الإمام أبو النصر أحمد بن محمد السمر قندي الحدّادي من أعلام القرن الرابع الهجري.
برز في علم القراءات والتفسير، وصفه ابن الجزري في غاية النهاية (١: ١٠٥) بأنّه"إمام بارع ناقل رحّال"، وختم ترجمته بقوله: "وكان شيخ القراء بسمرقند، انتهى إليه التحقيق والرواية، وبقي إلي
بعد الأربعمائة".
ومن شيخوخة الذين ذكرهم ابن الجزري: أبو سعيد السيرافي النحوي (٣٦٨ هـ)
وأبو بكر بن مهران الأصفهاني النيسابوري مؤلف كتاب" الغاية في العشر" (٣٨١ هـ)
وهبة الله بن سلامة البغدادي صاحب" الناسخ والمنسوخ" (٤١٩) وغيرهم.
وكان ابنه نصر من شيوخ الإمام الجوّال أبي القاسم الهذلي صاحب" الكامل في القراءات الخمسين" (٤٦٥ هـ).
وذكر ابن الجزري كتابًا له في القراءات" الغنية في القراءات"، وقد وقف عليه، وكان من مصادره في "غاية النهاية".
ولم نجد بعد هذا في كتب التراجم والطبقات ذكرًا للحدادي ولا لشيء من مؤلّفاته الأخرى.
_________________
(١) نشر فى ملحق التراث بجريدة المدينة، السنة ١٥، العدد في ٦/ ٦/ ١٤١٢ هـ = ١٢/ ١٠/١٩٩١، ثمّ نشر في مجلّة المجمع العلمي الهندي عدد محرم ١٤١٥ هـ = يونيو ١٩٩٥ م.
[ ٣٥٩ ]
ولكن لحسن حظنا تحتفظ مكتبة تشستربيتي - فيما تحتفظ به من نوادر التراث الإسلامي - بمجموع يحتوي على عدّة كتب قيّمة، منها كتاب في علوم القرآن للحدادي. رقم المجموع ٢٨٨٣، والكتاب المذكور فيه من ق ٢٤٦ إلي ق ٣٦٨، وقد فقدت الورقة الأولي التي فيها عنوان الكتاب، غير أن المفهرس سمّاه"المدخل في علم تفسير القرآن"، ولعلّه اعتمد في هذه التسمية على ما ورد في مقدّمة المؤلّف: "وجعلته مدخلًا لعلم تفسير كتاب الله تعالى ومعانيه".
وقد صدر هذا الكتاب عن دار القلم بدمشق سنة ١٤٠٨ هـ، بتحقيق الشيخ صفوان عدنان داودي،
باسم"المدخل لعلم تفسير كتاب الله تعالى".
والظاهر أن الاسم مأخوذ من المقدّمة، ولكن الأخ المحقّق أعرض كل الإعراض، في مقدّمته الطويلة التي جاءت في ٤٨ صفحة، عن قضية عنوان الكتاب، كأنّه أمر مسلم لا نزاع فيه، وكأن الكتاب كان مشهورًا بهذا الاسم بين العلماء والباحثين.
وجدير بالذكر بهذا الصدد أن في دار الكتب المصرية نسخة مصوّرة من كتاب"المنتخب من تحفة الولد للإمام المفسر أحمد بن محمد الحدادي". وصاحبه أبو محمد علي بن القاسم البامياني، وذكر في فهرس
دار الكتب (١١٤٣) أنه" في علم الوجوه والنظائر الواردة في القرآن الكريم، مرتب علي ١٢٧ بابًا".
وإنّني أرجّح أنّ المراد من"تحفة الولد"كتاب"المدخل" هذا، فإنّ الحدّادي صرّح في مقدّمته بذلك قائلًا:
"صنّفت كتابي هذا تحفةً منّي لولدي محمد. . ."، وفي آخر الكتاب أبواب من الوجوه والنظائر، فلعلّ البامياني اختار هذه الأبواب في"المنتخب". والأمر الذي يثير التساؤل هو اسم الكتاب"تحفة الولد"، أهذا هو الاسم الذي سمّاه بت مؤلّفه، أم استخرجه البامياني من مقدّمة المؤلّف، كما فعل مفهرس مكتبة تشستربيتي، ومحقّق الكتاب؟
[ ٣٦٠ ]
وقد ذكر أبو النصر الحدادي في مقدّمة كتابه هذا (ص ٥١) كتابًا آخر له صنّفه قبل هذا الكتاب، وسمّاه"الموضّح لعلم القرآن". ومن هنا ذكره محقّق المدخل في ترجمة الحدادي، ثمّ بشّرنا بوجود نسخة منه عنده، وعزمه على نشره. ولكن الغريب أنّه لمّا نشره عام ١٤٠٨ هـ خالف المؤلف في تسمية كتابه، وسمّاه"الموضح في التفسير"! ولا ندري ما الذي حمله على ذلك؟ ومرّةً أخرى، لم يتناول قضيّة العنوان في مقدّمته، كأنّه أمر تأباه صناعة"التحقيق"!
أمّا مخطوطة الموضح فأشار إليها المحقّق في مقدّمته (ص ٢٠) بأنّها"في مكتبة تشستربيتي ضمن مجموع"،
كما ذكر من قبل عن نسخة كتاب"المدخل" في مقدذمته (ص ٤٥) أنّها"مخطوطة في مكتبة تشستربيتي في إيرلندا"، واكتفى بذلك، فلم يذكر هنا ولا هناك رقم هذه ولا تلك. مع أنّ الكتابين جزء من مجموع واحد، وهو المجموع الذي أشرت إليه من قبل، وكان يحسن بالأخ المحقّق أن يصرح بذلك في مقدّمة الكتابين. وليس من غرضي هنا نقد عمل المحقّق في إخراج نصّ الكتابين، إلاّ أنّني أحبّ أن أؤكد حاجة الباحثين إلي نشرة جديدة أمينة لكتاب"المدخل"، روعيت فيها قواعد النشر المتّفق عليها، ليصحّ الاعتماد عليها في الدراسة والبحث.
أمّا الأمر الذي قصدت إليه بهذه الكلمة هو التنبيه على أن الرسالة التي نشرها الشيخ داودي باسم"الموضّح في التفسير" ليس بكتاب الموضح. وقد غمَّ عليه أمرها، مع أنّ خاتمتها تكشف عن حقيقتها. وبيان ذلك أنّ الأوراق (٢٢٩ - ٢٤٤) من المجموع المذكور تتضّمن رسالتين لمؤلّف مجهول،
وكلتاهما خالية مثل معظم كتب المجموع من ورقة العنوان، ولكنّهما تامّتان، وآخرهما يدلّ على محتواهما. فورد في آخر الرسالة الثانية، وهى في ثلاث ورقات (٢٤٢/أ- ٢٤٤/ب): "تمّت الأشعار الشواهد من الطريقة الرضوية".
[ ٣٦١ ]
والعبارة واضحة، فهي تفيد أن صاحب الرسالة جمع فيها الشواهد الشعرية التي وردت في كتاب"الطريقة الرضوية". وهو كتاب معروف، في الخلاف، من تأليف رضي الدين أبي الحسن المؤيد بن محمد بن علي الطوسي النيسابوري الحنفي (٥٢٤ - ٦١٧ هـ) وهو في ثلاث مجلدات، كما قال صاحب كشف الظنون (١١١٣).
وهكذا جاء في آخر الرسالة الأولي: "تمّت الأشعار الشواهد في التفسير الموضّح الحدادي" (كذا). وهذه الخاتمة - كما ترى - مثل خاتمة الرسالة السابقة، فكما جرّد المؤلّف في تلك شواهد الطريقة الطريقة الرضوية ذات المجلدات الثلاث في ثلاث ورقات، جرّد في شواهد كتاب الموضّح في ثلاث عشرة ورقة.
وجرى المؤلّف في الرسالتين على سنن واحد: فهما خاليتان من المقدمة، ولا يشير المؤلّف إلي أبواب الطريقة الرضوية أو فصولها ومباحثها في الرسالة الثانية، ولا إلي السور والآيات في الرسالة الأولي. وإنّما يلتقط المسألة النحوية أو التفسير اللغوي الذي استشهد عليه المؤلّف، ثمّ يسوق الشاهد. وإليكم بداية الرسالة الثانية:
"التقديم والتأخير جائز في كلام العرب. قال الشاعر:
إني إذا ما كلب قوم فغرا ألقمت فاه فاتقاني الحجرا
أي ألقمت فاه حجرًا
- أراد بالكسب المكسوب. قال الشاعر:
إذا كانت الأموال اكتساب معشر فمالي من كسب سوي المجد والفخر"
(كذا في المخطوط، ولعلّ الصواب في صدر البيت: كسب معاشرٍ) فلا يعرف من هذا السياق المبحث الذي أورد فيه مؤلّف الطريقة الشاهدين.
[ ٣٦٢ ]
أمّا الرسالة الأولى فبدايتها هكذا:
"ذلك بمعني هذا. قال القائل:
أقول له والرمح يأطر متنه تأمل خفافًا إنّني أنا ذلكا
إي هذا.
-الواحد يذكر، ويراد بت الجماعة، قال تعالى: ﴿والملك على أرجائها﴾
أى الملائكة. قال الشاعر:
فقلنا أسلموا إنّا أخوكم فقد برئت من الإحن الصدور
ولم يقل: إخوانكم.
-الغشاوة، وهي الغطاء. قال الشاعر:
صحبتك إذ عيني عليها غشاوة فلمّا انجلت قطعت نفسي أذيمها"
ولمّا كانت هذه الرسالة تتعلّق بكتاب في تفسير القرآن، كان سهلًا على القارئ معرفة الآيات والسور التي وردت في تفسيرها هذه الشواهد. فظاهرٌ من العبارة التي نقلناها أنّ أوّل شاهد من الشعر ورد في كتاب الموضّح للحدادي هو الآية الثانية من سورة البقرة ﴿ذلك الكتاب لا ريب فيه﴾. والشاهدان الثاني والثالث في تفسير قوله تعالى: ﴿ختم الله على قلوبهم وعلى سمعهم وعلى أبصارهم غشاوةٌ﴾ فالسمع واحد أريد بت الجمع عند المؤلّف.
وهذه الرسالة هي التي وقعت في الشيخ داودي، فزاد فيها من عنده أسماء السور، وزاد الآيات، من غير أن ينبه على ما فعل، ثمّ سمّاها"الموضّح في التفسير"، ونسبها إلي الحدادي!
ومّما يلاحظ أن المحقّق لمّا أخبرنا في مقدّمة كتاب"المدخل" بأنه يملك نسخة من الموضح قال (ص ٢٦): "هو عندي مخطوط في ٣٢ ورقة" بينما هو
[ ٣٦٣ ]
في ١٣ ورقة فقط! فهل كان يعني عدد أوراق نسخته التي نسخها هو من الأصل؟
إنني أعتقد أن كتاب"الموضّح لعلم القرآن" كان كتابًا كبيرًا في التفسير.
واستظهرت ذلك من كلام المؤلف في مقدّمة"المدخل". وهو قوله: "إنّي لما فرغت من تصنيف كتاب الموضّح لعلم القرآن صنفت كتابي هذا وجعلته مدخلًا لعلم تفسير كتاب الله تعالى ومعانيه، وتنبيهًا على ما غمض من طرقه ومبانيه، وردًّا على الملحدين الطاعنين في كتاب الله، لقصور علمهم عن افتنان لطائف لغة العرب وفصاحتها ومذاهبها
أمّا هذا التعليق الذي توهمه الناشر كتاب الموضّح فلا يصدق عليه لفظ التصنيف بأي وجه من الوجوه. ثمّ الكتاب الذي جعله المؤلف مدخلًا لعلم التفسير جاءت نسخته في أكثر من مائة وعشرين ورقة. فهل يكون تفسيره في ثلاث عشرة ورقة فحسب؟
وقد زعم الأخ المحقّق أنّه كتاب مختصر في غريب القرآن، وهيهات أن يكون كذلك. فهل يعقل أن يقدم عالم من العلماء على تصنيف كتاب مختصر في غريب القرآن - مهما بالغ في اختصاره المخلّ - فيقتصر في سورة الواقعة مثلًا على تفسير ﴿فسلام لك﴾ فيقول:
"أي سلامة. والسلام والسلامة واحد. قال الشاعر:
نحيّي بالسلامة أم بكر وهل لك بعد رهطك من سلام"
ثمّ يغفل تفسير الألفاظ الآتية من السورة نفسها:
١ - رجّت الأرض
٢ - بسَّت الجبال
٣ - هباء منبثّا
[ ٣٦٤ ]
٤ - المشأمة
٥ - ثلّة
٦ - موضونة
٧ - سدر مخضود
٨ - طلح منضود
٩ - عربًا
١٠ - يحموم
١١ - رب الهيم
١٢ - تفكّهون
١٣ - تورون
١٤ - المقوين
١٥ - مدهنون
١٦ - تجعلون رزقكم أنكم تكذبون
١٧ - روح وريحان
ألم تكن هذه الألفاظ كلها أولى بالتفسير من لفظ"سلام"؟
وهكذا أيرى المؤلف قرّاء بحاجة إلي شرح كلمة"عجل" في قوله تعالى في سورة الأنبياء: ٣٧ ﴿خلق الإنسان من عجلٍ﴾، ويعتقد أنهم في غني عن شرح ﴿أضغاث أحلام﴾
و﴿قصمنا﴾ و﴿كانتا رتقا ففتقناهما﴾ و﴿نفشت﴾ و﴿ينسلون﴾ و﴿حصب جهنم﴾ و﴿حسيس﴾ وغيرها من مفردات السورة؟
أفقرّاء كتاب الحدادي في القرن الرابع كانوا أعلم من قراء كتب أبي عبيدة واليزيدي
وابن قتيبة الذين تجشّموا تفسير الألفاظ المذكورة، في القرنين الثاني والثالث؟
ثم هناك سور كثيرة لم يفسّر شيء من مفرداتها في هذه الرسالة. نحو
[ ٣٦٥ ]
الفاتحة، والمؤمنون، والنمل، ولقمان، والأحزاب، وفاطر، والزخرف، والدخان، والجاثية، والأحقاف، والقتال، والفتح، والحجرات، والذاريات، والطور وغيرها. فهل وجدهنّ المؤلف خلوًا من"الغريب" (حسب اصطلاح القوم)؟
وأخيرًا نرى الحدادي يحيل في كتابه"المدخل" على كتاب الموضح الذي صنفه من قبل، فقال في باب (ما جاء عن أهل التفسير ولا يوجد له أصل عند النحويين ولا في اللغة):
"في قوله تعالى ﴿عينًا فيها تسمَّى سلسبيلًا﴾. . عن على بن أبى طالب في معناه: سل إلي ربّك سبيلًا. فأول ما قرع سمعي هذه المقالة كنت أبدي عجبًا، وقلت: ليس هذا من قيل علي ﵁ مع فصاحته وفضله. وأين خبر (تسمى)؟ وذكرت في كتاب الموضح هذا القول، وقلت: ليس هذا من علي ﵁. فسلّمت، وعددته من جملة ما ورد عن أهل التفسير ممّا لا أصل له في اللغة". (المدخل ١٠٧).
وهذا الموضع الوحيد الذي أحال فيه الحدادي على كتاب الموضح.
وكان على الأخ المحقّق أن يرجع إلي الرسالة التي زعمها نسخةً من كتاب الموضح، وهي عنده، ثمّ يشير في الحاشية إلي الموضع الذي ورد فيه هذا النصّ، ولكنّه لم يفعل. ولو رجع إلي تلك الرسالة لم يجد فيها النصّ المذكور، ولخالجه شكٌ فيما زعم، ولكنّه مضى كمضيّ القائل:
فمضيت، ثمّت قلت: لا يعنيني
وخلوّ الرسالة من النصّ المشار إليه يؤيّد ما سبق من أنّها ليست بكتاب"الموضح في علم القرآن" للحدادي، وإنّما هي تجريد للشواهد الشعرية الواردة فيه، قام به عالم مجهول، وقد صرّح بذلك في خاتمة الرسالة كما سبق. والله أعلم بالصواب.
[ ٣٦٦ ]
صورة مخطوط
[ ٣٦٧ ]
صورة مخطوط
[ ٣٦٩ ]