جاء في كتاب المجرّد لكراع النَّمل (ت ٣١٠ هـ) في باب التاء فصل تس (ص ٣٢٥):
"والتسك على مثال فعل، والتسك بسكون السين: طائر صغير، يقال له ابن تمرة. والتمرة هي التسك بالفارسية" (٢).
وعلّق عليه محقّق الكتاب بقوله:
"لم أجد في المعاجم وكتب الحيوان "التسك". أمّا ابن تمرة فهو معروف، وقد ذكره المصنّف في هذا الكتاب، كما أنني لم أجد في المعرب للجواليقي هذه اللفظة".
قلت: وذكر المصنّف "ابن تمرة" في كتابه المنتخب (١: ٣٧٠) أيضًا: ولكن لم يشر إلى لفظ "التسك"، كما لم يذكره في "باب ما دخل من لغات العجم في لغات العرب" (ص ٦٠ - ٦٠٣) من الكتاب المذكور (٣).
_________________
(١) نشر في ملحق التراث بجريدة المدينة، السنة ١٨، العدد ٣٣ الصادر في ٢٩/ ٥/١٤١٥ هـ: ٣/ ١١/١٩٩٤ م.
(٢) المجرد في غريب كلام العرب ولغاتها لكراع النمل، تحقيق محمد أحمد العمري، السفر الأول، مطابع دار المعارف بمصر ١٤١٣ هـ.
(٣) المنتخب من غريب كلام العرب لكراع النمل، تحقيق الدكتور محمد بن أحمد العمري مركز إحياء التراث الإسلامي، جامعة أم القرى بمكة المكرمة، ١٤٠٩ هـ.
[ ٤٦٩ ]
وصدق المحقّق الفاضل، فلم يرد هذا اللفظ فيما طبع من كتب اللغة والحيوان والمعرب والدخيل، على نحو ما رسم في كتاب المجرد هذا. غير أننا وجدنا في بعض المعاجم الكبيرة كلمتين نقلتا عن كراع النمل في مادتين مختلفتين، ولا نشك أن وجودهما نتيجة لما أصاب كلمة "التسك" من تصحيف وتحريف.
ويبدو أن الضيم لحقها قديمًا على يد ناسخ في كتاب من كتب كراع اعتمد عليه بعض علماء اللغة - وهو ابن سيده فيما نرى - فنقلها مصحفة في كتابه الذي كان مصدرًا لأصحاب المعاجم فيما بعد.
(١) أمّا الكلمة الأولى فهي "النسك" بالنون. تصحّفت فيها المثناة إلى الموحدة. جاء في لسان العرب:
"والنسك بضمّ النون وفتح السين: طائر؛ عن كراع". (١)
هذا النص في اللسان منقول من كتاب المحكم لابن سيده (٢) الذي اعتمد كثيرًا على كتب كراع في كتابيه المحكم والمخصّص.
أمّا المخصّص فإن ترتيبه لا يفيد في ضبط الكلمات، إلاّ أن هذا اللفظ ورد فيه أيضًا بالنون. ونصّه (٨: ١٦٥):
""التمير" وهو أبو تمرة. وأظنّه التمرة والتمرة هو النسك بالفارسية .. " (٣).
وكذا أورده مصحفًا صاحب القاموس في (نسك) وأيّده شارحه:
_________________
(١) لسان العرب لابن منظور، دار صادر، بيروت، ١٠: ٤٩٩.
(٢) المحكم والمحيط الأعظم في اللغة، معهد المخطوطات، القاهرة، ١٣٩٢ هـ، ٦: ٤٥١.
(٣) المخصّص لابن سيده، دار الطباعة الأميرية بالقاهرة ١٢١ هـ، تصوير دار الكتاب الإسلامي بالقاهرة.
[ ٤٧٠ ]
" (و) النسك (كصرد طائر) عن كراع" (١).
وزيادة الشارح "عن كراع" مأخوذ بدون شك من اللسان". ونرجّح أن مصدر القاموس أيضًا هو المحكم لابن سيده. والزبيدي الذي يظهر من بعض كلامه في التاج أنه اعتمد فيه على كتاب المجرّد لكراع لم يرجع إليه في توثيق هذه الكلمة.
(٢) ومرّة أخرى أسيء إلى كلمة "التسك" حينما أخفى بعض النساخ أسنان السين، فقرئت "التك". وهذه الصورة المحرّفة أيضًا وردت في اللسان (تكك):
"والتك طائر يقال له ابن تمرة عن كراع" (٢).
ومصدر هذا التحريف أيضًا نسخة المحكم التي اعتمد عليها صاحب اللسان (٣).
ولمّا كان الفيروزابادي سلم من هذا التحريف استدرك عليه شارحه الزبيدي فأضاف نقلًا من اللسان:
"والتك بالضم طائر يقال له ابن تمرة. عن كراع" (٤).
ومن هذين المعجمين الكبيرين: اللسان والتاج، أو أحدهما، نقلت الكلمتان المذكورتان "النسك" و"التك" في بعض المعاجم الحديثة نحو متن اللغة للشيخ أحمد رضا (٥)، ومحيط المحيط للبستاني (٦)، وأقرب الموارد للشرتوني (٧)،
_________________
(١) تاج العروس للزبيدي، المطبعة الخيرية، ١٣٠٧، تصوير ليبيا للنشر والتوزيع ٧: ١٨٧.
(٢) اللسان ١٠: ٤٠٦.
(٣) المحكم ٦: ٤٠٥.
(٤) تاج العروس ٧: ١١٦.
(٥) متن اللغة لأحمد رضا، دار مكتبة الحياة، بيروت، ١٣٧٧ هـ ١: ٤٠١ و٥: ٤٥٢.
(٦) محيط اللغة للبستاني، مكتبة لبنان، بيروت ١٩٧٧ م ص ٨٩١.
(٧) أقرب الموارد لسعيد الشرتوني، بيروت ١٨٩٤ م ٢: ١٢٩٧، ٣: ٦٦.
[ ٤٧١ ]
ولعل الفريق أمين معلوف كان هو الوحيد الذي نقل في كتابه معجم الحيوان (ص ٢٤٠) "النسك" من كتاب المخصص دون الرجوع إلى اللسان أو التاج (١). وأخشى أن يكون المعجم الكبير الذي يصدره مجمع اللّغة العربية بالقاهرة قد أثبت أيضًا "التك" في الجزء الثالث الذي يتضمّن حرف
التاء (٢).
وكان أولئك كان معذورًا، لأن كتاب المجرد لكراع لم يسمع له خبر بعد الزَّبيدي، إن صحَّ أنه اطلع عليه، وظلّ مجهولًا حتى أخرج الدكتور محمد أحمد العمري كتاب المنتخب لكراع، وبشر بعثوره على قطعة من كتاب المجرّد له، ثم أخرج السفر الأول منه سنة ١٤١٣ هـ.
ولا ريب أن النسخة التي طبع عنها كتاب المجرد مشحونة بالتصحيفات والتحريفات، ولكن لفظ "التسك" لا مجال في صحّتها لأدنى شك، فإنّ كراعًا أثبته في باب التاء وفصل تس. فهذا نصّ صريح على ضبط الحرفين الأول والثاني. وكراع هو الذي ينتهي إليه إسناد هذا اللفظ كما رأينا في نصّ اللسان، ولكن الكتاب الذي اعتمد عليه ابن سيده من مؤلفّات كراع لم يكن بكتاب المنضد أو المجرّد الذي اختصره من الأول. فإنه لو كان كذلك لدلّ ترتيب الكتاب على ضبط هذه الكلمة، ولصانها موقعها من أي تصحيف في فائها أو عينها.
وجملة القول أن الكلمتين: "النسك" بالنون، و"التك" بالتاء والكاف المضعفة لا أصل لهما. والثابت عن كراع إنما هو "التُّسك" بضم التاء وفتح السين، و"التُّسك" بضم التاء وسكون السين.
أما بعد، فإن الفضل في هذا التصحيح راجعٌ إلى الدكتور محمد أحمد العمري الذي تجرّد لتحقيق كتاب المجرّد، ولم يثن عزيمته ما تتّصف به نسخة
_________________
(١) معجم الحيوان للفريق أمين معلوف، دار الرائد العربي، بيروت.
(٢) وقد صدر الجزء الثالث، فوجدت فيه (٣: ٩٨) "التُّك" - كما خشيت - نقلًا عن كراع.
[ ٤٧٢ ]
الكتاب من سقم شديد ونقص بالغ. وإن عمله هذا لخليق بكلّ شكر وتقدير واحتفاء من جميع المعنيين باللسان العربي، ونسأل الله ﷿ أن يعينه على إخراج ما تبقّى من مخطوطة هذا الكتاب الذي هو أصل من أصول المعاجم العربية.
وأرجو أن أعود إليه قريبًا إن شاء الله بجهد متواضع يخدم الكتاب ومحقّق الكتاب (١)، وبالله التوفيق.
_________________
(١) انظر: "نظريات في كتاب المجرد لكراع النمل" في هذه المجموعة.
[ ٤٧٣ ]
سواء السبيل
إلى ما في العربية من الدخيل (١)
كتاب جديد حظيت به المكتبة العربية حديثًا، من تأليف العالم اللغوي المعروف الدكتور ف. عبد الرحيم أستاذ اللغويات في الجامعة الإسلامية بالمدينة المنوّرة سابقًا. وهو الكتاب الرابع الذي أصدره ضمن مشروعه الجليل لرصد الألفاظ المعربة والدخيلة في اللسان العربي ودراستها التأصيلية.
وقد استهلّ هذه السلسلة قبل تسع سنوات بإصدار نشرة جديدة لكتاب المعرب لأبي منصور الجواليقي (٥٤٠ هـ)، وكان أصلها رسالة علمية نال عليها المؤلّف شهادة الدكتوراة من جامعة الأزهر. ولم يقصد بذلك تحقيق الكتاب بالمعنى الاصطلاحي المعروف، فقد كفاه مؤونته الشيخ أحمد شاكر ﵀ في نشرته التي صدرت بالقاهرة سنة ١٣٦١ هـ، وإنما كان همّه الدراسة التأصيلية للألفاظ التي ضمّها كتاب المعرّب، وهي نحو ٧٣٢ كلمة، فتناول أقوال اللغويين التي نقلها الجواليقي بالنقد والتمحيص، وردّ الكلمات المعربة إلى أصولها الأعجمية، وكتبها بحروفها، منبّهًا على التغيّرات الصوتية التي طرأت عليها، مع كتابة مقدّمة نفيسة في ٧٥ صفحة، جعلها مدخلًا لدراسة الألفاظ الواردة في كتاب المعرّب. وقد صدر الكتاب بهذه الدراسة النقدية سنة ١٤١٠ هـ من دار القلم بدمشق.
_________________
(١) نشر في ملحق التراث بجريدة البلاد السعودية في ١/ ١٢/١٤١٩ هـ = ١٨/ ٣/١٩٩٩ م.
[ ٤٧٥ ]