لأبي محمد الحسن بن أحمد بن عبد الرحمن (١)
استهلت مجلة مجمع اللغة العربية بدمشق الجزء الثاني من مجلدها الثالث والسبعين (ذو الحجة ١٤١٩) بمقال للأستاذ الجليل الدكتور إحسان النص بعنوان "مصنفات اللغويين العربي في خلق الإنسان". سرد فيه أولًا أسماء اللغويين الذين ألفوا في هذا الموضوع أو أفردوا له بابًا أو أكثر في بعض مؤلفاتهم (٢)، ثم تحدث عن أربعة كتب من الكتب المفردة فيه بشيء من التفصيل. ورابعها كتاب خلق الإنسان لأبي محمد الحسن بن أحمد بن عبد الرحمن الذي نشره معهد المخطوطات العربية بالكويت عام ١٤٠٧ هـ بتحقيق الصديق الدكتور أحمد خان ومراجعة الأستاذ مصطفى حجازي.
_________________
(١) نشر في مجلة مجمع اللغة العربية بدمشق: المجلد ٧٩، الجزء ٢ (صفر ١٤٢٥ هـ = نيسان ٢٠٠٤ م) ص ٢٣٩ - ٢٥٩. وكان قد أرسل إليها في ٢١/ ٥/١٤٢٠ هـ. وقد نشر معه تعقيب عليه للدكتور إحسان النصّ (ص ٢٦٠ - ٢٦٢) وبعض القول ليس له عناج.
(٢) من المذكورين في هذا الفهرس: ابن الأعرابي أحمد بن محمد بن زياد المتوفي سنة ٣٤٠ هـ، ولعل الكاتب الفاضل تابع في ذلك محقق كتاب خلق الإنسان (ص ٩). وهو وهم بلا شك. فإن ابن الأعرابي المذكور كان محدثًا صوفيًا من أصحاب الجنيد، ولم يعرف له تأليف في اللغة. انظر ترجمته في سير أعلام النبلاء ١٥: ٤٠٧. أما الذي ألف في خلق الإنسان فهو أبو عبد الله محمد بن زياد الأعرابي المتوفى سنة ٢٣١ هـ، وكتابه من مصادر خلق الإنسان لثابت، كما ذكر في أوله. ومن أوهام هذا الفهرس أنه لما ذكر أبا موسى الحامض قال: "لم يذكره النديم وذكره القفطي" مع أن النديم ذكره في ص ٨٧ (طبعة تجدد).
[ ١٣٥ ]
وكنت قد اطلعت على كتاب أبي محمد بعد نشره بقليل، وعناني من أمر مؤلفه ما عنى محققه من قبل، ففتشت ونقّبت، فلم أوفق إلى الكشف عن شخصيته، غير أني وقفت فيما بعد في أثناء قراءاتي على نصوص لها صلة بهذا الكتاب، وفيها شيء من الإثارة والطرافة، كما ظفرت بترجمة عبد الله بن الحسن العبدري الذي نسخ نسخته من أصل المؤلف في مدينة الإسكندرية، ولهذه الترجمة أهميتها في تعيين زمن المؤلف، بالإضافة إلى ملحوظات عنت لي في مقدمة المحقق ونص الكتاب، فعلقت كل ذلك في حواشي نسختي.
فلما قرأت مقال الدكتور إحسان النص أحببت أن أهدي إليه هو ومحقق الكتاب ما وقفت عليه، مع مراجعتهما في بعض ما ذهبا إليه، والتنبيه على أوهام يسيرة وقعت في كلامهما.
(١) كتاب خلق الإنسان بين الصغاني وأبي محمد
ذكر الدكتور إحسان النص من المؤلفين في خلق الإنسان رضي الدين الحسن بن محمد الصغاني (٦٥٠ هـ). وقد سبقه إلى ذلك كثير من الباحثين (١) وكان اعتمادهم جميعًا على بروكلمان الذي أحال على نسخة منه محفوظة في مكتبة داماد زاده ضمن مجموع برقم ١٧٨٩ (الترجمة العربية ٦/ ٢١٨)، ولم يفطن الدكتور إحسان إلى أن كتاب أبي محمد الذي تحدث عنه بعد صفحات هو الكتاب نفسه الذي نسب خطًا إلى الصغاني، وذلك على الرغم من أنه اطلع على مقدمة المحقق، وناقشه في ما ذهب إليه في الكشف عن مؤلفه، وقد تكلم المحقق فيها بالتفصيل على قضية نسبة الكتاب ونفيه عن الصغاني.
وكان منشأ الغلط - كما أشار الدكتور أحمد خان - أن المجموع المذكور يضم عشرة كتب كلها للصغاني إلا الكتاب العاشر، ثم لم يثبت في أوله عنوان
_________________
(١) انظر مقدمة المحقق ص ١٨ الحاشية ٥.
[ ١٣٦ ]
الكتاب ولا اسم مؤلفه، فلعل من أعد فهرس الكتب المحفوظة في مكتبة داماد زاده لما تصفّح محتوى المجموع، ورأى تسع رسائل متتالية للصغاني، ولم يجد اسم المؤلف في بداية الكتاب العاشر، استعجل، ولم يدقق في ما ورد في نهايته ولا نهاية الكتاب التاسع بخط مختلف، من اسم الكتاب العاشر واسم مؤلفه، ونسبها كلها إلى الصغاني في دفتر المكتبة الذي استند إليه بروكلمان، ثم عوّل عليه كل من نسب كتابًا في خلق الإنسان إلى الصغاني في هذا القرن. وأكّد الدكتور أحمد خان نفيه عن الصغاني بأنه لم يثبت أصلًا أن الصغاني ألف كتابًا في هذا الموضوع، فلا هو أشار إليه في مؤلفاته، ولا تلامذته ولا أحد ممن ترجم له.
الذي أريد أن أضيف هنا أن نسبة هذا الكتاب إلى الصغاني أقدم من هذا بكثير. فقد توارد عدد من العلماء على نقل نص من كتاب في خلق الإنسان نسبوه إلى الصغاني، وهو في الحقيقة مأخوذ من كتاب أبي محمد هذا. ولعلّ أولهم بدر الدين الزركشي (٧٩٤ هـ) فقد ذكر السيوطي (٩١١ هـ) في كتاب المزهر في كلامه على لفظة "الكسّ" أن لأهل العربية فيها ثلاثة مذاهب: أحدها أنها مولدة، قال به صاحب القاموس، وسلامة الأنباري في شرح المقامات. والثاني أنها عربية، و"رجحه أبو حيان في تذكرته، ونقله عنه الإسنوي في المهمات، وكذا الصغاني في كتاب خلق الإنسان، ونقله عنه الزركشي في مهمات المهمات (١). والثالث أنه فارسي معرب، وهو رأي الجمهور منهم المطرزي في شرح المقامات" (٢).
_________________
(١) ليضف هذا الكتاب إلى ثبت مؤلفات الزركشي، فإنه لم يذكر في ترجمته، وقد فات محققي كتبه - مع رجوعهم إلى كتاب المزهر - لأن فهرس الأعلام فيه أخلّ بهذا الموضع. وقد ذكر صاحب كشف الظنون (ص ١٩١٥) كتابين بهذا العنوان: أحدهما للحافظ زين الدين العراقي (٨٠٦ هـ) والآخر للشيخ سراج الدين اليمني (٨٨٧ هـ)، ولكن لم يشر إلى كتاب الزركشي هذا.
(٢) الزهر في علوم اللغة وأنواعها، تحقيق محمد أحمد جاد المولى بك وزميليه، مكتبة دار التراث، القاهرة، ١: ٣١٠.
[ ١٣٧ ]
اقتصر السيوطي هنا في المزهر على ذكر مذاهب العلماء في الكلمة، ولم يورد نص كلامهم، بل أحال على كتاب آخر له قائلًا: "وقد نقلت كلامهم في الكتاب الذي ألفته في مراسم النكاح" (١).
وللسيوطي أكثر من كتاب في موضوع النكاح، وقد ذكر بنفسه أنه سوّد فيه مسودات متعددة أكبرها سماها (مباسم الملاح ومناسم الصباح في مواسم النكاح" ولعلها هي التي أشار إليها في كتاب المزهر. وكانت مرتبة على سبعة فنون، وقد بلغت خمسين كراسة فاستطالها، فاختصرها في عشرها باسم "الوشاح في فوائد النكاح"، كما ذكر في مقدمته. ويبدو أن الأصل لم يخرج من المسودة فضاع، أما المختصر فقد وصل إلينا في عدة نسخ محفوظة في مكتبات العالم، وقد طبع أيضًا في مصر عام ١٢٧٩ هـ (٢)، ولكن لم أحصل عليه، فرجعت إلى نسخة مخطوطة منه، وجاء فيها:
"قال في القاموس: هو مولد وليس من كلامهم، وسبقه سلامة ابن الأنباري. وقال المطرزي وغيره: فارسي معرب. وقال الصغاني في خلق الإنسان: أما الكسّ فلم أره في تأليف صحيح، ولم أسمع به في شعر فصيح، إلا في رجز لبعض الشعراء وهو:
يا قوم من يعذرني من عرسي
تعدو وما إن ذرّ قرن الشمس
علي بالعتاب حتى تمسي
_________________
(١) كذا في المزهر (مراسم) بالراء، ولعل الصواب بالواو كما في مخطوطة كتاب الوشاح وكشف الظنون ٢/ ٥١٧٩.
(٢) انظر بروكلمان (الترجمة العربية) القسم السادس: ٦٥٨ (ط الهيئة المصرية العامة للكتاب، ١٩٩٥ م)، ودليل مخطوطات السيوطي وأماكن وجودها، إعداد أحمد الخازندار ومحمد إبراهيم الشيباني، مكتبة ابن تيمية، الكويت، ١٤٠٣ هـ، ص ٢٥٤. وزد على مخطوطاته: نسخة محفوظة في مكتبة جامعة أم القرى برقم ١١٩٩.
[ ١٣٨ ]
تقول لا تنكح سواء كسّي
وطب عن الحور الحسان اللعس
نفسًا، وتأباه [علي] نفسي
انتهى. وأنشد أبو حيان في تذكرته على أنه عربي قول الشاعر ونقله عنه الإسنوي في المهمات وقال: إنه وقعت هذه اللفظة في شعر متقدّم، وأظن أول من أوردها في شعره محمد بن سكرة الهاشمي الشاعر " (١).
النص الذي عزاه السيوطي إلى خلق الإنسان للصغاني موجود بعينه في كتاب خلق الإنسان لأبي محمد (ص ٢٥٧). فهل اطلع السيوطي نفسه على مصدر هذا النص؟ طريقته في النقل في كتاب الوشاح تنبئ بذلك، فإنه لم يذكر هنا كتاب الزركشي مهمات المهمات، وأحال مباشرةً على كتاب خلف الإنسان. لكن الذي نرجحه أن السيوطي لم يقف بنفسه على كتاب خلق الإنسان، وإنما اعتمد على نقل الزركشي في مهمات المهمات، كما توحي بذلك عبارته في المزهر.
ويؤيد ذلك أننا لا نجد نقلًا آخر من كتاب خلق الإنسان هذا في مؤلفاته الأخرى، ثم هو نفسه لما أراد تأليف كتابه "غاية الإحسان في خلق الإنسان" بحث عن الكتب المؤلفة في هذا الموضوع، فلم يظفر إلا بخمسة كتب: كتاب أبي جعفر النحاس (٣٣٨ هـ) وكتاب ثابت (من القرن الثالث الهجري) وكتاب الزجاج (٣١١ هـ) وكتاب ابن حبيب (٢٤٥ هـ) وكتاب أبي القاسم عمر بن محمد ابن الهيثم العصافي (؟) فجمع ما في هذه الكتب مع الزيادة عليه. ولم تكلم فيه على اللفظ المذكور قال: "وهو عربي صحيح، وقيل فارسي، وقيل: مولد" (٢)،
_________________
(١) الوشاح في فوائد النكاح، نسخة جامعة الملك سعود برقم ٧٥٧ هـ، نسخها عمر القباني سنة ١١١٦ هـ.
(٢) غاية الإحسان في خلق الإنسان، تحقيق مرزوق علي إبراهيم، دار الفضيلة، القاهرة ١٩٩١ م ص ١٩٧.
[ ١٣٩ ]
فلخّص فيه ما قاله في كتاب المزهر، كما لخّص في المزهر ما أفاض فيه من قبل في كتابه "مواسم النكاح"، ثم اختصره في "الوشاح".
أما إغفال السيوطي ذكر مهمات المهمات في الوشاح، فلعل السبب في ذلك أنه لم ترد في كتاب الزركشي فائدة زائدة على هذا النقل من كتاب خلق الإنسان، مما يحوجه إلى ذكره، وهو بصدد اختصار مسودة كبيرة استطالها، بالإضافة إلى اختلاف سياق الأقوال في الكتابين، وشدة اهتمام السيوطي في كتاب المزهر بالنص على مصادره التي ينقل عنها.
وقد نقل شهاب الدين الخافجي (١٠٦٩ هـ) أيضًا هذا النص في كتابه شفاء الغليل، فقال: "قال المطرزي وغيره: فارسي معرب كوز، وقال ابن الأنباري (١): هو مولد، والحق الأول، قال الصغاني في خلق الإنسان: لم أسمعه في كلام فصيح ولا شعر صحيح إلا في قوله ". ثم نقل أربعة أشطر من الرجز المذكور، وقول أبي حيّان (٢).
كتاب المزهر من مصادر الخفاجي، وخاصة النوع الحادي والعشرين منه الذي في معرفة الولد، وقد أحال فيه السيوطي في موضوع النكاح.
ومن الملاحظ أن سياقة النص في شفاء الغليل قريبة من سياقته في كتاب
_________________
(١) في الوشاح: "سلامة ابن الأنباري"، فاختصره الخفاجي بحذف (سلامة)، فأوهم أنه أبو بكر محمد بن قاسم الأنباري المتوفى سنة ٣٢٨ هـ الذي نقل من كتابه (الزاهر) في عدة مواضع. والمعروف في اسم الأول: سلامة الأنباري، كما في المزهر. وهو سلامة بن عبد الباقي، أبو الخير الأنباري النحوي الضرير المتوفى سنة ٥٩٠ هـ، من مؤلفاته شرح مقامات الحريري، وهو من مصادر كتاب المزهر. انظر ترجمته في بغية الوعاة، تحقيق محمد أبو الفضل إبراهيم، دار الفكر ١٣٩٩ هـ، ١: ٥٩٣.
(٢) شفاء الغليل فيما في كلام العرب من الدخيل، الخانجي، القاهرة، ١٣٢٥ هـ، ص ١٧١.
[ ١٤٠ ]
الوشاح، أما كتاب المزهر فلم يورد السيوطي فيه نص كتاب خلق الإنسان، وجعل صاحبه مرجحًا لعربية اللفظ، ولا شك أن ذلك وهم منه. وكان الصفدي مصيبًا إذ لخّص مذهب المؤلف بأنه "غير عربي على الصحيح"، كما سنرى في الفقرة الآتية.
ومن الشهاب الخفاجي نقل هذا النص محمد أمين المحبي (١١١١ هـ) في كتابه قصد السبيل (١)، والمرتضى الزبيدي (١٢٠٥ هـ) في تاج العروس (٢)، غير أن الزبيدي كان أمينًا في نقله إذ قال: "وفي شفاء الغليل للخفاجي: قال الصاغاني في خلق الإنسان ". أما المحبي فنقل كلام الخفاجي برمته من غير إشارة إليه!
اتضح مما سبق أن خمسة من العلماء نسبوا كتاب خلق الإنسان هذا إلى الصغاني قبل بروكلمان، غير أنهم جميعًا نقلوا نصًا واحدًا بعينه، ولم يقف على الكتاب - فيما يظهر - إلا الناقل الأول، وهو بدر الدين الزركشي (٧٩٤ هـ). فلعله وجد نسخة شبيهة بنسختنا التي تضمنت مع هذا الكتاب رسائل الصغاني فالتبس عليه الأمر، أو سقطت إليه نسخة مفردة منه نسبها ناسخها إلى الصغاني.
وسيأتي في الفقرة الرابعة ما يقطع بأن هذا الكتاب ليس للصغاني.
(٢) اطلاع الصفدي على كتاب أبي محمد
وقد وقف صلاح الدين الصفدي (٧٦٤ هـ) على نسخة من هذا الكتاب، وأعجب به، ولكن لم يعرف مؤلفه. فقد ذكر في كتابه الغيث المسجم، وهو يشرح بيت الطغرائي:
_________________
(١) قصد السبيل فيما في اللغة العربية من الدخيل، تحقيق عثمان محمود الصيني، مكتبة التوبة، الرياض، ١٤١٥ هـ، ٢: ٣٩٥.
(٢) تاج العروس، المطبعة الخيرية بمصر، ١٣٠٦ هـ، ٤: ٢٣٣ (كسس).
[ ١٤١ ]
تاءٍ عن الأهل صفر الكف منفرد كالسيف عرِّي متناه عن الخلل
أن الإنسان من أعضائه عشرة، أول كل عضو منها كاف؛ وبعد ما عددها حكى أن "بعض أشياخ اللغة طلب منه عدّها، فعدّ تسعة أعضاء ونسي الكلمرة، فلما قام إلى بيت الخلاء ذكرها، وقد كان قبل ذلك قد ذكر الكرش، فقيل له: ليس للإنسان كرش إنما هي الأعفاج" (١). فلما وقف الصفدي على كتاب خلق الإنسان هذا أعجبه أنه زاد على ما ذكره زيادة كبيرة، فقال: "وقد رأيت أنا مجلدًا لم أعرف اسم مصنفه، قد جمع فيه أسماء أعضاء الرجال والنساء على حروف المعجم، وهذا اطلاع كبير، فرأيت فيه زيادة في حروف الكاف على ما ذكرته هنا: الكذوب: النفس، والكعبرة: عقدة مكبلة حائدة عن الرأس " وأورد سبع عشرة كلمة مع تلخيص معانيها من هذا الكتاب وعلى نسقه، إلا لفظًا واحدًا أخره لأنه "غير عربي على الصحيح" (٢).
ويبدو أن السؤال عن أسماء أعضاء الإنسان التي أولها حرف الكاف كان من المسائل الدوارة في مجالس الكبراء، فإن المسألة نفسها كانت سببًا لتأليف هذا الكتاب وترتيبه على حروف المعجم، كما ذكر أبو محمد في فاتحة الكتاب مخاطبًا صاحبه الذي ألفه لأجله: "لما تأدى إلي يا أخي فرط إعجابك وشدة شغفك بقول بعض المتأدبين في مجلسك: كم في جسد الإنسان من عضو أول حرف من اسمه كاف. وأنه قطع من حضره، وحصر من سمعه، حثّني ذلك على أن أضع كتابًا ".
ولعلّ ولوع المتأدبين بهذه المسألة هو الذي أغرى بعض الظرفاء بأن
_________________
(١) وردت الحكاية مفصلة في المجموع اللفيف للقاضي أمين الدولة (٥١٨ هـ)، ولعله نقلها من خط الوزير أبي القاسم المغربي (٤١٨ هـ). وفيها أن السائل عبد الملك بن مروان (٨٦ هـ) والمسؤول سويد بن غفلة (٨١ هـ). انظر المجموع: ٢٢٩ (تحقيق يحيى الجبوري، دار الغرب الإسلامي، بيروت، ١٤٢٥ هـ).
(٢) الغيث المسجم في شرح لامية العجم، دار الكتب العلمية، بيروت، ١٣٩٥ هـ، ١: ١٢٧.
[ ١٤٢ ]
ينسب إلى ابن خالويه - وكان شيخه أبو عمر الزاهد أولى به - أنه "وضع مسألة سمّاها (الأنطاكية) اشتملت على ثلاثمائة عضو من أعضاء الإنسان أول كل كلمة منها كاف"! حكاه الصفدي بصيغة التمريض، ولم أجد لها ذكرًا في مؤلفات ابن خالويه ولا في كتب خلق الإنسان.
(٣) آخر من نقل عنه المؤلف وفاةً
ذكر محقق الكتاب أن آخر من أخذ عنه المؤلف زمنًا أبو عمر الزاهد المتوفّى سنة ٣٤٥ هـ (في المقدمة ٣٥٠ هـ خطأ)، فاستدرك عليه الدكتور إحسان النص بأن: "الصحيح أن آخرهم هو ابن خالويه الحسين بن أحمد المتوفّى سنة ٣٧٠ هـ، وقد ذكره المؤلف في أكثر من موضع في كتابه ولهذا الاستدراك شأنه في تعيين زمن حياة المؤلف، فمؤلف الكتاب وجد بعد زمن ابن خالويه أو كان معاصرًا له" (ص ٢٣٠).
قلت: بل الصحيح أن آخرهم أبو أسامة جنادة بن محمد بن الحسين الهروي اللغوي الذي قتله الحاكم سنة ٣٩٩ هـ، وقد نقل عنه المؤلف في ص ١٤١: "وحكى جنادة عن ابن حمدويه " (١).
(٤) ترجمة العبدري الذي نسخ نسخته من أصل المؤلف
النسخة التي نشر عنها كتاب خلق الإنسان خالية من اسم الناسخ وتاريخ النسخ، ولكن كتب في آخرها أحد العلماء: "كان في آخر النسخة التي نسخ هذا الكتاب منه ما مثاله بنصه سواء: ووجدت في آخر النسخة التي نقلت منها في سنة تسع وستمائة ما مثاله: كتب عبد الله بن الحسن بن عشير العبدري لنفسه بثغر الإسكندرية المحروس، ونقله من نسخة المؤلف بخطه، والحمد لله وحده".
_________________
(١) انظر ترجمة جنادة في معجم الأدباء، تحقيق إحسان عباس، دار الغرب الإسلامي، بيروت، ١٩٩٣ م، ٢: ٨٠٠.
[ ١٤٣ ]
هذه العبارة في غاية الأهمية، فإنها رفعت نسب النسخة التي وصلتنا إلى أصل المؤلف فبينها وبين الأصل نسختان: الأولى ناسخها مجهول ولكن تاريخ نسخها معلوم وهو ٦٠٩ هـ، والثانية تاريخها مجهول ولكن ناسخها معلوم، وإن العثور على ترجمته سيفيدنا في معرفة زمن المؤلف، يقول المحقق (ص ١٤) "ولم يترك لنا الناسخ هذا أية إشارة تدلّ على العصر الذي نسخه فيه ولا يمهد لنا طريقًا يرشدنا إلى هذا العصر".
قلت: هذا الناسخ معروف، وقد ترجم له القفطي في إنباه الرواة (١) والسيوطي في بغية الوعاة (٢)، ومصدرهما جميعًا معجم السفر للحافظ أبي طاهر السلفي (٥٧٦ هـ) الذي جاء فيه: "سمعت أبا عبد الله بن الحسن بن عشير العبدري اليابسي النحوي بالثغر يقول: قرأت على أبي الحسين سليمان بن محمد بن طراوة السبائي المالقي النحوي بالأندلس، ولم أر مثله. وكان يعظمه جدًا. أبو محمد هذا كان مصدّرًا في جامع الإسكندرية لإقراء القرآن والنحو. وأنشدني كثيرًا من شعره. وتوفّي سنة وكان وصى بأن أصلي عليه، وكان يومًا باردًا، وقد وقع برد عظيم فصليت عليه، ودفن بمقبرة باب البحر، ولم يحضر كثير ناس، فالوحول تحول، ونزول الأمطار يمنع عن قضاء الأوطار" (٣).
اليابسي: نسبة إلى جزيرة اليابسة بالأندلس، وفي شرقيها جزيرة ميورقة، وأقرب بر إليها مدينة دانية (٤).
_________________
(١) إنباه الرواة على أنباه النحاة، تحقيق محمد أبو الفضل إبراهيم، دار الفكر العربي، القاهرة، ١٤٠٦ هـ ٢: ١١٥.
(٢) بغية الوعاة ٢: ٣٨.
(٣) معجم السفر، تحقيق شير محمد زمان، مجمع البحوث الإسلامية، إسلام آباد، ١٩٨٨ م ص ١٥٠.
(٤) انظر الروض المعطار في خبر الأقطار للحميري، تحقيق إحسان عباس، مكتبة لبنان، ١٩٨٤ م، ص ٦١٦.
[ ١٤٤ ]
ولم يذكر في معجم السفر تاريخ وفاة العبدري، ومكانه بياض في النسختين. أما ياقوت فيبدو أنه اعتمد على مصدر آخر، فذكر تاريخ الوفاة مفصّلًا، فقال في رسم اليابسة: "وينسب إليها من المتأخرين أبو محمد عبد الله ابن الحسن (في المطبوعة الحسين خطأ) بن عشير اليابسي الشاعر. مات ليلة السبت في العشرين من المحرم سنة ٦٢٥ هـ" (١).
ولا شك أنه قد وقع خطأ في ذكر السنة، فإن الحافظ السلفي الذي صلّى عليه قد توفي سنة ٥٧٦ هـ. ولعل صواب ما في معجم البلدان: سنة ٥٢٥ هـ، كما ذهب إليه محقق معجم السفر.
ولا يفوتني هنا أن أنبّه على غلط وقع فيه القفطي فيما نقله من معجم السفر إذ قال: "دفن بمقبرة باب البحر بالإسكندرية ووصى أن يصلي عليه أبو طاهر السلفي، فلم يمكنه ذلك لوحل ومطر كان في ذلك اليوم" (٢). فهذا كما ترى مخالف لما صرح به السلفي نفسه من أنه صلى عليه، ولا شك أن ذلك من تسرّع القفطي فيما ينقله من المصادر. وله أمثلة غير قليلة في كتابه الممتع.
وترجمة العبدري هذه قاطعة بأن كتاب خلق الإنسان ليس من تأليف الصغاني، فقد توفّي العبدري قبل ميلاد الصغاني في سنة ٥٧٧ هـ بأكثر من خمسين عامًا.
(٥) زمن المؤلف
في ضوء ما ذكرناه في الفقرة الثالثة من وفاة آخر من نقل عنه المؤلف سنة ٣٩٩ هـ، وما علمنا في ترجمة العبدري (الذي نسخ نسخته من أصل المؤلف) في الفقرة السابقة أنه توفّي سنة ٥٢٥ هـ، يتعين الزمن الذي عاش في بعضه
_________________
(١) معجم البلدان، دار الكتاب العربي، بيروت، ٥: ٤٢٤.
(٢) إنباه الرواة ٢: ١١٥.
[ ١٤٥ ]
المؤلف، وهو من أواخر القرن الرابع إلى أوائل القرن السادس. فإذا افترضنا أنه في أواخر القرن الرابع، فإنه لم يدرك علماءه الذين نقل عنهم، إذ لم يصرح بسماعه عن أحد منهم، وقد توفّي آخرهم في سنة ٣٩٩ هـ. ومن ثم نرجح أن مؤلف الكتاب من القرن الخامس الهجري.
وقد ارتأى الدكتور إحسان النص أنه "عاش في حقبة تمتد من أواخر القرن الرابع الهجري حتى منتصف القرن الخامس الهجري" واستدل على ذلك بأمرين: الأول أنه "لم يذكر أنه أخذ عن أي مصنف بعد ابن خالويه المتوفّى ٣٧٠ هـ"، وهو خطأ قد سبق تصحيحه. والثاني أنه "قد وجد في القرنين الخامس والسادس علماء صنفوا في موضوع خلق الإنسان، وأشهرهم ابن سيده علي بن إسماعيل المتوفي سنة ٤٥٨ هـ، وكتابه المخصص أوسع مصدر لبحث خلق الإنسان، فلو أن المؤلف عاش بعد زمنه لكان من المحتم أن يأخذ ولا سيما إذا كان المؤلف أندلسيًا حسبما استظهر المحقق، ولهذا أراه توفي قبل أن يؤلف ابن سيده كتابه المخصص" (ص ٢٣١)
أولًا: لا دليل على كون المؤلف أندلسيًا، وأما ما استظهر به محقق الكتاب على ذلك أعني الجمل الدعائية التي جاءت في فاتحة الكتاب، وظنّها "سمة أندلسية خاصة" فهو أسلوب قديم معروف في كتب أهل المشرق. انظر مثلًا: كتاب الحيوان وكتاب البخلاء للجاحظ (٢٥٥ هـ) وكتاب من اسمه عمرو من الشعراء لابن الجراح (٢٩٦ هـ) والزهرة لمحمد بن داوود الأصبهاني (٢٩٧ هـ) وحروف المعاني للزجاجي (٣٤٠ هـ) والموازنة للآمدي (٣٧٠ هـ) والخصائص، وسر صناعة الإعراب لابن جني (٣٩٢ هـ).
ثانيًا: ليس من المحتم أن يأخذ المؤلف عن ابن سيده، ولو كان أندلسيًا عاش بعده. فهذا ابن سيده نفسه عاش حتمًا بعد ابن السيّد المتوفى سنة ٣٨٢ هـ، وكلاهما أندلسي، وكان ابن السيّد إمامًا في اللغة والعربية، وقد
[ ١٤٦ ]
صنف كتابًا سماه "العالم" في اللغة يقول فيه ابن حزم، وهو يذكر أهم كتب اللغة التي ألفت في الأندلس: "ومنها كتاب أحمد بن أبان بن سيد في اللغة المعروف بكتاب العالم، نحو مئة سفر على الأجناس، في غاية الإيعاب، بدأ بالفلك وختم بالذرة" (١). فكتاب العالم من نمط كتاب المخصص، ولكن لم يشر ابن سيده في المخصص إلى كتاب العالم، فضلًا عن النقل منه (٢).
وهذا ثابت بن أبي ثابت وراق أبي عبيد (٢٢٤ هـ) من علماء القرن الثالث الهجري، وكتابه من أحسن الكتب المؤلفة في خلق الإنسان، وعاش بدون شك قبل أبي محمد، ولكن لا نرى له أثرًا في كتابه، بينما هو من أكبر مصادر ابن سيده في كتاب خلق الإنسان من المخصص.
وكتاب المخصص الذي ألفه ابن سيده قبل كتاب المحكم، لم يكن حظه من الاشتهار والانتشار كحظ المحكم. فلم يقف عليه القفطي المتوفى سنة ٦٢٤ هـ - وهو من هو في الشغف بالكتب واقتنائها - فإنه لما ترجم لان سيده في إنباه الرواة أثنى على كتاب المحكم ثناءً بالغًا، وذكر أنه "في وقف التاج البندهي بدمشق في رباط الصوفية". فلم يذكر كتاب المخصص بل اكتفى بقوله: "وله غير ذلك من الكتب الأدبية". ثم نقل عن ابن بشكوال أن من تواليفه "كتاب المحكم في اللغة وكتاب المخصص وكتاب " (٣) كأنه زاد ذلك فيما بعد لما وقف على كتاب الصلة. وكذلك السيوطي المتوفى في سنة ٩١١ هـ لم يشر إلى كتاب المخصص في ترجمة ابن سيده في بغية الوعاة (٤) ولا ذكره في كتاب
_________________
(١) انظر معجم الأدباء ١: ١٦٤ حاشية المحقق. وقد وصل إلينا السفر الثالث منه، وهو يشتمل على فصول في خلق الإنسان. انظر سزكين المجلد الثامن: ٤٩١ (الترجمة العربية، جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية، الرياض، ١٤٠٨ هـ).
(٢) وقيل إن كتاب العالم هو أصل المخصص، بل سلخه ابن سيده سلخًا. انظر بحوث وتحقيقات للميمني، إعداد محمد عزير شمس، دار الغرب الإسلامي بيروت، ١٩٩٥، ١: ١٤.
(٣) إنباه الرواة ٢: ٢٢٦.
(٤) بغية الوعاة ٢: ١٤٣.
[ ١٤٧ ]
المزهر، ولا استفاد منه في كتابه في خلق الإنسان.
وما لنا نذهب بعيدًا، فنحن في زمننا هذا - زمن الطباعة والحاسوب والناسوخ - لا نعلم أحيانًا عن بعض الكتب أنه قد نشر في بلد من بلادنا المجاورة، وإذا علمنا بنشره تعذر علينا الحصول عليه! وأقرب دليل على ذلك أن كتب خلق الإنسان التي تحدث عنها الدكتور إحسان النص في مقاله أربعة كتب ليس منها كتاب السيوطي "غاية الإحسان في خلق الإنسان"، مع أنه نشر في القاهرة سنة ١٩٩١ م أي قبل سبع سنوات من نشر مقاله في مجلة المجمع! فلو وقف عليه ما أغفله، لما يمتاز به من غزارة المادة والاعتماد على مصادر لم يصلنا بعضها.
ومحقق كتاب السيوطي يذكر أبا محمد من المؤلفين في خلق الإنسان، ويحيل في ذلك على نشرة أخبار التراث العربي عدد نوفمبر وديسمبر ١٩٨٥ م، ولا يعلم أن كتاب أبي محمد طبع في الكويت سنة ١٩٨٦ م، أي قبل إصداره كتاب السيوطي بخمس سنوات!
(٦) المؤلف ونسبة (الشيرازي)
كتاب خلق الإنسان في نسخة داماد زاده يبتدئ في ٧٧/ظ، بعدما تنتهي رسائل الصغاني في ٧٧/و، فكتب بعض القرّاء بعد نهايتها العبارة الأتية: "كتاب خلق الإنسان في اللغة تأليف أبي محمد الحسن بن أحمد بن عبد الرحمن ﵁" وهذا يوافق ما جاء في آخر الكتاب ولكنه زاد فيما بعد لفظة "الكامل" بعد كلمة "الإنسان"، كما زاد نسبة "الشيرازي" قبل "رضي " وكتب الكلمتين فوق السطر. فهل كان ذلك اجتهادًا من الكاتب، أو اطلع على نسخة أخرى من الكتاب سمي فيها بكتاب "خلق الإنسان الكامل في اللغة"، كما أضيفت فيها إلى اسم المؤلف نسبة "الشيرازي"؟
يقول المحقق في تعليقه على هذه العبارة (ص ١٤): "ولابد أن هذا
[ ١٤٨ ]
القارئ حين أضاف هذه النسبة كان يعرف المؤلف، ويعلم أنه شيرازي، ومع أن ذلك لا يفيد كثيرًا في كشف الغموض الذي يكتنف اسم المؤلف فإنه ضيّق - إلى حد ما - دائرة الغموض بهذه النسبة".
قلت: إن نسبة "الشيرازي" - إذا ثبتت - تثير سؤالًا، بل تجعلنا أمام توافق غريب في الأسماء، وكأننا عثرنا على شخصية المؤلف، فإن والده في ضوء العبارة السابقة: أحمد بن عبد الرحمن الشيرازي، وهو يوافق تمامًا اسم إمام مشهور في علم الحديث توفي في أوائل القرن الخامس، ترجم له الذهبي في سير أعلام النبلاء فقال:
"الإمام الحافظ المجوّد أبو بكر أحمد بن عبد الرحمن بن أحمد بن محمد بن موسى الشيرازي، مصنف كتاب الألقاب سماعنا. سمع أبا بحر محمد بن الحسن البربهاري وأبا بكر القطيعي وعلي بن أحمد المصيصي وأبا القاسم الطبراني قال الحافظ شيرويه الديلمي: كان ثقة صادقًا حافظًا، يحسن هذا الشأن جيدًا جدًا، فخرج من عندنا يعني همذان سنة أربع وأربعمائة إلى شيراز، وأخبرت أنه مات بها سنة إحدى عشرة وأربعمائة، كذا قال، وأما أبو القاسم بن مندة، فقال: توفّي في شوال سنة سبع وأربعمائة، فهذا أشبه. قلت: كان من فرسان الحديث، واسع الرحلة " (١).
ولكن لم يذكر في ترجمته أن له ابنًا يسمى الحسن، وذلك يجعلنا نتردد في قبول زيادة "الشيرازي" إذا كانت اجتهادًا من الكاتب، وخاصة لأنها لم ترد في الأصل، إلا أن زمنه يوافق زمن مؤلف كتاب خلق الإنسان.
(٧) ترتيب الكتاب على حروف المعجم
كتاب خلق الإنسان لأبي محمد مرتّب على حروف المعجم، يقول في
_________________
(١) سير أعلام النبلاء ١٧: ٢٤٢ - ٢٤٣، تحقيق شعيب الأرنؤوط ومحمد نعيم العرقسوسي، مؤسسة الرسالة، بيروت، ١٤٠٣ هـ.
[ ١٤٩ ]
ذلك محقق الكتاب: "إن تصنيف الكتب على حروف المعجم على النحو الذي اتبعه المؤلف هنا لا نجد له أثرًا في القرون الأولى من الهجرة حتى القرنين الثالث والرابع، ولعل أول بادرة لهذا النمط من التأليف نجدها في كتب أبي محمد الأعرابي المعروف بالأسود العندجاني (كان يعيش سنة ٤٢٨ هـ) الذي اهتم بوجه خاص بترتيب مصنفاته على حروف المعجم، لعل كتابنا هذا - وهو شبيه في ترتيبه بكتب أبي محمد الأعرابي - قد ألف في عصره أو قريبًا منه" (المقدمة ص ١٦).
والدكتور إحسان النص أيضًا أشار إلى ذلك، وهو يتحدث عن منهج الكتاب، فقال: "وهذا النهج جديد في بابه، فمصنفات خلق الإنسان السابقة كانت تجعل لكل عضو بابًا مستقلًا، فجاء كتاب المؤلف مغايرًا لما سبقه، وكان معجمًا مرتبًا على الحروف في أسماء أعضاء الإنسان، وتلك ميزة لهذا الكتاب" (٢٣٢). وأشار الدكتور أيضًا إلى الغندجاني فقال: "وقد جرى المؤلف على نهج الغندجاني في ترتيب أبواب كتابه على الحروف، وهي الطريقة التي اتبعها الغندجاني في مصنفاته ".
وهنا عدة مآخذ على كلامهما:
أولًا: لا يصح أن ترتيب الكتب على حروف المعجم لم يعرف إلى القرن الرابع، فقد سبق كراع النمل المتوفي سنة ٣١٠ هـ المتقدمين والمتأخرين، إذ وضع معجمًا كاملًا - وهو المجرد - رتبه على حروف المعجم، وجعل الحرف الأول بابًا والثاني فصلًا مع الاعتداد بالزوائد (١). ولعل الأصل الذي اختصر منه
_________________
(١) قد صدر السفر الأول من كتاب المجرد بتحقيق محمد بن أحمد العمري سنة ١٤١٣ هـ وطبع بمطابع دار المعارف بمصر، وانظر مقدمة المحقق ص ١٩. وقد أخرج من قبل كتابًا آخر لكراع وهو المنتخب من غريب كلام العرب، نشرته جامعة أم القرى في جزئين سنة ١٤٠٩ هـ، فهما كتابان اثنان لا كتاب واحد "المنتخب المجرد" كما سماه الدكتور إحسان في مقاله (ص ٢٢٢).
[ ١٥٠ ]
المجرد - وهو المنضد - أيضًا كان على هذا الترتيب (١).
ثانيًا: إذا نظرنا في الكتب المؤلفة في خلق الإنسان فقط، فإن كتاب أبي جعفر محمد بن حبيب مرتبٌ على حروف المعجم، وقد توفّي سنة ٢٤٥ هـ (٢).
ثالثًا: لم ينشر من كتب الغندجاني إلا ثلاثة كتب: كتاب فرحة الأديب، وكتاب إصلاح ما غلط فيه أبو عبد الله النمري في تفسير معاني أبيات الحماسة، وكتاب أسماء خيل العرب وأنسابها وذكر فرسانها، وهذا الكتاب الأخير هو الذي رتبه الغندجاني على حروف المعجم. فقول المحقق إن الغندجاني اهتم بوجه خاص بترتيب مصنّفاته على حروف المعجم، وكذلك قول الدكتور إحسان النص: "وهي الطريقة التي اتّبعها الغندجاني في مصنفاته" ينقصه الدقة في التعبير، فإن كلامهما يوحي بأن للغندجاني عدة مصنفات عني بترتيبها على حروف المعجم.
والجدير بالذكر أن لأبي منصور عبد الله بن سعيد الخوافي اللغوي كتابًا في خلق الإنسان. وذكر في ترجمته أنه مرتب على حروف المعجم، وقد توفي الخوافي سنة ٣٨٠ هـ، فهو أقدم من أبي محمد (٣).
ذكر الدكتور إحسان النص أنه قد تبادر إلى خاطره في أول الأمر أن يكون مؤلف الكتاب "هو الأسود الغندجاني الحسن بن أحمد المتوفى سنة ٤٢٨ هـ ".
لم تذكر المصادر أن الغندجاني توفّي سنة ٤٢٨ هـ، وإنما قال ياقوت "قرأت في بعض تصانيفه أنه صنف في شهور سنة اثنتي عشرة وأربعمائة، وقرئ
_________________
(١) انظر معجم الأدباء ٤: ١٦٧٣.
(٢) نشره أخي المحقق الأستاذ محمد عزير شمس ضمن مجموعة "روائع التراث" (ص ٢٥٩ - ٢٨٥)، الدار السلفية، بومباي، الهند، ١٤١٢ هـ.
(٣) انظر ترجمة الخوافي في معجم الأدباء ٤: ١٥٢٧ وبغية الوعاة ٢: ٤٣.
[ ١٥١ ]
عليه في سنة ثمان وعشرين وأربعمائة" (١). ومن هنا كتب الدكتور أحمد خان في عبارته التي نقلناها آنفًا "كان يعيش سنة ٤٢٨". أما محقق كتب الغندجاني، فكتب على مؤلفاته الثلاثة أنه كان حيًا سنة ٤٣٠ هـ، اعتمادًا على ما جاء في أول كتاب إصلاح ما غلط فيه أبو عبد الله النمري أنه عمله للمجلس العادلي العالي نوّره الله في شهور سنة ثلاثين وأربعمائة.
وقد نبّهت من قبل في مقالي "إصلاح الإصلاح" في نقد نشرة الدكتور محمد علي سلطاني للكتاب الأخير على أن في كتاب إنباه الرواة (٤: ١٧٤ - ١٧٥) ترجمة للغندجاني، ذكر فيها القفطي أنه توفّي بالغندجان سنة ٤٣٦ هـ (٢).
(٨) قصة بيع الجمهرة بين القالي والفالي
من مميزات مخطوطة كتاب خلق الإنسان أن بعض العلماء قابلها بأصل المؤلف، ثم علق في مواضع عديدة منها بالرجوع إلى مصادر أخرى نحو كتاب المجرد لكراع النمل ومختصر العين، وجمهرة اللغة. ومن تعليقاته على لكلمة (العضاض) في الورقة ١٢٠/و: "وفي الجمهرة لابن دريد، ونقلته [من] خط أبي علي القالي ﵀: الغضاض ". أشار محقق الكتاب إلى هذه الحاشية وقال: "ومما تجدر الإشارة إليه هنا أن نذكر أن النسخة التي كانت أمامه من الجمهرة كانت نسخة المؤلف، وعليها خط أبي علي القالي ومن الطريف أن هذه النسخة هي النسخة نفسها التي باعها أبو علي القالي - حين اشتدت الحاجة به - بأربعين مثقالًا، وكتب عليها الأبيات، وتمام الخبر في المزهر للسيوطي" (المقدمة ص ٣١).
ليس في كلام المحشي ما يدلّ على أن نسخة الجمهرة التي نقل منها كانت
_________________
(١) معجم الأدباء ٢: ٨٢٢.
(٢) انظر مجلة مجمع اللغة العربية بدمشق، المجلد ٦٤، الجزء الثاني، ص ٢٩٠. [والمقال مطبوع ضمن هذه المجموعة].
[ ١٥٢ ]
بخط المؤلف، ولكن غلبت على المحقق حكاية المزهر، وهي كما أوردها السيوطي:
"وقال بعضهم: كان لأبي علي القالي نسخة من الجمهرة بخط مؤلفها، وكان قد أعطي بها ثلاثمائة مثقال، فأبى، فاشتدت به الحاجة، فباعها بأربعين مثقالًا، وكتب عليها هذه الأبيات:
أنست بها عشرين عامًا وبعتها وقد طال وجدي بعدها وحنيني
وما كان ظني أنني سأبيعها ولو خلّدتني في السجون ديوني
ولكن لعجز وافتقار وصبية صغار، عليهم تستهل شؤوني
فقلت ولم أملك سوابق عبرتي مقالة مكوي الفؤاد حزين
وقد تخرج الحاجات يا أم مالك كرائم من رب بهن ضنين
قال: فأرسلها الذي اشتراها وأرسل معها أربعين دينارًا أخرى. وجدت هذه الحكاية مكتوبة بخط القاضي مجد الدين الفيروزابادي صاحب القاموس على ظهر نسخة من العباب للصغاني، ونقل من خطه تلميذه أبو حامد محمد بن الضياء الحنفي، ونقلتها من خطه" (١).
هذه الحكاية التي أسندها الفيروزابادي إلى شخص مجهول، قد وقع فيها عدة أخطاء أهمها أن الذي باع نسخته من الجمهرة، وكتب هذه الأبيات التي ضمنها بيتًا قديمًا - وهو البيت الأخير - هو أبو الحسن علي بن أحمد الفالي (بالفاء) المتوفى سنة ٤٤٨ هـ، لا أبو علي القالي (بالقاف) المتوفى سنة ٣٥٦ هـ. أطبقت على ذلك كتب التاريخ والتراجم، ولم يشذ عنها إلا هذه الرواية المدخولة (٢).
_________________
(١) المزهر ١: ٩٥.
(٢) انظر المنتظم لابن الجوزي، دائرة المعارف العثمانية، جيدراباد، الهند ٨: ١٧٤، ومعجم الأدباء ٤: ١٦٤٦، ووفيات الأعيان تحقيق إحسان عباس، دار الثقافة، بيروت، =
[ ١٥٣ ]
ولعل أول من نبه على هذا الغلط العلامة عبد العزيز الميمني ﵀، إذ قال في شرحه لذيل أمالي القالي وصلة ذيله، وهو الجزء الثالث من سمط اللآلي: "وغلط المتأخرون"، فظنوا الفالي (بالفاء المنقوطة بنقطة واحدة) صاحبنا أبا علي " (١).
وجاز هذا التصحيف على الأستاذ أحمد أمين في كتابه ظهر الإسلام (١: ١١٧)، فنبه عليه الأستاذ مصطفى جواد في مقدمة كتاب تكملة إكمال الإكمال لابن الصابوني (٢).
وقد بسطت في موضع آخر ترجمة أبي الحسن الفالي، مع تحرير قصة بيع نسخته من الجمهرة، وتتبع القصص التي تمثل أصحابها بالبيت القديم الذي ضمنه الفالي (٣).
* * *
_________________
(١) = ٣: ٣١٦، وسير أعلام النبلاء ١٨: ٥٤، والفلاكة والمفلوكون، مكتبة الأندلس، بغداد، ١٣٨٥ هـ، ص ١٤٨. سمط اللآلي، مطبعة لجنة التأليف والترجمة والنشر، القاهرة، ١٣٥٤ هـ، ٣: ٨٩.
(٢) تكملة إكمال الإكمال، عالم الكتب، بيروت، ١٤٠٦ هـ، مقدمة المحقق ص ٨ - ١٠.
(٣) انظر المقال التالي في هذه المجموعة.
[ ١٥٤ ]