من التحريفات الفظيعة التي ارتكبها اليهود في كتابهم، ما فعلوه في قصّة إبراهيم ﵇، ولأهّميتها الكبرى كان نصيبها من التلاعب أوفر من القصص الأخرى. فلم يكن الذين يزعمون أنّهم أبناء الله وأحبّاؤه ليرضوا بأن يذهب إخوانهم بنو إسماعيل بطرف من شرف، بله اختصاصهم ببيت الله والمنحر والنبوّة الخاتمة. فلم يألوا جهدًا في لبس الحقّ بالباطل، وحاولوا أن يغيّروا بنية القصّة كلّها بالحذف والتبديل والتقديم والتأخير والكذب والافتراء، بغيًا وظلمًا وحسدًا.
وإذا أنعمت النظر في جهودهم لتحريف قصة إبراهيم ﵇ وطمس معالمها وجدتّها ترمي من قريب أو بعيد إلى نقطة واحدة، وهي تمويه قصّة الذبيح. فإنّها مركز الإشعاع في هذه القصّة وقطب رحاها بل إنسان عينها، ولكن يأبى الله إلا أن يتمّ نوره. فترى أمر الذبيح في كتابهم عجبًا، فهو يستعلن من حيث يعتمّدون إخفاءه، وكلّما أخفوا جانبًا منه انكشف جانب آخر على رغم أنوفهم.
ولما رأى أهل الكتاب أن القرآن الكريم لم ينصّ على الذبيح، ومن ناحية أخرى وجدوا المسلمين يؤمنون برسل الله وأنبيائه جميعًا لا يفرّقون بين أحد من رسله، ولا يحملون في صدورهم حقدًا وتعصّبًا على الملل الأخرى، ولا يتحرّجون من الاستماع إلى كلام اليهود والنصارى في تاريخ الأوائل وقصص الغابرين وفيما لا يمسّ بعقائدهم وأصول دينهم، صادفوا فرصة سانحة لبثّ
_________________
(١) نشر في صدر كتاب الرأي الصحيح، الطبعة الثانية، الدائرة الحميدية، الهند، ١٤١٤ هـ. وقد صدرت طبعة ثالثة منه سنة ١٤٢٠ هـ عن دار القلم بدمشق.
[ ٤٨٥ ]
أكاذيبهم ودسّ أقاويلهم بين المسلمين. ومنهم، من الذين أسلموا منهم تلقّيت الإسرائيليات التي ملأت كتب التفسير والتاريخ، وأثارت عثيرًا ضلّت فيه الحقائق بعض الأحيان أو كادت. وكم من قول صار أشهر الأقوال، كأنّه أحسنها، وإنما هو أضعفها وأوهنها.
والقرآن الكريم ينبّه على تحريفات أهل الكتاب ويقيم الحجّة عليهم، ولكن له طرائقه وأساليبه الحكيمة في الاحتجاج والجدال بالتي هي أحسن. فمن غفل عنها، ولم يتدبّر نظام الآيات حقّ التدبّر خفيت عليه مقاصد الكلام، ويخشى أن تجوز عليه دسائس المبطلين.
وقد حدث ذلك في تفسير القرآن الكريم وخاصّة في قصص النبيّين، وبوجه أخصّ في قصّة إبراهيم ﵇. فمع أن أمر الذبيح لم يكن من الدقّة والخفاء بمكان كبير، جنح بعض كبار المفسّرين ﵏ إلى أنه إسحاق ﵇، وانتصر لقوله كالإمام ابن جرير (ت ٣١٠ هـ). ومنهم من اكتفى بسرد الروايات دون نقد. ومنهم من ذكر القولين دون ترجيح إلاّ أنه قدّم القول بكون الذبيح إسماعيل ممّا يشير إلى رجحان ذلك عنده. وبعضهم قال إنّ ذلك هو الأظهر.
أمّا الذين صرّحوا ببطلان هذا المذهب، ولم تغرّهم الأقوال المنسوبة إلى بعض الصحابة والتابعين، فهم العلماء المحقّقون النقّاد الذين كانوا من أهل العلم بالقرآن، وقد اطلعوا على كتب اليهود والنصارى أيضًا، نحو شيخ الإسلام ابن تيمية (ت ٧٢٨ هـ) وتلميذه الإمام ابن القيم (ت ٧٥١ هـ) رحمهما الله. يقول ابن القيم في زاد المعاد: "وإسماعيل هو الذبيح على القول الصواب عند علماء الصحابة والتابعين ومن بعدهم، وأمّا القول بأنّه إسحاق فباطل بأكثر من عشرين وجهًا، وسمعت شيخ الإسلام ابن تيمية قدس الله روحه يقول: هذا القول إنّما هو متلقّى عن أهل الكتاب، مع أنه باطل بنصّ كتابهم! " (١).
_________________
(١) زاد المعاد: ١/ ٧١.
[ ٤٨٦ ]
ونصّ كلام شيخ الإسلام في الفتاوى: " وفي الجملة فالنزاع مشهور ولكن الذي يجب القطع به أنه إسماعيل. وهذا الذي عليه الكتاب، والسنة، والدلائل المشهورة، وهو الذي تدلّ عليه التوراة التي بأيدي أهل الكتاب" (١).
ومنهم الحافظ ابن كثير (ت ٧٧٤ هـ) الذي يقول في تفسيره: "وما أظن ذلك - يعني القول بأنّ الذبيح إسحاق - تلقّي إلاّ عن أحبار أهل الكتاب، وأخذ ذلك مسلَّمًا بغير حجّة" (٢).
وكان يجب بعد هذا القول الفصل في القضية أن ينحسم الخلاف فيها، ولا يتلجلج أحد في هذا الحق الأبلج، ولكنّ للروايات سلطانًا على النفوس، وتعلّقًا بالقلوب. والذين يعتمدون عليها أكثر من اعتمادهم على نظام الآيات وسياق الكلام ودلالات الألفاظ والأساليب يشقّ عليهم التخلي عنها، فألّف العلامة السيوطي (ت ٩١١ هـ) بعدما اطلع على كلام الإمام ابن القيم رسالةً في الذبيح سمّاها "القول الفصيح" (٣) ولكنّه ختمها بقوله: "وكنت ملت إليه - يعني القول بأنّ الذبيح إسحاق - في علم التفسير. وأنا الآن متوقّف في ذلك. والله ﷾ أعلم" (٤)، فأراد السيوطي - ﵀ - كما ترى أن يفصح فأعجم وجمجم. ولعلّ وقوفه على كلام ابن القيم هو الذي أدّاه إلى التوقّف في هذه المسألة، ولولا ذلك لظلّ على مذهبه السابق الذي نسبه القرطبي للأكثرين! (٥).
وقد تناول عدد من العلماء غير السيوطي مسألة الذبيح في رسائل مفردة نحو مكي بن أبي طالب القيسي (ت ٤٣٧ هـ) في "كتاب الاختلاف في الذبيح
_________________
(١) مجموع فتاوى شيخ الإسلام: ٤/ ٣٣١.
(٢) تفسير ابن كثير: ٤/ ١٦.
(٣) هذه الرسالة ضمن كتاب الحاوي للفتاوى للسيوطي: ١/ ٤٩٢ - ٤٩٨.
(٤) الحاوي ١/ ٤٩٨.
(٥) تفسير القرطبي: ١٥/ ٩٩.
[ ٤٨٧ ]
من هو؟ " (١) والقاضي أبي بكر ابن العربي (ت ٥٤٣ هـ) في رسالته "تبيين الصحيح في تعيين
الذبيح " (٢)، وتقي الدين السبكي (ت ٧٥٦ هـ) في رسالته "القول الصحيح في تعيين الذبيح" (٣). وابن طولون (ت ٩٥٣ هـ) في رسالته "الميمون التصريح بمضمون الذبيح" (٤) وعلي بن برهان الدين الحلبي (ت ١٠٤٤ هـ) في رسالته "القول المليح في تعيين الذبيح" (٥).
وقد وصل إلينا بعض هذه الرسائل كرسالة السبكي. أشار في أوّلها إلى بعض الأدلة التي احتجّ بها القائلون بأنّ الذبيح إسماعيل، ثم قال: "وهي أمور ظاهرة لا قطعية، وتأمّلت القرآن، فوجدت فيه ما يقتضي القطع أو يقرب منه، ولم أر من سبقني إلى استنباطه. وهو أن البشارة مرتين " وفصّل هذا الدليل، ثم ردّ ما يمكن إيراده عليه. وهذه الرسالة في ورقة واحدة (٦). ورسالة السيوطي التي مرّ ذكرها في ثلاث ورقات. وقد وصلت رسالتا القاضي ابن العربي وابن طولون أيضًا لكن لم نطلع عليهما (٧).
ويبدو أن الرسائل المذكورة كلّها كانت لطيفة صغيرة الحجم. أما هذه الرسالة التي نقدّمها اليوم فهي كتاب حافل في هذا الباب. وقد سبق ما أشار إليه الإمام ابن القيم - ﵀ - من أنّ القول بكون الذبيح إسحاق باطل بأكثر من
_________________
(١) معجم الأدباء: ١٩/ ١٧٠، إنباه الرواة للقفطي ٣: ٣١٦، وذكر أنّه في "جزء".
(٢) ذكرها في كتابه أحكام القرآن: ٣/ ١٦١٧، ويدلّ كلامه في الأحكام أنّ الذبيح عنده إسماعيل.
(٣) كشف الظنون: ٢/ ١٣٦٤.
(٤) المرجع السابق: ٢/ ١٩١٩، وقف عليها مؤلّف الكشف فقال: "صرّح فيها بأنّ الذبيح إسماعيل" ونسخة منها في التيمورية.
(٥) المرجع السابق: ٢/ ١٣٦٥.
(٦) وقد علقها السبكي سنة ٦٥١ هـ، ونسخة منها ضمن مجموع مخطوط في مكتبة عارف حكمت برقم ٢٧٢ مجاميع (ق ١٣٤/ب - ١٣٥/أ).
(٧) انظر قانون التأويل لابن العربي، مقدّمة المحقّق: ١٥٤.
[ ٤٨٨ ]
عشرين وجهًا. ولكن لم نقف على تلك الوجوه ولا على نصفها فيما وصل إلينا من مصنّفات العلماء قبله أو بعده، وإنّما وجدنا مصداق كلامه في هذا الكتاب القيم، فإنّه جاء بأكثر من عشرين دليلًا على أن الذبيح إسماعيل ﵇، ونصفها من التوراة المحرّفة التي لا يزال اليهود والنصارى متمسّكين بها. وما رأينا من هذه الوجوه المستنبطة من التوراة في غير هذا الكتاب إلاّ وجهًا أو وجهين.
وهو كتاب فريد لإمام نابغة من جهابذة علماء الإسلام، أراد الله به خيرًا ففقّهه في الدين وعلّمه التأويل، وفتح عليه من علوم كتابه العزيز ما شاء، فكان في فهم القرآن منقطع القرين. كان غاية بل آية في حدّة الذكاء، ووفور العقل، ونفاذ البصر، وشدّة الورع، وحسن العبادة، وغنى النفس، ولئن تأخّر به زمانه لقد تقدّم به علمه وفضله، وهو الإمام عبد الحميد الفراهي ﵀ (١٢٨٠ - ١٣٤٩ هـ) صاحب تفسير "نظام القرآن وتأويل الفرقان بالفرقان".
وتصدّى الإمام الفراهي ﵀ في كتابه هذا لإبطال ما زعم اليهود من أن الذبيح إسحاق ﵇، والكشف عن تحريفاتهم لإثبات ذلك في التوراة. وقد يظنّ بعض الناس أنّ هذه المسألة مسألة فرعية جزئية من التاريخ، وسواء أإسماعيل كان الذبيح أم إسحاق، فكلٌّ من أنبياء الله ورسله. فليست لذلك أهمّية شرعية تستوجب اهتمامًا كبيرًا كهذا. ولكنه ظنّ لا نصيب له من الصحّة.
وقد شرح الإمام الفراهي - ﵀ - في مقدّمة كتابه الأسباب الداعية إلى تأليفه، وهي ثلاثة أمور:
أوّلها: هو مكانتها العظمى في ملّتنا، وتكلّم على خطر هذه المسألة في تاريخ الإسلام وأهمّيتها لفهم حقيقة الإسلام نفسه كلامًا في غاية النفاسة. وهو باب عظيم من علم أسرار الدين. ولقد وددنا أن نلخّص هذا الكلام هنا، ولكن تعذّر ذلك لما يمتاز بيان المؤلّف من شدّة الإيجاز وحسن الرصف، فكلّ ما قاله هو الخلاصة بعينها. يقول في آخره: "فمن زعم أن هذا الابتلاء وقع على جبل
[ ٤٨٩ ]
أرشليم، وقرّب عليه إسحاق ﵇ كان في غطاء كثيف عن حقيقة هذه البعثة العظمى وحقيقة هذا الذبح ومكانته في ملّتنا".
والأمر الثاني: "أن في القرآن آيات كثيرة يتوقّف فهم تأويلها ونظامها على معرفة هذه المسألة وما يتعلّق بهذا الذبح واستيفاء البيان في كتابنا "نظام القرآن" تحت كل آية تشتمل على ذلك الأمر، يفضي إلى تكرار وإطناب. فأفردت له كتابنا هذا، وجعلناه من مقدمّة تفسيرنا، لكي نحوّل إليه عند الحاجة".
والأمر الثالث: "أنّ اليهود لم يبالغوا في كتمان أمر مثل مبالغتهم في ذلك. فإنّهم قد ارتكبوا تحريفات وأكاذيب صريحة في أمر إسماعيل والكعبة وقد بيّن الله قصة هذا الذبح في التوراة ولكن اليهود قد دسّوا فيها أهواءهم فأصلحها القرآن ومع أنّ الناقدين من علماء المسلمين من أهل العلم والنظر - كما ستعلم - قد استدلّوا بنصوص التوراة أنفسها على كون إسماعيل ﵇ هو الذبيح، فإن اختلاف كلمتنا جعل هذا الأمر العظيم من الأمور التي لا يعتدّ بها، بل عدم اعتدادهم به أمكن اختلافهم فيه، فإنّهم لو علموا ما لهذا الذبح من المكانة في ملّتنا لتحذّروا عن الغفلة في أمره. فلهذه الأمور الثلاثة التي كلّها على غاية الأهمية احتجنا إلى كشف القناع عن هذه المسألة".
وبعد هذه المقدّمة يشتمل الكتاب على ثلاثة أبواب وخاتمة. الباب الأوّل في الاستدلال بالتوراة وما اعترف به علماء أهل الكتاب. والباب الثاني في الاستدلال بالقرآن المجيد وحده. والباب الثالث فيما روي من الآثار وأقوال السلف وآراء المفسّرين والاستدلال بأحوال العرب وأقوالهم قبل الإسلام.
وقدّم الاستدلال بالتوراة لأنّه أراد إقامة الحجّة على أهل الكتاب من كتابهم. وبدأ هذا الباب بفصلين تمهيدًا لاستدلاله من التوراة: الفصل الأول في معارف تتعلّق بشريعة القربان وبالوحي الذي يكون في الرؤيا وهي عشرة أمور. والفصل الثاني في ذكر أصول ومبادئ للنظر في صحف اليهود. ثمّ جاء بثلاثة
[ ٤٩٠ ]
عشر دليلًا من التوراة التي عند اليهود على أن الذبيح إسماعيل ﵇. ومعظم هذه الدلائل كما قلنا جديدة لم يّسبق إليها.
وكشف المؤلّف ﵀ في هذا الباب عن كثير من تحريفات اليهود في كتابهم، وفسّر بعض نصوص التوراة ممّا استغلق عليهم أو تجنّبوا بيانه كتمانًا للحقّ وظنًّا لن يفطن أحد لوجه الاحتجاج به.
ومن أهمّ التحقيقات العلمية التي تضمّنها هذا الباب تحقيقه لموضع الذبح. وقد تعرّض اسمه في صحف اليهود لتحريف شديد في قراءته وتفسيره. فجاء في سفر التكوين (٢٢: ٢) حسب الترجمة السبعينية: "إلى الأرض العالية"، وحسب النسخة العبرانية: "إلى أرض موره"، وفي ترجمة أقيلا: "الأرض المستعلنة"، وترجمة سماخوس: "أرض الرؤيا". وفي السفر نفسه في مكان آخر (١٢: ٦) في السبعينية: "البلوطة العالية"، وفي العبرانية: "ميدان موره". أمّا في القراءة فقرأوا: "مريّاه"، و"مورياه"، و"موره".
وقد أفاض المؤلّف في ذكر هذه التحريفات، ثمّ أورد أقوال بعض علمائهم في الاعتراف بالتحريف في هذه الكلمة والردّ على زعم اليهود بأنّ هذا الموضع هو مكان هيكل سليمان في أورشليم وزعم النصارى بأنّه موضع صلب المسيح حسب معتقدهم. وأشار إلى اقتراح بعضهم أنّ هذا الموضع على جبل جريزيم، وردّ عليه. ثمّ نبّه المؤلّف على مداخل التوهّم والتحريف في الكلمة مستدلًا بقواعد اللغة العبرانية ووجود التشابه الشديد بين الحروف في الخط العبراني ممّا يسهّل عمل التحريف لمن يتعمّده.
ثمّ أثبت المؤلّف ﵀ أن الصواب في اسم موضع الذبح هو "المروة" فقال: "إنّ ذلك الموضع هو الذي في مساكن بني إسماعيل ولم يزل مشهورًا باسم المروة. ويؤيّد ذلك ما في صفحهم. فإنّه قد جاء في سفر القضاة (٧: ١): "وكان جيش المديانيين شماليّهم عند تلّ موره في الوادي، فتبيّن أن! هذا تلّ موره
[ ٤٩١ ]
كان معسكرًا للمديانيين. ولا شكّ أنّ المديانيين هم العرب. واسم مديان يطلق عليهم وعلى أرضهم. وقد جاء التصريح في صحفهم بأنّ مديان هم الإسماعيليون".
ثمّ أورد نصوصًا من التوراة وقال: "فبعد ذلك أيّ شيء يبقى من دعواهم بأنّه على جبل أورشليم؟ أم أي شيء يدفع ما لم يزل الإسماعيليون يعرفونه بالمروة؟ وكانت عندهم أشهر من نار على علم، وكانوا يطوفون بها في حجّهم. وحين خاطبهم القرآن في أمر الطواف لم يحتج إلى تعريفها، ولكن بيّن أنّها من شعائر الله. وهناك أشار إلى تحريف أهل الكتاب في أمرها وسوء صنيعهم فيما يكتمون من آيات الله من بعد ما بينّها الله تعالى في كتابهم".
فيرى المؤلف رحمه الله تعالى أن في قوله تعالى في سورة البقرة (١٥٩) ﴿إن الذين يكتمون ما أنزلنا من البينات والهدى من بعد ما بينه للناس في الكتاب أولئك يلعنهم الله ويلعنهم اللاعنون﴾ بعد قوله تعالى (١٥٨) ﴿إن الصفا والمروة من شعائر الله فمن حج البيت أو اعتمر فلا جناح عليه أن يطوف بهما ومن تطوع خيرًا فإن الله شاكر عليم﴾ تلميحًا إلى ما حرفت اليهود في اسم المروة ورسمها وموضعها لحسدهم إسماعيل وذريته، فردّ الله عليهم بإشارة لطيفة. وتفصيل ذلك في الفصل الثاني والثلاثين.
ولخّص في آخر الفصل قصّة الذبح فقال: "فتطابق الأمور يدلّ على أنّ إبراهيم ﵇ جاء من جهة الشرق، وترك غلاميه على جبل قريب، وذهب بابنه الوحيد إسماعيل إلى المروة ساعيًا وملبّيًا لدعوة الرب. وكان مسكن إبراهيم ﵇ إلى جانب الصفا كما جاء في سفر التكوين (١٢: ١ - ٨) حيث جاء ذكر رحلته إلى أرض موره في رواية أخرى لقصّة الذبح. ولكنّهم أسقطوا منها ذكر هذا الذبح، واكتفوا بذكر رحلته، فلم تزل الصفا والمروة في بني إسماعيل قائمتين من لدن إبراهيم ﵇ إلى يومنا هذا مع الاسم والرسم والمناسك الدالّة على تلبية إبراهيم للرب وسعيه لإتمام أمره. وليس
[ ٤٩٢ ]
لليهود والنصارى شيء من هذه المناسك .. ".
وقد أعان المؤلّف ﵀ على القيام بهذا التحقيق العلمي الرائع مدارسته لكتب اليهود والنصارى، ومعرفته للغة العبرانية، واطلاعه على الدراسات الحديثة التي قامت على العهدين القديم والجديد.
أمّا الباب الثاني الذي هو في وجوه الاستدلال المأخوذة من القرآن الكريم وحده، فبدأه المؤلّف ﵀ كالباب السابق بذكر أصول ومبادئ للتدبّر في قصص القرآن وحججه. وهي أمور مهمّة لفهم منهج القرآن الكريم في إيراد القصص والاحتجاج في المعقول والمنقول. والوجوه التي استدلّ بها المؤلّف في هذا الباب جلّها منثور في كتب السابقين ولكنّها جاءت في هذا الكتاب على أحسن وجه في التحرير والتلخيص والتشييد.
ومن عجيب ما استدلّ به المؤلّف ﵀ في هذا الباب عدم تسمية الذبيح في القرآن الكريم. فقد جعل ذلك حجّة على كون إسماعيل هو الذبيح، فقال: "ليس لقائل أن يقول: إن كان إسماعيل ﵇ هو الذبيح فلم لم يصرح القرآن به؟ فإنّ هذا السؤال عائد عليه في أمر إسحاق ﵇ على سواء، مع أنّه لم يكن مانع لذكره، وأمّا إسماعيل ﵇ فلعدم التصريح باسمه وجوه من الحكمة".
ثمّ فصّل القول في هذه الوجوه، وهي أربعة أوّلها: "أنّه من عادة القرآن الصفح والإعراض عن اللجاج الذي لا ينفصم لكيلا يشتغل الخصم به، ويترك ما يلقى إليه من الحجّة الدامغة. وقد أدخلت اليهود اسم إسحاق ﵇ في قصّة الذبح، فلو صرح القرآن بخلاف ذلك لتمسكوا بما في كتبهم، وجادلوا بباطلهم، وأنكروا بما جاء به النبي لخلافه الصريح بما عندهم. فالقرآن يلزمهم ما كان موجودًا في صحفهم أو كان ظاهرًا بيّنًا عند العقل لكيلا يترك لهم متمسّكًا وعذرًا، وقد أشار إلى ذلك في غير ما آية تارة يخاطب النبي ويأمره بالصفح
[ ٤٩٣ ]
عنهم، وتارة يخاطب المسلمين بترك جدالهم إلاّ بحسن القول، وتارة يخاطب أهل الكتاب ويدعوهم إلى مسلماتهم".
ثمّ أورد أمثلة على ذلك وقال: "وبالجملة فإنّ القرآن قد اجتنب مجادلتهم فيما تمسّكوا بظاهر الكتاب، وفي ذلك حكمة بيّنة لعدم التصريح باسم الذبيح، فلو كان هو إسحاق ﵇ لم يكن مانع من تسميته ههنا".
ومن أروع فصول هذا الباب الفصلان الأخيران اللذان استدلّ فيهما المؤلّف ﵀ بما صرّح به القرآن من أحوال إبراهيم وإسماعيل ﵉، وما جاء في القرآن على سبيل إبطال ما افترت اليهود في أمر إسماعيل ﵇، وكلاهما من جوامع الأدلّة. وسترى فيهما كلامًا بديعًا في تفسير معاني الآيات وحسن نظامها ومحكم ترتيبها وبعيد مراميها ولطيف أسلوبها.
وختم المؤلّف ﵀ هذا الباب بقوله: "ولو فصلناها - يعني الأدلّة - لصارت أكثر عددًا ولكنّا اخترنا الثلاثة عشر كما اخترنا في القسط الأوّل رعاية لسني عمر إسماعيل ﵇ حين قدّمه الخليل ﵇ قربانًا لربّه".
أمّا الباب الثالث الأخير من هذا الكتاب فأورد فيه المؤلّف أوّلًا ما روي عن الصحابة والتابعين والسلف والأقدمين في هذه المسألة، ثمّ ذكر ما قاله ابن جرير ﵀ وهو القائل بأنّ الذبيح إسحاق ﵇، وردّ على احتجاجه. ثمّ ذكر في فصل مستقلّ ما قاله الرازي (٦٠٦ هـ) في تفسيره تبعًا للزمخشري (ت ٥٣٨ هـ)، ونبّه على بعض مواضع الوهم في كلامهما. ولخّص في فصل تالٍ كلام ابن كثير من تفسيره وقال: "لا يخفى أنّ ابن كثير ﵀ أتى بأكثر الأدلّة الظاهرة. ولم نجد في المتأخّرين من زاد عليها، فلا حاجة إلى استقصاء أقوالهم، ولكن نذكر في الفصل التالي من أقوال المشهورين منهم ما يكفي للدلالة على مذاهبهم في هذه المسألة". فذكر أقوال البغوي (٥١٠ هـ) والبيضاوي (ت ٦٨٥ هـ) والنسفي (٧٠١ هـ) والخازن (ت ٧٤١ هـ) والجلال المحلّي
[ ٤٩٤ ]
(ت ٨٦٤ هـ)، وأشار إلى رسالة السيوطي (ت ٩١١ هـ). والظاهر أنّ المؤلّف ﵀ لم يقف عند تأليف كتابه على كلام ابن القيم ﵀ في زاد المعاد، مع شغفه بمصنّفاته، ومصنّفات شيخه الإمام ابن تيمية ﵀.
وللمؤلّف ﵀ كلام جميل في هذا الفصل في الدفاع عن العلماء الذين لم يتّخذوا موقفًا قويًا في هذه المسألة، فاكتفوا بذكر القولين دون الجزم بأحدهما أو بمجرد الترجيح، وقد أحسن كل الإحسان إذ صيّر ذلك من مناقبهم فقال: "والسبب في ذلك - والله أعلم - أنّ علماءنا رحمهم الله تعالى براء من التعصّب لنبي من الأنبياء. ثمّ إنّهم لا يجترئون على القطع في تأويل القرآن ما لم يكونوا على بصيرة فيه، ثمّ إنّ المتأخّرين منّا على غاية مراعاة الأدب للسلف. فإذا وجد أحدهم اختلافًا من السلف في تأويل أمسك عن القطع بأحد وجوهه، واكتفى بالإشارة إلى ما هو المرجّح عنده، ومع ذلك من كان على بيّنة من أمره جاء بقول فصل. وفي اختيار ابن جرير ﵀ أنّ إسحاق ﵇ هو الذبيح لأكبر شهادة على أنّ المسلمين لم ينظروا في هذه المسألة نظر المتعصّب المعاند، وكذلك الشهادة في عدم القطع من بعضهم بأحد الجانبين".
وآخر فصول هذا الباب في الاستدلال بأحوال العرب قبل الإسلام وأقوالهم تكملة للقرائن التاريخية التي وردت في البابين السابقين، وتفصيلًا للإشارات التي تضمنها قوله تعالى في سورة آل عمران في أمر بيت الله: ﴿فيه آيات بينات مقام إبراهيم ومن دخله كان آمنًا﴾ الآية.
والكتاب كلّه من أوّله إلى آخره نمط عالٍ من التحقيق والتأليف، ومثل خليقٌ بالاحتذاء في أدب الخلافة والمجادلة الحسنة، في أسلوب علمي يتميّز ببراعة التحليل ودقّة الاستنباط، وقوّة الاستدلال، وحسن التأتّي للمعضلات، ونقد الآراء في تواضع جمّ واحترام تامّ لأصحابها، مع إحكام النسج، ونهاية الإيجاز، ونصاعة البيان.
[ ٤٩٥ ]
فهرس الموضوعات
بين يدي الكتاب ٥
(١) جمل الغرائب للنيسابوري وأهميته في علم غريب الحديث ١١
(٢) نظرات في كتاب المجرّد لكراع النمل ٧٣
(٣) شعر ابن وكيع التنّيسي في كتاب نزهة الأبصار في محاسن الأشعار ١١٩
(٤) حول كتاب خلق الإنسان لأبي محمد الحسن بن أحمد بن عبد الرحمن ١٣٥
(٥) قصة بيع الجمهرة الدريدية صاحبها أبو الحسن الفالي، لا أبو علي القالي ١٥٥
(٦) دراسة نقدية مبسوطة حول تحقيق كتاب "إصلاح ما غلط فيه النمري " للغندجاني ١٨١
(٧) نظرات لغوية في الترجمات الأردية للقرآن الكريم ٣٢٥
(٨) أهذا كتاب "الموضح لعلم القرآن" للحدّادي! ٣٥٩
(٩) حول كتاب "المجموع اللفيف" للقاضي أمين الدولة ٣٧١
(١٠) كتاب المعرب للجواليقي في نشرة علمية جديدة ٤٢٣
(١١) مواقف أدبية ولغوية في كتاب الجماهر لأبي الريحان البيروني ٤٣٣
(١٢) التسك والنسك والتك ٤٦٩
(١٣) سواء السبيل إلى ما في العربية من الدخيل ٤٧٥
(١٤) الرأي الصحيح فيمن هو الذبيح للفراهي ٤٨٥
[ ٤٩٦ ]