ولما سمع أبو الطيب قول قيس بن الخطيم في الطعنة نافسه فقال:
إذا ما ضربْت القِرنَ ثم أجزْتَني فكِلْ ذهبًا لي مرّةً منه بالكلْمِ
فلم يحفِل بسوء النظم، وهلهلةِ النّسج لما حصل له الغرض في إنهار الطعنة، وتوسيع الجرح.
ولما سمع قول العوام بن عبد عمرو:
ولو أنها عصفورة لحسبتها مسوّمةً تدعو عبيدًا وأزْنما
ووجد المحدَثين قد تبعوه، فذهبوا به مذاهب طلب الزيادة فقال:
وضاقت الأرض حتى كان هاربُهم إذا رأى غير شيء ظنّه رجُلا
فلم يكترث بالإحالة، ولم يستقبح أن جعل غيرَ شيء مرثيًّا لما استوفى عند نفسه الغاية، ولم يبق وراءها مرمًى لشاعر، وشجّعه على ذلك أيضًا أنه سمع قول عمرو بن لجأ:
وقعنب يا بْن لا شيء هتفت به
وقول أبي تمام:
أفيّ تنظِم قولَ الزّور والفنَدِ وأنت أنزَرُ من لا شيءَ في العدَدِ
فقال: قد أجاز هذا أن يكون لا شيء واحدًا، وهذا أن يكون معدودًا فكيف
[ ٤٢٤ ]
يحظر عليّ أن أجعلَه مرئيًا!.
ولما رأى مهلهِلًا قد أسمع أهل حِجْر صليل البيْض، وهو بالذنائب وبينهما عرْض نجد أقدم على أن قال:
سلّه الرّكْبُ بعد وهْنٍ بنجدٍ فتصدّى للغيث أهلُ الحجاز
وإذا رآهم قد احتملوا لطريح أن يجعل الوليد بن يزيد يردّ السّيل بقوله من جهة، ويصرفه عن طريقه سامهم أن يحتملوا في ابن حمدان قوله:
ألقَتْ إليكَ دماءُ الرومِ طاعَتها فلو دعوْت بلا ضرْب أجاب دمُ
ومتى سامح الرواة وحملة الشعر الفرزدق في قوله:
لعمركُ ما الأرزاق حين احتفالُها بأكثرَ خيرًا من خِوان العُذافر
ولو ضافه الدّجال يلتمِسُ القِرى وحلّ على خَبّازِه بالعساكر
[ ٤٢٥ ]
بعدّة يأجوج ومأجوج كلهم لأشْبَعهم يومًا غذاء العُذافِر
وسامحوا سُحَيمًا عبد بني الحسحاس في قوله:
وما زال بُردي طيّبًا من رِدائها الى الحوْل حتى أنهجَ البرد بالِيا
وجميلًا في قوله:
ولو أن جلدًا غير جِلدكِ مسّني وباشرني دون الثياب شريتُ
ولو أن واقي الموت يدو جنازتي بمنطقها في الناطقين حييتُ
لزمهم أن يسامحوا أبا نواس في قوله يصف قِدرًا:
يعضّ بحَيزوم الجرادة صدرُها وينضج ما فيها بعودِ خِلال
تغلي بذكر النار من غير قُربها وينزلها عفوًا بغير جعال
والعَكوّك في قوله يصف رِجله ومشيها:
إذا اتسعت لم يلحق الذرُّ شأوَها وخامرها دون الذراع ابتِهارُها
وأبا الطيب في قوله:
له رحمةٌ تُحيي العِظام وغضبةٌ بها فضلةٌ للجُرمِ عن صاحبِ الجُرمِ
ورقّةُ وجهٍ لو ختمْتَ بنظرة على وجنتَيه ما امّحى أثرُ الختْمِ
لقد حال بين الجِنّ والإنسِ سيفُه فما الظنّ بعد الجنِّ بالعُربِ والعُجمِ
وأرهبَ حتى لو تأمّل دِرْعَه جرَتْ جزَعًا من غير نار ولا فحم
فإن قالوا: ألسنا نسامح المتقدمين بالخطأ؟ ولا نحتمِل لهم هذا الإغراق الفاحش؟ قلنا: أو لستُم قد سلّمتم لهم الإحسان في غير ذلك، ولم تسقطوهم من عداد الشعراء لأجله فأجروا هذا الرجل مجراهم، وألحقوه في الحكم بهم. وإذا احتملوا لامرئ القيس قوله:
[ ٤٢٦ ]
من القاصراتِ الطّرْف لو دبّ محوِلٌ من الذّرِّ فوق الإتْب منها لأثّرا
ولحميد قوله:
منعّمة لو يُصبِح الذّرُّ ساريًا على جِلدها صبّت مدارجُه دما
فاحتملوا للمُحدث قوله:
يجرحه اللّحظُ بتكرارِه ويشتكي الإيماء بالكفّ
ولأبي الطيب قوله:
تألّمُ درزَهُ والدّرْزُ ليْنٌ كما نتألّم العضْبَ الصّنيعا
وإذا لم ينزل عندكم حُميد بن ثور عن مكانه، ولم يؤخره عن مقامه إفراطه في قوله يصف امرأة ركبت هودجها:
فما دخلتْ في الخِدْرِ حتى تنقّضتْ تآسيرُ أعلى قِدّه وتحطّما
وما ركبتْ حتى تطاول يومُها وكانت لها الأيدي الى الحدب سُلّما
فجرجَر لمّا كان في الخِدر نصفُها ونصف على أياته ما تجزّما
وما كاد لما أن علَته يُقلّها بنهضتِه حتى اكلأزّ وأعْصَما
وحتى تداعت بالنقيضِ حبالُه وهمّت بواني زورِه أن تحطما
وأثر في صُم الصّفا ثفِناتُه ورام بلما أمرَه ثم صمّما
قال الأصمعي - وقد قرئت عليه هذه الأبيات: لو كانت هذه المرأة الماز ندر ما زاد؛
[ ٤٢٧ ]
فكيف ملتم على أبي الطيب لإفراطه في قوله:
ذِراعاها عدوًّا دُملُجَيها يظنّ ضجيعُها الزّند الضّجيعا
إذا ساغ للمتقدم أن يقول:
فلما جئته أعلى محلّي وأجلسني على السّبعِ الشِّداد
فأما ما جرى مجرى قول أبي نواس:
وأخفْتَ أهلَ الشِّركِ حتى إنّه لتخافُك النُّطَفُ التي لم تخلَق
فهو من المحال الفاسد، وله باب غير هذا، وكل هذا عند أهل العلم مَعيب مردود، ومنفي مرذول، وإن كان أهل الإغراب وأصحاب البديع من المحدَثين قد لهِجوا به واستحسنوه، وتنافسوا فيه؛ وبارَى بعضُهم بعضًا به.
ولسنا نذهب بما نذكره في هذا الباب مذهب الاحتجاج والتحسين، ولا نقصد به قصد العُذْر والتسويغ؛ وإنما نقول: إنه عيب مشترك، وذنب مقتَسَم، فإن احتمل فللكل، وإن رُدّ فعلى الجميع، وإنما حظ أبي الطيب فيه حظ واحد من عرض الشعراء، وموقعه منه موقع رجل من المحدثين.
فأما الاستعارة فهي أحد أعمِدة الكلام، وعليها المعوَّل في التوسّع والتصرف، وبها يتوصل الى تزيين اللفظ وتحسين النظم والنثر، وقد قدمنا عند ذكرنا البديع نُبذًا منها مثلنا بها المُستَحسَن والمستقبح، وفصلنا بين المقتصِد والمفرِط.
[ ٤٢٨ ]