فأما الإفراط فمذهب عام في المُحدَثين، وموجود كثير في الأوائل، والناس فيه مختلفون، فمستحسِن قابل، ومستقبِح رادّ، وله رسوم متى وقف الشاعر عندَها، ولم يتجاوز الوزصف حدّها جمع بين القصْد والاستيفاء، وسلم من النقْص والاعتداء، فإذا تجاوزها اتسمت له الغاية، وأدته الحال الى الإحالة، وإنما الإحالة نتيجة الإفراط، وشُعبة من الإغراق، والباب واحد، ولكن له درَج ومراتب.
فإذا سمع المحدَث قول الأول:
إلا إنما غادرْتِ يا أمَّ مالكٍ صدًى أينما تذهبْ به الريح يذهب
وقول آخر من المتقدمين:
ولو أنّ ما أبقيتِ منّي معلَّقٌ بعودِ ثمامِ ما تأوّد عودُها
جسَر على أن يقول:
أسَرّ إذا نحِلتُ وذاب جسمي لعل الريح تسْفي بي إليهِ
واستحسن غيره أن يقول:
ذاب فلو زُجّ بجُسمانه في ناظر الوسْنان لم ينتبِهْ
وسهّل لأبي الطيب الطريق فقال:
ولو قلمٌ ألقيتُ في شقِّ رأسه من السُقمِ ما غيرتُ من خطّ كاتِب
وقال:
[ ٤٢٠ ]
كفى بجسمي نُحولً أنّني رجل لولا مخاطبتي إياك لم ترَني
وإذا قال عنترة:
وأنا المنية في المواطن كلِّها والطعْنُ مني سابقُ الآجال
وقال النابغة الجعدي:
بلَغْنا السماءَ مجدُنا وجدودُنا وإنّا لنرجو فوق ذلك مظْهَرا
وقال الأعشى:
لو أسندتْ ميتًا الى نحرِها عاش ولم يُنقل الى قابر
وقال عروة بن زيد:
بجيشٍ تُطلّ البلق في حجَراتِه ترى الأُكمَ منه سُجَّدًا للحوافرِ
وقال النابغة:
تقُدّ السَّلوقيّ المضاعفَ نسجُه وتوقِدُ بالصّفّاح نار الحُباحِبِ
[ ٤٢١ ]
وقال النمِر بن تولب:
يظل يحفز عنه إن ضربْت به بُعد الذراعين والساقين والهادي
وقال مهلهِل:
ولولا الريح أسمعَ من بحِجْرٍ صَليلَ البيض تقرَع بالذكور
وقال امرؤ القيس:
إذا ركِبوا الخيل واستلأموا تحرّقتِ الأرضُ واليومُ قُرّْ
وقال الأعور الشّنّي:
ولو حلّ بالدّهناءَ حرث بن جابر لأصبحَ بحْرًا بالمفازةِ جاريا
وقال الهذلَي:
يردّ شعاع الشمس عار رماحنا ويصرف حد الشمس حتى تكركرا
وقال قيس بن الخطيم:
ملكْتُ بها كفّي فأنهرْتُ فتْقَها ترى قائمًا من دونها ما وراءَها
وقال هدبة:
بإجّانة فيحاءَ لو خرّ بازلٌ من البُختِ فيها ظلّ للجنبِ يسبحُ
وقال ابن ميّادة:
ولو أن قيسًا قيسَ عَيلانَ أقسمتْ على الشمس لم تطلعْ عليها حجابها
وقال الطّرمّاح:
ولو أن برغوثًا على ظهر قملةٍ يكر على صفّيْ تميم لولّتِ
[ ٤٢٢ ]
وقال العيني في جوابه:
ولو أن عصفورًا يمدّ جناحه على طيئ في دارها لاستقلّتِ
وقال طُريح:
لو قلت للسيل دع طريقك والمو ج عليه كالهضب يعتلِجُ
لارتدّ أوساخَ أو كان له في سائر الأرض عنك منعرَجُ
وقال العوّام بن عبد عمرو:
ولو أنها عصفورة لحسبتُها مسوّمةً تدعو عُبيدًا وأزنَما
وقال تميم بن مقبل:
ولو كحلت حواجب خيل قيس بكلب بعد تغلب ما قُذينا
وأمثال هذا مما لو قصدنا جمعه لم يعوز الاستكثار منه وجد من بعدَهُم سبيلًا مسلوكًا وطريقًا موطّئًا، فقصدوا، وجاروا، واقتصدوا وأسرفوا وطلب المتأخر الزيادة، واشتقاق الى الفضل فتجاوز غاية الأول، ولم يقف عند حد المتقدم، فاجتذبَه الإفراط الى النقص، وعدَل به الإسراف نحو الذم.
[ ٤٢٣ ]