في كتاب نزهة الأبصار في محاسن الأشعار (١)
(١)
الحسن بن علي الضبّي المعروف بابن وكيع التنّيسي (٣٩٣ هـ) صاحب كتاب المنصف في بيان سرقات المتنّبي كان أديبًا وشاعرًا مجيدًا ظريفًا، ولد في مدينة تنِّيس وتوفّي بها، وكانت مدينة تنِّيس أجمل مدن مصر، وأطيبها أرضًا، وأصفاها هواءً، وأهلها أكثر الناس رخاءً وثراءً، فاستأثر بشعر ابن وكيع وصف مشاهد الطبيعة الفاتنة، ومظاهر الحياة المترفة اللاهية. وقد أثنى عليه الثعالبي في يتيمة الدهر (١: ٣٥٦) (٢)، فقال: "شاعر بارع، وعالم جامع. قد برع في إبانه على أهل زمانه، فلم يتقدمه أحد في أوانه. وله كل بديعة تسحر الأوهام، وتستعبد الأفهام ".
وكان لابن وكيع ديوان شعر معروف. ذكره ابن خلكان (٣)، واطلع عليه صاحب الخزانة (٤)، ثم فقد، فلم يوقف له على خبر. وأوّل من عني بجمع شعره في عهدنا هذا هو الدكتور حسين نصّار الذي نشره مع دراسة جيدة سنة
_________________
(١) نشر في ملحق التراث بجريدة المدينة السعودية السنة ٢١٧ العدد ٣٢، بتاريخ ١٢/ ٦/١٤١٤ هـ = ٢٥/ ١١/١٩٩٣ م.
(٢) طبعة محمد محيي الدين عبد الحميد، دار الفكر، بيروت، ١٣٩٢ هـ.
(٣) وفيات الأعيان، تحقيق إحسان عباس، دار الثقافة، بيروت، ٢: ١٠٤.
(٤) نشرة عبد السلام هارون، الهيئة المصرية العامة للكتاب، الطبعة الثانية ١٩٧٩ م، ١: ٢١.
[ ١١٩ ]
١٩٥٣ م، بعنوان "ابن وكيع شاعر الزهر والخمر". وقد تضمنت مجموعته ٦٣٠ بيتٍ.
وبعد مضيّ عشرين سنة على هذه النشرة، استدرك عليها الأستاذ هلال ناجي، وأضاف أكثر من مائتي بيت في مقاله المنشور في مجلة المورد (٢: ١) سنة ١٩٧٣.
ثم ظلّ ينقّب عن ديوان ابن وكيع في خزائن المكتبات إلى أن ظفر في دار الكتب التونسية بمخطوط فريد لمؤلف مغربّي مجهول، عنوانه "عذر الخليع بشعر ابن وكيع" (١). وهو عبارة عن مختارات من شعر ابن وكيع جمعها المؤلف من مصادر معدودة نصّ عليها في مقدمة الكتاب (ص ٢٣) فقال:
"وجمعته من يتمية الدهر في محاسن أهل العصر للثعالبي، وكتاب نثر زهر الحدائق ودرّ النظم الفائق، والمختار من مستحسن الأشعار لمحمد بن حسين الكاتب، وقطب السرور لابن الرقيق الكاتب، ونزهة الأبصار في محاسن الأشعار للبهاء زهير، وكتاب حلبة الكميت".
ونوّه الأستاذ هلال ناجي بذكر أهمية "عذر الخليع" من وجهين: أولهما أنّه يضيف إلى مجموعة الدكتور حسين نصّار أكثر من ثلاثمائة بيت. والآخر أن عددًا من مصادره لا يزال مجهولًا. فبادر الأستاذ إلى تحقيق هذه المخطوطة، وقد تجمّع لديه في خلال هذه المدة نحو ثلاثمائة بيت تخلو منه المخطوطة ومجموعة الدكتور حسين نصّار كلتاهما، فجمعها في ذيلها. وهكذا قدّم إلى الباحثين والنقاد مادة ثريّة من شعر ابن وكيع، يزيد عدد أبياتها على ألف ومائتي بيت، مجموعة في سفر واحد، سمّاه "ديوان الحسن بن علي الضبّي الشهر بابن
_________________
(١) في تاريخ التراث العربي لفؤاد سزكين (الترجمة العربية): "ديوانه محفوظ في حلب، مكتبة قدور (انظر سباط الملحق ٤٥)، مجموعة حديثة لمجهول في الزيتونة بتونس ٣٩٤ الورقة ٧٥ - ٩٦ من القرن ١٢ الهجري" انظر المجلد الثاني، الجزء الخامس: ١٣ (طبعة جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية، الرياض).
[ ١٢٠ ]
وكيع التنّيسي"، وقد صدر هذا الديوان في بيروت من دار الجيل سنة ١٤١١ هـ.
(٢)
أما الذي يعنينا في هذا المقال الموجز فهو أحد مصادر "عذر الخليع" الذي نسب فيه إلى البهاء زهير. وهو كتاب "نزهة الأبصار في محاسن الأشعار". وقد عدّه الأستاذ هلال ناجي من الكتب المجهولة، فقال في مقدمة الديوان (١٧):
"وتبدو أهمية المخطوطة حين نعلم أن نصف مصادرها غير معروفة في زمننا هذا. وأعني نثر زهر الحدائق، والمختار من مستحسن الأشعار، ونزهة الأبصار في محاسن الأشعار ".
والحقّ أن الكتاب الأخير ليس مجهولًا، ثم إنّه ليس للبهاء زهير قطعًا. والراجح أنه من تأليف شيخ النحاة شهاب الدين أبي العباس أحمد بن محمد الأصبحي العنّابي (ت ٧٧٦ هـ) وهو كتاب مطبوع.
وفي الموضع الذي ورد ذكره في مقدمة المؤلف، لاحظ الأستاذ هلال ناجي في تعليقه عليه أنه "لم تذكر مظان ترجمة البهاء زهير هذا الكتاب له" ثم أشار إلى كتاب الأصبحي بقوله "طبع في الكويت سنة ١٩٨٦ م كتاب بهذا العنوان تصنيف أحمد بن محمد العنابي (ت ٧٧٦ هـ). بتحقيق مصطفى السنوسي وعبد اللطيف لطف الله".
وظاهر من هذه الحاشية أن الأستاذ هلال ناجي لم يطلع على الكتاب المطبوع، وإلا فإنّ نظرة واحدة فيه كانت تكفي لجلاء كل ريب في هذا الأمر. ويبدو أنه أحسن الظن بمؤلف المخطوط (عذر الخليع) وصدّق كلامه في نسبة الكتاب إلى البهاء زهير، فلم يشعر بضرورة الاطلاع على كتاب الأصبحي. وبذلك فاتته الاستفادة من هذا المصدر المهم في مراجعة النصوص المنقولة عنه في عذر الخليع.
[ ١٢١ ]
والرجوع إلى كتاب الأصبحي يحل مشكلة النسبة أيضًا. فقد اعتمد الناشران في إخراج الكتاب على نسختين: مغربيةٍ من تمكروت، وتركيةٍ من جوروم. وكلتاهما لا تحمل اسم الناسخ ولا تاريخ النسخ، غير أنّ التُّركية - حسب قولهما - أصح من المغربيّة. والأخيرة هي التي نسبت الكتاب إلى البهاء زهير. ولا شك أن هذه النسبة خطأ محض. وأكبر شاهد على بطلانها أن في الكتاب مختارات لشعراء مختارين وجدوا بعد البهاء زهير (ت ٥٨١ هـ) نحو ابن شمس الخلافة (ت ٦٢٢ هـ) وأمين الدين السليماني الإربلي (ت ٦٧٠ هـ) والسراج الوراق (ت ٦٩٥ هـ). أما نسبة الكتاب إلى الأصبحي فإنها ثابتة في النسخة التركية وذكره صاحب إيضاح المكنون (١)، ولم نجد ما ينفي نسبته إليه، فهي الراجحة.
ولعلّ النسخة المغربية هي التي سقطت في يد المؤلف المغربي لكتاب "عذر الخليع" فاعتمد عليها من غير أن يتحقق من أمر نسبتها، ولم يكن في نظري رجلًا محققًا، كما سيأتي بعض ما يؤكد ذلك.
(٣)
ومراجعة ما ورد في نزهة الأبصار من شعر ابن وكيع، والمقارنة بينه وبين ما نقله صاحب عذر الخليع تمدّنا بفوائد عديدة نذكرها في الفقرات الآتية:
أولًا: سبق أن (عذر الخليع) أضاف إلى مجموعة الدكتور حسين نصّار أكثر من ٣٠٠ بيت، حسب إحصاء الأستاذ هلال ناجي. فإن أكثر من خمس هذه الزيادة مصدرها نزهة الأبصار. فإذا نظرنا إلى عدد المقطوعات، فإنّ عذر الخليع يشتمل على ٩٧ مقطوعة أو قصيدة، و٣١ مقطوعة منها منقولة من نزهة الأبصار. وهي كما يلي:
_________________
(١) إيضاح المكنون للبغدادي (طبعة المثنى) ٢: ٦٣٤ باسم "نزهة الأبصار في أوزان الأشعار" (؟). [انظر: الاستدراك في آخر المقال].
[ ١٢٢ ]
١١، ١٢، ١٣، ١٤، ١٥، ١٨، ١٩، ٢٠، ٢١، ٢٢، ٢٣، ٢٤، ٤٠، ٤١، ٤٢، ٤٣، ٤٤، (٤٧)، ٥٢، ٥٦، ٦٢، ٦٣، ٧١، ٧٢، ٧٧، ٧٩، ٨١، (٨٧)، ٩٦، ٩٧.
ولكن نسبة مقطوعتين منها إلى ابن وكيع خطأ في عذر الخليع، وسببه اعتماد مؤلفه على النزهة من غير تثبت ورويّة. إحداهما المقطوعة برقم ٤٧.
كأنّه والقرط في أذنه بدر الدجى قرِّط بالمشتري
قد كتب الحسن على وجهه يا أعين الناس قفي فانظري
والأخرى برقم ٨٧:
قالوا عليك سبيل الصبر قلت فهم هيهات إن سبيل الصبر قد ضاقا
ما يرجع الصبر عنه حين يبصره حتى يعود إليه القلب مشتاقا (١)
واكتفى المحقق الفاضل في تعليقه على المقطوعتين بأنهما ليستا في الديوان المطبوع (يعني مجموعة الدكتور حسين نصّار) وذلك ينبئ بأنه لم يجد المقطوعتين لابن وكيع في مصادره الكثرة. والواقع أن المقطوعتين ليستا لابن وكيع. وإنما هما لمنصور بن كيغلغ، وأوردهما له الثعالبي في اليتيمة (١: ٩٣ - ٩٤).
ومنشأ الخطأ تحريف وقع في نزهة الأبصار في اسم الشاعر، فجاء فيه: "منصور بن وكيع" (ص ٣٥١)، و(وكيع) تحريف (كيغلغ)، فلم يفطن مؤلف عذر الخليع لهذا التحريف، كما لم يتنبه على أن ابن وكيع هو (الحسن) لا (منصور) كما في نزهة الأبصار، فنقل المقطوعتين في كتابه على أنهما لابن وكيع. فلما بحث الأستاذ هلال ناجي عنهما في مصادره - وهو لا يشكّ في نسبتهما لابن وكيع - لم يجدها. وعلى هذا يجب حذف المقطوعتين المذكورتين من ديوان ابن وكيع.
_________________
(١) كذا في ديوان ابن وكيع، والصواب: "ما يرجع الطرف" كما في نزهة الأبصار (٣٥٢) ويتيمة الدهر (١/ ٩٤).
[ ١٢٣ ]
وتبقى بعد ذلك ٢٩ مقطوعة، ومجموعة أبياتها ٦٢ بيتًا، ولم يخرّج المحقق الفاضل منها إلا ستّ مقطوعات (١١، ١٤، ٢٤، ٤٤، ٤٨، ٧٧) مما يدلّ على أنّ كتاب نزهة الأبصار تفرَّد بـ ٢٣ مقطوعة.
(٤)
ثانيًا: وفي نزهة الأبصار ٥ مقطوعات أخرى لابن وكيع، غير أن مقطوعة ذات بيتين في ص ٩٢ جاءت ضمن مقطوعة ذات أربعة أبيات في ص ١٠٨. وأخرى ذات بيتين أيضًا تكررت في ص ٥٠٠. والأبيات الستة أوردها صاحب عذر الخليع (١١، ٨١).
أما المقطوعات الثلاث الأخرى فقد فات صاحب عذر الخليع نقلها في كتابه. ثم مقطوعتان في نزهة الأبصار يضم كل منهما ثلاث أبيات، ولكن ورد في عذر الخليع بيتان فقط، وسقط البيت الثالث من الاثنتين. فلا أدري أكان البيت الثالث ساقطًا في نسخة نزهة الأبصار التي اعتمد عليها مؤلف عذر الخليع، أم هو الذي أسقطه.
وبالجملة فإنّ نزهة الأبصار يشتمل على ٣٣ مقطوعة لابن وكيع ومجموع أبياتها بعد حذف المكرر منها ٧٠ بيتًا، ورد منها في عذر الخليع ٦٢ بيتًا، ونثبت فيما يلي الأبيات الثمانية الفائتة استدراكًا على ذيل الديوان:
* نزهة الأبصار ص ٧٨:
كن بخمول المحلّ قانع لا تطلب العزَّ في المجامع
فلن يزال الفتى بخير ما لم تّشر إليه الأصابع
* ص ١٢٤:
ولم أك غمرًا في الرجال مغفّلًا فحنّكني مرُّ الخطوب وأحكما
[ ١٢٤ ]
ولكنه ما زال ذو الحزم كلما تماديت في تجريبه كان أحزما
كذلك ما يلفى الكبير من الفتى أطبَّ بأدواء الأمور وأعلما
في النزهة في البيت الثاني (تمادى في) وهو تحريف أخلّ بالوزن. وفي البيت الثالث (يلقى أطبُّ) ولعل الصواب ما أثبتنا. ويجوز (تلقى الكبير).
* ص ٢٩٧.
ودون جنى النخل التأذّي بشوكه كما أن لسع النحل دون جنى الشهد
* ص ٨٢: يضاف إلى المقطوعة (٢٠) بيت ثالث:
وعزّ القناعة عند الكرام تزيد على فرح الفائدة
* ص ١١٦: يضاف إلى المقطوعة (٤٤) بيت ثالث في أولها:
صديق لي ندمت [على] اختياري [له] لما تأمّله اختباري
ما بين المعقوفين زيادة مني لتصحيح البيت.
(٥)
ثالثًا: ومراجعة نزهة الأبصار تساعدنا في قراءة بعض الكلمات المطموسة في نسخة عذر الخليع، وتصحيح ما فات المحقق الفاضل من تصحيفاتها، كما يفيدنا في تقييد روايات أخرى في الأبيات.
* البيت الأول في المقطوعة ٧٢.
أرى البخل عارًا والسماحة [] إذا ما تمادى كان للفقر سلّما
وقال المحقق في حاشيته إن "ما بين عضادتين كلمة غير مقروءة". والمقطوعة ممّا تفرّد به كتاب النزهة. والكلمة المطلوبة (فرطها). انظر النزهة: ١١٣.
[ ١٢٥ ]
* البيت الثالث في المقطوعة ١٣:
يخونك ذو القربى مرارًا وربّما وفي الساعة عند الجهد من لا تناسبه
في العجز تحريف اختلّ به وزنه. وصوابه في النزهة: ١٥٧، وقد تفردت بالمقطوعة:
وفى لك عند الجهد من لا تناسبه
* المقطوعة ٢٣:
البس على النقص من تصاحبه يدم لك الودُّ عنده أبدًا
وقارب الناس في عقوقهم أولا فعش في الأنام منفردا
(عقوقهم) تحريف. صوابه في النزهة: ٩٢ وقد تفردت بالمقطوعة (عقولهم).
* البيت الأول في المقطعة ٢١:
إذا كان عندي قوت يومي طرحت الهمّ عنّي يا سعيد
صدر البيت مختلّ الوزن. وصوابه (إذا ما) ولعلّه خطأ مطبعي. والمقطوعة مما تفرّدت به النزهة: (٨٣).
* المقطوعة ٤٠:
من شيم العاقل خوف دهره وأن يكون عارفًا بقدره
يدفع أضغان العدى ببشره ما أكسب المقت امرؤٌ ككبره
كذا ضبطت الكلمة (امرؤٌ) في الديوان. والصواب: امرًا. ولعله خطأ مطبعي أيضًا. والمقطوعة مما تفرد به كتاب النزهة: ٥٠.
* المقطوعة ٨١:
١ لاق بالبشر من لقيت من النا س وعاشر بأحسن الأوصاف
[ ١٢٦ ]
٢ إنما الناس إن تأملت داءٌ ماله غير أن تداويه شافي
٣ لا تخالف وإن أتوا بمحال تستدم ودَّهم بترك الخلاف
٤ وإذا خفت فرط غيظك فانهض عنهم مسرعًا إلى الانصراف
(أ) خرّج المحقق هذه البيات في بهجة المجالس ١: ٥٩٦ (١)، وأشار إلى خلاف في الترتيب، وهو ١ - ٣ - ٤ - ٢. ويبدو لي - والله أعلم - أن هذا هو ترتيب الأبيات في المقطوعة. والتغيير فيه راجع إلى تساهل مؤلف عذر الخليع. فإنّ هذه المقطوعة وردت في نزهة الأبصار مرتين: مرةً ناقصةً في "فصل في مدارة الناس" (ص ٩٢)، وأخرى كاملةً في "فصل في البشر وحسن الخلق والمرافقة" (ص ١٠٨)، وترتيبها في الموضع الثاني موافق لترتيبها في البهجة. أما الموضع الأول فورد فيه بيتان فقط: (لاق بالبشر وإنما الناس ) أي البيت الأول والبيت الرابع حسب ترتيب البهجة والنزهة في الموضع الثاني، وهو صحيح من ناحية الاختيار لمن يريد الاكتفاء ببيتين فقط من هذه المقطوعة. فلما وقف مؤلف عذر الخليع على الموضع الأول (٩٢) من النزهة، نقل البيتين، ثم لما وصل إلى الموضع الثاني (١٠٨) نقل البيتين الزائدين، وأضافهما إلى الأولين من غير مراعاة ترتيب الأبيات فيما بينها حسب الموضع الثاني.
(ب) وذكر المحقق الفاضل أن رواية البيت الأول في بهجة المجالس (بأحسن الإنصاف). وكذا في نزهة الأبصار في الموضع الأول. وفي الثاني (الإيصاف). فإن صحّت الروايتان فمعناهما هنا: الخدمة والوصافة. أما كلمة
_________________
(١) الصواب في الإحالة على بهجة المجالس ١: ٥٩٨. أما (٥٩٦) فهو خطأ منقول من فهارس البهجة: ٤٩١، ٦٢٨. وقد ذكر محقق البهجة أن الأبيات في اليتيمة ١: ٢٨٢، ولا وجود لها في هذا الموضع ولا في غيره في ترجمة ابن وكيع.
[ ١٢٧ ]
(الأوصاف) التي وردت في عذر الخليع نقلًا عن نزهة الأبصار، فسيأتي الكلام عليه في الفقرة التالية.
(ج) في البيت الثاني في الديوان وبهجة المجالس: (أن تداويه) من المداواة أي العلاج، ولا تخفى مناسبتها في البيت. ولكن التأمل في معنى الأبيات يرجّح ما ورد في نزهة الأبصار (ص ١٠٨) وهو (أن تداريه) بالراء، من المداراة. فإن الشاعر بعدما زعم أن "الناس" داء، لا يفيدنا شيئًا إذا قال: لا يشفي هذا المرض إلا علاجه. ولماذا هذا الحصر؟
أما معنى البيت فهو أن الناس ليسوا داءً كالأدواء المعروفة، فإنّ شفاء الأمراض يقتضي معالجتها بما يزيلها، وربما يكن الدواء مرًا، وقد يضطر الطبيب إلى طريقة تزعج المريض وتؤلمه، ويعالج أحيانًا بالكيّ والقطع والجراحة، ثم لا يجوز البتّة شيء من التهاون والمسامحة في أمر الأمراض. أما هذا المرض الغريب (الناس) فهو مضادّ في طبعه للأمراض الأخرى، فإنّما شفاؤه في مسامحته ومداراته، والتغاضي عنه، والترفق به. فالشيء الذي يزيد الأمراض الأخرى تفاقمًا واستعصاءً هو الشفاء لهذا المرض العجاب!
* المقطوعة ١١:
إن شئت أن تصبح بين الورى ما بين ممقوت ومغتاب
فكن عبوسًا حين تلقاهم وخاطب القوم بإعراب
خرّجهما المحقق في تتمة اليتيمة ١: ٣٠ وذكر أن رواية عجز الأول فيه (ما بين شتّام) ورواية الثاني (الناس بإعراب).
وردت المقطوعة في نزهة الأبصار في موضعين: ص ٩٢ وص ٥٠٠. ومؤلف عذر الخليع نقل من الموضع الأول (٩٢). أما الموضع الثاني فرواية البيت الأول فيه (ما بين مغتاب وعيّاب)، ورواية البيت الثاني كما في تتمة اليتيمة.
[ ١٢٨ ]
* المقطوعة ١٢:
إذا أردت بقاء الـ ـوداد من أحبابك
فجد لهم بالتغاضي وأعفهم من عتابك
رواية صدر البيت الثاني في نزهة الأبصار: ٩٣ (فسسهم بالتغاضي)
* البيت الثاني من المقطوعة ٦٢:
لا تسأل الناس بذل ملكهم وامنعهم ما ملكت إن سألوا
في النزهة: ١١٢ (بذل مالهم)
* البيت الثاني من المقطوعة ٧٧:
فالزهد في الدنيا إذا مارمتها فأبت عليك كعفّة العنّين
وكذا رواية اليتيمة ١: ٣٩٧. وعليها اعتمد صاحب عذر الخليع في هذه المقطوعة كما هو ظاهر. ورواية النزهة (٨٣):
إذا هي أعرضت وأبت عليك كتوبة
(٦)
رابعًا: وبمراجعة "عذر الخليع" يمكن أيضًا تصحيح ما دخل من تحريف في شعر ابن وكيع الوارد في نزهة الأبصار. وأودّ أن أنبّه هنا على أن نشرة نزهة الأبصار - مع توفّر أستاذين على تحقيقها - مشحونة بالأغلاط والتصحيفات والأشعار المختلفة الوزن، مما يكاد يخرجها من حيّز التحقيق العلمي. ومقدمة الناشرين أيضًا لا تدلّ على ما يتطلب نشر مثل هذه الدواوين من ثقافة علمية وأدبية. فالكتاب لا يزال بحاجة إلى نشرة علمية جديدة.
هذا، والكتاب (نزهة الأبصار) نفسه ليس عملًا يليق بمكانة الأصبحي
[ ١٢٩ ]
المذكورة في كتب التراجم. وفي المطبوع آفات كثيرة قد يرجع معظمها إلى رداءة النسختين، ولكن مردّ بعضها - فيما نرى - اعتماد المؤلف على أصول سقيمة لبعض كتب الاختيار، دون الرجوع إلى دواوين الشعراء. ولتفصيل هذا الكلام موضع آخر، فنقتصر هنا على مراجعة شعر ابن وكيع في هذا الكتاب:
* ص ٥٠.
إذا ما لم يكن للمرء عقل ولا أدبٌ فذاك هو الحمار
تراه في ذوى الآداب ضجرًا وملتجئًا إلى جنب الجدار
رأى المحققان (الحمار) مرفوعًا و(الجدار) مكسورًا، فأرادا الإصلاح بتقييد القافيتين، مما أخرج البيتين من الوزن. والصواب في البيت الأول (أخو الحمار) ومثلها (الجدار). ثم (ضجرًا) في البيت الثاني تصحيف صوابه (صخرًا) انظر عذر الخليع (رقم ٤١).
* ص ٥٠، ورد بيت مفرد كذا:
من أمسى وليس له عقل يعيش به في الناس قد شقيا
وهو خارج من الوزن. والصواب في عذر الخليع (رقم ٩٧):
الحمد له من أمسى وليس له عقل يعيش به في الناس قد شقيا
* ص ٨٤:
إن القناعة ليس يؤ ثر غيرها غير الكرام
كذا (غيرها) وفسد المعنى. والصواب (عزّها) كما في عذر الخليع (رقم ٧١).
* ص ٨٩:
غفرت ذنوبي ووبخّتني وما غفر الذنوب من وبّخا
[ ١٣٠ ]
الصواب في عجز البيت (وما غفر الذنب) كما في عذر الخليع (رقم ١٨)
ص ٩٢:
إنّما الناس إذا تأملت داءٌ ماله غير أن تداريه شاف
الصواب (إن تأملت) كما في ص ١٠٨ وعذر الخليع (رقم ٨١)
* ص ٩٢:
ليس العدوّ بشرّ من الصديق الحسود
فغمَّ أمرك منه وداره من بعيد
(فغمَّ) تصحيف، صوابه (فعمَّ) من التعمية، كما في عذر الخليع (رقم ٢٢)
* ص ٩٣
إذا أردت بقاء الـ ودّ من أحبابك
الصواب في الشطر الثاني (ـوداد) كما في عذر الخليع (رقم ١٢) وقد مرّ في الفقرة السابقة.
ص ١٠٨.
لاق بالبشر من لقيت من النا س وعاشر بأحسن الإيصاف
وإذا خفت فرط غيظك فانهض عنهم مسرعًا إلى الإنصاف
قال الناشران في تعليقهما على المقطوعة: "الإيصاف: الأوصاف، والإنصاف: العدل". ولا ندري كيف صار (الإيصاف) بمعنى الأوصاف. وما الداعي إلى شرح كلمة الإنصاف؟ ثم إن كان القصد شرح الكلمة (الإنصاف) في البيت الثاني فهو تحريف، صوابه (الانصراف) كما مرّ في الفقرة السابقة. وأظن ظنًا أنهما وجدا في إحدى النسختين كلمة (الأوصاف) بجانب (الإيصاف) أو في
[ ١٣١ ]
الحاشية، فظنّاها تفسيرًا، ولعلها تصحيح لكلمة الإيصاف. وذلك لأن مؤلف عذر الخليع اعتمد في نقل هذه المقطوعة على نزهة الأبصار، وجاء في عذر الخليع (الأوصاف).
* وفي الصفحة ١٠٨ نفسها:
إذا أردت بناءً يبقى على طول دهرك
فاصمت ولاق ببشر واقنع وقف عند قدرك
(بناء) في البيت الأول تصحيف، صوابه (ثناء) كما في عذر الخليع (رقم ٥٦)
* ص ١١٢:
كن ضنين الوجه غير مبتذل لا خير في الوجه حين يبتذل
(ضنين) تصحيف. في عذر الخليع (رقم ٦٢): صائن الوجه. غير أن اللفظ القريب من المصحف (صيِّن).
* ص ٢١٨:
خذ لما قد بعثته بقبول إنه عن محبّتي ترجمان
لم أوجِّه بحسب قدرك عندي بل بحسب الوجود والإمكان
(خذ) من الأخذ، في البيت الأول تصحيف. الصواب (جد) من الجود. ثم القافية بإضافة (ترجمان) إلى ياء المتكلم: (ترجماني)، كما يدلّ عليه قافية البيت الثاني (الإمكان). انظر عذر الخليع (رقم ٧٩).
* * *
وبعد، فليس هذا المقال الموجز إلا رسالة تحية وتقدير للأستاذين الجليلين، الدكتور حسن نصّار والأستاذ هلال ناجي، بمشاركة حقيرة في خدمة عمل من أعمالهما الكثيرة المشكورة.
[ ١٣٢ ]
استدراك
(١) كتاب "نزهة الأبصار في أوزان الأشعار" الذي ذكره البغدادي في إيضاح المكنون كتاب مستقل في العروض، وقد ذكره من قبل ابن ناصر الدين الدمشقي في كتاب توضيح المشتبه ٦: ١٥٤ (ط مؤسسة الرسالة ١٤١٤ هـ بتحقيق محمد نعيم العرقسوسي). ونسخة منه محفوظة ضمن مجموع برقم ٤٧٣٠ في مكتبة تشستربيتي، وقد نسخ سنة ٧٥٣ هـ في حياة المؤلف، وقرئ عليه. وفي آخر الكتاب إجازة المؤلف بخطه لناسخ الكتاب، كتبها في ٢ رمضان ٧٥٤ هـ. وفي المجموع كتاب آخر للمؤلف وهو الوافي بمعرفة القوافي، وقد صدر من جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية بالرياض سنة ١٤١٨ هـ بتحقيق الدكتورة نجاة بنت حسن بن عبد الله نولي. فالدليل الوحيد على نسبة "نزهة الأبصار في محاسن الأشعار" هذا إلى العنابي هو نسخة الكتاب التركية، وهي غير موثقة كالنسخة المغربية. وتسمية كتابين بعنوان واحد فيها من الغرابة وضيق العطن ما لا يخفى، بالإضافة إلى ما أشير في المقال من أن هذا الكتاب لا يليق بمكانة العنابي المذكورة في كتب التراجم. وعسى أن تظهر في المستقبل نسخة موثقة للكتاب، تفصل في قضية نسبته إلى مؤلفه.
(٢) في كتاب مسالك الأبصار لابن فضل الله العمري ترجمة لابن وكيع أورد فيها ٦٣ بيتًا من شعره، ولكن لا جديد فيه.
(٣) في شرح المختار من أشعار بشار (ص ٢٤ و٣١٣) مقطوعتان لابن وكيع وبيتان زائدان على المقطوعة الواردة في الديوان برقم ١٠١.
(٤) في معجم السفر للسلفي (ط باكستان ص ٢٤٦) مقطوعة بائية من أربعة أبيات.
[ ١٣٣ ]