في نشرة علمية جديدة (١)
كتاب "المعرب من الكلام على حروف المعجم" لأبي منصور موهوب بن أحمد الجواليقي (٤٦٥ - ٥٤٠) من أهم المراجع في بابه. فإن الألفاظ الأعجمية التي دخلت في اللغة العربية عبر العصور، وجرت على ألسنة الفصحاء، كانت مبثوثة في كتب اللغة، فجاء أبو منصور، وجمعها في كتاب مفرد، ورتّبها على حروف المعجم، فكان كتابه أكبر كتاب في ذلك العصر.
طبع كتاب المعرب مرتين من قبل. طبعه أولًا المستشرق الألماني إدورد زخاو، وصدرت طبعته في ليبزيك سنة ١٨٦٧ م مذيّلة بتعليقاته بالألمانية. ثمّ حقّقه المحدث الكبير الأستاذ أحمد محمد شاكر ﵀ عن عدّة نسخ تحقيقًا جيدًا. وظهرت هذه النشرة الثانية سنة ١٩٤٢ م بالقاهرة.
وأخيرًا صدر الكتاب، عن دار القلم بدمشق، في طبعة جديدة أنيقة، تختلف عن الطبعتين السابقتين في طبيعتها، وتفوّقهما في جمالها وروعتها، فهي ليست تحقيقًا جديدًا لكتاب المعرب بالمعنى الاصطلاحي المحدث، فإنّ عمل المحقّق أن يجتهد في إخراج النص، كما صدر عن مؤلّفه، سليمًا من آفات التصحيف والتحريف، ليعتمد عليه العلماء والباحثون في دراساتهم المختلفة؛ وكان الأستاذ أحمد شاكر قد فرغ من ذلك في نشرته. أمّا هذه النشرة الجديدة
_________________
(١) نشر في ملحق التراث بجريدة المدينة في ٦/ ٧/١٤١٠ هـ: ١/ ٢/١٩٨٠ م.
[ ٤٢٣ ]
فإنّها قصدت إلى عمل آخر، وهو تحقيق أصول الكلمات الدخيلة الواردة في كتاب المعرب، وتتبع المراحل التي مرّت بها هذه الكلمات في رحلتها من لغاتها الأصيلة إلى اللغة العربية، وما جرى عليها في مستقرّها الجديد. وإنّ ذلك لعمل خطير وجليل، الخائضون فيه كثير والقادرون عليه قليل، خفّى المسالك شديد المزالق، تتقاصر دونه الهمم وتنقطع الأسباب، تتكاثر فيه الأوهام وتتعثّر الأفهام. ومعظم الوالجين فيه في العصر الحديث كانوا إمّا أصحاب هو، والهوى إذا دخل حمى العلم من جهة خرجت الحقيقة من جهة أخرى، وإمّا طلاب حقّ غير أنّهم لم يستكملوا الأدوات المطلوبة للخوض فيه، فمشوا على غير هدًى، وزلّت بهم الأقدام.
وذلك أنّ الخوض في هذا الموضوع يحوج إلى آلات قلّما تجتمع في شخص واحد، فهو يتطلّب أولًا معرفة اللغات التي انحدرت منها الكلمات المعربة، ومتابعة الدراسات اللغوية المتقدّمة التي تقوم فيها. ومعظم الكلمات الدخيلة جاءت من الفارسية واليونانية والسريانية، وقليل منها من اللاتينية والعبرانية. فالباحث الذي يريد أن يحقّق أصولها لا محيص له من معرفة هذه اللغات الخمس جميعًا، بالإضافة إلى التضلّع من علوم العربية والوقوف على دقائقها، ثمّ معرفة علم الأصوات الذي يهدي إلى التغيّرات التي طرأت على الكلمات الدخيلة. ويزداد الأمر صعوبة والمطلب بعدًا إذا علمنا أنّ كتاب المعرب يحوي نحو ثلاثين وسبعمائة كلمة.
ولقد قيّض الله ﷾ لهذا العمل أخيرًا عالمًا جليلًا ولغويًا ضليعًا، قلّما يدانيه - فيما أعلم - أحد من معاصريه فيما اجتمع عنده من كفايات علمية متعدّدة تجعله خير من يتصدّى لهذه المهمّة الشاقّة. فهو عالم واسع الاطلاع طويل الباع في اللغة العربية، وعارف بعشر لغات أخرى بين إجادة وإلمام، ومتخصّص في فقه اللغة، ومتعمّق في علم الأصوات. ومع هذا
[ ٤٢٤ ]
العلم الوافر والفضل الظاهر تراه خفيف الظلّ سهل الخليقة، جمّ التواضع، يكاد حسن أدبه يغرّ كثيرًا من الناس عن علمه، بعدما صار العلم في زماننا تشدّقًا وتفيهقًا وفخفخة وجعجعة بلا طحن. ألا، وهو الأستاذ الدكتور ف. عبد الرحيم مدرّس علم الأصوات في كلية اللغة العربية، والمشرف على شعبة تعليم اللغة العربية لغير الناطقين بها في الجامعة الإسلامية بالمدينة المنوّرة. قد اشتهر بخبرته الواسعة في مجال تعليم اللغة العربية، وكتابه المسمّى "دروس اللغة العربية لغير الناطقين بها" في ثلاثة أجزاء متداول في عدد من البلدان. عرفه المتخصّصون بمقالاته وتعقيباته المنشورة في صفحات مجلة مجمع اللغة العربية بدمشق، ومجلّة المجمع العلمي الأردني، وكتابه اللطيف "الدخيل في اللغة العربية واللهجات العربية الحديثة". أمّا قرّاء ملحق التراث فطالما أمتعهم بمقالاته القصيرة في أصول الكلمات المعربة أو تأصيل بقايا الفصاح في اللهجات العربية، فاطلعوا على طرف من علمه الغزير. والحقّ أن شخصيّته العلمية بكافة جوانبها تجلّت لأول مرّة في نشرته هذه لكتاب المعرب.
تبدأ هذه النشرة ببحث قيم جعله الأستاذ مدخلًا لدراسة الكلمات الواردة في كتاب المعرب، وقسمه إلى ثلاثة أبواب. الباب الأول فيه فصلان: الفصل الأول في معنى المعرب والدخيل والمولد، والفرق بين هذه المصطلحات الثلاثة. والفصل الثاني في ضوابط معرفة الدخيل، وذكر فيه خمسة ضوابط.
والباب الثاني في اللغات التي أخذت منها المعرب. وفيه خمسة فصول: الفصل الأول في اللغة الفارسية، ونبّه فيه الأستاذ الفاضل على أمر مهمّ غفل عنه علماء اللغة - وكان منهم من يجيد الفارسية - فأخطأوا في بيان أصول المعربات الفارسية. وهو أنّ اللغة الفارسية التي كانت تعاصر العصر الجاهلي وصدر الإسلام هي اللغة الفهلوية، ولا الفارسية الحديثة، وكانتا تختلفان اختلافًا غير يسير. ثم أشار إلى نقط الخلاف بينهما، ومنها أن بعض الصيغ بالفهلوية كانت
[ ٤٢٥ ]
تنتهي بكاف، وحذفت هذه الكاف بالفارسية الحديثة، نحو كلمة "ديباك" بالفهلوية صارت "ديبا" بالفارسية الحديثة، فالكلمة المعربة: "ديباج" من "ديباك". وإذا وقعت الكاف بعد حركة قصيرة أضيفت بالفارسية الحديثة هاء للاحتفاظ بفتحة الحرف الأخير بعد حذف الكاف نحو "سادك" بالفهلوية صارت "ساده" بالفارسية الحديثة، فالجيم في الكلمة المعربة "ساذج" مبدّلة من الكاف الفارسية ولا من الهاء.
الفصل الثاني من هذا الباب في اللغة اليونانية، وكشف اللثام فيه عن المقصود من كلمة "الرومية" عند اللغويّين العرب، والفرق بين اليونانية والرومية ممّا اشتبه على كثير من الباحثين. والفصلان الثالث والرابع في اللغتين اللاتينية والسريانية بالترتيب. أمّا الفصل الخامس فهو في العبرية والحبشية والهندية، وقد أورد في هذه الفصول جملة من الكلمات التي دخلت في العربية منها.
الباب الثالث في تغيير المعرب. وتناول فيه الباحث أنواع التغيير التي طرأت على الدخيل عند التعريب. وفيه أربعة فصول: الفصل الأول في الإبدال غير اللازم الذي أشار إيه سيبويه عندما قال: "فأبدلوا مكان الحرف الذي هو للعرب عربيًا غيره". والفصل الثاني في الإبدال اللازم، ومنه تغيير الحروف والحركات وتغيير بناء الكلمة. والفصل الثالث في ضروب أخرى من التغيير تعرّضت لها الكلمات الدخيلة لأسباب شتّى. والفصل الرابع في أنّ العامة تكلّمت بالكلمات المعربة من غير تغيير فعاشت الصيغ الأصلية على ألسنتهم.
هذا الباب الأخير كله يشتمل على فوائد عزيزة ونظرات دقيقة، لكن أكثر فصوله طرافًة وإمتاعًا هو الفصل الثالث، وهو بحث مبتكر لم يسبق إليه. وذكر فيه الأستاذ المحقّق ثلاثة عشر سببًا أدّت إلى الضروب الأخرى من التغيير: منها توهّم كون الدخيل جمعًا. ومن أمثلة ذلك كلمة "قرميد" أصله اليوناني "قراميدا" فعرب "قراميد" ثم قيل للمفرد "قرميد". ونحو "جاموس" أصله الفهلوي
[ ٤٢٦ ]
gavmesh فنقل إلى "جواميس" للمفرد. ومنها توهّم زيادة الألف والنون، وتوهّم زيادة الواو والنون، وتوهّم زيادة الألف واللام، وتوهّم زيادة أبو وغير ذلك.
ومن جملة الأسباب التي ذكرها الباحث: "حذف شطر الكلمة"، وأورد له عدّة أمثلة، أطرفها كلمة "أدرة قيلة". يقول في تحليلها الذي هو أبو عذره: "هي يونانية، وأصلها "هدوركيله"، وهو انتفاخ الخصية لانسكاب سائل فيها. وهو مركب من (هدرو) أي الماء و(كيله) أي الورم، فيكون معنى الكلمة بشطريها ورم في الخصية بسبب نزول الماء فيها. ومنها Hydrocele بالإنكليزية. فحذفوا منها الشطر الثاني واستعملوا الشطر الأول وهو الأدرة، وقالوا للمصاب بها الآدر والمأدور، ولم يشر إلى عجمته أحد من اللغويّين. أمّا الشطر الثاني فلم يذهب سدًى، فإن كان الشطر الأول دخل في الكتب وجرى على ألسنة العلماء والناس المثقّفين، فإنّ الشطر الثاني راج بين العامة، ففي اللسان (أدر): الأدرة .. وهي التي تسمّيها الناس "القيلة" هكذا نشأت كلمتان من كلمة واحدة". (ص ٨٠).
بعد هذه المقدّمة المفيدة الوافية التي استغرقت ٧٥ صفحة من الكتاب يبدأ نصّ الجواليقي في ص ٩١ مأخوذًا من طبعة الأستاذ أحمد شاكر، وقد طبع النصّ بالحرف الأسود، ويتلوه تعليقات الأستاذ المحقّق. وقد أقام عمود دراسته للألفاظ المعربة على أربعة أمور ذكرها في تصديره قائلًا:
١ - أعزو الكلمات إلى لغاتها، فقد وقع خطأ في كلام اللغويّين في هذا الصدد بالنسبة إلى بعض الكلمات، وسبحان من لا يخطئ، فقد ذكروا أنّ الأستار والاسفنط والبند والروشم والفندق من الفارسية، وهذا ليس بصحيح.
٢ - أذكر أصل الكلمات الدخيلة مكتوبًا بحروفه الأصلية فإن اللغويّين لم يفعلوا هذا إلاّ بالنسبة إلى بعض الكلمات الفارسية.
[ ٤٢٧ ]
٣ - أذكر المعنى الأصلي بالنسبة لبعض الكلمات مع ذكر ما قيل خطأ في أصلها. فقيل مثلًا إن الديوان أصل معناه الجنّ، والزنديق أصله "زن دين" أي دين المرأة.
٤ - أذكر التغييرات التي طرأت على حروف الدخيل وبنائه عند التعريب، وأعلّلها من الناحية الصوتية. (ص ٦).
وليستكمل جوانب البحث، التزم في منهجه الذي سار عليه في تعليقاته أمورًا أخرى جلبت للباحث والقارئ فوائد كثيرة. فيشير في تعليقه أولًا إلى مصدر المؤلّف، وإذا كان المؤلّف قد تصرّف في العبارة الأصلية تصرّفًا غير يسير يورد العبارة الأصلية بتمامها، وإذا كان الاختلاف يسيرًا يكتفي بذكر موضع الخلاف. ثمّ يذكر أقوال اللغويّين الآخرين فيما يتّصل بأصل الكلمة ومدلولها. ويذكر اللغات المختلفة للكلمة إن وجدت. فذكر في كلمة بغداد مثلًا ثلاث عشرة لغة (ص ١٩٦) وإذا كانت الكلمة دخلت في لغات أخرى أيضًا يشير إليها.
وهكذا درس المحقّق الفاضل جميع الكلمات الواردة في كتاب المعرب دراسة دقيقة مستوفاة، ووضع ما قاله الجواليقي وغيره من علماء اللغة موضع النقد والتمحيص. فصحّح أخطاء، وأزال أوهامًا، وفتح مغاليق، ولكن في أسلوب علمي هادئ رصين، بعيدًا عن التبجّح والتعالم والهوى. فلم ير غضاضة في الاعتراف بأنّه لم يقف على أصل الكلمة الدخيلة في عدة مواضع من الكتاب. انظر مثلًا ص ٥٠٢ وص ٥٣٧ وص ٦٠١.
وكم من كلمة زعمها بعض اللغويّين القدامى دخيلة وأثبت المحقّق الفاضل عروبتها نحو البارح (ص ١٨٤) والتجفاف (ص ٢٢٣) والسرح (ص ٤٠٠) والتكوير (ص ٥٤٥) والمعزى (ص ٦٠١) وغيرها. يقول الجواليقي في التجفاف: "فارسي معرب، وأصله بالفارسية تن باه أي حارس البدن، وفي
[ ٤٢٨ ]
الحديث قال أبو فرقد: رأيت على تجافيف أبي موسى الديباج" فأورد المحقّق في تعليقه أولًا أقوال ابن دريد والأزهري والجوهري والفيروز ابادي، ثمّ قال: "لم يشر إلى تعريبه إلاّ المؤلّف، وتبعه الخفاجي (ص ٨٢) وذكره أيضًا أدي شير (ص ٣٤). قال الخفاجي وأدي شير إن أصله "تن بناه". وهذا هو الصواب، وما ذكره المؤلّف خطأ، إذ "تن" معناه البدن و"بناه" معناه الوقاية. لكن أين هذا اللفظ من "تجفاف"؟ لا يكاد الفرع وأصله المزعوم يتّفقان في شيء. والصواب أنّه عربي، ففي اللسان: ذهبوا فيه إلى معنى الصلابة والجفوف (ص ٢٢٣ - ٢٢٤).
ولنعرف كيف كانت الروح العلمية تحكم منهجه لدراسة الألفاظ الدخيلة نقرأ السطور التي استهلّ بها الفصل الذي خصّصه لذكر ضوابط معرفة الدخيل في مقدّمته. يقول فيها:
"لا يكفي مجرّد اتّحاف الحروف بين كلمتين إحداهما عربية والأخرى أعجمية، للحكم على الأولى أنّها مأخوذة من الثانية، من غير أن نأخذ في الاعتبار أمورًا أخرى هامّة كاشتقاق الكلمتين وتطوّرهما عبر العصور وتاريخ الاتصّال بين اللغة العربية واللغة التي منها هذه الكلمة المشابهة للكلمة العربية فكلمة "الفت" بمعنى الأعسر كثيرة الشبه بكلمة Left الإنكليزية وهي بمعنى الشمال، غير أنّ هذا مجرّد وفاق بين اللغتين، وذلك لأنّ اللغة العربية لم تأخذ كلمات من اللغة الإنكليزية في العصور القديمة. وكلمة "ألفت" قديمة، ولها أصل في العربية، وهي مأخوذ من لفته إذا لواه. ومنه يقال للتيس الملتوي أحد قرنيه ألفت".
ثمّ قال: "وكذلك لا يمكن دفع العجمة عن كلمة دخيلة من غير الرجوع إلى أصلها وتاريخها أنّ كلمة "بَلْغَم" لم ترد في معظم المعاجم، والتي ذكرتها لم تشر إلى عجمتها، وليس في حروفها ولا في بنائها شيء يحملنا على
[ ٤٢٩ ]
الشكّ في عروبتها. غير أنّ الذين يعرفون اليونانية يرون أنّها مأخوذة من Phlegma اليونانية. ولها أصل في اليونانية معروف. فهي مشتقّة من فعل يفيد معنى الاحتراق، والمعروف أن الأطبّاء القدامى كانوا يعتقدون أن البلغم نتيجة الاحتراق في الجسم، فهذه من المصطلحات الطبية التي أخذتها العرب من اللغة اليونانية" (ص ١٨ - ١٩).
وقد أحببت أن أقدم هنا نماذج كاملة من هذا الكتاب تبيّن للقارئ الكريم كيف طبق فيها الأستاذ المحقّق منهجه المشار إليه، ولكن أنّى لمطبعتنا أن تسعفنا بالحروف اليونانية والعبرانية والسريانية والسنسكريتية في وقت واحد، فنكتفي بما ورد من الأمثلة المقتضبة في هذا العرض السريع عسى أن تكون دالّة على ما وراءها من الجهد العظيم. وكم وددنا - ونحت نطالع هذا العمل - لو نهض الأستاذ الفاضل بعمل تالٍ يستدرك على كتاب الجواليقي، يستقصي جميع الكلمات المعربة والمولدة التي دخلت في اللغة العربية فيما بعد ويدرسها مثل هذه الدراسة، فيستقلّ بهذا الباب من أبواب المعجم العربي.
ولا يفوتنا في ختام هذه العجالة أن نقدّم تحياتنا للأستاذ الفاضل الدكتور ف. عبد الرحيم على هذا العمل الشامخ الذي خدم به اللغة العربية الشريفة والذي سيبقى مرجعًا معتمدًا في موضوعه للباحثين. ونشكره على هذه الهدية النفيسة التي أثرى بها المكتبة العربية الزاخرة. ونسأل الله تعالى أن يبارك في عمره وجهوده، ويوفقنا وإياه لما يحبّ ويرضاه.
[ ٤٣٠ ]
مواقف أدبية ولغوية (١)
في كتاب الجماهر لأبي الريحان البيروني
أبو الريحان البيروني (٣٦٢ - ٤٤٨ هـ) من طليعة أعلام الثقافة الإسلامية وأبنائها الأفذاذ الذين أنجبتهم في أخصب عصورها الأدبية والعلمية، وكانت عبقريّته متعدّدة الجوانب متشعّبة النواحي. وأبت له نفسه الطموح وطبيعته المتطلّعة وهمته البعيدة أن يرضى بفن دون فن، ويقتنع بعلم دون علم، وكانت حاله كما قال أبو العلاء المعري:
ولي منطقٌ لم يرض لي كنه منزلي على أنني بين السِّماكين نازل
وأعانه على شفاء غليله وتحقيق تطلّعاته ما وهبه الله تعالى من توقّد الذهن، وحدة الذكاء، ودقّة الملاحظة، ونفاذ البصيرة، مع شغف بالعلم، وهيام بالحكمة، وتحرّر من سلطان الهوى والعصبية. فأكبَّ على كل ما حوته الثقافة الإسلامية في عصره من علوم عقلية ونقلية وعربية وعجمية بعقل مفتوح، وبجهد مستمر ونشا دؤوب، لا يكلّ ولا يملّ. "فلا يكاد يفارق يده القلم، وعينه النظر، وقلبه الفكر" (٢). فلم يترك ثنية إلا طلعها، ولا عقبة إلا اقتحمها، فتخصّص في الرياضيات والهيئة، وتضلع من الفلسفة، والتاريخ، والجغرافيا،
_________________
(١) قدّم إلى المهرجان الذي عقد في حيدر أباد الدكن سنة ١٩٧٥ م بمناسبة مرور ألف سنة على وفاة البيروني، ثمّ نشر في مجلة مجمع اللغة العربية بدمشق، المجلّد ٦١، الجزء الأوّل (١٩٨٦ م) ص ٨١ - ١٢٤.
(٢) معجم الأدباء (طبعة دار المأمون) ١٧: ١٨١.
[ ٤٣١ ]
والطب، والطبيعيات، والكيمياء، والحيوان والنبات، وطبقات الأرض، وعلم الأديان مع مشاركة في العلوم الشرعية والأدبية.
وأبي أن يكتفي بالوسائط مخافة أن يخلط ويخبط، ويضلّ ويضلّ، فوطّن نفسه على الاستقاء من مناهل ثقافته مباشرة، فتعلم عددًا من اللغات الأجنبية وأهمّها السنسكريتية وأجادها. فتنوّر عقله، وتوسّعت ثقافته، وسلمت معرفته، فصحّح كثيرًا من الأخطاء الشائعة، وفند كثيرًا من الأخبار المنقولة.
أمّا اللغة العربية فكان البيروني - مع نشأته الأعجمية - مغرمًا بها. وقد بلغ حبّه لها إلى أن قال في كتاب الصيدنة: "الهجو بالعربية أحب إلي من المدح بالفارسية" (١).
فأقبل على علوم العربية من اللغة والأدب والبلاغة والشعر والعروض، فصار من أعلامها. وعدّه ياقوت من الأدباء واللغويين والشعراء المجيدين وإن لم يكن شعره - كما قال ياقوت - في الطبقة العليا فإنّه من مثله حسن (٢). ونقل خمسة وثلاثين بيتًا من قصائده المختلفة، تدور حول الأغراض الشعرية الشائعة في عصره من المدح والفخر والهجاء والوعظ والإخوانيات.
وذكرت المصادر عدّة آثار أدبية للبيروني منها: شرح شعر أبي تمام، وقد رآه ياقوت بخط البيروني، والتعلّل بإجالة الوهم في معاني نظم أولي الفضل، ومختار الأشعار والآثار، وكتاب الدستور في أحاسن المحاسن، ولكن هذه الكتب الأدبية التي كانت تستطيع أن تمثّل الجانب الأدبي لشخصية البيروني أصدق تمثيل ضاعت فيما ضاع من عظيم كنوز الثقافة الإسلامية وتراثها العلمي والأدبي.
_________________
(١) كتاب الصيدنة (تحقيق محمد سعيد ورانا إحسان الهي، كراتشي ١٩٧٣): ١٣.
(٢) معجم الأدباء ١٧: ١٨٦ - ١٩٠.
[ ٤٣٢ ]