الحمد لله الذي أنزل القرآن بلسان عربي مبين، والصلاة والسلام على رسوله الأمين، نبيّنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد، فهذا بحث بعنوان "نظرات لغوية في بعض الترجمات الأردية للقرآن الكريم" أعددته إجابة لطلب كريم من مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف بالمدينة المنوّرة، للمشاركة فى الندوة التي يعقدها عن ترجمة معاني القرآن الكريم بعنوان (ترجمة معاني القرآن الكريم: تقويم لماضي وتخطيط للمستقبل).
وقد طلب إليّ أن أكتب في موضوع (أخطاء في ترجمات معاني القرآن الكريم مردها خطأ في فهم اللغة)، وهو الموضوع الأول من المحور الثالث من محاور الندوة "المحور اللغوي".
وقد اخترت لإجراء هذا البحث بعض الترجمات المشهورة المتداولة من التراجم الأردية، ونظرت فيها نظرات فاحصة من الناحية اللغوية، من غير
_________________
(١) قدّم إلى ندوة "ترجمة معاني القرآن الكريم: تقويم للماضي وتخطيط للمستقبل" التي عقدها مجمع الملك لطباعة المصحف الشريف بالمدينة المنوّرة في ١٠ - ١٢/ ٢/١٤٢٣ هـ. وقد اشتمل أصل البحث على النقول من الترجمات الأردية، ولكن اضطررنا إلى حذفها -عند نشر البحث في هذه المجموعة- لصعوبة طباعتها بالحروف الأردية.
[ ٣٢٥ ]
مراجعة مستوعبة لتلك التراجم، فإن ذلك يحوج إلى زمن طويل تفرّغ تام.
وقد رتب البحث على مدخل وفصلين. المدخل في طرف من تاريخ ترجمة القرآن الكريم إلى اللغة الأردية، مع الإشارة إلى أشهر المترجمين الذين لا يزال المسلمون يرجعون إلى ترجماتهم، وذكر الترجمات التي تعرّض لها هذا البحث، ومنهج الباحث فيه.
أما الفصلان فأفرد أحدهما للألفاظ القرآنية التي وقع الخطأ والسهو في تفسيرها، وهي تسعة ألفاظ، وفي الفصل الثاني ناقش البحث عددًا من التراكيب النحوية والأساليب والتعبيرات التي لم يصب بعض المترجمين في ترجمة معناها.
وأرجو أن تكون هذه النظرات المعدودة كاشفة عن بعض جوانب الموضوع، نافعة للعاملين في مجال ترجمة القرآن إلى اللغات الأخرى، خادمة لمن يريد أن يستفيد من الترجمات الأردية المتداولة التي تناولها هذا البحث، وبخاصة ترجمة الشاه عبد القادر ﵀.
(إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت وما توفيقي إلّا بالله عليه توكّلت وإليه أنيب).
[ ٣٢٦ ]
مدخل
اللغة الأردية تحظى بثروة عظيمة من ترجمات القرآن الكريم، إلى اللغة الأردية في شالي الهند هو القاضي محمد معظم السنبهلي، وقد أكملها سنة ١١٣١ هـ وسمّاها "تفسير هندي". وقد وقف الدكتور سليم حامد رضوي على نسختها المكتوبة سنة ١١٣٣ هـ في إحدى المكتبات الخاصة في مدينة (بهوبال) ووصفها في كتابه عن إسهام (بهوبال) في تطوّر الأدب الأردي (١).
ثمّ فسّر بلديه الشاه مراد الله الأنصاري السنبهلي الجزء الثلاثين من القرآن، وأكمله سنة ١١٨٥ هـ ويعرف بـ (تفسير مرادية)، وطبع عدّة مرات (٢). ولعلّ جهودًا أخرى أيضًا قد بذلت في هذا المجال، ولكن خفيت أخبارهاعلى الباحثين.
أما التجمة الاولى الكاملة التي ظهرت، وتلقّاها الناس بالقبول، ولم ينقطع الإقبال عليها حتى الآن، فهي ترجمة الشاه عبد القادر ﵀ (ت ١٢٤٣ هـ).
_________________
(١) انظر مجلة "تحقيق" الباكستانية العدد المزدوج ١٢ - ١٣، ص ٣٧٥.
(٢) صدرت طبعته الأولى في كلكتا سنة ١٢٥١ هـ بعناية مولوي منصور أحمد بردواني الذي اعتمد في تصحيحه على أكثر من عشر نسخ من مخطوطات الكتاب، انظر لمرجع السابق ص ١٠٢.
[ ٣٢٧ ]
والشاه عبد القادر ﵀ أحد أبناء العلامة الشاه ولي الدهلوي (ت ١١٧٦ هـ) ١١٧٦ هـ) الذي نفع الله المسلمين في الهند به وبأسرته المباركة نفعًا عظيمًا، فوفّقهم لنشر علوم القرآن، وعلوم الحديث، وإحياء روح الجهاد. ولولا تعلّق الشاه ولي الله ﵀ بسلسلة التصوّف وفلسفته ورسومه لكانت نتائج مساعيه الجليلة أصلح وأنفع وأنقى.
وكان من جهود هذه الأسرة الكريمة في نشر علم القرآن الكريم أن الشاه ولي الله ﵀ ترجم القرآن الكريم إلى اللغة الفارسية التي كانت في عصره لغة العلم والأدب في شبه القارة الهندية. وكانت تلك خطوة جريئة تعرّض من جرائها للطعن والمضايقة من قبل بعض الحكّام والعلماء من معاصريه (١)، ولكنّها فتحت بابًا واسعًا من أبواب الخير لعامة المسلمين إذ أمكنهم بواسطتها فهم كتاب الله ﷿.
ثم تبعه من أبنائه الشاه رفيع الدين والشاه عبد القادر رحمهما الله، فترجم كل منهما القرآن الكريم إلى اللغة الأردية التي قد نمت وترعرعت في زمنهما، وكانت تلك خطوة موفّقة أخرى لها ما بعدها. حتّى بلغ عدد الترجمات الكاملة فقط في خلال قرنين من الزمن ١٦٤ ترجمة حسب أحد الفهارس التي صدرت في باكستان عام ١٩٨٧ م (٢).
ومن المترجمين الذين اشتهرت تراجمهم بعد ترجمتي الشاه رفيع الدين والشاه عبد القادر رحمهما الله، لا تزال متداولة في شبه القارة الهندية:
_________________
(١) انظر مقالة الدكتور ظهير أحمد الصديقي عن تراجم القرآن الكريم باللغة الأردية في مجلة "جامعة" عدد سبتمبر سنة ١٩٧٥ م ص ١٠١.
(٢) أفادني بذلك أخي الدكتور الحافظ أبو سفيان الإصلاحي معتمدًا على كتاب الترجمات الأردية للقرآن الكريم للدكتور أحمد خان، الذي نشر في إسلام آباد سنة ١٩٨٧ م، ولم أتمكّن من الاطلاع عليه.
[ ٣٢٨ ]
١ - نذير أحمد الدهلوي (ت ١٣٣٠ هـ).
٢ - وحيد الزمان الحيدر ابداي (ت ١٣٣٨ م) صاحب التفسير الوحيدي.
٣ - محمود حسن الديوبندي (ت ١٣٣٩ هـ).
٤ - احمد رضا خان البريلوي (ت ١٣٤٠ هـ).
٥ - أشرف علي التهانوي (ت ١٣٦٢ هـ) صاحب تفسير بيان القرآن.
٦ - سناء الله الأمر تسري (ت ١٣٦٧ هـ) صاحب التفسير الثنائي.
٧ - فتح محمد الجالندهري (ت؟؟).
٨ - أبو الكلام آزاد (ت ١٣٧٧ م) صاحب ترجمان القرآن.
٩ - ألو الأعلى المودودي (ت ١٣٩٩ هـ) صاحب تفهيم القرآن.
١٠ - أمين أحسن الإصلاحي (ت ١٤١٨ هـ) صاحب تدبر القرآن.
وقد رتبت أسماء المترجمين هنا على وفياتهم، ولو رتبت حسب تاريخ صدور ترجماتهم لتغيّر الترتيب وذكر الشيخ أشرف علي مثلًا قبل الشيخ محمود حسن، فإنّ ترجمة الأول صدرت سنة ١٣٢٦ هـ، أي قبل ست عشرة سنة من صدور ترجمة الشيخ محمود حسن سنة ١٣٤٢ هـ.
ويلاحظ أن أكثر المترجمين المذكورين أصحاب مؤلّفات في تفسير القرآن ونشرت ترجماتهم ضمن تفاسيرهم.
أما الترجمات التي عنيت بفحصها لإعداد هذا البحث، فأولها وأهمّها ترجمة الشاه عبد القادر ﵀ (ت ١٢٤٣ هـ) وذلك لمكانتها المرموقة بين التراجم الأردية، ولكونها مرجعًا للعلماء والمترجمين إلى وقتنا هذا. وقد أكملت هذه الترجمة سنة ١٢٠٥ هـ ونشرت في دهلي سنة ١٢٤٥ هـ بعد وفاة المؤلّف بسنتين. وميزتها أنّها جمعت بين خصلتين يصعب اجتماعهما في الترجمة. وذلك أن تكون الترجمة أدبية بليغة، مع كونها قريبة شديدة القرب من النصّ المترجم. وممّا يشهد ببراعة المترجم ﵀ أن قد مضى على ترجمته
[ ٣٢٩ ]
أكثر من قرنين، وقد تطوّرت اللغة الأردية في هذه الحقبة الطويلة تطوّرًا كبيرًا، فكم من ألفاظ وأساليب وتعبيرات هجرت ونسيت وتغيّرت، ولكن ترجمة الشاه عبد القادر ﵀ لم تفقد روعتها ووهجها.
كبرد اليماني قد تقادم عهده ورقعته ما شئت في العين واليد
ورجعت للمقارنة إلى ترجمة أخيه الأكبر الشاه رفيع الدين ﵀ (ت ١٢٤٩ هـ) وهي ترجمة حرفية مبينة، ولها منزلتها بين الترجمات الأردية. وقد أكملت هذه الترجمة سنة ١١٩٠ هـ قبل ترجمة الشاه عبد القادر ولكنها نشرت بعدها في كلكتا سنة ١٢٥٦ هـ. وكذلك رجعت للمقارنة إلى الترجمة الفارسية لوالدهما الشاه ولي الله الدهلوي ﵀ (ت ١١٧٦ هـ)، وذلك لأن هذه الترجمات الثلاث التي صدرت من بيت واحد كانت مصدرًا للمترجمين الذين جاءوا من بعدهم.
وللمقارنة أيضًا رجعت إلى ترجمة الشيخ محمود حسن الديوبندي ﵀ (ت ١٣٣٩ هـ)، فإنّها نسخة ميسرة مشيرًا إلى أن ترجمة الشاه عبد القادر ﵀ لما في أسلوبها من الإيجاز الشديد في بعض المواضع ولما فيها من ألفاظ قديمة وتعبيرات غير مألوفة يخشى أن ينصرف عنها عامة الناي إلى تراجم جديدة لا تبلغ مبلغها في الصحة والدقّة، فرأى أن يستبدل بالألفاظ القديمة ألفاظًا معروفة، ويوضّح العبارات الموجزة التي تشكل على القارئ المعاصر (١).
ونظرت في ترجمة الشيخ محمد الجوناكري ﵀ (ت ١٣٦٠ هـ) ووسمتها بترجمة المجمع، لأن طبعتها التي بين يدي أصدرها مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف بالمدينة، بعد تصحيحها ومراجعتها، فتحفّظت في عزو ما أنقله منها الشيخ محمد، فقد يكون بعضها بقلم المصحّحين
_________________
(١) أنظر مقدّمة المترجم في آخر الترجمة ص ٣ - ٤.
[ ٣٣٠ ]
والمراجعين، وإنما عنيت بها لسعة انتشارها بعد ما طبعها المجمع وتوزيعها مجانًا على الناطقين بالأردية.
ونظرت أيضًا في ترجمة الشيخ أشرف علي التهانوي ﵀ (ت ١٣٦٢ هـ)، لأنها من أشهر الترجمات المتداولة في شبه القارة الهندية.
أما ترجمة الأستاذ لأبي الأعلى المردودي ﵀، فهي ترجمة تفسيرية أدبية تمتاز بأسلوبها السلس القوي العالي، ويشعر قارئها بأنه يقرأ كلامًا متّصلًا متناسقًا فلا يجد صعوبة في استيعاب معناه. ومن ثمّ لقيت ترجمته قبولًا كبيرًا بين المثقفين وانتفع به خلق كثير. وقد حدّثني الشيخ أبو الحسن علي الحسن الندوي ﵀ ذات مرّة أنّه يرجع في ترجمة الآيات الكريمة التي ترد في مؤلّفاته إلى ترجمتين: ترجمة الأستاذ المودودي وترجمة الشيخ فتح محمد الجالندهري.
وقد وددت عند إعداد هذا البحث لو كانت ترجمة الشيخ فتح محمد ﵀ أيضًا في يدي، فإنّها من الترجمات المتداولة المعروفة بأسلوبها السهل ولكن لم أتمكّن من الرجوع إليها وإلى ترجمة الشيخ نذير أحمد الدهلوي ﵀ (ت ١٣٣٠ هـ) إلّا في موضع واحد.
وبالجملة فهذه تسع ترجمات للقرآن الكريم رجع إليها الباحث، ولكن جلّ عنايته كانت مصروفة إلى ترجمة الشاه عبد القادر ﵀.
الترجمات الأردية التي أشرت إليها آنفًا كان أكثر أصحابها من العلماء االمشهورين، ولهم قدم راسخة في العلوم الدينية المتداولة من التفسير والحديث والفقه، بالإضافة إلى إتقانهم اللغة العربية، ثمّ إنّهم اعتمدوا عند قيامهم بالترجمة على كتب التفسير والترجمات السابقة. فمن الجائز أن يكون بعضهم اختار قولًا مرجوحًا من أقوال المفسّرين، أو لم يوفّق في اختيار كلمة مناسبة أو أسلوب مناسب للتعبير عن معنى النصّ المترجم، ولكن من الصعب أن تجد في
[ ٣٣١ ]
ترجماتهم أخطاء فاحشة مردها الجهل باللغة العربية. وإن وجد فسيكون شيئًا يسيرًا، ومن السهو والذهول الذي لا يخلو منه العمل البشري. وهذا هو الذي قصدت إلى التنبيه عليه في هذا البحث، فالتزمت أن تكون الترجمة التي أناقشها خطأ زاهرًا أو شبيهًا به من الناحية اللغوية، أمّا إذا وافقت قولًا من الأقوال المنقولة في كتب التفسير والغريب، وله شواهد -ولو كانت ضعيفة في نظر الكاتب- فهذا البحث عنها بمعزل.
[ ٣٣٢ ]
الفصل الأول
في ترجمة الألفاظ
الألفاظ التي يتناولها هذا الفصل أنواع: منها ما وقع لخطأ في تفسير أصل معناها، نحو كلمة (الشوى) في سورة المعارج، فسّرها بعض المتردجمين بمعنى الكبد، وكلمة (سجّرت) في سورة التكوير التي ترجمت بمعنى "ردمت وسوِّيت". ومنها كلمة اختار المترجم من وجوه معناها وجهًا غير مناسب لسياق الآية نحو كلمة (الظن) التي جاءت في غير ما لآية بمعنى اليقين، فترجمت فيها بمعنى الشك، وكلمة (الروح) التي فسّرت بمعنى الملك في الآية التي جاءت فيها للحي. ومنها ما تأثّر المترجم في تفسيره باستعمال الكلمة عند المتأخّرين أو في لغته، نحو كلمتي (التنازع) و(المجادلة) اللتين غلب استعمالهما بمعنى الخلاف والخصام.
وختم الفصل بكلمة تعرّض معناها لتحريف معتمّد، وهي كلمة (الشجرة) المذكورة في قصّة آدم وإبليس، فترجمها زعيم طائفة منكري السنة بمعنى (المشاجرة)! وإليكم التفصيل.
(١) الشوى
وردت كلمة الشوى في القرآن الكريم مرّة واحدة في قوله تعالى: ﴿كلَّا إنها لظى - نزاعةً للشوى﴾ (المعارج: ١٥ - ١٦).
ترجم الشاه عبد القادر كلمة الشوى في الآية بمعنى (كليجه) التي تعني
[ ٣٣٣ ]
"الكبد" (١).
لم ينقل عن أحد من اللغويين أو المفسرين -على اختلاف أقوالهم- أنّه فسّر كلمة الشوى بمعنى الكبد، ومن الغريب أن الشيخ محمود حسن لم يغيّر هذه الترجمة، فاضطّر الشيخ شبير أحمد العثماني بالتعليق عليها بما معناه: "يعني أن تلك النار لن تترك المجرم أبدًا، بل إنّها ستنزع جلده ثم تخرج الكبد من داخل جسمه" (٢).
وبيّن من تعليق الشيخ أنه حاول فيه تسويغ ترجمة الشيخ عبد القادر وتصويبها فأضاف في حاشيته معنى "نزع الجلد" الذي فسّرت به الآية في بعض أقوال أهل العلم، حتّى يفضي ذلك إلى نزع "الكبد".
أمّا الشاه ولي الله الدهلوي -والد الشاه عبد القادر- ففسّر "الشوى" في ترجمة الفارسية بجلد الرأس (٣)، وفسّر أخوه الشاه رفيع لدين بجلد الوجه (٤)، والترجمات الأردية الأخرى أيضًا لم تتابع الشيخ عبد القادر، فجمعت ترجمة المجمع بين تفسيري الشاه ولي الله والشاه رفيع الدين، ففسّرت بمعنى جلد الوجه والرأس (٥). وفي ترجمة الشيخ أشرف علي بمعنى الجلد (٦)، وفي ترجمة الأستاذ المودودي أنّها تأكل اللحم والجلد (٧)، وهذه الترجمات كلّها موافقة لأقوال من أقوال المفسّرين.
وقد نبّه على خطأ الشيخ عبد القادر في تفسير كلمة الشوى الإمام عبد
_________________
(١) الشاه عبد القادر: ٦٨٨.
(٢) محمود حسن: ٧٥٥.
(٣) الشاه ولي الله: ٦٨٨.
(٤) الشاه رفيع الدين: ٦٨٩.
(٥) المجمع: ١٦٢٧.
(٦) اشرف علي: ٦٨٦.
(٧) المودوي: ١٤٧٣.
[ ٣٣٤ ]
الحميد الفراهي، فقال: "وقد أخطأ العلامة عبد القادر الدهلوي في ترجمة قوله تعالى - ﴿نزَّاعة للشَّوى﴾ فظنّ أنه الكبد، والموقع ذكر دنو العذاب، لا دخول المنكرين في النار، فإنّ سياق الكلام هكذا: (ونقل الآيات ١ - ١٨ من سورة المعارج بمّ قال• فهذا بيان الموقف، يوم أزلفت الجنة للمتّقين، وبرزت الجحيم للغاوين، فليس لهم حميم. فحيمئذ تدعو الجحيم الكفار وتخرج لظاها فتذهب بلحم سوقهم. وأما أنها تخرج أكبادهم فليس هذا ممّا جاء في شئ من القرآن حتى إنّهم حين يدخلونها لا تحرج أكبادهم ولا قلوبهم" (١).
وقد يكون الشيخ عبد القادر أراد أن يبيّن شدّة ما تفعله النار، فاختار تعبيرًا رائجًا في كلام الناس في زمنه، دون النظر إلى ألفاظ الآية. ولكن ترجمته على ذلك ستبقى مرجوحة بلا شكّ، ويشهد بذلك أنّه لم يتابع عليها.
(٢) مسوّمين
قال تعالى في سورة آل عمران: ﴿بلى إن تصبروا وتتَّقوا ويأتوكم من فورهم هذا يمددكم ربُّكم ألفٍ من الملائكة مسومين﴾ (آل عمران: ١٢٥) ترجم الشاه عبد القادر معنى الجزء الأخير من الآية بما معناه:
"بخمسة آلاف من الملائكة، على خيول ربيِّت" (٢).
وقد وردت كلمة (المسوّمة) نعتًا للخيل في أول هذه السورة في قوله تعالى: ﴿زين للنَّاس حبُّ الشهوات من النساء والبنين والقناطير المقنطرة من الذَّهب والفضَّة والخيل المسوَّمة والأنعام والحرث ذلك متاع الحياة الدُّنيا والله عنده حسن المئاب﴾ (آل عمران: ١٤).
_________________
(١) رسائل الفراهي في علوم القرآن ٢٧٢، وانظر مفردات القرآن له: ٤٦ (ط. دار الغرب الإسلامي: ٢٠٠).
(٢) الشاه عبد القادر: ٨١.
[ ٣٣٥ ]
وترجم الشاه عبد القادر (الخيل المسومة) بالخيل التي ربيّت (١).
قد فسّرت كلمة (المسوّمة) في هذه الآية بالمرعيّة في المروج والمسارح، أو المعلمة (٢). وترجمة الشاه عبد القادر لهذه الآية لا غبار عليها. ولكن إذا فرضنا أن كلمة (مسوّمين) في الآية الأولى من سوّم الماشية في المرعى أي رعاها، فيكون معناها في الآية "بخمسة آلاف من الملائكة مرسلين (خيولهم) في المراعي، ولا يصحّ أن يترجم (مسوّمين) بمعنى "راكبين على خيول مرعيّة".
وتنبّه على هذا الخطأ الشيخ محمود حسن، فأصلح ترجمة الشاه عبد القادر بما معناه "بخمسة آلاف من الملائكة، على خيول معلمة] " (٣). ولكن الراجح ما ذهب إليه معظم المترجمين ومنهم والد الشاه عبد القادر وأخوه أنّ (مسومّين) بمعنى معلمين (أنفسهم بعلامات) (٤)، وهو الأقرب إلى لفظ الآية، وهو الذي تؤيده القراءة السبعية الأخرى (مسوَّمين) بفتح الواو (٥) أي "معلمين".
(٣) سجِّرت
قال تعالى: ﴿وإذا البحار سجرت﴾ (التكوير: ٦).
عامة المترجمين فسّروا (سجرت) في الآية بمعنى أضرمت أو أوقدت (٦).
ولكن الشيخ نذير أحمد فسرها بمعنى "ردمت وطمرت" (٧).
_________________
(١) المرجع السابق: ٦٣.
(٢) انظر تفسير الطبري (شاكر) ٦: ٢٥١ - ٢٥٧.
(٣) محمود حسن: ٨٤.
(٤) انظر الشاه ولي الله: ٨١ والشاه رفيع الدين: ٨٠ وأشرف علي: ٨١ والمجمع: ١٧١ والمودودي: ١٨٣.
(٥) وهي قراءة نافع وابن عامر وحمزة والكسائي. انظر كتاب الكشف لمكي ١: ٣٥٥.
(٦) انظر الشاه ولي الله: ٧١٠ والمودودي: ١٥٢٥ والمجمع: ١٦٧٩.
(٧) نذير أحمد: ٩٣٥.
[ ٣٣٦ ]
ولعلّه نظر إلى ما روي عن قتادة وغيره أنّه قال في تفسير الآية: غار ماؤها فذهب (١). ولكن الكلمة الأردية التي فسّر بها الشيخ نذير أحمد تعني أنّ تلك البحار سوِّيت فذهب عمقها وصار سطحها مساويًا لسطح الأرض، وذلك لم يقل به أحد.
هذا واختار الطبري في تأويل الآية قول من قال إن "معنى ذلك: ملئت حتى فاضت، وانفجرت وسالت"، كما وصفها الله به في الموضع الآخر، فقال: ﴿وإذا البحار فجرت﴾ " (٢).وهو الأقرب إلى استعمال (سجر) في كلام العرب، وهو الذي اختاره التفسير الميّسر الذي أصدره المجمع (٣).
(٤) الظنّ
كلمة (الظنّ) في العربية تستعمل أحيانًا بمعنى اليقين، قال ابن قتيبة: " لأن في الظن طرفًا من اليقين" (٤). وقد أحسن الفراهي في كتابه مفردات القرآن في بيان السرّ في ذلك فقال: "الظن ما يرى المرء من غير مشاهدة. لكون غير المشهود ربّما لا يوقن به تضمن الظنّ معنى الشك. وبهذا المعنى كثر في كلام العرب والقرآن ولكن الرأي في غير المشهود ربّما يكون يقينًا، ويطلق الظنّ عليه بالمعنى الأعمّ من غير تضمّنه الشط" (٥).
وقد جاء (الظن) بمعنى اليقين في آيات كثيرة منها:
قوله تعالى: ﴿حتَّى إذا ضاقت عليهم الأرض بما رحبت وضاقت عليهم أنفسهم وظنوا أن لَّا ملجأ من الله إلَّا إليّه﴾ (التوبة: ١١٨).
_________________
(١) تفسير الطبري: ٣٠: ٦٨.
(٢) المصدر السابق: ٣٠: ٦٨ - ٦٩.
(٣) التفسير الميسّر: ٥٨٦.
(٤) تأويل مشكل القرآن: ١٨٧ وأنظر الأضداد: ٩، ١٤.
(٥) مفردات القرآن: ٥٥. (ط. جار الغرب الإسلامي: ٢٩٦).
[ ٣٣٧ ]
(ظنّوا) أي استيقنوا (١)، قال أبو جعفر رجمه الله في تفسيره: "وأيقنوا بقلوبهم أن لا شيء لهم يلجأون إليه ممّا نزل بهم من أمر الله من البلاء" (٢).
وقد أخطأ الشاه عبد القادر في ترجمة معنى الآية إذ فسّرها بالظن (٣).
ومنها قوله تعالى: ﴿ورءا المجرمون النَّار فظنُّوا أنَّهم مواقعوها ولم يجدوا عنها مصرفًا﴾ (الكهف: ٥٣).
وهنا أيضًا الشاه عبد القادر كلمة الظن بمعنى التخمين (٤): ومثله في ترجمة الشاه رفيه الدين (٥).
وكذلك في قوله تعالى: ﴿وضلَّ عنهم مَّا كانوا يدعون من قبل وظنَّوا ما لهم مّن مَّحيص﴾ (فصلت: ٤٨) ترجم الشاه عبد القادر بمعنى التخمين (٦):
وقد أصلح الشيخ محمود حسن ترجمة (ظنّوا) في الآية الأخيرة فقط بما معناه: "وعملوا" (٧)، وهو الصواب فيها جميعًا. وبذلك ترجمت الكلمة في الترجمات الأخرى التي بين يديّ (٨).
(٥) أصبح
"أصبح" من أخوات كان، وتفيد اتّصاف المسند إليه بالمسند في وقت
_________________
(١) تفسير غريب القرآن لابن قتيبة: ١٩٣.
(٢) تفسير الطبري (شاكر) ١٤: ٥٤٣.
(٣) الشاه عبد القادر: ٢٤٨.
(٤) الشاه عبد القادر: ٣٦١.
(٥) الشاه رفيع الدين: ٣٦٠.
(٦) الشاه عبد القادر: ٥٨٠.
(٧) محمود حسن: ٦٤١.
(٨) أشرف علي: ٥٨٠، المجمع: ١٣٥٧، والمودودي: ١٢١٣
[ ٣٣٨ ]
الصباح. وقد تكون بمعنى صار نحو قوله تعالى: ﴿فأصبحتم بنعمته إخوانًا﴾ (آل عمران: ١٠٣) وقوله تعالى: ﴿فطوعت له نفسه قتل أخيه فقتله فأصبح من الخاسرين﴾ (المائدة: ٣٠)، وقوله تعالى في الآية التالية: ﴿فأصبح من النَّادمين - فأصبح من النادمين﴾ (المائدة: ٣١)، وقوله تعالى: ﴿قد سألها قومٌ من قبلكم ثمَّ أصبحوا بها كافرين﴾ (المائدة: ١٠٢).
فسّر الشاه عبد القادر ﵀ (أصبح) في الآيات الثلاث الأولى بمعنى صار، ولكنّه قيدها في ترجمة معنى الآية الرابعة بمعنى الصباح (١). وهو خطأ، وأصلحه الشيخ محمود حسن بحذف الكلمة الأردية التي تعني الصباح الباكر (٢).
وهناك آيات تحتمل أن تكون "أصبح" فيها مقيّدة بمعنى الصباح، يظهر من مراجعة هذه المواضع في ترجمة الشاه عبد القادر ﵀ أنّه آثر تقييدها بالصباح بدلًا من تفسيرها بمعنى الصيرورة. ومنها قوله تعالى:
- ﴿فترى الَّذين فى قلوبهم مرضٌ يسارعون فيهم يقولون نخشى أن تصيبنا دائرةٌ فعسى اللَّه أن يأتى بالفتح أو أمرٍ من عنده فيصبحوا على ما أسرُّوا في أنفسهم نادمين﴾ (المائدة: ٥٢).
قال أبو حيان: "أي يصيروا نادمين على ما حدثتهم أنفسهم أنّ أمر النبي لا يتمّ ولا تكون الدولة لهم " (٣). ولكن الشاه عبد القادر ﵀ قيد المعنى بوقت الفجر (٤).
وحذف الشيخ محمود حسن في ترجمته كلمة الفجر (٥).
_________________
(١) الشاه عبد القادر: ١٥١.
(٢) محمود حسن: ١٤٦.
(٣) البحر المحيط ٤: ٢٩٣.
(٤) الشاه عبد القادر: ١٤٢.
(٥) محمود حسن: ١٥٤.
[ ٣٣٩ ]
ومنها قوله تعالى: ﴿ألم تر أن الله أنزل من السماء ماءً فتصبح الأرض مخضَّرةً أنَّ الله لطيفٌ خبيرٌ﴾ (الحج: ٦٣). وقيد الشاه عبد القادر معنى "تصبح" بوقت الصبح (١) وهنا أيضًا حذف الشيخ محمود حسن كلمة الصبح (٢).
ومنها قوله تعالى: ﴿قال عمَّا قليل ليَّصبحنَّ نادمين﴾ (المؤمنون: ٤٠) وترجم الشاه عبد القادر كعادته بما معناه: سيصيرون نادمين في الصباح (٣).
ولم يحذف الشيخ محمود حسن هنا كلمة الصبح (٤).
والجدير بالذكر أن الشاه ولي الله والشاه رفيع الدين فسّرا المواضع المذكورة كلّها بمعنى صار، ومن ثمّ لم تتابع فيها الترجمات الأردية التي بين يديّ ترجمة الشيخ عبد القادر ﵀.
(٦) الروح
جاءت كلمة الروح في القرآن الكريم على عدة أوجه (٥)، منها الوحي نحو قوله تعالى: ﴿ينزل الملائكة بالرُّوح من أمره على من يشاء من عباده﴾ (النحل: ٢).
وقوله سبحانه: ﴿يلقى الرُّوح من أمره على من يشاء من عباده لينذر يوم التلاق﴾ (غافر: ١٥).
وفّسر الشاه عبد القادر ﵀ كلمة الروح في الموضعين بمعنى السرّ (٦).
_________________
(١) الشاه عبد القادر: ٤٠٩.
(٢) محمود حسن: ٤٥٢.
(٣) الشاه عبد القادر: ٤١٥.
(٤) محمود حسن: ٤٥٩.
(٥) انظر فيها كتب الوجوه والنظار نحو كتاب نزهة الأعين النواظر: ٣٢٢.
(٦) الشاه عبد القادر: ٣٢٢، ٥٦٤.
[ ٣٤٠ ]
أمّا والده الشاه ولي الله، ففسّر (الروح) في سورة النحل بالوحي (١)، وأبقى في سورة غافر كلمة الروح نفسها في الترجمة (٢).
وحافظ الشاه رفيع الدين على كلمة الروح في الموضعين (٣).
أمّا الآية التي أغرب الشاه عبد القادر ﵀ في ترجمتها، معناها فهي قوله تعالى: ﴿وكذلك أوحينا إليك روحًا من أمرنا﴾ (الشورى: ٥٢)، إذ فسّر الروح فيها بمعنى الملك و(أوحينا) بمعنى "أرسلنا" (٤).
وذكر الشيخ شبير أحمد العثماني في حاشيته على ترجمة الشيخ محمود حسن أنّ ذلك من قول بعض المفسّرين (٥)، ولكن لم أجد هذا القول في كتب التفسير التي رجعت إليها (٦). لا شكّ أنّ كلمة الروح فسرت بمعنى الملك في أكثر من آية كقوله تعالى: ﴿نزل به الرُّوح الأمين على قلبك لتكون من المنذرين﴾ (الشعراء: ١٩٣ - ١٩٤) وقوله تعالى: ﴿فأرسلنا إليها روحنا فتمثّل لها بشرًا سويًا﴾ (مريم: ٧)، ولكن لا يستقيم أن يراد بها الملك في سورة الشورى، فإنّ كلمة (أوحينا) لم ترد بمعنى إرسال ملك أو رجل. ولم يتابع أحد من مترجمي الأردية الشاه عبد القادر ﵀ على هذه الترجمة، بل فسّر بعضهم بالوحي (٧)، وحافظ آخرون على كلمة الروح نفسها، ولعلّهم تابعوا في ذلك ترجمة الشاه رفيع الدين ﵀ (٨)، ثمّ بيّنوا في الحاشية أنّها أطلقت على القرآن (٩).
_________________
(١) الشاه وليّ الله: ٣٢٢.
(٢) المرجع السابق: ٥٦٤.
(٣) الشاه رفيع الدين: ٣٢١ ف، ٥٦٠.
(٤) الشاه عبد القادر: ٥٨٨.
(٥) محمود حين: ٦٥٠.
(٦) نحو تفسير ابن جرير، والكشاف، والبحر المحيط، ومفاتيح الغيب، وتفسير ابن كثير.
(٧) انظر مثلًا ترجمة أشرف علي: ٥٨٨.
(٨) الشاه رفيع الدين: ٥٨٣.
(٩) انظر مثلًا ترجمة المودودي: ١٢٣١ وترجمة المجمع: ١٣٧٦.
[ ٣٤١ ]
أمّا الشاه وليّ الله ﵀ ففسّر كلمة الروح في ترجمته الفارسية بالقرآن (١).
(٧) التنازع
كلمة التنازع معروفة بمعنى الخلاف والخصام، ولكنّها إذا استعملت للكأس فأنّها تعني تعاطي الكأس وتناولها، ولكنّها لمّا انتقلت إلى الفارسية ثمّ الأردية انحصرت في معنى الخلاف والتخاصم.
ومن ثم فسّر غير واحد من المترجمين كلمة التنازع في قوله تعالى ﴿يتنازعون فيها كأسًا لَّا لغوٌ فيها ولا تأثيمٌ﴾ (الطور: ٢٣) بما معناه الاختطاف والاستلاب. منهم الأخوان: الشاه رفيع الدين والشاه عبد القادر، والشيخ أشرف علي. ومثله في ترجمة المجتمع (٢).
الكلمة الأردية التي فسّروا بها (يتنازعون) تعني -كما قلنا- الهجوم على الشيء، والاندفاع إليه، واجتذابه واختطافه، وقد أضاف بعضهم بين القوسين ما معناه: "على سبيل المباسطة والمداعبة" كما في ترجمتي الشيخ أشرف علي والمجمع. ولكن المعروف في معنى تنازع الكأس هو تعاطيها وتداوليها. وبه فسّر الآية أبو عبيدة (يتعاطون أي يتداولون) (٣) وابن قتيبة (أي يتعاطون) (٤) وابن جرير (يتعاطون فيها كأس الشراب ويتداولونها بينهم) (٥) وابن كثير (أي
_________________
(١) الشاه ولي الله: ٥٨٨.
(٢) وانظر الشاه رفيع الدين: ٢٢٦، والشاه عبد القادر: ٦٣١ وأشرف علي: ٦٣٠، والمجمع: ١٤٨٦.
(٣) مجاز القرآن: ٢: ٢٣٢.
(٤) تفسير غريب القرآن: ٤٢٥.
(٥) فسير الطبري ٢٧: ٢٨.
[ ٣٤٢ ]
يتعاطون (١).
وقد أصاب الشاه ولي الله ﵀ في ترجمته الفارسية (٢).
(٨) المجادلة
فسّر الراغب كلمة الجدال بأنّه "المفاوضة على سبيل المنازعة والمغالبة، وأصله من جدلت الحبل أي أحكمت فتله ومنه الجدال فكأن المتجادلين يفتل كل واحد الآخر عن رأيه" (٣).
فالجدال بمعنى المحاورة والمراجعة والمناقشة. وكثيرًا ما تتحوّل المناقشة إلى مشاجرة ومصارعة، فأصبح الجدال يستعمل بهذا المعنى أيضًا. ويبيّن ذلك القول الآخر الذي نقله الراغب بالتضعيف فقال: "وقيل: الأصل في الجدال: الصراع وإسقاط الإنسان صاحبه على الجدالة، وهي الأرض الصلبة".
وردت مشتقات الجدال في آيات كثيرة منها قوله تعالى ﴿فلمَّا ذهب عن إبراهيم الرَّوع وجاءته البشرى يجادلنا في قوم لوطٍ﴾ (هود: ٧٤) وقوله ﴿قد سمع الله قول الَّتى تجادلك فى زوجها وتشتكى إلى الله والله يسمع تحاوركما إنَّ الله سميع بصير﴾ (المجادلة: ١).
ترجم الشاه عبد القادر ﵀ كلمة الجدال في الآيتين بكلمة أردية تعني المخاصمة والمشاجرة (٤). ومثله ترجمة الشاه رفيه الدين ﵀ (٥). وتابعهما في هذه الترجمة في الموضعين الشيخ محمود حسن (٦) والشيخ أشرف
_________________
(١) تفسير ابن كثير: ٤: ٢٤٤.
(٢) الشاه ولي الله: ٦٣١.
(٣) مفردات ألفا القرآن: ١٨٩ - ١٩٠.
(٤) الشاه عبد القادر: ٢٧٧، ٦٥٢.
(٥) الشاه رفيع الدين: ٢٧٦، ٦٤٧.
(٦) محمود حسن: ٣٠٤، ٧١٩.
[ ٣٤٣ ]
علي (١)، وفي الموضع الأول الأستاذ المودودي (٢).
ولعلّ الكلمة الأردية التي فسّر بها الشاه عبد القادر كلمة الجدال في الآيتين كانت تستعمل في زمنه بمعنى الحوار والنقاش أيضًا كما يظهر من مراجعة بعض المعاجم الأردية (٣)، ولكنّها اختصت فيما بعد لمعنى المشاجرة والمخاصمة، فكان ينبغي للمترجمين الذين جاءوا بعده أن يجتنبوا تلك الكلمة.
(٩) الشجرة
لا خلاف بين المفسرين والمترجمين في معنى كلمة (الشجرة) التي جاءت في قصّة آدم وإبليس في قوله تعالى: ﴿ولا تقربا هذه الشَّجرة فتكونا من الظَّلمين﴾ (البقرة: ٣٥، والأعراب: ١٩) وقوله: ﴿ما نهاكما ربُّكما عن هذه الشَّجرة إلَّا أن تكون ملكين أو تكونا من الخالدين﴾ (الأعراف: ٢٠) وقوله: ﴿فلَّما ذاقا الشَّجرة بدت لهما سوءتهما وطفقا يخصفان عليهما من ورق الجنَّة وناداهما ربُّهما ألم أنهكما عن تلكما الشَّجرة﴾ (الأعراف: ٢٢) ولكن (غلام أحمد برويز) زعيم طائفة منكري السنة فسّرها بمعنى الخلاف والخصام، أخذًا من كلمة المشاجرة والتشاجر (٤)، فجعل الأصل فرعًا والفرع أصلًا!
وليس ذلك لجهله بمعنى الكلمة، ولكنّه تحريف معتمّد، وكتابه مشحون بأمثاله، وقد نال تحريفه من الألفاظ الشرعية أيضًا نحو الصلاة والزكاة والصوم والحجّ والجهاد وغير ذلك، فغيّر معانيها تبعًا لهواه.
ولم تكن تحريفاته من مجال هذا البحث، وإنّما قصدت بما أوردته هنا إلى الإطراف والإحماض.
_________________
(١) أشرف علي: ٢٧٧، ٦٥٢.
(٢) المودودي: ٥٥٩٥.
(٣) معجم جون بلاتس: ٤٠٥.
(٤) مفهوم القرآن: ١: ١٣.
[ ٣٤٤ ]
الفصل الثاني
في ترجمة التراكيب النحوية والأساليب
في هذا الفصل نتناول بعض التراكيب النحوية التي وقع السهو في فهمها فصارت الترجمة خطأ ظاهرًا، ومنها ما اضطرب المترجمون في ترجمتها.
ونناقش أيضًا بعض الأساليب والتعبيرات التي اعتمد المترجم في تفسيرها على قول شاذ من أقوال أهل التفسير متنكبًا عن القول المحكم والرأي المبرم.
(١) قائمًا بالقسط
قال الله تعالى: ﴿شهد الله أنَّه لا إله إلَّا هو والملائكة وأولوا العلم قائما بالقسط لا إله إلَّا هو العزيز الحكيم﴾ (آل عمران: ١٨).
(قائمًا بالقسط) في الآية حال من الضمير (هو) أو لفظ الجلالة (١)، ولكن الشيخ فتح محمد ﵀ جعله في ترجمته حالًا من الملائكة وأولي العلم (٢).
(٢) ويمح الله الباطل
قال تعالى في سورة الشورى:
﴿فإن يشإ الله يختم على قلبك ويمح الله الباطل ويحقُّ الحقَّ بكلماته﴾ (الشورى: ٢٤).
_________________
(١) انظر التبيان في إعراب القرآن: ١: ٢٤٧.
(٢) ترجمة فتح محمد: ٥١.
[ ٣٤٥ ]
(يمح) كذا رسمه في المصحف دون واو، فتوهّم الشاه عبد القادر ﵀ أنّه مجزوم ومعطوف على (يختم)، وترجم معنى الآية على هذا التركيب (١).
وقد تنبّه الشيخ محمود حسن على الخطأ في هذه الترجمة فأصلحه (٢).
وخوفًا من هذا الالتباس قد عنيت كتب التفسير والمعاني والإعراب ببيان إعراب (يمح) في الآية، فقال الفراء: "وقوله ﴿ويمح الله الباطل﴾ ليس بمردود على (يختم) فيكون مجزومًا. هو مستأنف في موضع رفع وإن لم تكن فيه واو في الكتاب. ومثله ممّا حذفت منه الواو وهو في موضع رفع، قوله ﴿ويدع الإنسان بالشَّرّ﴾ وقوله ﴿سندع الزَّبانية﴾ " (٣).
وقال الطبري ﵀: "قوله ﴿يمح الله الباطل﴾ في موضع رفع بالابتداء، ولكنّه حذفت منه الواو في المصحف، كما حذفت من قوله ﴿سندع الزَّبانية﴾ ومن قوله ﴿ويدع الإنسان بالشَّرّ﴾ وليس بجزم على العطف (يختم) (٤).
هذا، وقد حكى يعقوب الحضرمي قولًا بأن (يمح) معطوف على (يختم) (٥)، ولكن لا أظن الشيخ عبد القادر اطلع على القول المذكور وجنح إليه، فإنّ عامة المفسّرين أغفلوه قديمًا لشذوذه، ونعمّا فعلوا.
(٣) وفتناك فتونا
قال تعالى في قصة موسى ﵇:
_________________
(١) الشاه عبد القادر: ٥٨٤.
(٢) محمود حسن: ٦٤٦.
(٣) معاني القرآن: ٣: ٢٣.
(٤) تفسير الطبري: ٢٥: ٢٧، وانظر البحر ٩: ٣٣٦.
(٥) كشف المشكلات: ٢: ١١٩٨ حاشية المحقّق.
[ ٣٤٦ ]
﴿وقتلت نفسًا فنجينَّك من الغم وفتنَّك فتونًا فلبثت سنين فى أهل مدين ثمَّ جئت على قدرٍ يا موسى﴾ (طه: ٤٠).
ترجم الشاه عبد القادر ﵀ معنى قوله تعالى: ﴿وفتنَّك فتونًا﴾ بما معناه: "وامتحناك امتحانًا يسيرًا" (١).
وفي هذه الترجمة نظر، فإن (فتونا) مصدر فتن يفتن، ووقع في الآية مفعولًا مطلقًا، فلا يستفاد منه بيان نوع الفعل، وإنّما يفيد توكيده. فمعنى ﴿وفتنَّك فتونًا﴾: واختبرناك اختبارًا، كما في رواية علي بن أبي طلحة عن ابن عباس ﵄، أو أخلصناك إخلاصًا كما روي عن مجاهد (٢).
وقيل إنّه يجوز أن تكون كلمة (فتون) جمعًا لفتنٍ أو فتنةٍ ويكون المعنى وفتناك ضروبًا من الفتن (٣). وعلى هذا القول أيضًا -إن صحّ- لا يستقيم ترجمة الشاه عبد القادر ﵀.
أمّا ترجمة أخيه الشاه رفيع الدين ﵀ والترجمات الأردية الأخرى التي بين يدي فإنّها جميعًا فسّرت (فتونا) بمعنى التوكيد (٤).
(٤) إن المخففة من إنّ
من الأخطاء الشائعة في الترجمات الإنجليزية وغيرها أن كثيرًا من
_________________
(١) الشاه عبد القادر: ٣٧٨.
(٢) انظر تفسير الطبري ١٦: ١٦٤، ١٦٧، وانظر كشف المشكلات ٢: ٨٢٥.
(٣) انظر الكشاف ٣: ٦٤ والبحر ٧: ٣٣٣.
(٤) انظر الشاه رفيع الدين: ٣٧٧، وأشرف علي: ٣٧٨، ولمجمع: ٨٥٩. وممّا يحب التنبيه عليه أنّه في حاشية ترجمة المجمع ذكر القولان في كلمة (الفتون)، ونظّر في كونها جمع الفتنة بالحجور جمع الحجرة (بالراء المهملة)، ولعلّه نقل من فتح القدير للشوكاني: ٣: ٤٥٤، وصوابه: الحجوز بالزاي المعجمة، انظر الكشاف ٣: ٦٤ والبحر ٧: ٣٣٣ والتاج (حجز).
[ ٣٤٧ ]
أصحابها فسروا (وإن) في قوله تعالى: ﴿وإن كانوا من قبل لفى ضلالٍ مبينٍ﴾ (الجمعة: ٢) بمعنى (ولوّ)! فتوهموها إن الشرطية، ولم يلتفتوا إلى اللام الفارقة الداخلة على (في) التي تدلّ على أن (إن) (١). وقد وقع الأستاذ المودودي أيضًا في هذا الوهم (٢).
أمّا المواضع الأخرى التي وردت فيها (إن المخفّفة) في القرآن الكريم فأصاب الأستاذ المودودي في ترجمتها، إلّا أنّه هو وغيره من المترجمين لم يلتزموا مراعاة معنى التوكيد الذي يحدثه في الكلام إن المخففة مع اللام الفارقة. فالشاه عبد القادر ﵀ ترجم الآية السابقة كأنها لا توكيد فيها (٣)، ولكنه في ترجمة قوله تعالى: ﴿وإن كان أصحاب الأيكة لظالمين﴾ (الحجر: ٧٨) راعى معنى التوكيد (٤).
وقد اغرب الشيخ أشرف علي وصاحب ترجمة المجمع في هذا الموضع، فنقلا معنى التوكيد من الإسناد إلى كلمة (ظالمين) لما نظرا -فيما يبدو- إلى اللام الفارقة الداخلة عليها (لظالمين)، فترجم كلاهما ترجمة تصح إذا كان النصّ على هذا الوجه: "وكان أصحاب الأيكة ظلاّمين" (٥).
(٥) أسلوب القصر
لا يراعي بعض المترجمين أحيانًا أسلوب القصر في الآية، فتخلو ترجمته
_________________
(١) انظر مثلًا ترجمة عبد الله يوسف علي: ١٧٤٥. وقد نبّه على هذا الغلط الدكتور ف. عبد الرحيم في ورقة قدّمها إلى ندوة ترجمة معاني القرآن الكريم بجامعة مالك بن سعدي في تطوان.
(٢) المودودي: ١٤٢١ وتبعه في الخطأ عبد الرحمن الكيلاني انظر تيسير القرآن: ٥٦٤.
(٣) الشاه عبد القادر: ٦٦٧.
(٤) المرجع السابق: ٣٢١.
(٥) أشرف علي: ٣٢١، المجمع: ٧٢٢.
[ ٣٤٨ ]
من معنى التوكيد الذي يستفاد من هذا الأسلوب. وللقصر طرق عدة في اللغة العربية، منها استعمال ضمير الفصل، فقوله تعالى ﴿ذلك هو الفوز العظم﴾ آكد من قوله ﴿ذلك الفوز العظيم﴾. ولكن المترجمين لا بفرقون بعض الأحيان بين الجملتين، بل قد يترجمون الجملة الثانية بأسلوب أقوى من ترجمة الجملة الأولى. ويمكن ملاحظة هذا الاضطراب في ترجمة الجملتين الآيتين في ترجمة المجمع وحدها:
(١) ﴿ذلك الفوز العظيم﴾ (التوبة: ٧٢، ١١١) (المؤمن: ٩) (الدخان: ٥٧) (الحديد: ١٢).
(٢) ﴿ذلك الفوز العظيم﴾ (النساء: ١٣) (التوبة: ٨٩، ١٠٠) (الصف: ١٢) (التغابن: ٦٤)
الناظر في ترجمة الجملتين في هذه الآيات يلحظ أن ترجمة قوله تعالى: ﴿ذلك هو الفوز العظيم﴾ في سورة التوبة: ١١١ مثل ترجمة قوله: ﴿ذلك هو الفوز العظيم﴾ في سورة التوبة: ١٠٠، وهي بمعنى الآية الثانية أليق.
وكذلك ترجمة ﴿ذلك الفوز العظيم﴾ في سورة التوبة: ٨٩ وسورة التغابن: ٦٤ مثل ترجمة ﴿ذلك هو الفوز العظيم﴾ في سورة التوبة: ٧٢، والمؤمن: ٩ والدخان: ٥٧. وهي بمعنى الآية الأولى ألبق.
(٦) أولى لك
هذا التعبير جاء في القرآن الكريم في موضعين: في سورة محمد، وفي سورة القيامة. الأول قوله تعالى:
﴿ويقول الَّذين أمنوا لولا نزلت سورةٌ فإذا أنزلت سورةٌ محكمةٌ فيها القتال رأيت الَّذين في قلوبهم مرضٌ ينظرون إليك نظر المغشى عليه من الموت فأولى لهم﴾ (سورة محمد: ٢٠).
[ ٣٤٩ ]
والآخر قوله تعالى: ﴿ثم ذهب إلى أهله يتمطى أولى لك فأولى ثم أولى لك فأولى﴾ (القيامة: ٣٣ - ٣٥).
فسر الشاه عبد القادر هذا التعبير في الآيتين على أنّه توعّد وتهديد بمعنى "ويل لك" (١).
وترجمه والده الشاه ولي الله في الفارسية على أنّه تحسّر (٢). وكذلك أخوه الشاه رفيع الدين (٣).
وقد تبع الأستاذ المودودي في تفسير سورة محمد ترجمة الشاه ولي الله على أنّه للتحسّر (٤).ولكنّه ذهب في تفسير سورة القيامة مذهبًا آخر، فترجم بما معناه: "إنّما يليق هذا السلوك بك" (٥)، ففسّر (أولى لك) بمعنى "أولى بك" وذكر في تفسيره (تفهيم القرآن) أنّه قول ابن كثير (٦).
أمّا ترجمة المجمع فجاءت فيها ترجمة معنى الآيتين مضادة لترجمة الأستاذ المودودي، وقد جمعت ترجمة قوله تعالى في سورة القيامة بين معنى التهديد ومعنى التحسّر (٧)، وهما قولان في تفسير "أولى لك" (٨)، ويجوز أن تفسّر الآية على هذا أو ذاك، أمّا يستقيم ذلك. وكان ينبغي للمترجم أن يختار أحدهما في الترجمة، ويشير إلى احتمال المعنى الآخر في الحاشية.
_________________
(١) الشاه عبد القادر: ٦١٢، ٧٠٠.
(٢) الشاه ولي الله: ٦١٢، ٧٠٠.
(٣) الشاه رفيع الدين: ٦٠٧، ٦٩٠.
(٤) المودودي: ١٢٨٣.
(٥) المرجع السابق: ١٥٠١.
(٦) تفهيم القرآن ٦: ١٧٦.
(٧) المجمع: ١٦٦٠.
(٨) تهذيب اللغة: ١٥: ٤٤٨.
[ ٣٥٠ ]
أمّا في سورة محمد فلم يفسّر صاحب ترجمة المجمع قوله تعالى ﴿فأولى لهم﴾ بمعنى التحسّر أو التهديد، بل فسّره بمعنى"خير لهم" وجعله مع قوله تعالى في الآية التالية ﴿طَاَعَةٌ وَقَوْلٌ مَّعْرُوفٌ﴾ جملة واحدة (١)
وهذا ما فسّر به الآية ابن كثير ﵀. وقد فسّر (أولى) في الموضعين بمعنى أحقّ وأجدر، فتقاسم
فتقاسم تفسيره الأستاذ المودودي وصاحب ترجمة المجمع، فتبعه الأول في سورة القيامة، والآخر في سورة محمد.
وتفسير ابن كثير رحمة الله للآيتين فيه نظر. أمّا قوله في تفسير سورة القيامة إن ﴿أَوْلَى لَكَ فَأَوْلَى﴾ "تهديد ووعيد أكيد من الله تعالى للكافر به المتبختر في مشيه. أي يحقّ لك أن تمشي هكذا، وقد كفرت بخالقك وبارئك، كما يقال هذا في المثل على سبيل التّهكم والتهديد كقوله تعالى: ﴿ذُقْ إِنَّكَ أَنتَ الْعَزِيزُ اَلْكَرِيمُ﴾
وكقوله تعالى. . ." فهو تفسير غريب، لم أره فيما رجعت إليه من كتب التفسير، ولعلّ ابن كثير تفرد به. والتفرّد نفسه ليس قادحًا في قول إن كان مؤيدًا بالدلائل والحجج، ولكن ما ذهب إليه ﵀ مبني على قول نقل في تفسير ﴿فَأَوْلَى لَهُمْ﴾ في سورة محمد إنه بمعنى"أولى بهم"، وهو قول من أضعف الأقوال
وأشبه ما يكون بالوهم والغلط، فلنقف وقفة قصيرة عند الآية المذكورة. قال تعالى:
﴿وَيَقُولُ اَلَّذِينَءَامَنُوا لَوْلاَ نُزِّلَتْ سُورَةٌ فَإِذَاَ أُنزِلَتْ سُورَةٌ مُّحْكَمَةٌ وَذُكِرَ فِيهَا اَلْقِتَالُ رَأَيْتَ اَلَّذِينَ فيِ قُلُوبِهِم
مَّرَضٌ يَنُظرُونَ إِليْكَ نَظَرَ اَلْمَغْشِيِّ عَلَيْهِ مِنَ اَلْمَوْتِ فَأَوْلَى لَهُمْ - طَاَعَةٌ وَقَوْلٌ مَّعْرُوفٌ فَإِذَا عَزَمَ اَلأَمْرُ فَلَوْ صَدَقُوا اللهَ لَكَانَ خَيْرًا لَّهُم﴾ (سورة محمد: ٢٠ - ٢١)
جمهور المفسّرين على أنّ قوله في الآية الأولى ﴿فَأَوْلى لَهُمْ﴾ وعيد وتهديد، وقوله في الآية الثانية ﴿طَاَعَةٌ وَقَوْلٌ مَّعْرُفٌ﴾ كلام مستقل، حذف منه
_________________
(١) المجمع: ١٤٣٦
[ ٣٥١ ]
أحد الجزئين إمّا الخبر وتقديره: "أمثل"، وإمّا المبتدأ وتقديره: "أمرنا"، أو نحوه. وكلا القولين جائز حسن عند الخليل وسيبويه والمبرد وغيرهم (١).
ووصفهما مكي بن أبي طالب بأنّهما أبين وأشهر (٢)
فلمّا فسّر قتادة الآية بقوله: "طاعة الله وقول بالمعروف عند حقائق الأمور خير لهم" (٣)
، فسّرها على حذف الخبر، لا على أن (أولى لهم) في الآية السابقة بمعنى"خير لهم".
ولكن يظهر أنّ بعض المفسّرين أراد أن يؤوّل الكلام هذا التأويل من غير أن يلجأ إلى حذف وتقدير، ورأى أنّ معنى كلمة (أولى) قريب من معنى خير وأمثل، ممّا قدروه خبرًا لكلمة (طاعة)، ففسّر
(أولى لهم) بمعنى خير لهم، وذهب إلى أنّ الكلام لم ينقطع على (أولى لهم) بل متّصل بما بعده في
الآية الثانية، وأن ﴿فَأَوْلَى لهم - طَاَعَةٌ وَقَوْلٌ مَّعْرُوفٌ﴾ جملة واحدة. وفاته أنّ الذي بمعنى
"أحق وأجدر" لا يقال فيه"أولى له" كما في الآية الكريمة، وإنّما يقال فيه"أولى به".
ولا يبعد أن يكون أحد المفسّرين الذين بني كتابه على الاختصار، وقصد فيه إلى تفسير ما أشكل
من معاني الآيات، دون بيان الإعراب، لم يفسّر قوله تعالى في الآية الأولى، وتجاوزه لاشتهار معناه،
ثمّ فسّر قوله في الآية الثانية (طاعة وقول معروف) بأن طاعة الله كانت أمثل وأولى بهم، فتوهّم
بعضهم أن قوله"أولى بهم" تفسير (أولى لهم) في الآية الأولى، فبني على ذلك قوله بأن الكلام متّصل
واللام بمعنى الباء.
وقد نقل هذا القول أبو حيان في البحر المحيط فقال: "وقيل أولى)
_________________
(١) انظر الكتاب: ١: ١٤٢، ٢: ١٣٦ ومعاني الزجاج ٥: ١٣، والكامل ٢: ٥٧٣، وانظر تأويل مشكل القرآن: ٤٢٠، وغريب القرآن: ٤١١ والطبري ٢٦: ٥٥، والقرطبي ١٦: ١٦١، والبحر ٩: ٤٦٠ - ٦٧١.
(٢) مشكل إعراب القرآن ٢: ٦٧٤.
(٣) تفسير الطبري ٢٦: ٥٦.
[ ٣٥٢ ]
مبتدأ، و(لهم) من صلته، و(طاعة) خبر، كأنّ اللام بمعنى الباء، كأنّه قيل: فأولى بهم طاعة" (١) (١).
ثمّ نقل قولًا آخر في إعراب (طاعة) وهو أنّ (طاعة) في الآية الثانية صفة لـ (سورة) في الآية الأولي، وعقب، عليه بأنّه"ليس بشيء، لحيلولة الفصل الكثير بين الصفة والموصوف (٢)
وما كان أحقّه أن يعقب على القول السابق أيضًا بمثل هذا التعقيب! وذلك لوجوه منها:
١ - (أولى) بمعنى"أحق" لا يقال فيه - كما سبق -"أولى له" باللام، وإنّما يقال بالباء، وعليه التنزيل
أينما جاء فيه. فقال تعالى: ﴿إنَّ أَوْلَى اَلنَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَهَذَا النَّبِيُّ والَّذِينَءَامَنُوا﴾ (آل عمران: ٦٨). وقال تعالى: ﴿إن يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِرًا فَاللهُ أَوْلَى بِهِمَا﴾ (النساء: ١٣٥).
وقال تعالى: ﴿وَأُلُوا الأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضِ فيِ كِتَابِ اللَّهِ﴾ (الأنفال: ٧٥). وقال تعالى ﴿ثُمَّ لَنَحْنُ
أَعْلَمُ بِالَّذِينَ هُمْ أَوْلَى بِهَا صِلِيًّا﴾ (مريم: ٧٠).
وقال تعالى: ﴿النَّبِيُّ أَوْلَى بِالمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنفُسِهِمْ وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ وَأُوْلُوا الأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ
فيِ كِتَابِ اللَّهِ مِنَ المُؤْمِنِينَ والمُهَاجِرِينَ﴾ (الأحزاب: ٦).
ولم تقرأ (أولى) في آية من هذه الآيات كلّها - ولو في قراءة شاذة - باللام مكان الباء.
وكذلك لم تنقل كتب اللغة والغريبين والتفسير من كلام النبي ﷺ أو كلام غيره من
العرب ما جاء فيه"أولى له" بمعنى"أولى به".
_________________
(١) البحر المحيط ٩: ٤٧٠.
(٢) وهو ممّا أجازه الزّجاج احتمالأ في كتابة معاني القرآن وإعرابه ٥: ١٣ ولعلّه استفاد من كلام الفراء على هذه الآية في تفسير سورة النساء. انظر معاني القرآن له ١: ٢٧٩.
[ ٣٥٣ ]
٢ - قوله تعالى (طاعة وقول معروف) جاء مثله في القرآن الكريم في موضعين آخرين أيضًا، والسياق واحد، فإنّها جميعًا في المنافقين. قال تعالى في سورة النساء: ﴿وَيَقُولُونَ طَاَعَةٌ فَإِذَا بَرَزُوا مِنْ عِندِكَ بَيَّتَ طَآئِفَةٌ مِّنْهُمْ غَيْرَ الَّذِي تَقُولُ﴾ (النساء: ٨١).
وقال تعالى في سورة النور: ﴿قُل لاَّ تُقْسِمُوا طَاَعَةٌ مَّعْرُفَةٌ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرُ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ (النور: ٥٣).
ويدلّ ذلك على أن قوله (طاعة) من التعبيرات الدائرة في كلام العرب على وجه الحذف والاختصار، فيكون القول في تفسيرها واحدًا في المواضع الثلاثة، ويقدّر المحذوف حسب السياق في كل موضع.
٣ - "أولى لك" أيضًا من التعبيرات القديمة المشهورة في كلام العرب، ويلقى النحاة عناءً كبيرًا من مثل هذه التعبيرات لقدمها ولما بنيت عليه من الحذف والاختصار، فتشتجر آراؤهم في تحليل أجزائها وبيان دلالتها، لكن مواقع استعمالها تكون معلومة للعامة والخاصة لكثرة جريانها في كلامهم.
فمن التعسّف البالغ أن يصرف مثل هذا التعبير عن ظاهره إلي معنى لم تثبت دلالته عليه، ثمّ يزعم بأن
اللام بمعنى الباء!
وبالجملة فإنّ القول الذي اختاره ابن كثير ﵀ في تفسير سورة القتال، وسورة القيامة - وهو أن"أولى له" بمعنى "أولى به" - لا أصل له في كلام العرب، وهو مخالف لأسلوب القرآن الذي التزم الباء في كل موضع جاء فيه"أولى" بمعنى"أحق"، وتفسيره لقوله ﴿طاعة وقول معروف﴾ مخالف لنظائره في القرآن أيضًا. فهو قول إلي الضعف ما هو، فكان أولى بالمترجمين رحمهما الله أن لا يركنا إليه، بل يعتمدا على ما قال به الأكثرون من علماء التفسير والعربية.
[ ٣٥٤ ]
فهرس المراجع
(١) أشرف على = ترجمة الشيخ أشرف علي التهانوي، سليم بكدبو دلهى، دون تاريخ.
(٢) الأضداد لابن الأنباري، تحقيق محمد أبو الفضل إبراهيم، الكويت، ١٩٦٠ م.
(٣) البحر المحيط لأبي حيان الأندلسي، دار الفكر، بيروت، ١٤١٢ هـ.
(٤) تاج العروس للزبيدى، طبعة المطبعة الخيرية بمصر، ١٣٠٧ هـ.
(٥) تأويل مشكل القرآن لابن قتيبة، تحقيق السيد أحمد صقر، ط ٢، دار التراث، القاهرة ١٣٩٣ هـ.
(٦) التبيان في إعراب القرآن للعكبري، تحقيق علي محمد البجاوي، عيسى البابي الحلبي، القاهرة، ١٩٧٦ م.
(٧) ترجمة عبد الله يوسف علي لمعاني القرآن الكريم إلي اللغة الإنجليزية، طبعة مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف بالمدينة المنوّرة ١٤١٠ هـ.
(٨) تفسير ابن كثير، دار الحديث، القاهرة، ٤١٣ هـ.
(٩) تفسير الطبري، تحقيق محمود محمد شاكر، دار المعارف، القاهرة.
(١٠) تفسير الطبري، دار الفكر، بيروت ١٤٠٨ هـ (ما عدا أجزاء الطيعة المحقّقة).
(١١) التفسير الميسّر، لجماعة من العلماء، مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف بالمدينة المنوّرة ١٤١٨ هـ.
(١٢) تفسير غريب القرآن لابن قتيبة، تحقيق السيد أحمد صقر، تصوير دار الكتب العلمية، بيروت ١٣٩٨ هـ.
(١٣) تفهيم القرآن لأبي الأعلى المودودي، إدارة ترجمان القرآن، لاهور، ط ١٥، ١٩٩٤ م.
[ ٣٥٥ ]
(١٤) تهذيب اللغة للأزهري، الجزء ١٥، تحقيق إبراهيم الأبياري، دار الكاتب العربي، القاهرة ١٩٦٧ م.
(١٥) تيسير القرآن (ترجمة عبد الرحمن الكيلاني) إسلامك بريس، لاهور، دون تاريخ.
(١٦) الجامع لأحكام القرآن للقرطبي، دار الكتب العلميه، بيروت، ١٤٠٨ هـ.
(١٧) رسائل الفراهي في علوم القرآن، لعبد الحميد الفراهي، الدائرة الحميدية، سراي مير، أعظم كره - الهند ١٤١١ هـ.
(١٨) الشاه رفيع الدين، ترجمته الأردية للقرآن الكريم، شيخ محمد أشرف، لاهور، دون تاريخ.
(١٩) الشاه عبد القادر، ترجمته الأردية للقرآن الكريم، تاج كميني، لاهور دون تاريخ.
(٢٠) الشاه ولي الله الدهلوي، ترجمته الفارسية، دار الكتاب والسنة، كراتشي، دون تاريخ.
(٢١) فتح القدير للشوكاني، المكتبة العصرية، بيروت، ١٤٢٠ هـ.
(٢٢) الكامل للمبرد، تحقيق محمد أحمد الدالي، مؤسسة الرسالة، بيروت، ١٤٠٦ هـ.
(٢٣) كتاب سيبويه، تحقيق عبد السلام هارون، مكتبة الخانجي، القاهرة.
(٢٤) كشف المشكلات وإيضاح المعضلات لجامع العلوم الأصبهاني الباقولي، تحقيق محمد أحمد الدالي، مجمع اللغة العربية بدمشق ١٤١٥ هـ.
(٢٥) الكشف عن وجوه القراءات السبع وعللها وحججها، لمكي بن أبي طالب القيسي، تحقيق الدكتور محيي الدين رمضان، مؤسسة الرسالة، بيروت ١٤٠٤ هـ.
(٢٦) مجاز القرآن لأبي عبيدة، تحقيق محمد فؤاد سزكين، مؤسّسة الرسالة بيروت ١٤٠١ هـ.
(٢٧) مجلّة"تحقيق" الأردية الصادرة من جامعة السند في باكستان العدد المزدوج ١٢ - ١٣، حيدراباد، باكستان ١٩٩٨ - ١٩٩٩ م.
[ ٣٥٦ ]
(٢٨) مجلة"جامعة" الصادرة من الجامعة الملية الإسلامية بدلهي، عدد سبتمبر سنة ١٩٧٥ م.
(٢٩) المجمع: ترجمة الشيخ محمد الجوناكري، طبعة مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف بالمدينة المنوّرة، ١٤١٧ هـ.
(٣٠) محمود حسن: ترجمة الشيخ محمود حسن الملقب بشيخ الهند، طبعة مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف بالمدينة المنوّرة، ١٤٠٩ هـ.
(٣١) مشكل إعراب القرآن لمكي بن أبي طالب القيسي، تحقيق حاتم صالح الضامن، مؤسّسة الرسالة، بيروت، ١٤٠٥ هـ.
(٣٢) معاني القرآن للفراء، تحقيق محمد علي النجار ونجاتي وشلبي، تصوير عالم الكتب، بيروت ١٤٠٣ هـ.
(٣٣) معاني القرآن وإعرابه للزجاج، تحقيق عبد الجليل عبده شلبي، عالم الكتب، بيروت، ١٤٠٨ هـ.
(٣٤) معجم جون بلاتس A Dictionary of Urdu، classical Hindi & English، by Gohn T. Platts، Oxford university press ١٨٨٤
(٣٥) مفردات ألفاظ القرآن للراغب الأصفهاني، تحقيق صفوان داوودي، دار القلم بدمشق ١٤١٨ هـ.
(٣٦) مفردات القرآن، لعبد الحميد الفراهي؛ مطبعة إصلاح؛ سراي مير، أعظم كره - الهند ١٣٥٨ هـ. (وطبعة دار الغرب الإسلامي في بيروت، ٢٠٠٢ م)
(٣٧) مفهوم القرآن لغلام أحمد برويز، إدارة طلوع إسلام، لاهور.
(٣٨) المودودي: ترجمة الأستاذ أبي الأعلى المودودي، إدارة ترجمان القرآن، لاهور، الطبعة السادسة عشرة، ١٤١٦ هـ.
(٣٩) نذير أحمد: ترجمة الشيخ نذير أحمد الدهلوي، نولكشور بريس، لكناؤ، ١٣٤٠ هـ.
(٤٠) نزهة الأعين النواظر في علم الوجوه والنظائر لابن الجوزي، تحقيق محمد عبد الكريم كاظم الراضي، مؤسّسة الرسالة، بيروت ١٤٠٤ هـ.
[ ٣٥٧ ]
أهذا كتاب