ثم عدتَ الى ما عدّده العلماء من أغاليطهم في المعاني، كقول امرئ القيس:
وأركبُ في الرّوع خيْفانةً كسا وجْهَها شعرٌ مُنتشِرْ
وهذا عيبٌ في الخيل. وقول زهير:
يخرُجن من شرَباتٍ ماؤها طحِلٌ على الجذوع يخفن الغمّ والغرقا
[ ١٠ ]
والضفادع لا تخاف شيئًا من ذلك. وقول سلَمة بن الخُرشُب:
إذا كان الحِزامُ لقُصرَيَيْها أمامًا حيث يمتسِك البَريم
يقول: إن الحزامَ يقرب في جولانه إذا أكثر من عدْوِه فيصير أمام القصريين.
قال الأصمعي: أخطأ في الوصف؛ لأن خيرَ جرْي الإناث الخُضوع، وإنما يُختار الإشراف في جرْي الذكور، فإذا اختضعت تقدّم الحزام، كما قال بِشر بن أبي خازم:
نَسوفٍ للحِزامِ بمرفَقَيها يسدّ خَواء طُبْيَيْها الغُبارُ
وقد ساعد متمِّمُ بن نويرة على هذا الوصف سلَمة فقال:
وكأنه فوتَ الجوالِب جانِئًا رِئْمٌ تضايَفَه كلابٌ أخضَع
[ ١١ ]
فوصف الذكر بالخضوع، وإنما يُختار له الإشتراف. وكقول الجعْدي:
كأن تواليهما بالضّحى نواعم جَعْل من الأثْأبِ
والجَعْل: صغار النخل، وإنما المراد الكبار، وبه يصحّ الوصفُ فيما زعموا.
وقول أبي ذؤيب يصف الفرس:
قصَرَ الصّبوحَ لها فشُرِّجَ لحمُها بالنِّيّ فهْي تَثوخُ فيها الإصبَعُ
قال الأصمعي: حمارُ القصّار خيرٌ من هذا، وإنما يوصف الفرسُ بصلابة اللحم وقول أبي النّجم:
تسبح أُخْراه ويطفو أوّله
واضطراب مآخيرِ الفرس قبيح. وقول المسيّب بن علَس:
وكأنّ غارِبَها رباوة مخرِمٍ وتَمُدّ ثِنْي جديلها بشَراع
أراد تشبيه العُنق بالدّقل فغلط، كما غلط طرَفة في السُكان فقال:
كسُكّان بوصيّ بدَجْلَة مُصعِد
[ ١٢ ]
وإنما يريد الدّقَل. وقول امرئ القيس:
إذا ما الثّريا في السماءِ تعرّضَتْ تعرُّضَ أثناء الوِشاحِ المفصَّلِ
والثريا لا تتعرّض، وإنما تتعرض الجوزاء. وقول رؤبة:
كنتم كمن أدخل في جُحْر يَدا فأخطأ الأفعى ولاقى الأسودا
فجعل الأفعى دون الأسود، وهي أشدّ نكاية منه. وقول زهير:
كأحْمرِ عادٍ ثم تُرضِعْ فتَفطِم
وإنما هي أحْمر ثمود. وقول ليلى، ويروى لحُمَيد:
لما تخايلت الحُمول حسبتها دومًا بأيلَة ناعمًا مكْموما
والدّوْم لا أكمام له.
هذا ما يعرفونه صباحًا مساءً. ويمارسونه على طول الدهر؛ فدعْ ما يخفى عليهم ويبعُد عن أبصارهم. كقول أبي ذؤيب في الدُرّة:
فجاءَ بها ما شِئتَ من لطَميّة يدور الفراتُ حولَها ويموجُ
[ ١٣ ]
فالفرات هو العذْب، والدرُّ، لا يوجد إلا في المِلْح. وقول الآخر:
فيه الرماحُ وفيه كلّ سابغة جدْلاء مُحكَمةٍ من نسْجِ سلاّمِ
وقول الآخر:
وكلّ صَموتٍ نثْلَةٍ تُبّعيّةٍ ونسْجُ سُلَيمٍ كلّ قضّاء ذائِل
أرادا داود فغلطا الى سليمان، ثم حرّفا اسمه فقال أحدهما: سلاّم وقال الآخر سُلَيم، كما قال الآخر: والشيخ عثمان بن عف أراد ابن عفان. وقال الآخر:
ومحوَرٍ أُخلِص من ماء اليَلَبْ
جعل اليَلَب حديدًا وإنما هي سُيور؛ كما قال غيره:
لم تدْرِ ما نسجُ اليرَنْدَج قبْلَها
فإنه ظن أن اليرندج نسج، وإنما اليرَندَج جلود. وقول الآخر:
[ ١٤ ]
برّيّة لم تأكل المرَقّقا ولم تذُقْ من البُقول الفُستُقا
فجعل الفُستُق بقْلًا.
وأشبه ذلك مما يكثر تعقبه، ولم نذكر إلا اليسيرَ منه فيما نريده - شككتَ في أن نفْعَ هذا الحكم عام، وجدْواه شامل، وأن المتقدم يضْرب فيه بسهم المتأخر، والجاهليّ يأخذ منه ما يأخذ الإسلامي، وأنه قول لا حظّ له في العصبية، ولا نسبَ بينه وبين التحامل.
وليس يجب إذا رأيتني أمدح محدَثًا أو أذكر محاسن حضَريّ أن تظن بي الانحرافَ عن متقدم، أو تنسُبني الى الغضّ من بدوي؛ بل يجب أن تنظر مغْزاي فيه، وأن تكشف عن مقصدي منه، ثم تحكم عليّ حكم المنصف المتثبت، وتقضي قضاء المُقسِط المتوقّف.