياد:
دفَعْنا بكَ الأيامَ حتى إذا أتتْ تُريدُك لم تسْطِع لها عنك مدفعا
أبو الطيب:
ما زِلْت تدفعُ كلّ أمرٍ فادِحِ حتى أتى الأمرُ الذي لا يُدفَع
أبو تمام:
محاسنُ من مجدٍ متى يقرِنوا بها مناقبَ أقوامٍ تكُنْ كالمَعايبِ
أبو الطيب:
شادوا مناقبَهم وشِدْتَ مناقبًا وُجِدَتْ مناقبُهم بهنّ مثالِبا
الحطيئة:
قومٌ همُ الأنفُ والأذنابُ غيرُهُم ومن يسوِّي بأنفِ النّاقةِ الذّنَبا
المتنبي:
قصدْتُك والرّاجون قصْدي إليهِمُ كثيرٌ ولكنْ ليسَ كالذّنَبِ الأنفُ
[ ٣٤٢ ]
الحُصين بن الحمام:
ولما رأيت الودَّ ليس بنافعي عمدْتُ الى الأمر الذي كان أحْزَما
أبو الطيب:
إذا لم تُجزهُم دارَ قومٍ مودّةٌ أجازَ القَنا والخوفُ خيرٌ من الودِّ
والعرب تقول: رهَبوت خير من رحَموت؛ أي أن تُرهِب خير من أن ترحَم بعض العرب:
ولا خيرَ في حسن الجُسوم ونُبلِها إذا لم تزِنْ حُسنَ الجُسومِ عقولُ
عمرو بن معدي كرِب:
ليسَ الجمالُ بمئزرٍ فاعْلَم وإنْ رُدّيَت بُرْدا
إن الجمالَ معادنٌ ومناقبٌ أورثْنَ مجْدا
العباس بن مِرداس؛ ويروى لربيعة بن ثابت الرّقي:
فما عِظَمُ الرجالِ لهُم بفخْرٍ ولكنْ فخرُهُم كرمٌ وخيرُ
أبو الطيب:
وما الحُسنُ في وجهِ الفتى شرَفًا له إذا لم يكنْ في فِعلِه والخلائِق
ومثله له في وصف الخيل:
إذا لم تُشاهِدْ غيرَ حُسنِ شياتِها وأعضائِها فالحُسنُ عنكَ مغيَّبُ
[ ٣٤٣ ]
وقريب منه قوله:
يحبُّ العاقلونَ على التّصافي وحبُّ الجاهلينَ على الوسامِ
بعض العرب:
ولستُ وإن أحببتُ من يسكُنِ الغَضا بأولِ راجِ حاجةً لا ينالُها
أبو الطيب:
وليس بأولِ ذي همّةٍ دعتْهُ لِما ليسَ بالنّائِلِ
جابر بن حيّان:
وإنْ يقتسِمْ مالي بنيَّ ونسوتي فلم يقسِموا خُلُقي الكريمَ ولا فِعلي
أبو تمام:
وانفَحْ لنا من طيب خيمِك نفحةً إن كانتِ الأخلاق مما يوهَبُ
أبو الطيب:
إذا طلبوا جدْواكَ أُعطوا وحُكِّموا وإن طلَبوا المجدَ الذي فيك خُيِّبوا
ولو جاز أن يحْووا عُلاك وهبْتَها ولكَنْ منَ الأشياءِ ما ليسَ يوهَبُ
[ ٣٤٤ ]
بعض العرب:
لا أُمسِكُ المالَ إلا ريْثَ أُتلِفُه ولا تغيّرُني حالٌ الى حالِ
أشجع:
تغيِّرُ الأيامُ حالاته وجودُه باقٍ على حال
أبو الطيب:
وحالاتُ الزّمانِ عليكَ شتّى وحالُك واحدٌ في كلِّ حالِ
أبو تمام:
همّةٌ تنطحُ النّجومَ وجدٌّ آلِفٌ للحضيضِ فهو حضيضُ
أبو الطيب:
أبدًا أقطَعُ البلادَ ونجْمي في نُحوسٍ وهمّتي في سُعودِ
أبو تمام:
وما زال منشورًا عليّ نوالُه وعندي حتى قد بقيتُ بلا عندِ
أبو الطيب:
ويمنعني ممّن سوى ابنِ محمدٍ أيادٍ له عندي يضيقُ بها عندُ
[ ٣٤٥ ]
أبو تمام:
يمدّون بالبيضِ القواطعِ أيديًا وهنَّ سواءٌ والسّيوفُ القواطعُ
نقله أبو الطيب فقال:
هُمامٌ إذا ما فارقَ السيفُ غمدَه وعاينْتَه لم تدْرِ أيُّهما النّصْلُ
أبو تمام وهو كثير:
قد نبَذوا الحَجَفَ المحبوك من زؤدٍ وصيّروا هامهم بل صُيِّرَتْ حَجَفا
أبو الطيب:
تقي جبَهاتُهُم ما في ذُراهُم إذا بشِفارِها حَمِيَ اللّطامُ
أبو تمام:
ولكَمْ عدوٍّ قال لي متمثّلًا وكم من ودودٍ ليس بالمودودِ
أبو الطيب:
هو الحبيبُ ولكنّي أعوذ به من أنْ أكونَ محبًّا غير محبوبِ
أبو تمام:
ملْقى الرّجاء وملْقى الرَّحْل في نفر الجودُ عندهُمُ قولٌ بلا عمَل
[ ٣٤٦ ]
وله:
وأقلُّ الأشياءِ محصولَ نفْعٍ صحةُالقول والفَعالُ مريضُ
وهو كثير. قال أبو الطيب:
جودُ الرّجالِ من الأيدي وجودُهُمُ من اللسانِ فلا كانوا ولا الجودُ
وقال في أخرى:
ونُعْمى الناسِ أقوالُ
وقال في أخرى:
أرى أناسًا ومحصولي على غنَمٍ وذكرَ جودٍ ومحْصولي على الكلِمِ
وقد يزعم بعضُ من يذهب على تمييز السّرَق أن المِصْراع الأول مأخوذٌ من قولهم: فلان بهيمة وحمار. ومن قول النّمَري:
شاءٌ من الناس راتع هامِلُ
ومن قول السّيد:
قد ضيّع اللهُ ما جمّعتُ من أدبٍ بين الحَميرِ وبين الشّاءِ والبقَرِ
قال أبو الحسن: وهذا البيت يروى للمخيم الراسي. قال: والجماعة اعتمدَتْ فيه على قول الله ﷿: (إنْ هُمْ إلا كالأنْعامِ بل هُمْ أضلُّ)، وهذا كما زعم الصولي أن قول البحتري:
[ ٣٤٧ ]
عليّ نحْتُ القوافي من مقاطِعها وما عليّ إذا لم تفهم البقرُ
مأخوذ من قول أبي تمام:
لا يدْهمنّك من دهمائهم نفر فإنّ جلَّهم بل كلهم بقرُ
هذا مع اتساعه في الدعاوى، وتحققه عند نفسه بنَقْد الشعر، وادعائه أن أحدًا لم يسبقه الى هذا العلم، وأنه طريق لم تُسلَك قبلَه، وباب لم يزلْ مستغلقًا حتى افتتحه؛ كأنْ لم يعلم أن العقلاء منذ كانوا يسمّون البليدَ الغبي حمارًا أو بقرة.
وإذا استْبعدوا ذهن مخاطَب واستخفوا فطنه منازع قالوا: هذا ثور وتيْس؛ حتى شاع ذلك على أفواه العامة وألْسن النّساء والصبيان. وكيف يُدّعى في هذا السَّرق! ومن جعل بعضَ الناس أولى به من بعض وهم فيه شرَعٌ واحد! وأي ذهن يغيب عنه ذلك حتى يفتقر الى الاعتماد فيه على غيره والاستمداد ممّن تقدم قبله! وإنما يصحّ في مثل هذا الأخذ إذا أضيفتْ إليه صنعةُ لفظ، أو وُصِل بزيادة معنى، كبيت البحتري فإنّه لم يرض أن يقول: القوم بقر وبهائم؛ كما قال أبو تمام حتى قال:
عليّ نحتُ القوافي من مقاطعها
أي عليّ أن أجيد وأبدِع وأتأنّق في شعري، وما عليّ إفهام البقر؛ فهذه زيادة يصح فيها نقد وسرِقة، وأما بيتُ أبو الطيب فليس إلا صريح التمثيل المتداول الذي عرفناك انتفاء هذه الدعوى عنه.
[ ٣٤٨ ]
أبو تمام:
وكأنّما نافسْتَ قدْرَك حظَّهُ وحسدْت نفسَك حين أن لم تُحسَدِ
أبو الطيب:
يحدّثُ عن قلبِه مُكرَهًا كأنّ لهُ منهُ قلبًا حَسودا
إن كان فيه أخذٌ ففي اللفظ، ومثله قد يؤخذ؛ فأما المعنيان فمختلفان، لأن أبا تمام أراد أنك نافستَ قدرَك، وحسدْت نفسَك، فطفِقتَ تُناهي في شرف الفعل، وتَزيد على كلِّ غاية تصلُ إليها، وإن كنتَ فيها منقطعَ القرين فائت الشأو، وأبو الطيب يقول: كأن قلبك يحسُدُك على فضائلك فهو يكره أن يستقبل بذكرها. وهذا نوع آخر من المديح وفي غير المذهب الأول؛ لكنهما اجتمعا في حسَدِ النفس والقلب.
أبو تمام:
خابَ امرؤٌ بخِسَ الحوادثُ سعيَه فأقامَ عنكَ وأنت سعدُ الأسعُدِ
أبو الطيب:
عجْزٌ بحُرٍّ فاقَةٌ ووراءَهُ رِزْقُ الإلهِ وبابُك المفتوح
أبو تمام:
فالمشْيُ همْسٌ والنِّداءُ إشارةٌ خوفَ انتقامِك والحديثُ سِرارُ
[ ٣٤٩ ]
أبو الطيب واقتصر على ذكر المشي فقال:
قصرَتْ مخافتَهُ الخُطا فكأنّما ركبَ الكميُّ جوادَهُ مشكولا
ونحوه له:
فلم يسرَحْ لهم في الصُبْحِ مالٌ ولم توقَدْ لهُم بالليلِ نارُ
الحُصَين بن الحِمام:
فلستُ بمبتاع الحياةِ بذلّةٍ ولا مُرتَقٍ من خشية الموت سُلَّما
تأبط شرًا:
هُما خُطّتا إمّا إسارٌ وذلّةٌ وإما دمٌ، والقتلُ بالحرِّ أجملُ
بشار:
ولَلموتُ خيرٌ من حياة على أذى يضيمك فيها صاحب وتراقبه
وقد أكثر الناس وتصرفوا في أمثلته.
أبو الطيب:
ذلّ من يغبِطُ الذّليلَ بعيشٍ رُبّ عيشٍ أخفُّ منهُ الحِمامُ
[ ٣٥٠ ]
وله:
عِشْ كريمًا أو متْ وأنت عزيزٌ بين طعنِ القنا وخفْقِ البُنودِ
وقد أعاده فزاد وأحسن فقال:
تغُرُّ حلاواتُ النفوسِ قلوبَها فتختارُ بعضَ العيش وهُو حِمامُ
وشرُّ الحِماميْنِ الزّؤامين عيشةٌ يذِلُّ الذي يختارُها ويُضامُ
ونحوه له:
وأمَرُّ مما فرّ منهُ فِرارُهُ وكقتْلِه أن لا يموت قَتيلا
والمصراع الثاني من قول أبي تمام - وقد قدمناه:
ألِفوا المَنايا فالقتيلُ لديهُمُ من لم يُخَلِّ العيشَ وهْو قتيلُ
ونحوه قول المتنبي:
فاطْلُبِ العزَّ في لظًى وذرِ الذ لّ ولو كان في جِنانِ الخُلودِ
وهو من قول الناس: النار ولا العار.
ومثل الأول قوله:
لقيتُ القَنا عنهُ بنفْسٍ كريمةٍ الى الموت في الهيجا من العار تهرُب
الأهْتم بن سِنان:
وما كلّ من يغْشى القِتالَ بميّتٍ ولا كلُّ منْ يرْجو الإيابَ بسالِم
زياد الأعجم:
مات المغيرةُ بعد طولِ تعرُّضٍ للقتل بين أسنّةِ وصفائح
[ ٣٥١ ]
والقتلُ ليس الى القِتال ولا أرى سببًا يؤخَّرُ للشّفيق الناصح
أبو الطيب:
وقد يترُك النفسَ التي لا تهابُه ويخترِمُ النّفْسَ التي تهيَّبُ
وله:
يُقتَل العاجزُ الجبانُ وقد يعْ جِزُ عن قطعِ بُخْنُقِ المولودِ
ويوقَّى الفتى المِخَشُّ وقد خوّ ضَ في ماءِ لبّةِ الصّنديدِ
بعض العرب:
إني لأستُر ما ذو العقلِ ساترُه من حاجةٍ وأُميتُ السرَّ كِتْمانا
عِمران بن حِطّان:
وكنتُ أجُنَّ السرَّ حتى أميتَه وقد كان عندي للأمانةِ موضِعُ
أبو الطيب:
وسرُّكُم في الحَشا ميّتٌ إذا أُنشِرَ السرُّ لا يُنشَرُ
الأعور الشنيّ - وهو كثير:
إذا صبّحَتْني من أُناسٍ ثعالبٌ لأدفَع ما قالوا منحتُهُم حقْرا
أبو الطيب:
ويحتقِرُ الحُسّادَ عن ذكرِه لهُم كأنهُمُ في الخَلقِ ما خُلِقوا بعْدُ
[ ٣٥٢ ]
وله:
أبْدو فيسْجُدُ من بالسّوءِ يذكُرُني فلا أعاتِبُه صَفْحًا وإهْوانا
المصراع الثاني هو المعنى الأول، وقد كثر حتى خرج عن باب السّرق.
زياد الأعجم:
إنّ السماحةَ والمروءة ضُمِّنا قبْرًا بمَرْوَ على الطّريقِ الواضِح
أبو الطيب:
فيهِ الفصاحةُ والسّماحةُ والتُقى والبأسُ أجمَعُ والحِجا والخِيرُ
المؤرج التغلبي:
يغتابُ عِرضي خاليًا وإذا تلاقَيْنا اقشَعرّا
يُبدي كلامًا ليّنًا عِندي ويُخفي مُستَسِرّا
سويد بن أبي كاهل:
ويُحيّيني إذا لاقيتُه وإذا يخلو له لحْمي رتَعْ
ولأبي الطيب:
محسَّدُ الفصْلِ مكذوبٌ على أثَري
[ ٣٥٣ ]
الخُرَيميّ وهو مشهور وهذا من أملحه:
زاد معروفُك عندي عِظَمًا أنّه عندَك محقور صغير
تتناساهُ كأنْ لم تأتِهِ وهْو في العالم مشهورُ كثيرُ
قال أبو الطيب - وأحسن وتناهى في الإحسان:
تظنّ من فقدِك اعتِدادَهُمُ أنّهمْ أنعَموا وما علِموا
ذو الإصبع العدواني - وهو كثير:
أطافَ بنا ريْبُ الزّمان فداسنا له طائِفٌ بالصّالحين بصيرُ
البحتري:
ألم ترَ للنّوائبِ كيف تسْمو الى أهلِ النّوافِلِ والفضولِ
أبو الطيب:
أفاضِلُ الناس أغراضٌ لِذا الزّمنِ
ومثل هذا قوله:
أُعيذُكُم من صُروفِ دهرِكُم فإنّه في الكِرام متّهَمُ
ومن هذا المعنى قول أبي تمام:
إنْ ينتحِل حدَثانُ الدهرِ أنفُسَكُم ويُسلمُ الناسَ بين الحوْضِ والعطَنِ
فالماءُ ليس عجيبًا أنّ أطيبَهُ يفْنى ويمتدّ عُمرُ الآجِن الأسِنِ
[ ٣٥٤ ]
وهو ما روى عن النبي ﷺ من قوله: أعظَمُ الناس بلاءً الأمثَلُ فالأمثل.
مُزاحم العُقيلي:
وجوهٌ لو انّ المُدلجين اعتَشَوْا بها قطعْن الدجى حتى ترى الليلَ ينجَلي
أشجع:
ملكٌ بنورِ جبينِه يسْري وبحْرُ الليلِ طامِ
أبو الطيب:
فما زال لولا نورُ وجهِك جُنحُه ولا جابَها الرُكْبانُ لولا الأيانُقُ
المرّار بن سعيد، وقد وصف فلاةً ودليلها، وهو كثير عن العرب. وهذا من مليح ما جاء فيه:
يسْري الدليلُ بها خيفة وما بكآبته من خفاء
إذا هو أنكر أسماءَها وعيَّ وحُقَّ له بالعياء
له نظرتان مرفوعةٌ وأخرى تأمل ما في السِّقاء
وثالثة بعد طول الصمات إليّ وفي حلقه كالبُكاءِ
هُدبة:
يطلُّ بها الهادي يقلِّبُ طرْفَه منَ الهولِ يدْعو ويْلَهُ وهو خائف
[ ٣٥٥ ]
آخر:
إذا اجْتازَها الخرِّيتُ قال لنفسِه أتاك برجلي حائن كلُّ حائن
أبو الطيب:
يتلوّنُ الخِرّيتُ من خوفِ التّوَى فيها كما تتلوّن الحِرْباءُ
وملح في قوله:
كم مهمَهٍ قُذُفٍ قلبُ الدّليل به قلبُ المُحبِّ قضاني بعدَما مطَلا
ومن هذا المعنى قول دِعبِل:
إذا أُقحِمَ الرّكبان فيها تبتّلوا فمستغفر من ذنبه ومسبِّح
عبد الرحمن بن دارة وهو كثيرٌ عن العرب:
فإن أنتم لم تقتلوا بأخيكُم فكونوا بَغايا للخَلوق وللكحل
وبيعوا الرُدَينِياتِ بالحُلى واقعدوا على الذل وابتاعوا المغازل بالنّبْل
أبو الطيب:
إذا كنتَ ترْضى أن تعيشَ بذلّةٍ فلا تستعِدّنّ الحُسامَ اليَمانِيا
ولا تستطيلَنّ الرّماحَ لغارةٍ ولا تستجيدَنّ العِتاقَ المذاكِيا
أبو تمام:
كم نعمة للهِ كانت عندَه فكأنّها في غُربةٍ وإسار
[ ٣٥٦ ]
آخر:
لا يليقُ الغِنى بوجه أبي يعْ لَى ولا نورُ بهجةِ الإسلامِ
أبو الطيب:
والغِنى في يدِ اللّئيم قبيحٌ قدْرَ قُبحِ الكريمِ في الإمْلاقِ
أبو جُويرية العبْدي:
وبدأة مجدٍ لم تكُنْ فافْترعْتها الى كل أفْق تحتويها القصائدُ
البحتري:
وغرائب في المجد تعلم أنها من شاعرٍ أو عالم أو كاتبِ
وهو من قول أبي تمام:
وأرى سماحك يا بن وهب شاعرًا يلقى المديح من الندى بنقائص
أبو الطيب:
شاعِرُ المجدِ خِدْنُه شاعرُ اللّفْ ظِ كلانا ربُّ المعاني الدِّقاقِ
ومثل هذا المعنى بعينه قول أبي تمام:
غرُبَتْ خلائقُه وأغرَب شاعرٌ فيه فأحسنَ مُغرِبٌ في مُغرِبِ
وقد كرره أبو الطيب وخالف بين أمثلته فقال:
ترفّعَ عن عونِ المكارمِ قدرُه فما يفعَلُ الفَعْلاتِ إلا عذارِبا
[ ٣٥٧ ]
وقال:
يُريكَ من خلقِه غرائِبَهُ في مجدِه كيف يُخلَقُ النّسَمُ
فزاد في البيتين معًا وقال:
يمشي الكرامُ على آثارِ غيرهُمُ وأنتَ تخلُقُ ما تأتي وتبتَدِعُ
بعض المحدثين:
شخصَ الأنامُ الى جمالك فاستعِذْ من شرِّ أعيُنِهم بعيْبٍ واحدِ
مثله:
قد قلتُ حينَ تكاملَتْ وغدتْ أفعالُه زَيْنًا من الزّينِ:
ما كان أحوجَ ذا الكمالَ الى عيب يوقّيهِ من العيْنِ
أبو الطيب:
كأنّ الرّدى عادٍ على كل ماجدٍ إذا لم يعوِّذْ مجْدَه بعُيوبِ
ومثله:
فقل له لستَ خيرَ ما نثرَتْ وإنّما عوّذتْ بك الكَرَما
خوفًا من العينِ أن تُصابَ بها أصاب عينًا بها يُعان عَمى
[ ٣٥٨ ]
ذو الرمة:
رجيعةُ أسفارٍ كأنّ زِمامَها شُجاعٌ لدى يُسرى الذّراعينِ مُطرِقُ
أبو الطيب:
تُجاذبُ فرسانَ الصّباحِ أعنّةً كأنّ على الأعْناقِ منها أفاعِيا
وفي هذا البيت معنى يخرِجه عن اتباع البيت الأول، لأن ذا الرُمّة لم يزِدْ على التشبيه وليس هو الذي قصده أبو الطيب، وإن كان قد جرى في غرض بيته، وإنما أراد أنها لا تترك الأعنة تستقر في أيدي فرسانها، لما يزعجها من سوْرة المرَح، وحسن البقية بعد طول السُّرى؛ فكأنما الأعنة أفاعي تلدغ أعناقها إذا باشرتها، فيجاذبها الفارس فرسَه وهي تجاذبه إياها. وهذا غرض آخر ومقصد لم يتعرض له ذو الرمة.
بكر بن النّطّاح:
كأنك عندَ الكرِّ في حومةِ الوغى تفرُّ من الصّفِّ الذي من ورائِكا
أبو الطيب:
فكأنّه والطعْنُ من قُدّامِه متخوِّفٌ من خلفِه أن يُطعَنا
بكر بن النّطاح:
كأنّ المنايا ليس يجرين في الوغى إذا التقتِ الأبطالُ إلا برأيهِ
[ ٣٥٩ ]
أبو الطيب:
تغْدو المنايا فما تنفكّ واقفةً حتى يقولَ لها عودي فتندفِعُ
أبو نواس:
وقد غلبَتْها عَبرةٌ فدُموعُها على خدِّها حُمرٌ وفي نحرِها صُفرُ
أبو الطيب:
تبُلُّ الثّرى سودًا من المِسكِ وحدَه وقد قطرَتْ حُمرًا على الشّعَرِ الجثْلِ
أبو تمام:
فغرّبْتُ حتى لم أجِدْ ذكرَ مشرقٍ وشرّقتُ حتى قد نسيت المغاربا
أبو الطيب:
فشرّق حتى ليس للشرقِ مشرِقٌ وغرّب حتى ليس للغربِ مغربُ
البحتري:
لما أتاك يقودُ جيشًا أرْعنا يمشي عليْهِ كثافةً وجُموعا
فنقله أبو الطيب الى كثافة الرّهج فقال:
عقدَتْ سنابُكُها عليها عثْيَرًا لو تبتغي عنَقًا عليه لأمْكنا
[ ٣٦٠ ]
وقال ابنُ الرومي مثل هذا:
فلو حصبَتْهُم بالفضاء سحابةٌ لظلّ عليهِم حصبُها يتدَحْرَجْ
وتبعه أبو الطيب فقال:
يمنعُها أن يُصيبَها مطَرٌ شدّةُ ما قد تضايقَ الأسَلُ
مُسلم:
في عسكرٍ تشرقُ الأرضُ الفضاءُ به كالليلِ أنجُمُه القُضبانُ والأسلُ
أبو الطيب:
وكأنّما كُسي النهارُ به دُجى ليلٍ وأطلعَتِ الرّماحُ كواكِبا
وقد نقله الى مثال آخر فقال:
يزور الأعادي في سماء عجاجةٍ أسنّتُه في جانبَيها الكواكبُ
وقد ذكرنا أصله فيما تقدم.
الحصين بن الحِمام:
يطأْن من القتْلى ومن قِصَد القنا خَبارًا فما يجْرينَ إلا تجشُّما
أبو الطيب:
يطأن من الأبطال من لا حمَلْنَه ومن قِصَد المُرّان ما لا يقوَّمُ
وقد أخذ الشعراء هذا المعنى فتداولوه، ومنه قول أبي تمام:
[ ٣٦١ ]
حوافِرها مخضوبةٌ بدِمائه ومن غُنمِها تيجانُه وخلاخِلُه
ونحو هذا البيت قول أبي الطيب:
أجلّتُها من كلّ طاغٍ ثيابُه وموطئُها من كلّ باغٍ ملاغِمُهْ
وكرر المعنى فقال:
غزَوْتَ بها دورَ المُلوكِ فباشرَتْ سنابِكُها هاماتِهمْ والمغانِيا
ثم أعاد وزاد وأحسن فقال:
حتى انتهى الفرسُ الجاري وما وقعَتْ في الأرضِ من جيَفِ القتْلى حوافرُهْ
البحتري:
ولم أرَ أمثالَ الرّجالِ تفاوتتْ لدى المجدِ حتى عُدّ ألفٌ بواحدِ
أبو الطيب:
لما وزَنْتُ بك الدُنيا فمِلْتَ بها وبالورى قلّ عندي كثرةُ العددِ
البحتري:
وإنّ مُقامي حيثُ خيّمْت محنةٌ تخبِّرُ عن فهم الكرامِ الأجاودِ
أبو الطيب:
أنا الذي بيّن الإلهُ له ال أقدارَ والمرءُ حيثُما جعلَهْ
[ ٣٦٢ ]
البحتري وهو كثير:
صَحا واهتزّ للمَعرو فِ حتى قيلَ نشْوانُ
أبو الطيب:
وجاد فلوْلا جودُه غيرَ شاربٍ لَقيلَ كريمٌ هيّجَتْه ابنةُ الكرْم
عُمير بن جُعيْل:
يُثيران من نسجِ التراب قمي صيْنِ أسْمالًا ويرتديان
عديّ بن الرّقاع:
يتعاوران من الغُبار مُلاءةً هدْباءَ سابغةً هُما نسَجاها
أبو الطيب:
خافِياتِ الألوانِ قد نسجَ النّقْ عُ عليها براقِعًا وجِلالا
البحتري في السيف:
مُصْغٍ الى حكم الردى فإذا مضى لم يلتفتْ وإذا قضى لم يعْدِل
أبو الطيب ومثله كثير:
لمّا تحكّمتِ الأسنةُ فيهِمُ جارتْ وهنّ يجُرْنَ في الأحكامِ
أعشى باهلة:
لا يأمن الناس مُمْساه ومُصبَحه من كل أوْبٍ وإنْ لم يأتِ يُنتظَرُ
[ ٣٦٣ ]
خُزَر بن لوذان:
ودعوتَ جيشًا بالثغور محلّهم والجيشُ باسم أبيهمُ يُستَهْزمُ
ومثله قول الفرزدق:
لقوا مثلهم فاستهزَموه بدعوةٍ دعَوْها وكيعًا والجيادُ بهم تجري
يقول: إذا انتموا فَرِق القوم منهم فانهزموا.
وقد أكثر الناس في الرّعب، وتصرفوا. وروي عن النبي ﷺ أنه قال: نُصِرْتُ بالرعب.
قال أشجع:
كأنّ عليها من مخافة جعفَرِ كتائبهُ مبثوثة وجَحافِله
العَكوك:
غدا مجتمِع العزم له جُندٌ من الرُعْبِ
أبو تمام:
إلا تكُن حُصِرَتْ فقد أضحى لها من خوف قارِعة الحِصار حِصارُ
وله:
لو لمْ يُزاحِفْهُم لزاحَفَهم له ما في صدورهُمُ من الأوْجالِ
أبو الطيب:
إذ ما لم تُسِرْ جيشًا إليهم أسرْتَ إلى قلوبهمُ الهُلوعا
وله:
بعثوا الرُعبَ في قلوب الأعادي فكأنّ القتالَ قبل التّلاقِ
وله:
قد ناب عنكَ شديدُ الخوفِ واصطَنَعَتْ لك المهابةُ ما لا تصنَعَ البُهَمُ
[ ٣٦٤ ]
وله:
أبصَروا الطّعْنَ في القُلوب دِراكًا قبلَ أن يُبصروا الرّماحَ خَيالا
وله:
فهُمُ لاتّقائِه الدّهرَ في يوْ مِ نِزالٍ وليس يومَ نِزالِ
وله:
صيامٌ بأبواب القِباب جيادُهم وأشخاصُها في قلبِ خائِفهم تعْدو
وله:
تغيرُ عنه على الغاراتِ هيبتَهُ وما لهُ بأقاصي البرِّ إهْمالُ
عمرو بن الأهتم:
إذا المرءُ لم يُحبِبْك إلا تكرُّهًا يدلُّكَ من أخلاقِه ما يغالِبُ
وأصله قول زهير:
ومهما تكنْ عندَ امرئٍ من خليقة وإن خالَها تخفى على الناس تُعلم
أبو الطيب:
وللنّفسِ أخلاقٌ تدلّ على الفتى أكانَ سخاءً ما أتى أم تساخِيا
أبو تمام:
مفازَةُ صدْرٍ لو تطرّق لم يكن ليسلُكها فردًا سُلَيكُ المقانب
[ ٣٦٥ ]
وله:
ورُحْبَ صدْر لو انّ الأرض واسعةٌ كوُسعِه لم يضِقْ عن أهلِه بلَدُ
البحتري:
كريمٌ إذا ضاقَ الزمانُ فإنّه يضلُّ الفضاء الرّحبُ في صدرِه الرّحْبِ
وله:
ليس الذي ضلت تميمٌ وسطها الد هْناء لا بل صدرُك الدّهْنا
أبو الطيب:
شيَمُ الليالي أن تُشكّكَ ناقتي صدري بها أفْضى أم البيداء
وله:
تضيقُ عن جيشه الدُنيا ولو رحُبَتْ كصدرِه لم تبنْ فيها عساكِرُه
وله - وقد أساء:
وأنّك في ثوبٍ وصدرُك فيكما على أنه من ساحةِ الأرض أوسَعُ
وقلبُك في الدنيا ولو دخلَتْ بنا وبالجِنّ فيه ما درَتْ كيف ترجِعُ
[ ٣٦٦ ]
أبو تمام:
لما نطَقْتُ نطقتُ فيك بمنطِقٍ حقٍّ فلم آثَمْ ولم أتحوَّبِ
ولو امتدحتُ سواكَ كنتُ متى تضِقْ عنّي له صِدْقُ المقالةِ أكذِبِ
أبو الطيب:
وإنّ مديحَ الناسِ حقٌ وباطلٌ ومدحُك حقٌ ليس فيه كِذابُ
أبو تمام:
ولم أمدَحْكَ تفخيمًا لشعري ولكنّي مدحْتُ بكَ المديحا
أبو الطيب:
إذا خلعْتُ على عِرضٍ له حُلَلًا وجدُها منهُ في أبهى من الحُلَلِ
مطرز بن سبح:
فما أدرك الساعون فينا بوترِهم ولا فاتنا من سائر الناس واتر
الطّرمّاح:
إن نأخذ الناس لا تُدرَك أخيذَتُنا أو نطّلب نتعدى الحق في الطّلب
وهو كثير في شعر العرب؛ نقله أبو الطيب الى الدهر فقال:
تُفيتُ الليالي كلَّ شيءٍ أخذْتَه وهنّ لِما يأخُذنَ منكَ غوارِمُ
[ ٣٦٧ ]
أبو تمام:
قَفا سِندِبايا والمنايا مُشيحةٌ تهدَّى الى روحِ الكميِّ فتهتَدي
أبو الطيب:
هَوادٍ لأملكِ الجيوشِ كأنها تخيّرُ أرواحَ الكُماةِ وتنتَقي
وهذا المعنى هو الذي سبقت إليه العرب، فقال عبد يغوث بن صلاءة:
ولكنني أحمي ذِمار أبيكم وكان الرماحُ يخْتطفن المُحامِيا
فقالت امرأة من العرب:
وقالوا ماجدًا منكم قتَلْنا كذاك الرّمح بكففُ بالكريم
أشجع:
فما وجه يَحْيى وحدَه غاب عنهمُ ولكنّ يحْيى غاب بالخير أجمعا
أبو الطيب:
غاب الأميرُ فغاب الخيرُ عن بلدٍ كادت لفقْدِ اسمِه تبكي منابِرُه
فأما بكاء المنابر فمن قوله:
بكت المنابرُ من فَزارَةَ شجْوَها فاليوم من قيسٍ تضِجّ وتجزع
وقد قال موسى شهوات:
بكتِ المنابرُ يوم ماتَ وإنّما أبكى المنابرَ فقْدُ فارسِهنّهْ
ونحوه قول أبي الطيب:
[ ٣٦٨ ]
وأصبحَ مِصرٌ لا تكون أميرَه ولو أنّه ذو مُقلةٍ وفم بكَى
أشجع:
شدّ الخِطامَ بأنْفِ كلِّ مُخالفٍ حتى استقامَ له الذي لم يُخطَمِ
أبو الطيب:
وقد عايَنوه في سِواهُم وربّما أرى مارِقًا في الحرْبِ مصرَعَ مارق
ونحوه له:
فهُم حِزَقٌ على الخابور صرْعى بهمْ من شُرْبِ غيرهمُ خُمارُ
ونحوه له:
تلَفُ الذي اتّخذَ الجَراءَةَ خُلّةً وعظَ الذي اتّخذَ الفِرارَ خَليلا
أشجع:
وتنالُ منكَ بحدِّ مُقلَتِها ما لا يُنال بحدة النّصل
وهو كثير مشهور: أبو الطيب:
نفذَتْ عليّ السّابِريّ وربّما تندَقُّ فيه الصّعْدَةُ السّمْراءُ
[ ٣٦٩ ]
أشجع:
يسبِقُ الرّعْدَ بالنّوالِ كما يسْ بِقُ برْقَ الغيوثِ صوْبُ الغَمامِ
أبو الطيب:
وحالَتْ عطايا كفِّه دونَ وعدِه فليسَ لهُ إنجازُ وعْدٍ ولا مطْلُ
ونحوه له:
لقد حالَ بالسّيفِ دونَ الوعيد وحالتْ عطاياهُ دون الوُعودِ
ونحوه له:
واجْزِ الأميرَ الذي نُعْماهُ فاجئَةٌ بغيرِ قولٍ ونُعْمى الناسِ أقوالُ
وقد سبقه الى هذا اللفظ يزيد المهلّبي في قوله:
وكم لكَ نائِلًا لمْ أحتَسِبْهُ كما يُلقى مُفاجأةً حبيبُ
أشجع:
يُعطي زِمامَ الطّوعِ إخوانَه ويلْتَوي بالملِكِ القادرِ
أبو تمام:
جليدٌ على عتْبِ الخُطوبِ إذا عرَتْ وليس على عتْبِ الأخِلاّءِ بالجَلْدِ
أبو الطيب:
إني لأجْبُنُ عن فِراقِ أحبّتي وتُحسُّ نفسي بالحمامِ فأشجُعُ
ويزيدُني غضبُ الأعادي قسوةً ويلِمّ بي عتْبُ الصّديقِ فأجزَعُ
الخريمي، وقد تقدمه فيه جماعة من الشعراء:
[ ٣٧٠ ]
إذا أن لم تحْمِ القديمَ بحادثٍ من المجدِ لم ينفَعْكَ ما كان من قبْلُ
البحتري:
ولستُ أعتدّ للفتى حسَبًا حتى يُرى فعاله حسَبُه
أبو الطيب:
إذا لم تكن نفسُ النسيب كأصلِه فماذا الذي يُعني كرامُ المناصبِ
ومثله كثير؛ وله أمثلة؛ ومن قديم ما جاء فيه قول المتوكل الليثي:
لسْنا وإن كرُمَت أوائِلُنا يومًا على الأحْساب نتّكلُ
نبْني كما كانت أوائلُنا تبني ونفعلُ مثل ما فعَلوا
ومثل هذا قول أبي الطيب:
ولستُ بقانعٍ من كلِّ فضلٍ بأنْ أُعْزَى الى جدٍ هُمامِ
وقريب منهم قول بعضهم:
أبوك أبٌ حرٌ وأمكَ حرّةٌ وقد يلِدُ الحُرّان غيرَ نجيبِ
وقول الآخر:
لئنْ فخَرْت بآباء لهم شرفٌ لقد صدَقْتُ ولكنْ بئس ما ولَدوا
أبو الطيب:
أرى الأجْدادَ يغلِبُها كثيرٌ على الأولادِ أخلاقُ اللئامِ
الخُرَيمي:
كأنّ عليه الشُكرَ في كل نعمةٍ يقلدُنيها باديًا ويُعيدُها
أبو الطيب:
من القاسِمينَ الشُكْرَ بيني وبينهم لأنّهم يُسْدى إليهمْ بأنْ يُسْدوا
[ ٣٧١ ]
فشكري لهم شُكران: شُكرٌ على الندى وشكرٌ على الشُكرِ الذي وهبوا بعْدُ
وله:
إذا سألوا شكرْتَهُمُ عليهِ وإنْ سكَتوا سألتَهُم السّؤالا
علي بن جبلة - وقد جاء مثله في شعر العرب:
وما يشْفي صُداعَ الرّأْ سِ مثل الصارم العضْبِ
أبو الطيب:
إذا وصَفوا له داءً بثغْرٍ سقاهُ أسنّةَ الأسَلِ الطِّوالِ
علي بن جبلة:
به علِمَ الإعطاءَ كلّ مبخَّلٍ وأقدمَ يومَ الرّوْعِ كلّ جبانِ
أبو الطيب:
فيا أجبَن الفُرسانِ صاحِبْهُ تجتَرئُ ويا أشْجَع الشُجْعان فارقْهُ تفرَق
وله:
أضْرَتْ شجاعتُه أقصى كتائِبِه على الحِمامِ فما موتٌ يمرْهوبِ
علي بن جبلة:
فلوْ جزأ اللهُ العُلا فتجزّأتْ لكانت لكَ العينانِ والأُذنان
[ ٣٧٢ ]
أبو الطيب - وقد زاد وأحسن:
الجودُ عينٌ وفيك ناظرُها والبأسُ باعٌ وأنتَ يُمْناهُ
علي بن جبلة:
كأنهُمُ والرّماحُ شابكة أُسدٌ عليها أظلّتِ الأجمُ
أبو تمام:
آسادُ غِيلٍ مُخدَراتٌ ما لَها إلا الصّوارمُ والقَنا آجامُ
وله:
أُسْدُ العرينِ إذا ما الرّوعُ صبّحها أو صبّحَتْه ولكنْ غابُها الأسَلُ
أبو الطيب:
بنو العَفَرْنَى محطّةَ الأسدِ ال أُسْدُ ولكنْ رماحُها الأجمُ
ابن جبلة:
وما سوّدَتْ عِجْلًا مآثر عزمِهمْ ولكنْ بهم سادت على غيرها عِجْل
وهذا معنى سوء يقصّر بالممدوح، ويغضّ من حسَبه، ويحقِّر من شأن سلَفه، وإنما طريقةُ المدح أن يجعلَ الممدوحُ يشرُف بآبائه، والآباء تزداد شرفًا به، فيجعل لكل منهم في الفخْر حظًا، وفي المدح نصيبًا؛ فإذا حصَلت الحقائق كان النصيبان مقسومين عليهم؛ بل كان لكل فريق منهم، لأن شرف الوالد جزء من ميراثه،
[ ٣٧٣ ]
ومنتقل الى ولده كانتقال مالِه؛ فإن رُوعي وحُرِس ثبت وازداد، وإن أهمل وأضيع هلك وباد، وكذلك شرف الولد يعمّ القبيلة، وللوالد منه القِسم الأوفر، ولو اقتصر على قوله: بهم سادت على غيره عِجْل لوجد العُذر إليه مسلكًا، ولأمكن أن يقال: إن عِجْلًا تسود بهم وبأفعالها أيضًا فقد تسود القبيلة، وقد يجتمع للإنسان وجوه من الشرف كلها تقدّمه وتَشيد مجدَه وتسوِّده، فكأنهم مفاخر عِجْل التي تسود بها؛ لكنّه وعّر هذه الطريقة بقوله وما سوّدت عجلًا مآثر عزمهم فجعل الرجل خارجيًا بائنًا، لا حظّ له في حسب آبائه وشرفهم. وإنما الجيد ما قال زهير:
وما يكُ من خير أتوه فإنّما توارثَه آباءُ آبائِهِم قبلُ
وقد تجاوز هذا، فجعل الأبَ أوْلى بالشرف فقال:
يطلُبُ شأوَ امرأيْنِ قدّما حسنا نالا الملوكَ وبذّا هذه السّوَقا
هو الجوادُ فإن يلحَقْ بشأوِهِما على تكاليفِه فمثلُه لحِقا
أو يسبقاه على ما كان من مهَلٍ فمثل ما قدّما من صالح سبَقا
وجرى أبو الطيب على منهاج ابن جبَلة فقال:
ما بقومي شرُفْتُ بل شرُفوا بي وبنفسي فخرْتُ لا بجُدودي
فختم القول بأنه لا شرف له بآبائه. وهذا هجْوٌ صريح، وقد رأيتُ من يعتذر به فيزعم أنه أراد: ما شرفت فقط بآبائي، أي لي مفاخر غير الأبوة، وفيّ مناقبُ سوى الحسب. وباب التأويل واسع، والمقاصد مغيّبة، وإنما يُستشهد بالظاهر،
[ ٣٧٤ ]
ويتبع موقع اللفظ. فأما قوله:
وبنفسي فخرت لا بجدودي
فهو صالح؛ لأنه لم ينْفِ أن يكون له فيهم وبهم رتبة في الفخر، لكنه قال: أكتفي في افتخاري عليكم بنفسي فأفضلُكم ولا أفتقر الى مفاخر جدودي وأتركها وادعة موفورة؛ وقد صرح بهذا في قوله:
وإنما يذكرُ الجُدودَ لهم من نفَروه وأنفَذوا حِيَلَهْ
هُدْبة بن خشرَم:
وإني لأُخْلي للفتاةِ فراشَها وأصْرِمُ ذات الدلِّ والقلبُ آلِفُ
ومثله كثير.
أبو الطيب:
يرُدّ يدًا عن ثوبها وهْو قادِرٌ ويعْصي الهوى في طيفِها وهْو راقِدُ
أشجع:
فأصْبَح في لحْدٍ من الأرض ميتًا وكانت به حيًا تضيق الصّحاصح
أبو الطيب:
ومن ضاقَتِ الأرضُ عن نفسِه حرًى أن يضيقَ بها جِسمُهُ
[ ٣٧٥ ]
أبو عيينة:
تطيّبُ دُنيانا إذا ما تنفّستْ كأنّ فتيتَ المِسكِ في دورِنا هبّا
أبو الطيب:
تنفّسُ والعواصمُ منك عَشْرٌ فيُعرَفُ طيبُ ذلكَ في الهواء
حسّان:
إذا ما نضيْنا بأسيافنا جعلْنا الجماجمَ أغمادَها
وقد أكثر الناس فيه بعده. ومن مليحه قول الحماسي:
منابرُهن بطون الأك فّ وأغمادُهن رءوس الملوك
وقال أبو الطيب:
لعِلمِها أنها تصيرُ دمًا وأنّه في الرِّقاب يُغمدُها
صالح بن عبد القدوس:
عدوّكَ ذو العقلِ خيرٌ من الصّ ديقِ الوامِقِ الأحمَقِ
أبو الطيب:
ومن العداوةِ ما ينالُك نفعُه ومن الصّداقةِ ما يضرُّ ويؤلمُ
أمية بن أبي الصّلت:
أأذْكرُ حاجَتي أم قد كفاني حياؤكَ إنّ شيمتَك الحياءُ
[ ٣٧٦ ]
إذا أثنى عليك المرءُ يومًا كفاهُ من تعرُّضِه الثّناءُ
أبو بكر الخوارزمي:
وإذا طلبْتَ الى كريم حاجةً فلِقاؤه يكفيكَ والتّسليمُ
وإذا رآك مسلِّمًا عرَف الذي حمّلْتَه فكأنّه مزومُ
أبو الطيب:
وفي النّفسِ حاجاتٌ وفيك فطانةٌ سُكوتي بيانٌ عندَها وخطابُ
عُروة بن الورد:
أقسِّمُ جِسمي في جسوم كثيرة وأحسو قَراح الماءِ والماءُ باردُ
ألمّ به أبو الطيب فقال:
منافِعُها ما ضرّ في نفْعِ غيرها تغذّى وتَرْوى أن تجوعَ وأن تظْما
خداش بن زهير:
ولا أكونُ كمنْ ألْقى رحالَتَه على الحمارِ وخلّى صهوةَ الفرَس
نقله أبو الطيب فزاد وأحسن فقال:
من ركِبَ الثّورَ بعدَ الجوا دِ أنْكرَ أظْلافَهُ والغبَبْ
[ ٣٧٧ ]
بعضهم:
ورُحْتُ لا تحمِلُني أعواد سَرْجيَ مُسرَجا
أبو الطيب:
قُحٍّ يكادُ صهيلُ الخيلِ يقذِفُه من سرْجِه مرَحًا بالعزِّ أو طرَبا
علي بن جبلة:
أعطَيتَني يا وليّ الحمدِ مبتديًا عطيّةً كافأتْ مدحي ولم ترَني
ما شِمْتُ برقَك حتى نلتُ ريِّقَه كأنما كنتَ بالجدْوى تبادرُني
وهذا من جيده وجيّد شعرِ المحدثين، وهو واقع في كل اختيار عرضَ له أبو الطيب، فقال - وهو معنى متداول:
تهلّل قبلَ تسليمي عليهِ وألقى كيسَه قبلَ الوِساد
أبو تمام:
كأنّ السّحابَ الغُرَّ غيّبْن تحتَها حبيبًا فما تَرُقا لهنّ مدامِعُ
محمد بن أبي زرْعة:
كأن صبّيْن باتا طولَ ليلِهِما يستَمطِرانِ على غُدْرانِها المُقَلا
أبو الطيب:
[ ٣٧٨ ]
وكأنّ كلَّ سحابةٍ وكفَتْ بها تبكي بعيْنَي عُروةَ بنِ حِزامِ
أشجع:
إنّ خُراسان وإنْ أصبحَتْ ترفَعُ من ذي الهمّةِ الشّانا
لم يحْبُ هارونُ بها جعْفَرًا لكنّه حابَى خُراسانا
غيره:
والله ما فجعوك بالدّيوان إذ صرفوك بل فجَعوا بك الدّيوانا
أبو الطيب:
نهنّي بصورٍ أمْ نهنِّئها بكا وقل للذي صورٌ وأنتَ له لَكا
وما صغُر الأردُنّ والساحلُ الذي حُبيتَ به إلا الى جنْبِ قدْرِكا
بعضهم:
أتيتُ فؤادَها أشكو إليهِ فلم أخلصْ إليهِ من الزِّحامِ
أبو الطيب وهو منقول الى معنى آخر:
أبِنْتَ الدّهرِ عندي كلُّ بنْتٍ فكيْفَ وصلْتِ أنتِ من الزِّحام
عنترة بن الأخرس:
إذا أبصرْتَني أعرَضْتَ عني كأنّ الشمسَ من قِبَلي تدورُ
[ ٣٧٩ ]
أبو الطيب - وهو منقول عن غرَضه:
كأنّ شُعاع عين الشمسِ فيه ففي أبصارِنا عنه انكِسارُ
زياد العبْدي:
صفّان مختلفانِ حين تلاقيا آبا بوجهِ مطلَّق أو ناكح
مسلم:
إذا ما نكحْنا الحربَ بالبيضِ والقَنا جعلنا المنايا والدماءَ طلاقَها
سلْم الخاسر:
يرمي العجاج بها أغرّ محجّلٌ جعل السيوفَ مناكحًا وطلاقا
أبو الطيب:
يجنِّبها من حتفُه عنه عاقِلٌ ويصْلَى بها من نفسُه منه طالِق
وهذه الأبيات مختلفة المعاني، وييب أبي الطيب بمعزل عنها؛ وإنما استعار منها لفظة الطلاق فقط.
مسلم:
لو كان عندَك ميثاقٌ يخلِّدُنا الى المشيبِ انتظرْنا سلْوةَ الكِبر
ألمّ به أبو الطيب فقال:
ولو كنتُ أدري كم حياتي قسمْتُها وصيّرْتُ ثلثَيْها انتظارَك فاعْلَمِ
أبو تمام:
ثوَى مالُه نهْبَ المعالي وأوجبَتْ عليهِ زكاةُ الجودِ ما ليس واجبا
[ ٣٨٠ ]
أبو الطيب:
ويدٌ كأنّ نوالَها وقِتالَها فرْضٌ يحقّ عليكَ وهو تبرُّعُ
حمزة بن بيض:
وهمّك فيها جِسامُ الأمور وهمُّ لِداتِك أن يلعَبوا
أبو الطيب:
وهمُّها في العُلا والمجدِ ناشئةً وهمُّ أترابِها في اللهْوِ واللّعِبِ
ابن الرومي:
وما الشُكْرُ إلا توأمُ الحِقدِ في الفتى وبعضُ السّجايا ينتَمين الى بعضِ
أبو الطيب:
جزاك ربُّك بالإحسانِ مغفِرةً فحُزْنُ كلّ أخي حزْنِ أخو الغضَبِ
غيره:
فما كان قيسٌ هُلْكُه هلْكٌ واحدٍ ولكنّه بُنيانُ قومٍ تهدّما
ابن المقفع:
وتقْتُلني فتقْتُل بي كريمًا يموت بموته بشرٌ كثيرُ
[ ٣٨١ ]
أبو الطيب:
غدرْتَ يا موتُ كم أفنَيتَ من عددٍ بمن أصبْتَ وكم أسْكتّ من لجَبِ
والبيت الذي بعده:
وكم صحِبْتَ أخاها في مُنازلةٍ وكم سألْتَ فلم يبخَلْ ولم تخِبِ
ومثل قول البحتري:
ترى البيض لم تعرفهم حين واجهتْ وجوهَهم في المأزِق المتجهِّم
ولم تذكرْ ريَّها بأكفّهم إذا أوردوها تحت أغْبر أقتمِ
البحتري:
لعَمرُك ما المكروهُ إلاّ ارتِقابُه وأبرَحُ مما حلّ ما يُتوقَّعُ
أبو الطيب:
كلّ ما لم يكن من الصّعبِ في الأنْ فُسِ سهلٌ فيها إذا هو كانا
قال:
فلسنا على الأعقاب تدْمي كلومنا ولكنْ على أقدامنا يُقطرُ الدمُ
أبو الطيب:
رمَوْا بنواصيها القِسيّ فجئْنَها دوامي الهَوادي سالِماتِ الجوانبِ
[ ٣٨٢ ]
قال:
والعين تُبصرُ من تهوى وتفقده وناظر القلب لا يخْلو من البصَر
وهو معنى متداول.
بعض المحدَثين:
ولا هممتُ بشربِ الماء من عطشٍ إلا رأيتُ خيالًا منك في الماء
أبو الطيب:
ممثّلةٌ حتى كأنْ لم تُفارِقي وحتى كأنّ اليأسَ من وصلِك الوعدُ
ومن هذا المعنى قول ابن المعتز:
إنّا على البِعاد والتفرق لنَلتقي بالذكر إنْ لم نلتقِ
وقول أبي الطيب:
لنا ولأهلِه أبدًا قُلوبٌ تلاقى في جُسوام ما تَلاقَى
حسان:
إذا قال لم يترُك مقالًا لقائلٍ بملتقطاتِ لا ترى بينها فضْلا
أبو الطيب:
إذا صُلتُ لم أترُك مصالًا لفاتِكٍ وإن قلتُ لم أترُكْ مقالًا لعالِم
الطرمي في رطازاته:
ورأسيَ مرفوعٌ لنجمٍ كأنّما قفاي الى صُلبي بخيطٍ مخيّطِ
[ ٣٨٣ ]
فتبعه بعض الرطّازين:
ورأسيَ مرفوعٌ إليه كأنّما برأسيَ مسمار الى النجمِ موتَدُ
أبو الطيب - وهو من فرائده:
بعيدةُ ما بين الجفونِ كأنّما عقدْتُم أعالي كلِّ هُدبٍ بحاجبِ
وقريب منه قول بشار:
كأن جفونَها عنها قصار
أبو تمام:
فإنْ يكُ من بني أُدَدٍ جناحي فإنّ أثيثَ ريشي من إيادِ
أبو الطيب وهو منقول:
فإنْ يكُ سيفَ دولةِ غيرِ قيسٍ فمنهُ جلودُ قيسٍ والثّيابُ
ابن المعتز:
فكرّتْ كنصل السيفِ تتلو لواقِحًا كأن حصى الصمّان من وقعها رمْلُ
أبو الطيب:
إذا وطِئَتْ بأيديها صُخورًا يفِئْنَ لوطء أرجُلها رِمالا
وقد أحسن في قوله يفئن لوطء أرجلها، وزاد بأن جعل للأيدي ما جعله الأول لجملة القوائم؛ وللأول من الفضل أنه خصّ الحصى وهو أشدّ من الصخر وأصلب، وهذا المعنى كثير مُبتذل؛ وإنما ذكرنا ما تنازعه الشبه لفظًا ومعنى.
[ ٣٨٤ ]
البحتري:
وما أنا إلا عبدُ نعمتِك التي نُسِبْتُ إليها دون رهْطي ومعشَري
نقله أبو الطيب فقال:
دُعيتُ بتقريظك في كل مجلسٍ وظنّ الذي يدعو ثنائي عليكَ اسْمي
البحتري:
ومظفّرٍ بالمجدِ إدراكاتُه في الحظّ زائدةٌ على أوطارِه
أبو الطيب - وقد فسر ما أغفله البحتري:
تُمسي الأمانيُّ صرْعى دون مبلغِه فما يقولُ لشيءٍ ليتَ ذلِكَ لي
زياد الأعجم:
ترى الطفْلَ منهم يبتغي المجد شيمةً وليس بمُنسبِه ابتناءٌ على الهرمِ
وإن هو وفّى العمر تسعين حجة هذي بقرَى الأضيافِ والجار والذِّمَم
الرواية: ينسيه بناء مجده العدم.
البحتري:
عريقون في الإفضالِ يؤتَنَفُ النّدى لناشِئِهِم من حيثُ يؤْتَنَفُ العُمرُ
أبو الطيب:
[ ٣٨٥ ]
كأنّما يولَدُ الندى معهُم لا صِغَرٌ عاذِرٌ ولا هرمُ
علقمة بن أصوى:
فما إنْ رأوا نارًا تُشَبّ لدى الوغى ولكنْ رأوْا نارًا بها ورق الدم
زُفَر بن الحرث:
سقيْناهم كأسًا سقَوْنا بمِثلِها ولكنّهم كانوا على الموت أصْبَرا
أبو الطيب:
وما عدِمَ اللاقوكَ بأسًا وشدةً ولكنّ من لاقَوْا أشدُّ وأنجَبُ
عبد الله بن معاوية، ويروى لإسحاق الموصلي:
أرى نفسي تتوقُ الى أمورِ يقصِّرُ دونَ مبلغِهنّ مالي
فلا نفسي تطاوعُني ببخلٍ ولا مالي يبلّغني فَعالي
وهو من قول الأول:
ذَريني أطوِّف في البلاد لعلّني أصيبُ غنى فيه لذي الحق محمَلُ
أليس عجيبًا أن تلمّ مُلمَّه وليس علينا في الخطوب معوَّلُ
ومثله قول الآخر:
وتقصرُ أموالُ الفتى دون همِّه وقد كان لولا القلُّ طلاعَ أنجُدِ
ونحوه قول ابراهيم الموصلي:
فَعالي فعالُ المكثرين توسّعًا ومالي كما قد تعلمين قليل
[ ٣٨٦ ]
وحكي عن بعض الحكماء أنه سُئِل عن أسوأ الناس حالًا فقال: من قويت شهوتُه وبعدت همّتُه، واتسعت معرفته، وضاقت مقدرته.
أبو الطيب:
وأتعَبُ خلق اللهِ من زاد همّه وقصّر عمّا تشتَهي النّفْسُ وجدُه
ونحوه قوله:
لَحا اللهُ ذي الدُنيا مُناخًا لراكبٍ فكلّ بعيدِ الهمِّ فيها معذَّبُ
والأبيات التي تلي هذا البيت متصلة به وهي قوله:
فلا ينحَلِلْ في المجدِ مالُك كلّه فينحَلّ مجدٌ كان بالمال عقدُه
ودبِّرْهُ تدبيرَ الذي المجدُ كفُّهُ إذا حاربَ الأعداءَ والمالُ زَندُهُ
فلا مجْدَ في الدُنيا لمَنْ قلّ مالُه ولا مالَ في الدُنيا لمنْ قلّ مجدُه
وكأنها مجموعة من معاني أبيات قديمة وحديثة، منها قول أُحَيحة بن الجُلاح:
ولا أزال على الزّوار أعمُرها إنّ الكريم على الإخوان ذو المال
وإن أردْتَ مُساماةً تقاعَدُ بي عمّا ينوِّه باسْمي رقّةُ الحالِ
وقول ابن المعتز:
يا رُبّ جودِ جرَّ فقرَ امرئ فقام في الناس مقام الذّليل
وحكى الجاحظ عن بعض الحكماء أنه كان يقول في دعائه: اللهم ارزقني حمدًا ومجدًا؛ فإنّه لا حمد إلا بفَعال، ولا مجد إلا بمال.
[ ٣٨٧ ]
بكر بن النّطاح:
هذا أبو دُلف الذي لسيوفه ورماحه تتعبّد الأقدارُ
علي بن جبلة - ويروى لخلف بن مرزوق:
أنت الذي تُنزل الأيامَ منزلها وتنقل الدهرَ من حال الى حال
أبو الطيب:
نفذَ القضاءُ بما أردْتَ كأنّه لك كلما أزمَعْت شيئًا أزْمَعا
وأطاعَك الدهرُ العصيُّ كأنّه عبدٌ إذا ناديتَ لبّى مُسرعا
ونحوه له:
ملكٌ تكوّن كيف شاءَ كأنّما يجري بفضل قضائِه المقدورُ
وأما المصراع الأول فقد قدمنا ذكر أمثاله ونحوه له:
وأراك دهْوك ما تحاول في العِدى حتى كأنّ صروفَه أنصارُ
وله:
وأراد فيكَ مرادَك المقدارُ
يزيد المهلّبي:
سعيتُم فأدركْتُم بصالح سعيِكُم وأدرَك قومٌ غيرُكم بالمقادِر
وله:
إذا قدّم السلطانُ قومًا على الهوى فإنّكُمُ قُدِّمتُم بالمناقِب
[ ٣٨٨ ]
أبو الطيب:
وما كنتَ ممن أدرك المجدَ بالمُنى ولكنْ بأيامٍ أشَبْن النّواصِيا
واللفظ من قول نُفَيع بن صفار:
أيا مالِكًا لا يُرتَجى المُلْكُ بالمُنى
ونحوه له:
ليسَ إلا أبا العشائِر خلْقٌ ساد هذا الأنامَ باستِحْقاقِ
قال بعضهم:
وخبرني البوّابُ أنّك نائمٌ وأنت إذا استيقظت أيضًا فنائم
أبو الطيب:
ونامُ الخُويدِمُ عن ليلِنا وقد نام قبلُ عمًى لا كرى
حسان بن ثابت:
لا عيبَ بالقومِ من طولِ ومن قصَرٍ جسمُ البِغالِ وأحلامُ العصافيرِ
العباس بن مِرداس ويروى لربيعة الرّقي:
فما عظِمُ الرّجالِ لهم بفخرٍ ولكنْ فخرُهم كرَمٌ وخيرُ
[ ٣٨٩ ]
ومثله كثير: أبو الطيب:
ودهْرٌ ناسُه ناسٌ صِغارٌ وإن كانت لهم جثَثٌ ضِخامُ
أبو جُويرية العبدي - وقد تقدمه غيره:
نزينُ الحلْيَ إن لبسَتْ سُليمى وتحسُن حينَ تلبَسُها الثّيابُ
وأكثر المحدثين فيه فقال بعضهم:
وإذا الدُرُّ زان حُسنَ وجوهٍ كان للدُرِّ حسنُ وجهِك زَيْنا
وتزيدين أطيبَ الطّيب طِيبًا أن تمسِّيهِ؛ أين مثلُك أيْنا!
أبو الطيب، وتعسّف اللفظ:
الطّيبُ أنت إذا أصابَك طيبُه والماءُ أنت إذا اغتسلْتَ الغاسلُ
وتقدير الكلام: الطّيب أنت طيبُه إذا أصابك، والماء أنت الغاسلُ له إذا اغتسلت به.
زياد الأعجم وهو كثير مشهور:
لله دَرُّ منية فاتتْ به فلقَد أراهُ يردّ غرْبَ الجامِحِ
ولقد أراهُ مُجفِّفًا أفراسَه يغْشى الأسنة فوق نهدِ قارح
[ ٣٩٠ ]
لو عند ذلك هايَجَتهُ منية برَح الخفاء وضُمَّ سرْح السّارِح
يزيد المهلّبي:
جاءت منيّتُه والعينُ هاجعةٌ هلاّ أتتْهُ المنايا والقَنا قصد
أبو الطيب:
أتتهُ المنايا في طريق خفيّة على كل سمعٍ حولَه وعِيان
ولو سلكتْ طُرق السّلاح لردّها بطولِ يمينٍ واتساعِ جنانِ
ومقلوب هذا قول الآخر:
دفعْنا بكَ الأيامَ حتى إذا أتت تُريدُك لم نسطِعْ لها عنك مدْفَعا
ومثله لأبي الطيب:
ما زلتَ تدفعُ كل أمرٍ فادح حتى أتى الأمرُ الذي لا يُدفَعُ
وظللْتَ تنظر لا رماحُك شُرَّع فيما عَراك ولا سُيوفُك قُطّعُ
وهو مثل قول عمران بن حِطان؛ على أنه كثير مبتذل:
ولم يُغْنِ عنه الموتُ يا حمْز إذ أتىرجالٌ بأيديهم سيوفٌ قواضِبُ
ومن هذا المعنى قول الآخر:
أخِلاّي لو غيرُ الحمام أصابكم عتبتُ ولكن ما على الموتِ معتَبُ
ومثله لأبي الطيب:
هبيني أخذْت الثأر فيك من العِدَى فكيف بأخْذ الثأر فيكِ من الحُمّى
[ ٣٩١ ]
الأعور الشّني:
وعوراءَ جاءت من أخ فرددتُها بسالمة العينين طالبة عُذْرا
وأغضيْت عنه وانتظرت به غدا لعل غدًا يبدي لمنتظرٍ أمرا
سالم بن وابصه:
وكاشِحٍ من موالي السوءِ ذي حسَدٍ يقْتاتُ لحمي وما يشفِيه من قرَمِ
داويتُ صدْرًا طويلًا غِمرُه حقِدًا منهُ، وقلّمْتُ أظفارًا بلا جلَمِ
وقد أكثر الشعراء فيه.
أبو الطيب:
وأحلم عن خِلّي وأعلم أنني متى أجزِه حِلمًا على الجهلِ يندَمِ
امرؤ القيس:
فللزّجرِ ألهوبٌ وللساق درّةٌ وللسوط أخرى غربُها يتدفّع
ثم أكثر الناس فيه.
أبو الطيب:
رِجلاه في الركضِ رجلٌ واليدانِ يدٌ وفعلُه ما تُريدُ الكفَّ والقدَمُ
المصراع الأول نحو قول رؤبة:
يهْوين شتى ويقعن وقْعا
[ ٣٩٢ ]
الطّرمّاح:
تحييها الكُماة بكلِّ يوم مريض الشمس محمرِّ الخوافي
أبو الطيب:
تمر عليه الشمس وهي ضعيفة
بعض المحدثين:
خبَري خُذيهِ عن الضّنى وعن الأسى ليس اللسانُ وإن تلِفْتُ بمُخبِر
أبو الطيب:
أمرَ الفؤاد لسانَه وجُفونَه فكتمْنَه وكفى بجِسمِك مُخبِرا
وهو معنى قوله:
بادٍ هواك صبَرْتَ أم لم تصبِرا وبُكاك إن لم يجْرِ دمعُك أو جرى
أبو نواس:
يزيدك وجهُه حُسنًا إذا ما زِدتَه نظَرا
أبو الطيب:
وهو المضاعَفُ حُسنُه إن كُرِّرا
[ ٣٩٣ ]
الجلاح ابن عبد الله السّدوسي:
مددتِ حبل غُرور غير مؤيِسَةٍ فوْتَ الأكفِّ فلا جودٌ ولا بخَلُ
والصّرْمُ أرْوَحُ من غيثٍ يطمِّعُنا فيه مخايلُ ما يُلفَى بها بلَلُ
ونحوه لابن الرّقيات ولم يصرح باختيار أحدهما:
تركْتَني واقفًا على الشكّ لم أصدُر بيأس منكم ولم أرِدِ
ومثله قول ابن أبي زرعة الدمشقي:
وكأني بين الوصال وبين ال هَجر ممّن مقامَه الأعرافُ
في محلٍ بين الجانِ وبين النا رِ طورًا أرجو وطَورًا أخاف
وقال أبو حفص الشطرنْجي، فاختار ضد ما اختار الأول:
وأحسنُ أيامِ الهوى يومُك الذي تهدَّدُ بالتّحريش فيه وبالعَتبِ
إذا لم يكن في الحبّ سُخطٌ ولا رِضى فأين حلاواتُ الرسائلِ والكُتبِ
وتبعه أبو الطيب:
وأحلى الهوى ما شكّ في الوصلِ ربُّه وفي الهجْر فهو الدهر يرجو ويتّقي
وقد لاحظ في هذا قول الخليع:
وجدْت ألذّ العيش فيما بلوْته ترقُّب مشتاقٍ زيارَ شائق
لأنه أيضًا يرجو ويتقي ويخاف ويأمل. وقد أكثر الناس فيه على المعنيين معًا.
أبو نواس:
يسبِق طرْف العين في التِهابه
وهو معنى عامي مبتذل.
[ ٣٩٤ ]
أبو الطيب:
يُقبِلُهُم وجْهَ كلِّ سابحةٍ أربَعُها قبلَ طرْفِها تصِلُ
أبو تمام:
فهْو غضُّ الإباءِ والرأْي غضّ ال حزم غضُّ النّوالِ غضّ الشبابِ
أبو الطيب:
حديدُ اللسان حديدُ الجنان حديدُ الحُسام حديد السنان
بعض العرب:
كأنّ يديها حين جدّ نَجاؤها طَريدان والرِّجلان طالِبتا وِتْرِ
رؤبة:
يداه بالضّبْعين يشدوانه ورجلا أحرج يحدوانه
أبو الطيب:
طردْتُ من مصرَ أيديها بأرجُلها حتى مرقْن بنا من جوْشَ والمعلَمِ
بعض رجال العرب:
إني إذا ما القوم كانوا أنجيه واضطرب القوم اضطراب الأرشِيهْ
وشد فوق بعضهم بالأدْويه هناك أوصيني ولا توصي بيهْ
وقال الأصمعي وغيره يصف قومًا أتعبهم السير والسهر: فرقدوا على ركابهم،
[ ٣٩٥ ]
واضطربوا كاضطراب أرشية الدِّلاء، وشدّ بعضهم على ناقته حِذار سقوطه عنها. وقال بعضهم: إنما ضربه مثلًا لنزول الأمر الملمّ؛ إذ جعل القومَ يضطربون فيه فلا يستقرون كاضطراب الحبال، وبعضهم يشد على البعير للهرب به. قال: ولذلك كانوا أنجية؛ وهو جمع نجيّ والنيام لا يكونون أنجية، وعلى المذهب الأول احتذى أبو الطيب في قوله:
وهزٌ أطار النومَ حتى كأنني من السُكْرِ في الغرَزَين ثوبٌ شُبارِقُ
تميم بن مقبل:
ولو كُحِلتْ حواجبُ خيل قيس بتغلِبَ بعد كلبٍ ما قُذينا
أبو الطيب:
فبعده والى ذا اليوم لو ركضَتْ بالخيل في لهَوات الطفلِ ما سَعلا
رؤبة:
قد رفع العجّاجُ باسمي فادعُني باسمي إذا الأنسابُ طالتْ يكفِني
وإنما أخذه من قول النّسابة البكري لما أتاه فقال له: من أنت؟ فقال: رؤبة ابن العجاج. قال: قصرت وعرّفت.
أبو الطيب:
يا أيّها الملك الغاني بتسميةٍ في الشرقِ والغربِ عن وصفٍ وتلْقيبِ
[ ٣٩٦ ]
دِعبِل:
هي النفسُ ما حسنْتَه فمحسَّن لديها وما قبّحْتَه فمقبَّحُ
أبو الطيب:
فما الخوف إلا ما تخوّفَه الفتى وما الأمنُ إلا ما رآه الفتى أمْنا
وهو قريب من قول لبيد:
اكذب النّفْسَ إذا حدّثْتها إنّ صدقَ النفسِ يُزري بالأمل
أبو تمام:
ترى قسَماتِنا تسَوَّد فيها وما أخلاقُنا فيها بسودِ
أبو الطيب:
تسوِّدُ الشمسُ منا بيضَ أوجُهِنا ولا تسوِّدُ بيضَ العُذرِ واللِّمَمِ
قال:
وليس الذي يجري من العين ماءَها ولكنها روحي تذوبُ فتقطُرُ
أبو الطيب:
أرواحُنا انهملَتْ وعِشنا بعدَها من بعدِ ما قطرَتْ على الأقدامِ
ابن المعتز:
تخالُ آخرَه في الشدِّ أوّلَه وفيه عدْوٌ وراءَ السّبْقِ مذْخورُ
[ ٣٩٧ ]
أبو الطيب:
وأصْرَعُ أي الوحشِ قفّيتُه به وأنزِلُ عنه مثلَه حين أركَبُ
النابغة الجَعدي:
ونُنكِر يومَ الرّوعِ ألوانَ خيلِنا من الطّعْنَ حتى تحسِبَ الورْدَ أشْقَرا
أبو الطيب:
جفَتْني كأني لستُ أنطَقَ قومِها وأطعَنهم والشُهْبُ في صورةِ الدُهْم
أبو تمام:
وما نفْعُ مَن قد مات بالأمسِ صادِيا إذا ما سماءُ اليومِ طال انهِمارُها
وأظنه أخذه من قول طرَفة - وإن كان غامضًا:
فسقى ديارَكِ غير مفسِدِها صوبُ الرّبيع وديمةٌ تهْمي
البحتري:
واعلَمْ بأنّ الغيثَ ليس بنافِع للناس ما لم يأتِ في إبّانِه
أبو الطيب:
سبقْتَ إليهم مناياهُم ومنفعة الغوثِ قبلَ العطَبْ
أبو نواس:
وإذا المطيُّ بنا بلغْنَ محمّدًا فظُهورُهنّ على الرِّجالِ حرامُ
[ ٣٩٨ ]
أبو الطيب:
وتعذُّرُ الأحْرارِ صيّر ظهرَها إلا إليك عليّ فرْجَ حرامِ
قال زهير:
سئِمتُ تكاليفَ الحياة ومن يعِشْ ثمانين حولًا لا أبا لك يسأمِ
قال العلماء بالشعر: إنما سئم تكاليف الحياة لا الحياة، فهو أصح معنى من قول لبيد إذ يقول:
ولقد سئِمت من الحياة وطولها ومقالها هذا الناس كيف لبيدُ
فقال أبو الطيب:
وإذا الشيخُ قال أفٍ فما م لّ حياةً وإنّما الضعفُ ملاّ
البحتري:
وطيُّك سرًا لو تكلّفَ طيّه دُجى الليلِ عنا لم تسَعْهُ ضمائِرُهْ
فنقله أبو الطيب، وغيّر معناه فقال وأحسن ما شاء:
وكنتُ إذا يمّمتُ أرضًا بعيدةً سريْتُ فكنتُ السّرّ والليلُ كاتِمُهْ
البحتري:
غَدا قسمُه عدْلًا ففيكُم نوالُه وفي سرّ نبهانَ بنِ عمرٍو مآثرُه
[ ٣٩٩ ]
أبو الطيب:
تفرّد العُربُ في الدنيا بمحتِدِه وشارك العُربَ في إحسانِه العَجمُ
البحتري:
وما اخترتُ دارًا غير دارِك من قِلًى وأين ترى قصْدي ومن دوني البحرُ
أبو الطيب:
أأطرحُ المجدِ عن كتِفي وأطلُبُه وأترُك الغيثَ في غِمدي وأنتجِعُ
أنشد الجاحظ لبعضهم:
غزا ابن عمير غزوةً تركت لها ثناءً كريح الجورَبِ التمزق
أبو الطيب:
تستغرقُ الكفّ فودَيهِ وأخدعه وتكتسي منه ريحَ الجورب العرِق
بعضهم:
بِتْنا وبات جليدُ الليلِ يضربُنا بين البيوت قِرانا نبْحُ دِرْواسِ
أبو الطيب:
[ ٤٠٠ ]
ولا تُنكِرا عصْفَ الرياح فإنّها قِرَى كلِّ ضيفٍ بات عندَ سِوارِ
أبو نواس في وصف كلب:
يجمع قطريه من انضِماره
أبو الطيب:
يكادُ في العدْو من التفتّل يجمعُ بين متنِه والكلكَلِ
وبين أعلاه وبين الأسفلِ
أنشد الأصمعي لبعض باهلة:
تُباهي به الأرض السماء إذا مشت عليها وتحيي نسمة المتماوت
أبو الطيب:
أكارمٌ حسد الأرضَ السماءُ بهم وقصّرتْ كلّ مِصر عن طرابُلُسِ
البحتري:
سماحًا وبأسًا كالصواعقِ والحَيا إذا اجتمعا في العارض المتراكمِ
أبو الطيب:
فتًى كالسّحابِ الجونِ يُخشى ويُتّقى يرَجّى الحيا منهُ وتُخْشى الصواعقُ
عبد الله بن الزبير الأسدي:
لو شددنا من أخدَعَيهِ قليلا لبَنينا من الرؤوس منارا
[ ٤٠١ ]
أبو الطيب - وهو غامض:
تعوّد أن لا تقضَم الحَبَّ خيلُه إذا الهامُ ترفَعْ جُنوبَ العلائقِ
ثابت بن قُطْنة العتكي:
هدانا اللهُ بالقتلى نراها مصلّبةً كأفواهِ الشّعاب
أبو الطيب:
إذا سلك السّماوةَ غيرُ هادٍ فقتْلاهُم لعينيهِ منارُ
أنشد الأصمعي لبعض العرب - وهو معروف عندهم:
رِدي رِدي وِرْدَ قَطاةٍ صَمًّا كُدْرِيّةٍ أعجبها بردُ الْما
أبو الطيب:
وُرودَ قطًا صُمٍ تشايَحْنَ في وِرْدِ
[ ٤٠٢ ]
مزرّد:
من المُلسِ هنديّ متى يعْلُ حدُّهُ ذُرَى البيض لم تسلَم عليه الكواهلُ
أبو الطيب:
إذا ما ضربْت به هامةً بَراها وغنّاكَ في الكاهلِ
أبو تمام:
البين أكثر من أشواقي وأحزاني
أبو الطيب:
دمَنٌ تكاثرتِ الهمومُ عليّ في عرَصاتِها كتكاثُر اللّوّامِ
بعض العرب:
زُرْقٌ تصايحنَ في المَنون كما هاج دجاجَ المدينة السَّحَرُ
آخر:
تصيحُ الرُدينياتُ فينا وفيهمُ صياحَ بناتِ الماءِ أمسينَ جوّعا
[ ٤٠٣ ]
أبو الطيب:
ناشوا الرماح وكانت غير ناطقة فعلّموها صياحَ الطير في البُهَم
كثيّر:
رمتْني بسهمٍ ريشُه الهُدْب لم يُصبْ ظواهر جلْدي وهو في القلب جارحي
أبو الطيب:
رمتني بأسهم ريشُها الهدْ بُ تشقّ القلوبَ قبل الجُلود
الفرزدق:
وأبَحْت أمكَ يا جريرُ كأنها للناس باركة طريق مُعمَلُ
أبو الطيب:
يحمي ابنُ كيغَلَغ الطّريقَ وعِرسُه ما بين رجَليها الطريق الأعظمُ
الفرزدق:
وقد تلتفي الأسماء في الناس والكُنى كثيرًا ولكنْ فُرِّقوا في الخلائق
[ ٤٠٤ ]
أبو الطيب:
فلا تعجَبا إنّ السيوف كثيرةٌ ولكنّ سيفَ الدولة اليومَ واحدُ
البحتري:
بلوت منك خلائفًا محمودةً لو كن في فلكٍ لكُنّ نُجوما
أبو الطيب:
أقلّبُ منك طرْفي في سماءٍ وإنْ طلعت كواكبُها خِصالا
ابن الرومي:
أخشى عليك اتّقاد الفِكر لا حَذَرا
أبو الطيب:
أشفِق عند اتّقاد فكرتِه عليه منها أخاف يشتعِل
ابن الرومي:
ومن فرَحاتِ النفسِ ما فيه حتفُها
أبو الطيب:
فلا تنكِرنّ لها صرعةً فمن فرحِ النفس ما يقتلُ
[ ٤٠٥ ]
بعضهم:
فلو أنّا شهدْناكُم نُصِرْنا بذي لجَبٍ أزبٍّ من العَوالي
أبو الطيب:
صدمْتَهُم بخميسٍ أنت غرّته وسمهريّتُه في وجهِ غممُ
أبو تمام:
ورُحبَ صدرٍ لو انّ الأرضَ واسعةٌ كوُسعِه لم يضِقْ عند أهلِه بلدُ
أبو الطيب:
تضيقُ عن جيشِه الدُنيا ولو رحُبت كصدرِه لم تبِنْ فيها عساكرُهْ
مسلم:
والعيسُ عاطفةُ الرؤوس كأنما يطلُبنَ سرّ محدِّثٍ في الأحلُس
أبو الطيب:
ويُغيرُني جذبُ الزّمام لقلبها فمَها إليك كطالب تقْبيلا
البحتري:
ومَن لو تُرى في مُلكِه عُدْتَ نائلًا لأوّلِ عاف من مرجّيه مُقتِرِ
[ ٤٠٦ ]
أبو الطيب:
خِفتُ إن صرتُ في يمينكَ أن تأ خُذَني في هِباتِك الأقوامُ
البحتري:
تلقاهُ يقطُر سيفُه وسنانُه وبنانُ راحتِه ندًى ونجيعا
أبو الطيب:
ملكٌ سنانُ قناتِه وبنانُه يتباريان دمًا وعُرْفًا ساكِبا
ومنه:
إذا الهندُ سوّتْ بين سيفيْ كريهةٍ فسيفُك في كفٍ تُزيلُ التساويا
ابن الرومي:
يا أرْمَدَ العينِ قُمْ قُبالتَه فداوِ باللحظِ نحوَه رمدَكْ
أبو الطيب:
مدحْتُ أباهُ قبلَه فشَفى يدي من العُدمِ من تُشفى به الأعيُن الرُمْدُ
البحتري:
الله أكبرُ كُفّوا إنّ خصمَكمُ أبو سعيد وضرب الأرؤس الجدل
[ ٤٠٧ ]
أبو الطيب:
وردّ بعض القنا بعضًا مقارعةً كأنّه من نفوس القوم في جدَلِ
ابن الرومي:
أعِندي تنقضّ الصواعق منكُما وعند ذوي الكُفرِ الحيا والثّرى الجعدُ
أبو الطيب:
ليتَ الغمامَ الذي عندي صواعقُه يُزيلهنّ الى من عندَه الدِّيَمُ
البحتري:
ملكٌ بقارعةِ العِراقِ قِبابُه يقْري البُدورَ بها ونحنُ ضيوفُه
أبو الطيب:
وملِلْتُ نحْر عِشارِها فأضاقَني مَن ينحر البِدَرَ العِشار لمن قرَى
البحتري:
تشكّكْتُ فيه من سرورٍ وخِلتُه خيالًا أتى في آخر الليل يسْري
أبو الطيب:
ما تعرِفُ العينُ فرْقَ بينِهِما كلُّ خيالِ وصالُه نافدْ
[ ٤٠٨ ]
كل واحد منهما جعله خيالًا، وإن كان البحتري ذهب فيه الى حيرة السرور، وأراد أبو الطيب سرعة الزوال. وقد كرر أبو الطيب هذا المعنى على وجه آخر فقال:
نصيبُك في حياتِك من حبيبٍ نصيبُك في منامك من خيالِ
يزيد بن محمد المهلّبي:
أشْرَكتُمونا جميعًا في سُرورِكُم فلهْوُنا إذا حزِنتُم غيرُ إنصاف
أبو الطيب - وقد زاد وأحسن:
ومن سرّ أهلَ الأرض ثم بكى أسًى بكى بعُيونٍ سرّها وقُلوبِ
ابن الرومي:
هي الأعيُن النُجلُ التي كنت تشتكي مواقعَها في القلب والرأسُ أسوَدُ
فما لك تأسى الآن لما رأيتَها وقد جعلَتْ ترمي سواك وتعمِدُ
فاحتذى عليه أبو الطيب وقلب معناه فقال:
منًى كنّ لي أنّ البياض خِضابٌ فيَخفى بتبييض القُرون شبابُ
فكيف أذمّ اليوم ما كنت أشتهي وأدعو بما أشكوه حين أُجابُ
إسحاق بن خلَف:
إذا ما حُدينَ بذِكرِ الأمير سبَقْن لحاظَ المخبِّ العجِل
[ ٤٠٩ ]
أبو الطيب:
شدَوْا بابن إسحاقَ الحُسينِ فصافحَتْ ذَفارِيَها كيرانُها والنّمارِقُ
ابن هرْمة: يذم بخيلًا:
نكّس لمّا أتيتُ سائلَهُ واعتلّ تنكيسَ ناظمِ الخرز
أعرابي:
وهنّ حيْرى كمُضِلاّت الخدَم
أبو الطيب:
وُقوفَ شحيحٍ ضاع في التُرْبِ خاتمُه
وقد أتينا على ما حضرنا من هذا الكتاب، ونُبْنا عنك في جمعه واستحضاره ولقْطه، وتصفّح الدواوين، ولقاءِ العلماء فيه؛ وبيّضْنا أوراقًا لما لعلّه شذّ عنا من غريبِه؛ وما عسانا نظفرُ على مرور الأوقات به، وما نأبى أن يكون عندك، أو عند أحدٍ من أصحابك فيه زيادات لم نعثر بها، أو لطائف لم نفطِن إليها، إن كنتَ على ثقةٍ من عِلمِك، وبصيرة بما عندك، وعرفْت من طُرق السّرَق، ووجوه النقل ما يسوغ فيه حُكمُك، وتعدَّل فيه شهادتك، فلا بأس أن تُلحِق به ما أصبته، وأن تصيف
[ ٤١٠ ]
إليه ما وجدته، بعد أن تتجنّب الحيْف، وتتنكب الجور، وتعلم أن وراءك من النُقّاد من يعتبرُ عليك نقدَك، ومن لا يستسلم للعصبيّة استِسلامَك.
وأنا أعدل الى ذكر ما رأيتُك تُنكرُ من معانيه وألفاظه، وتَعيبُ من مذاهبه وأغراضه، وتُحيلُ في ذلك الإنكار على حجة أو شُبهة، وتعتمِدُ فيما تعينه على بيّنة أو تهمة، إذا كان ما قدّمتَ حكايته عنك، وما عددتَه من مطاعنك، وأثبتّه من الأبيات التي استَسقَطتها، ومِلتَ على هذا الرجل لأجلها من باب ما يُمتحن بالطبع لا بالفِكر، ومن القِسم الذي لاحظ فيه للمحاجّة، ولا طريق له الى المحاكمة، وإنما أقصى ما عند عائبه. وأكثر ما يمكن مُعارضه أن يقول: فيه جهامة سلبته القَبول، وكزازةٌ نفّرتْ عنه النفوس، وهو خالٍ من بهاءِ الرّونق، وحلاوةِ المنظر، وعُذوبة المسْمَع، ودماثةِ النثر، ورشاقة المعرِض، قد حمل التّعسّف على ديباجته، واحتكم التعمل في طلاوته، وخالف التّكلّف بين أطرافه، وظهرت فجاجةُ التصنع في أعطافه، واستهلك التعقيدُ معناه، وقيّد التعويص مُرادَه.
[ ٤١١ ]