الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيد المرسلين وخاتم النبيين، نبينا محمد بن عبد الله الصادق الأمين، وعلى آله وأصحابه الغر الميامين، وعلى من تمسّك بسنته واهتدى بهديه إلى يوم الدين.
أما بعد، فإن أشرف العلوم ما وضع لخدمة كتاب الله وسنة رسوله ﷺ، وقد اعتنى علماء الإسلام بهذين الأصلين اعتناء عظيمًا لا نظير له في تاريخ الأمم. ومن أوائل فنون العلم التي نشأت لخدمة القرآن الكريم ما سمي بفن غريب القرآن. ورديفه من أنواع علم الحديث دعي بفن غريب الحديث. والمقصود بالغريب هنا ما وقع في متن الحديث من لفظ أو أسلوب خفي معناه وأشكل لسبب من الأسباب، "وهو فن مهم يقبح جهله بأهل الحديث خاصة ثم أهل العلم عامة، والخوض فيه ليس بالهين، والخائص فيه حقيق بالتحرّي جدير بالتوقّي" كما قال ابن الصلاح (٦٤٣ هـ)، ونقل أن الإمام أحمد بن حنبل ﵀ سئل عن حرف من غريب الحديث، فقال: "سلوا أصحاب الغريب، فإني
_________________
(١) قدّم مختصر منه إلى في ندوة "عناية المملكة العربية السعودية بالسنة والسيرة النبوية" التي عقدها مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف بالمدينة المنّورة في ١٥ - ١٧/ ٣/١٤٢٥ الموافق ٤ - ٦/ ٥/٢٠٠٤ م.
[ ١١ ]
أكره أن أتكلم في قول رسول الله ﷺ بالظن، فأخطئ" (١).
وكان نشوء هذا الفن في القرن الثاني الهجري على أيدي علماء اللغة ثم اضطلع به العلماء الذين كانوا بجانب تمكّنهم من اللغة مشاركين في علم الحديث والفقه، فأبدعوا في التأليف فيه، وكان أولهم أبو عبيد القاسم بن سلام الهروي (٢٢٤ هـ). ثم تتابعت المصنّفات في هذا الفن، حتى أربى عددها - فيما بلغه علمنا - على مائة مصنف.
وقد وصل إلينا معظم أمهات هذا الفن - على نقص في بعضها - وطبع، وهناك كتب لا تزال مخطوطة، ومنها كتب جمل الغرائب لبيان الحق محمود بن أبي الحسن بن الحسين النيسابوري من علماء القرن السادس الهجري.
ليس كتاب النيسابوري هذا من أصول هذا الفن، ولكن له مزية على نظائره من كتب المتأخرين. وهو أن مؤلفه استقى مادته من أصول كثيرة نص عليها في مقدمته. ومنها كتب الأوائل التي ضاعت فيما ضاع من تراث الإسلام، نحو كتب النضر بن شميل (٢٠٣ هـ) وقطرب (٢٠٦ هـ) وأبي عبيدة (٢١٠ هـ) والأصمعي (٢١٦ هـ) وأبي سعيد الضرير. ومن موارده كتاب لم أر من ذكره أو اقتبس منه ولا وقفت على ترجمة مؤلفه، وهو كتاب الأغفال لأبي بكر الحنبلي (٢). وقد وضع النيسابوري رموزًا لموارده ليثبتها قبل نقل الحديث وتفسيره منها. فهذا يعين على معرفة المادة التي احتوت عليها تلك الكتب الضائعة.
ثم رتّب النيسابوري كتابه على الموضوعات مثل الجوامع والمسانيد من كتب الحديث. وهو منهج لم يسبقه فيه إلا أبو عدنان السلمي من أصحاب أبي زيد الأنصاري (٢١٥ هـ) إذ رتّب كتابه على أبواب السنن.
_________________
(١) علوم الحديث: ٢٧٢.
(٢) ومن كتابنا هذا نقل حاجي خليفة عنوان الكتاب واسم مؤلفه في كشف الظنون: ١٣١.
[ ١٢ ]
ولهاتين المزيتين - ولا سيما الأولى - رأيت أن أعرّف بالكتاب المذكور في هذا البحث الذي أقدمه في المحور الثاني (الموضوع الحادي عشر) من محاور الندوة التي يعقدها مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف بالمدينة المنوّرة عن السنة والسيرة النبوية.
وقد انتظم هذا البحث تمهيدًا وفصلين: فالتمهيد يشتمل على ذرو من القول في نشأة فن غريب الحديث، ومصنّفاته المشهورة ومناهجها مع الإلماع إلى أهمّ ما طبع منها وما لا يزال مخطوطًا. والفصل الأول في سيرة بيان الحق النيسابوري ومؤلفاته. وقد ترجم له ياقوت ترجمة مقتضبة وعليها اعتمد السيوطي وغيره، فأثبتّها أولًا، ثم أضفت إليها بعض المعلومات المستخرجة من كتب النيسابوري وغيرها. وناقشت ما زعمه بعضهم من أنه ارتحل إلى حلب ودرس في المدرسة الحلاوية، وبينّت الخلط الذي بني عليه هذا الزعم. وتحدّثت في الفصل الثاني عن الغرض من تأليف كتاب جمل الغرائب، وموارده وترتيبه، ومنهجه في التلخيص والتفسير، وبعض المآخذ عليه.
وليس هذا البحث دراسة لكتاب جمل الغرائب، وإنما قصد به التعريف والتنويه. وليس بين يديّ عند إعداده إلا قسم من نص الكتاب مطبوعًا على الحاسوب، بعث به إليّ من لندن أخي الدكتور محمد راشد أيوب الإصلاحي الذي يحقّقه عن ثلاث نسخ، فجزاه الله أحسن الجزاء.
وإني لشاكر لمجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف بالمدينة المنورة على أن شرفني بدعوتي للمشاركة في هذه الندوة التي تقام في مدينة رسولنا ﷺ، ويتحدث فيها المتحدثون عن سنته السنية وسيرته العطرة، فما أشرف المقام، وما أجلّ الموضوع، وما أطيب الحديث، وما أسعد المتحدثينّ.
أسأل الله ﷿ أن يتقبّل أعمالنا، ويجعلها خالصة لوجهه الكريم، وأن يحيينا ويميتنا على طاعته وطاعة رسوله ﷺ.
[ ١٣ ]
التمهيد
لمحات عن علم غريب الحديث
متى نشأ علم غريب الحديث؟ وكيف كانت عناية أهل العلم به؟ وما أهمّ المصنّفات فيه، وما وجوه التماثل والتفاضل فيما بينها؟ قد أبدع القول في هذا الموضوع من علمائنا المتقدمين: أبو سليمان حمد بن محمد الخطابي (٣٨٨ هـ) ثم مجد الدين ابن الأثير الجزري (٦٠٦ هـ)، فكلاهما كتب في مقدمة غريبه فصولًا بليغة أرّخ فيها علم غريب الحديث ذاكرًا أهم الكتب التي ألفت فيه إلى زمنه، مبينًا عن مراتبها وكاشفًا عن خصائصها التي ينفرد بها بعضها عن بعض.
أما الباحثون المعاصرون، فلعلّ أول من أرّخ هذا العلم منهم هو الدكتور حسين نصّار الذي عقد له فصلًا في كتابه "المعجم العربي - نشأته وتطوّره" استغرق نحو ١٣ صفحة (١)، ومن المعلوم أن الكتاب المذكور أصله رسالة علمية نوقشت في ٢٣/ ٦/١٣٥٦ م، وطبعت لأول مرة سنة ١٩٥٦ م.
ثم لما عني الدكتور شاكر الفحّام بتحقيق كتاب الدلائل في غريب الحديث للعوفي (٣٠٢ هـ) قدم بين يديه سلسلة مقالات نفيسة ضافية نشرها في سنتي ١٩٧٥ و١٩٧٦ م في مجلة مجمع اللغة العربية بدمشق، ودرس فيها تاريخ هذا العلم إلى عهد العوفي ومخطوطات كتابه دراسة بارعة متقنة.
وكتب الغريب التي نشرت، تصدرتها جميعًا مقدّمات عرض فيها محققّوها
_________________
(١) المعجم العربي ١: ٤٢ - ٥٤.
[ ١٤ ]
هذا الموضوع حسب طرائقهم في الاختصار أو الإطناب. ثم كتبت فيه بعض الرسائل الجامعية (١).
ومع كل ذلك، فإن علم غريب الحديث لخليق بأن تقدم دراسة تاريخية له في هذه الندوة الكريمة مع عرض شامل لمصنّفاته، ما وصل منها وما لم يصل، وما طبع منها وما لم يطبع. ولعلّ أحد الباحثين الأفاضل المشاركين في هذه الندوة سينهض بتلكم الدراسة. أما هذا البحث الذي عقد للتعريف بكتاب واحد من كتب غريب الحديث المخطوطة، فلا موضع فيه للتفصيل، فأكتفي هنا بكلمة مقتضبة تكون مدخلًا إلى موضوع البحث.
(١) نشأة علم غريب الحديث
ظهرت الكتب الأولى في غريب الحديث في القرن الثاني الهجري، ولكن من السابق إلى التأليف فيه؟ لم يجزم في ذلك أبو محمد عبد الله بن جعفر المعروف بابن درستويه (٣٤٧ هـ) حينما تحدّث عن كتب غريب الحديث فقال:
"وكتاب غريب الحديث أول من عمله أبو عبيدة معمر بن المثنى، وقطرب، والأخفش، والنضر بن شميل، ولم يأتوا بالأسانيد، وعمل أبو عدنان النحوي البصري كتابًا في غريب الحديث ذكر فيه الأسانيد فجمع أبو عبيد عامة ما في كتبهم " (٢).
فجعل ابن درستويه العلماء الأربعة بل الخمسة في قرن واحد، ولم يصرح بسبق بعضهم بعضًا، وإن استهل كلامه بذكر أبي عبيدة معمر بن المثنى؛ خلافًا
_________________
(١) ومنها رسالة ماجستير بعنوان "دراسات في غريب الحديث" أعدّها الأخ الأستاذ بدر الزمان النيبالي في الجامعة الإسلامية بالمدينة المنوّرة سنة ١٤٠٧ هـ. ومنها رسالة أعدها إبراهيم يوسف في دار العلوم بالقاهرة بعنوان "غريب الحديث حتى نهاية القرن السادس"، ذكرها محقق غريب الحربي في مراجعه ٣: ١٤٠٩.
(٢) تاريخ بغداد ١٢: ٤٠٣، وانظر الإنباه ٣: ١٤.
[ ١٥ ]
لحديثه فيما بعد عن غريب القرآن إذا صرح فيه بأن "أول من صنّف في ذلك من أهل اللغة أبو عبيدة معمر بن المثنى، قم قطرب بن المستنير، ثم الأخفش ". ولكن الحافظ أبا عبد الله الحاكم النيسابوري (٤٠٥ هـ) قال جازمًا: "فأول من صنّف الغريب في الإسلام النضر بن شميل له فيه كتاب، هو عندنا بلا سماع. ثم صنّف فيه أبو عبيد القاسم بن سلام" (١). نقل أبو عمرو ابن الصلاح (٦٤٣ هـ) قول الحاكم في مقدّمته، ثم عقّب عليه: "ومنهم من خالفه، فقال: أول من صنّف فيه أبو عبيدة معمر بن المثنى" (٢).
وقد أيّد شمس الدين السخاوي (٩٠٢ هـ) في فتح المغيث قول الحاكم، فقال: "وهو الظاهر"، واستدلّ بأن النضر بن شميل "مات في سنة ثلاث وثمانين ومائة" ثم أكدّ ذلك حينما نعى علي ابن الأثير (٦٠٦ هـ) والمحب الطبري (٦٩٤ هـ) ذهابهما إلى القول الثاني "مع أن وفاته - يعني أبا عبيدة - كانت في سنة عشر ومائتين بعد الأول - يعني النضر - بسبع وعشرين عامًا (٣).
ولا ريب أن ما قاله السخاوي وهم محض، فلا خلاف بين المؤرّخين أن النضر بن شميل توفّي سنة ٢٠٣ هـ وقيل سنة ٢٠٤ هـ (٤). ولا حقيقة لهذا القيل إلا أنه "مات في آخر يوم من ذي الحجة سنة ثلاث ومائتين، ودفن في أول
_________________
(١) معرفة علوم الحديث: ٨٨. وعليه اقتصر السيوطي في كتاب الوسائل في مسامرة الأوائل: ١٠١.
(٢) علوم الحديث: ٣٧٢. لخص السيوطي في آخر المزهر ٢: ٢٩٥ - ٤١٤ كتاب مراتب النحويين لأبي الطيب اللغوي (٣٥١ هـ) وجاء في ضمن ترجمة أبي عبيدة (٢: ٤٠٢): "وهو أول من ألفّ في غريب الحديث" والسياق يدلّ على أن ذلك من كلام أبي الطيب مثل سابقه ولاحقه، ولكن هذه الجملة لا توجد في الكتاب المطبوع بتحقيق محمد أبو الفضل إبراهيم.
(٣) فتح المغيث ٤: ٢٤. كذا في المطبوع "بسبع" والصواب: بسبعة.
(٤) نزهة الألباء: ٧٥.
[ ١٦ ]
المحرم" (١)، فقال بعضهم إنه توفّي سنة ٢٠٤ هـ. أما أنه توفّي سنة ١٨٣ هـ قبل وفاة أبي عبيدة (٢١٠ هـ) بسبعة وعشرين عامًا، فلم يقل بذلك أحد قبل السخاوي ولا بعده. ثم ولد أبو عبيدة سنة ١١٠ هـ، وولد النضر في حدود سنة ١٢٢ هـ فأولهما أقدم من الثاني باثني عشر عامًا. ولكن ليس في شيء من ذلك حجة على كون أحدهما سابقًا والآخر مسبوقًا في تأليف غريب الحديث، فإنهما على كل حال عاشا ثمانين سنة في زمن واحد.
والقول الثاني الذي ذكره ابن الصلاح هو الذي عوّل عليه ابن الأثير الجزري (٦٠٦ هـ) في مقدمة النهاية، فقال: "فقيل إن أول من جمع في هذا الفن شيئًا وألّف أبو عبيدة معمر بن المثني التيمي، فجمع من ألفاظ غريب الحديث والأثر كتابًا صغيرًا ذا أوراق معدودات ثم جمع أبو الحسن النضر ابن شميل المازني بعده كتابًا في غريب الحديث أكبر الحديث أكبر من كتاب أبي عبيدة، وشرح فيه وبسط على صغر حجمه ولطفه، ثم جمع عبد الملك بن قريب الأصمعي " (٢).
لم يشر ابن الأثير - كما نرى - إلى قول الحاكم، وإنما ذكر قولًا واحدًا وهو أن أبا عبيدة سبق معاصره النضر بن شميل إلى التأليف في غريب الحديث وأكّد ذلك باستعمال كلمتين: "ثم" و"بعده". ولم يكن افتتاح ابن الأثير كلامه هنا بلفظة "قيل" للتضعيف، فإنه لم يشر البتة إلى قول آخر يرجحه في هذه المسألة، وإنما كان سبيله سبيل من يجد بين يديه قولين أو أكثر، فيختار منهما ما يستحسنه ويميل إليه، وإن كان لا يملك حجة قاطعة عليه.
وبالجملة فهما قولان مأثوران في هذه المسألة أشهرهما ما اختاره ابن الأثير "ويكاد الإجماع ينعقد عليه" كما يقول الدكتور محمود الطناحي (٣).
_________________
(١) سير أعلام النبلاء ٩: ٣٣١.
(٢) النهاية ١: ٥.
(٣) في اللغة والأدب: ١: ٣٩٧.
[ ١٧ ]
ولكن الدكتور حسين نصّار ذهب إلى رأي ثالث وهو أن أول كتاب في هذا الفن ألفه أبو عدنان السلمي، ونسب ذلك إلى صاحب الفهرست، فقال: "عز أكثر الباحثين الكتاب الأول في غريب الحديث إلى أبي عبيدة معمر بن المثني (٢١٠ هـ) تبعًا لابن الأثير. ولكن هذا القول يجب ألا يؤخذ قضية مسلّمة، فقد نسب ابن النديم الكتاب الأول من هذا النوع إلى أبي عدنان عبد الرحمن بن عبد الأعلى". ثم نقل ما جاء في الفهرست: "وله كتاب غريب الحديث، وترجمته (ما جاء من الحديث المأثور عن النبي ﷺ مفسّرًا)، وعلى إثره ما فسّر العلماء من السلف" (١).
وأيّد ما فهمه من كلام ابن النديم بأن أبا عدنان "راوية لأبي البيداء الرياحي، وهو معاصر ليونس بن حبيب، أستاذ أبي عبيدة، فأبو عدنان إذن وأبو عبيدة متعاصران، ومن المحتمل أن يسبق أحدهما الآخر في التأليف في غريب الحديث، ولكن إذا كان لنا أن نعتمد على مؤرخ، فالأجدر بالترجيح ابن النديم، لأنه أقدمهم وأقربهم إلى عصر هؤلاء المؤرّخ لهم، فنقدم بذلك أبا عدنان على أبي عبيدة".
لم يصرح ابن النديم بأن أبا عدنان أول من ألّف في غريب الحديث ولكن الدكتور حسين نصّار تأول كلامه على هذا، وذلك أنه زعم أن عنوان كتاب أبي عدنان: "ما جاء من الحديث المأثور عن النبي ﷺ مفسرًا" (٢)، أما الجملة التي بعدها فهي كلام مستأنف، و"ما" في قوله "ما فسر" زائدة، وقصد به ابن النديم أن العلماء من السلف إنما فسروا غريب الحديث بعد أبي عدنان. وهذا التأويل لكلام ابن النديم يبدو صحيحًا لأول وهلة. ولكن يضعفه أمور منها:
١ - لو قصد ابن النديم ما ذهب إليه حسين نصّار لما كان لقوله "من
_________________
(١) الفهرست: ٥١.
(٢) المعجم العربي: ١: ٤٢ - ٤٣.
[ ١٨ ]
السلف" وجه من الكلام، ولكان لغوًا من القول.
٢ - نقل جمال الدين القفطي (٤٢٦ هـ) ترجمة أبي عدنان عن الفهرست، وأورد عنوان كتابه على هذا الوجه: " .. وترجمته: ما جاء من الحديث المأثور عن النبي ﷺ مفسّرًا ما فسّر العلماء" (١). وهذا يدلّ على أن الجملة التي فصلها الدكتور حسين نصّار يراها القفطي جزءًا من عنوان الكتاب.
٣ - صحيح أن أبا عدنان معاصر لأبي عبيدة، ولكن عداده في أصحابه، فقد نصّ الصفدي في ترجمته على أنه "أخذ عن أبي زيد الأنصاري، وأبي عبيدة، والأصمعي وطبقتهم" (٢). وكذلك ذكر القفطي في ترجمة شمر بن حمدويه الهروي (٢٥٥ هـ) أنه لقي جماعة من أصحاب أبي عمرو الشيباني وأبي زيد الأنصاري وأبي عبيدة والفراء، ثم عد منهم: الرياشي (٢٥٧ هـ) وأبا نصر (٢٣١ هـ) وسلمة بن عاصم (٢٧٠ هـ) وأبا عدنان (٣). وذكره أبو الطيب اللغوي مع أبي عكرمة الضبي صاحب كتاب الخيل (٢٥٠ هـ) وقال: "وقد روى أبو عدنان عن أبي زيد كتبه كلها" (٤).
فالظاهر أن ما ورد في الفهرست إلى قوله "العلماء من السلف" هو العنوان الكامل لكتاب أبي عدنان، ومعناه أنه أورد في كتابه أحاديث النبي ﷺ، وأتبعها بما فسّرها به العلماء من السلف. ولعلّ في نصّ الفهرست شيئًا من الخلل يدلّ عليه ما نقله القفطي في كتاب الإنباه.
وإني لأستغرب أن الباحثين في غريب الحديث لم يتعرضوا إلى ما ذهب إليه الدكتور حسين نصّار، وكان أحقّهم بذلك الدكتور محمود محمد الطناحي،
_________________
(١) إنباه الرواة ٤: ١٤٨، وفيه: "في الحديث"، و"نشر" تحريف.
(٢) الوافي ١٨: ١٥٦.
(٣) إنباه الرواة: ٢: ٧٧.
(٤) مراتب النحويين: ١٤٤.
[ ١٩ ]
لأنه كتب في هذا الموضوع أكثر من مرة. فهل ظنّوا أن عدم الالتفات إلى رأي الدكتور حسين نصّار أولى به وأن ذلك يجعله مطرحًا منسيًا؟ ولكني ألفيت أحد الباحثين قد تأثر بهذا الرأي، فافتتح الفصل الذي عقده في كتابه لإحصاء معاجم غريب الحديث بكتاب أبي عدنان السلمي (١).
(٢) الغرائب المشهورات ومناهجها
منذ ظهرت الكتب الأولى في غريب الحديث على أيدي علماء اللغة لم تنقطع سلسلة التأليف في هذا الفن، فلم يخل عصر من العصور من الجامعين فيه. وقد بلغ عدد مصنفات غريب الحديث فيما أحصاه أحد الباحثين نحو ٩٠ كتابًا، مع أنه قد فاته ذكر بعض الكتب التي وصلت إلينا فضلًا عن غيرها (٢).
وقد تنوّعت مناهج المؤلّفين في ترتيب كتبهم وتفسير الغريب، أشير إليها في السطور الآتية بإيجاز، مع الإلماع في غضون ذلك إلى مكانتها:
١ - منهج اللغويين الأوائل
وهو المنهج الذي اتبّعه أبو عبيدة وغيره من علماء اللغة في القرنين الثاني والثالث، فكانوا يوردون الأحاديث دون ذكر أسانيدها، ثم يفسّرون غريب ما فيها باختصار أو شيء من البسط (٣).
٢ - منهج أبي عدنان
كان أبو عدنان من أصحاب أبي عبيدة وأبي زيد وطبقتهما كما سبق، لكنه
_________________
(١) معجم المعاجم: ٢٣.
(٢) المرجع السابق: ٢٣ - ٤١.
(٣) انظر ما سبق من كلام ابن درستويه في الفقرة السابقة، ومقدمة غريب الخطابي ١: ٤٩ - ٥٠.
[ ٢٠ ]
اختار لكتابه في غريب الحديث منهجًا جديدًا، فرتّب كتابه على أبواب السنن والفقه وذكر فيه الأسانيد أيضًا، كما وصفه ابن درستويه.
٣ - منهج أبي عبيد
لما ألّف أبو عبيد القاسم بن سلام (٢٢٤ هـ) كتابه الحافل وجمع فيه ما تفرّق في كتب أبي عبيدة والأصمعي وغيرهما، وأضاف إليه أحاديث وآثارًا كثيرة أوردها مع أسانيدها، قدم أحاديث رسول الله ﷺ، وأتبعها آثار الصحابة ثم التابعين، جامعًا آثار كل منهم في مكان واحد. وامتاز تفسيره "بصحة المعنى وجودة الاستنباط وكثرة الفقه (١) ". فصار كتابه قدوة "لما حواه من الأحاديث والآثار الكثيرة، والمعاني اللطيفة والفوائد الجمة" (٢).
وحذا حذوه في هذا المنهج ابن قتيبة (٢٧٦ هـ) الذي تتبع ما فات أبا عبيد، فاستدرك عليه في كتابه المشهور، وكذلك أبو محمد قاسم بن ثابت العوفي السرقسطي (٣٠٢ هـ) في الأندلس، وأبو سليمان حمد بن محمد الخطابي (٣٨٨ هـ) في المشرق، وكلاهما استدرك على ابن قتيبة، ولم يطّلع الثاني على كتاب الأول.
وهذه الكتب الأربعة هي أمهات هذا الفن، وإن لم يشتهر كتاب العوفي - مع علو منزلته - في بلاد المشرق، لتأخّر وصوله إليها.
وقد دارت حول هذه الأصول الجلية مؤلفات كثيرة لشرحها أو اختصارها، أو ترتيبها، أو إصلاح غلطها، أو الانتصار لها، أو تفسير شواهدها، أو جمعها وتلخيصها في كتاب واحد.
_________________
(١) غريب الحديث للخطابي: ١: ٥٠.
(٢) النهاية في غريب الحديث والأثر ١: ٦.
[ ٢١ ]
٤ - منهج إبراهيم الحربي
انتهج أبو إسحاق إبراهيم الحربي (٢٨٥ هـ) في كتابه منهجًا بديعًا إذا أراد أن يجمع فيه بين نظام المسانيد عند علماء الحديث ونظام التقاليب الذي اخترعه الخليل بن أحمد (١٧٥ هـ)، فلم يسلم له هذا ولا ذاك. فإذا ذكر حديثًا من أحاديث صاحب المسند، ليفسّر الكلمة الغريبة التي ورد فيها، أتبعه أحاديث من المسانيد الأخرى، وردت فيها ألفاظ من مادة الكلمة الأولى، وقد يقلب المادة ولا يكون في بعض تقاليبها حديث أو أثر ولكنه يفسّر ألفاظًا لغوية من تلك التقاليب (١).
ثم أفاض في تفسير غريب الحديث وشرحه وأكثر من الاستشهاد، وأسند رواياته عن علماء اللغة وغيرهم، "فطال بذلك كتابه، وبسبب طوله ترك وهجر، وإن كان كثير الفوائد جم المنافع، فإن الرجل كان إمامًا حافظًا متفننًا عارفًا بالفقه والحديث واللغة والأدب" (٢).
وما وصل إلينا من كتاب الحربي شاهد بصحة ما وصفه به ابن الأثير.
٥ - منهج الهروي
كان أبو عبيد أحمد بن محمد الهروي (٤٠١ هـ) صاحب الأزهري (٣٧٠ هـ) معاصرًا للخطابي (٣٨٨ هـ). وهو أول من جمع في كتابه بين غريب القرآن وغريب الحديث، ولعلّ فكرة الجمع هي التي هدته إلى منهج جديد ميسّر لترتيب كتابه، فاستخرج الألفاظ الغريبة من الأحاديث ورتّبها على أصول حروفها بادئًا بالحرف الأول ملتزمًا بالثاني ثم الثالث إلا إذا خاف في كلمة أن لا يفرّق طلبة الحديث بين الحرف الأصلي والحرف الزائد فيها، فأثبتها في باب
_________________
(١) انظر تفصيل هذه الخلاصة في مقدمة المحقق لغريبه ١: ٩٢ - ٩٦.
(٢) النهاية ١: ٦.
[ ٢٢ ]
الحرف الأول وإن كان زائدًا. ثم كان شرطه الاختصار فحذف الأسانيد وقلل الشواهد، وأوجز التفسير، "فانتشر كتابه بهذا التسهيل والتيسير في البلاد والأمصار، وصار هو العمدة في غريب الحديث والآثار" كما قال ابن الأثير (١).
واستدرك على كتاب الغريبين للهروي الحافظ أبو موسى محمد بن عمر المديني الأصفهاني (٥٨١ هـ) فجمع ما فاته في كتاب مرتّب على ترتيب الأول ومقارب له في حجمه وفائدته.
وعلى هذين الكتابين بني مجد الدين ابن الأثير (٦٠٦ هـ) كتابه "النهاية في غريب الحديث والأثر" فاستخلص منهما مادة غريب الحديث، مشيرًا إلى كل منهما برمز خاص، ثم زاد عليهما زيادات كثيرة من الكتب الأخرى، فجمع كتابه بين مزيتين: مزية الإحاطة بغريب الحديث ومزية حسن الترتيب وقرب المأخذ، فصار صيته في الآفاق، واستغنى طلاب العلم عن غيره من المصنّفات.
٦ - منهج الزمخشري
اتبع أبو القاسم محمود بن عمر الزمخشري (٥٨٣ هـ) منهج الهروي غير أنه رأى أن الحديث الواحد عنده يتفرّق في حروف مختلفة حسب الكلمات الغريبة التي وردت فيه، فحرص في كتابه الفائق على أن يورد الحديث، ويفسّر ألفاظه الغريبة كلها في مكان واحد، فأدّى ذلك إلى أن جاءت كثير من الألفاظ في غير حروفها. فتدارك ذلك بالإشارة في آخر كل فصل إلى الكلمات الباقية منه والإحاطة على مواضعها. ولعلّ النسخة التي اطّلع عليها ابن الأثير من كتاب الفائق خلت من تلك الإحاطات فقال: "ولكن في العثور على طلب الحديث منه كلفة ومشقة"، وقال أيضًا: "فترد الكلمة في غير حروفها، وإذا تطلبها الإنسان
_________________
(١) المرجع السابق ١: ٩.
[ ٢٣ ]
تعب حتى يجدها" (١).
هذه هي المناهج التي اتبعها أصحاب غريب الحديث في ترتيب مؤلفاتهم، ثم كان لكل كتاب منها سمات خاصة في تفسير الغريب لا موضع لتفصيلها هنا.
الكتب المذكورة آنفًا تناولت غرائب الأحاديث والآثار بصورة عامة. وهناك قسم من كتب الغريب قصرها مؤلفوها على كتاب من كتب الحديث، نحو تفسير غريب الموطأ لأبي عبد الله أصبغ بن الفرج بن سعيد (٢٢٥ هـ)، وكتاب أبي عمر الزاهد (٣٤٥ هـ) في تفسير غريب مسند الإمام أحمد بن حنبل، وشرح غريب كتاب الإمام البخاري لابن الصابوني (٤٢٣ هـ).
وقد أفرد أبو بكر محمد بن القاسم الأنباري (٣٢٨ هـ) رسائل لتفسير بعض الأحاديث نحو شرحه لغريب كلام هند بن أبي هالة في صفة رسول الله ﷺ، وشرحه غريب حديث أم زرع، وشرحه غريب خطبة عائشة أم المؤمنين في أبيها، ﵄. ولابن الأنباري كتاب مستقل في غريب الحديث أيضًا.
(٣) من الغرائب المخطوطة
لم يبق من تراث غريب الحديث إلا الثلث أو أزيد منه قليلًا. ونحمد الله سبحانه على أن معظم أصول هذا الفن ومصنّفاته المشهورة قد وصلت إلينا وتم تحقيقها وطبعها. ومنها الكتب الأربعة الأمهات: كتب أبي عبيد (٢) وابن قتيبة (٣)
_________________
(١) النهاية ١: ٩.
(٢) صدرت طبعته الأولى في الهند عن دائرة المعارف العثمانية بحيدراباد الدكن في أربعة مجلدات سنة ١٩٦٤ - ١٩٦٧ م، ثم حققه الدكتور حسين شرف تحقيقًا علميًا نشره مجمع اللغة بالقاهرة في ٥ مجلدات سنة ١٤٠٤ - ١٤١٥ هـ =١٩٨٤ - ١٩٩٤ م. ثم صدرت فهارسه في مجلد سنة ١٤١٩ هـ = ١٩٩٩ م.
(٣) طبع بتحقيق الدكتور عبد الله الجبوري ببغداد في ثلاثة أجزاء سنة ١٩٧٧ م، ولم تكن في المخطوطات مخطوطة كاملة، فبقي فيها نقص. ولابن قتيبة أيضًا كتاب إصلاح الغلط =
[ ٢٤ ]
والعوفي (السفران الثاني والثالث) (١) والخطابي (٢). ثم مجلدة - وهي المجلدة الخامسة - من كتاب الحربي (٣)، ثم كتب الهروي (٤)، وأبي موسى المديني (٥)، والزمخشري (٦)، وابن الأثير (٧). ثم كتاب عبد الملك بن حبيب القرطبي (٢٣٨ هـ)، وكتاب أبي عبد الله محمد بن عبد الحق المالكي (٦٢٥ هـ) في تفسير
_________________
(١) = في غريب الحديث لأبي عبيد حققه الدكتور الجبوري ونشرته دار الغرب الإسلامي في بيروت سنة ١٩٨٣. صدر الكتاب في ثلاثة مجلدات بتحقيق الدكتور محمد بن عبد الله القناص عن مكتبة العبيكان بالرياض سنة ١٤٢٢ هـ. ولا تشتمل هذه الطبعة إلا على تحقيق ٣٧٦ صفحة من نسخة الرباط البالغة ٦١٤ صفحة. ولكن الناشر لم ينبه على هذا في أول الكتاب، فيحسب القارئ أنه يحتوي على ما وجد منه كاملًا.
(٢) طبع في جامعة أم القرى بمكة المكرمة سنة ١٤٠٢ هـ بتحقيق عبد الكريم إبراهيم عزباوي.
(٣) نشرت هذه المجلدة في جامعة أم القرى بمكة المكرمة، بتحقيق الدكتور سليمان بن إبراهيم العائد سنة ١٤٠٥ هـ. وقد حظيت هذه النشرة بتحقيق علمي متقن، وطباعة رائقة فائقة. وليت غرائب أبي عبيد وابن قتيبة والخطابي أيضًا طبعت على غرارها! .
(٤) صدر الجزء الأول منه بتحقيق الدكتور محمود الطناحي في القاهرة سنة؟ ثم صدرت طبعة كاملة في دائرة المعارف العثمانية بحيدرابان الدكن سنة ١٤٠٧ هـ. ونشرة أخرى كاملة صدرت عن المكتبة العصرية في بيروت سنة ١٤١٩ هـ بتحقيق أحمد مزيد المزيدي.
(٥) نشر كتابه المجموع المغيث بتحقيق عبد الكريم إبراهيم عزباوي في جامعة أم القرى بمكة المكرمة سنة ١٤٠٦ هـ.
(٦) طبع لأول مرة سنة ١٩٠٦ م في دائرة المعارف النظامية بحيدراباد الدكن، ثم صدر بتحقيق محمد أبو الفضل إبراهيم وعلي محمد البجاوي عن دار إحياء الكتب العربية في القاهرة في السنوات ١٩٤٥ - ١٩٤٨ م (ذخائر التراث: ٥٥١).
(٧) طبع لأول مرة طبعة حجرية سنة ١٢٦٩ هـ = ١٨٥٢ م في طهران، ثم طبع غير مرة في القاهرة، قبل صدوره بتحقيق طاهر أحمد الزاوي ومحمود محمد الطناحي في السنوات ١٩٦٣ - ١٩٦٦ م (ذخائر التراث: ٣٩)، وقد نشر كتاب آخر لابن الأثير "منال الطالب في شرح طوال الغرائب" بتحقيق الدكتور محمود الطناحي في جامعة أم القرى سنة ١٤٠٣ هـ.
[ ٢٥ ]
غريب الموطأ (١)، وكتاب مشارق الأنوار في صحاح الآثار للقاضي عياض (٥٤٤) (٢)، ومجمع بحار الأنوار في غرائب التنزيل ولطائف الأخبار لمحمد الفتَّني (٩٨٦ هـ) (٣). ومن رسائل أبي بكر ابن الأنباري شرح خطبة عائشة ﵂ (٤).
ومن كتب غريب الحديث التي لا تزال مخطوطة:
١ - مجموع غريب الحديث لأبي منصور محمد بن عبد الجبار السمعاني (٤٥٠ هـ) وهو من مصادر الصغاني في كتابي العباب والتكملة (٥). وقد أشرت على أحد زملائي - وهو الدكتور عثمان نجران - بتحقيقه، ودللته على نسخته الثانية المحفوظة في المتحف البريطاني - وكانت مجهولة المؤلف - فنال بتحقيق قسم منه شهادة الدكتوراة من الجامعة الإسلامية بالمدينة المنوّرة سنة ١٤٢٣ هـ.
٢ - مجمع الغرائب للحافظ أبي الحسن عبد الغافر بن إسماعيل الفارسي النيسابوري (٥٢٩ هـ) (٦).
٣ - تقذية ما يقذي العين من هفوات كتاب الغريبين للحافظ أبي موسى
_________________
(١) صدر كتاب ابن حبيب "تفسير غريب الموطأ" وكتاب ابن عبد الحق "الاقتضاب في غريب الموطأ وإعرابه على الأبواب" كلاهما بتحقيق الدكتور عبد الرحمن العثيمين سنة ١٤٢١ هـ عن مكتبة العبيكان بالرياض.
(٢) كتاب مشهور طبع غير مرة.
(٣) طبع أولًا سنة ١٢٤٨ هـ = ١٨٣٢ م في مطبعة نولكشور بمدينة لكناو (الهند). ثم طبع عدة مرات في الهند، انظرها في كتاب معجم المطبوعات العربية في شبه القارة الهندية الباكستانية: ٢٥٩ - ٢٦٠. والطبعة التي بين يدي هي طبعة مكتبة دار الإيمان بالمدينة المنوّرة لسنة ١٤١٥ هـ.
(٤) نشره الدكتور صلاح الدين المنجد سنة ١٩٦٢ م في مجلة المجمع العلمي العربي بدمشق. المجلد ٣: ٤١٤ - ٤٢٧.
(٥) التكملة والذيل والصلة ١: (المقدمة). وبحوث وتحقيقات للميمني ٢: ٣٨٨.
(٦) معجم المعاجم: ٣١.
[ ٢٦ ]
المديني الإصبهاني (٥٨١ هـ) صاحب المجموع المغيث (١).
٤ - إيجاز الغرائب وإنجاز الرغائب لجمال الدين عبد الرزاق بن أبي جعفر البيهقي النيسابوري (القرن السادس).
وقد كنت قرأت في مذكرات الميمني ﵀ قوله في الكتاب المذكور: "كتاب في غرائب الألفاظ جليل جدًا. مرتّب كالمجمل" (٢) فأغراني كلامه بالاطّلاع عليه، ولكن لما وصلتني صورة من نسخته المحفوظة في مكتبة ولي الدين وجدته كتابًا في غريب الحديث مبنيًا على اختصار شديد.
٥ - مقاصد أبي عبيد في معرفة غرائب أحاديث النبي ﷺ لأبي منصور المظفّر بن الحسين الفارسي (القرن السادس).
ذكرته هنا لأنه مما فات فؤاد سزكين ذكره في الكتب الدائرة حول كتاب أبي عبيد. ومنه نسخة مصوّرة في مكتبة الجامعة الإسلامية بالمدينة المنوّرة وأصلها كتب سنة ٥١٣ هـ.
٦ - مجمع الغرائب ومنبع الفوائد لأبي عبد الله محمد بن محمد بن علي الكاشغري (٧٠٥ هـ). وقد حقق سنة ١٤٠٩ هـ في رسالة ماجستير في جامعة أم القرى (٣).
٧ - جمل الغرائب لبيان الحقّ النيسابوري (القرن السادس).
ولما كان هذا الكتاب الأخير قد انفرد ببعض المزايا رأيت أن أعرّف به في هذه الندوة الكريمة، ولكن قبل أن أتحدّث عنه يحسن أن نقف على سيرة مؤلفه.
_________________
(١) تاريخ التراث العربي ٨: . ونسبه صاحب معجم المعاجم: ٤١ إلى "أبي الكرم عبد السلام بن محمد بن الحسن الحجي (من القرن السادس) " مع أنه ذكر نسخة بودليانا نفسها.
(٢) مجلة معهد المخطوطات العربية ٢٩: ٧٩.
(٣) دليل الرسائل العلمية: ٣٦٤.
[ ٢٧ ]
الفصل الأول
سيرة بيان الحق ومؤلفاته
من الطريف أن ثلاثة كتب من غرائب الحديث المخطوطة التي ذكرت من قبل، أصحابها من نيسابور، وأحدهم مشهور، وهو الحافظ أبو الحسن عبد الغافر بن إسماعيل الفارسي (٤٥١ - ٥٢٩ هـ) (١) والثاني مجهول وهو عبد الرزاق بن أبي جعفر البيهقي (٢). والثالث صاحبنا بيان الحقّ الذي ترجم له ياقوت الحموي (٦٢٦ هـ) في معجم الأدباء ترجمة قصيرة لا تشفي الغليل فإنه لم يشر فيها إلى زمنه فضلًا عن مولده ووفاته (٣).
وهذه الترجمة هي التي نقلها بنصّها جلال الدين السيوطي (٩١١ هـ) في بغية الوعاة (٤)، وعن السيوطي تلميذه شمس الدين الداوودي (٩٤٥ هـ) في
_________________
(١) سير أعلام النبلاء ٢٠: ١٦ وانظر المصادر الأخرى لترجمته في الحاشية.
(٢) لم أصب له ترجمة. أما أبوه أبو جعفر أحمد بن علي بن أبي جعفر البيهقي صاحب تاج المصادر المتوفّى سنة ٥٤٤ هـ، فهو مشهور. انظر ترجمته في سير أعلام النبلاء ٢٠: ٢٠٨ - ٢٠٩. وقد ورد ذكر عبد الرزاق بن أبي جعفر في غرر الأمثال لعلي بن زيد البيهقي (نسخة ليدن ق ١٤٩/ب)، وكذلك ذكره أبوه بكنيته أبي الفتوح بخطه على نسخة من كتابه ينابيع اللغة ممن سمعه عليه. انظر تاريخ بيهق، مقدمة المترجم، ص ٣٢.
(٣) معجم الأدباء ٦: ٢٦٨٦.
(٤) بغية الوعاة ٢: ٢٧٧.
[ ٢٨ ]
طبقات المفسّرين (١).
وقد أفاد الدكتور إحسان عباس في حاشية نشرته لمعجم الأدباء إلى أن صلاح الدين الصفدي (٧٦٤ هـ) ترجم لبيان الحق في الوافي، وعدّ له كتبًا كثيرة، وأورد فاتحة كتابه إيجاز البيان.
لم أتمكن من الاطلاع على مخطوطة الوافي، ولكن أظن أن الصفدي لم يأت بجديد فيما يتعلق بحياة بيان الحق، وإلا ذكره الدكتور إحسان عباس (٢).
وإنني أورد هنا أولًا نص ترجمته من معجم الأدباء.
(١) ترجمته في معجم الأدباء
قال ياقوت: "محمود بن أبي الحسن بن الحسين النيسابوري، الغزنوي، يلقب ببيان الحق.
كان عالمًا بارعًا مفسّرًا لغويًا فقيهًا متفننًا فصيحًا.
له تصانيف ادّعى فيها الإعجاز. منها كتاب خلق الإنسان، وجمل الغرائب في تفسير الحديث، وإيجاز البيان في معاني القرآن، وغير ذلك.
ومن شعره:
فلا تحقرن خلقًا من الناس علّه وليُّ إله العالمين ولا تدري
_________________
(١) طبقات المفسرين ٢: ٣١١.
(٢) صدر بأخرة الجزء الخامس والعشرون من الوافي (باعتناء محمد الحجيري، بيروت ١٤٢٠ هـ) الذي فيه ترجمة بيان الحق (ص ٢٨٤ - ٢٨٦)، وقد وجدتها كما توقعت. غير أنه زاد على ياقوت بعض عناوين بيان الحق، ثم نقل قصة البيتين الآتيين عن العكيمي عن القاضي أبي العلاء محمد بن بيان الحق، وأورد ثمانية أبيات أخرى من قصيدة طويلة له، مع تعقيبه بأن التكلّف بادٍ عليها. ونقل الصفدي في ترجمة ابنه محمد (٥/ ٧) عن السمعاني أن والده كان "من مشاهير العلماء صاحب الكتب الحسان مثل التفسير وخلق الإنسان".
[ ٢٩ ]
فذو القدر عند الله يخفى على الورى كما خفيت عن علمهم ليلة القدر" (١)
هذه الترجمة لا تشير إلى زمن المؤلف كما سبق، ومن ثم يعد ما أفاده إسماعيل باشا البغدادي من أنه أكمل كتابه إيجاز البيان عن معاني القرآن سنة ٥٥٣ هـ بالخجند (٢)، أهم إضافة إلى ما جاء في كتاب ياقوت، فقد تعين بذلك زمن المؤلف.
ولعلّ البغدادي وقف على نسخة لكتاب إيجاز البيان ذكر في آخرها زمن تأليفه، فنقله منها. وليس بوسعنا توثيق هذا النقل لأن النسخ الخمس التي عرفناها من كتاب إيجاز البيان خلت من ذكره. ونسخ جمل الغرائب وباهر البرهان وخلق الإنسان أيضًا لا تفيدنا في هذا الشأن، غير أن بعض الأخبار المذكورة في هذه الكتب تدلّ على أن بيان الحقّ عاش في القرن السادس الهجري.
(٢) زيادات متفرقة
وهناك إشارات قليلة متفرقة تضيف بعض الملامح إلى سيرته الواردة في كتاب ياقوت نذكرها فيما يلي:
أ- وردت كنية المؤلف في أول إيجاز البيان: "أبو القاسم" ولعلّه وردت أيضًا في نسخة جمل الغرائب التي وقف عليها حاجي خليفة فإنه كنّى المؤلف بهذه الكنية. و"قاسم" أحد ابنيه اللذين ذكرهما المؤلف في مقدمة جمل الغرائب.
ب- اللقب الذي اشتهر به المؤلف "بيان الحق"، ذكره ياقوت وورد في
_________________
(١) في البغية: خافٍ عن الورى.
(٢) هدية العارفين: ٤٠٣.
[ ٣٠ ]
أوائل كتبه. ولقّبه حاجي خليفة بـ"نجم الدين" في رسم إيجاز البيان، والتذكرة والتبصرة (١)، ولم يقف عليهما وإنما مصدره فيما وصفهما به كتاب جمل الغرائب، ولكنه لما ذكر جمل الغرائب (٢) قال: "للقاضي بيان الحق شهاب الدين محمود بن أبي الحسن النيسابوري" فهل وجد لقب المؤلف في نسخة جمل الغرائب "شهاب الدين" أو "نجم الدين"؟ السياق يقتضي أن يقبل "شهاب الدين" الذي ذكره في رسم جمل الغرائب. ولكنّ ذكره "نجم الدين" في موضعين، ثم اقتصار البغدادي عليه مع وقوفه أيضًا على جمل الغرائب، وإغفاله لقب "شهاب الدين" كل ذلك يرجّح "نجم الدين" وإن كنا لا نملك دليلًا قاطعًا على ذلك.
ج- نسبة "النيسابوري" أجمعت عليها فواتح كتبه واقتصر عليها بيان الحق في مقدمة جمل الغرائب، أما "الغزنوي" فذكرها ياقوت تالية للنيسابوري، وذلك يدلّ على أن أصل بيان الحق في نيسابور، ولد ونشأ فيها، ثم ارتحل إلى "غزنة" وأقام فيها (٣)، ومما يؤيّد نسبة "الغزنوي" أن بيان الحق حينما ذكر الدولة الغزنوية قال: "وقد نظم ذلك بعض كتّاب هذه الدولة في الأمير الماضي ﵀ ". ثم نقل بيتين لأبي الفتح البستي قيل إنهما في السلطان محمود الغزنوي (٤٢١ هـ) (٤). وقد نقل في موضع آخر أيضًا قصة جرت بين يدي السلطان بلفظ "وقد حكي أن رسولًا من أهل بلغار ورد على الأمير الماضي - أنار الله برهانه - " (٥). وجاء نص آخر في كتاب جمل الغرائب: " ولقد حمل جفنته ﵇ بعض السادة إلى الحضرة فشرب منها السلطان الرضي قدس الله روحه .. ".
_________________
(١) كشف الظنون: ٢٠٥، ٣٩٣.
(٢) المرجع السابق: ٦٠١.
(٣) وفي الوافي: "النيسابوري ثم الغزنوي".
(٤) باهر البرهان: ٣: ١٤٠٥.
(٥) المرجع السابق.
[ ٣١ ]
هنا وردت في نسخة الإسكوريال حاشية لأحد العلماء، وقد تكون للناسخ: "السلطان الرضي هو إبراهيم بن مسعود بن محمود بن سبكتكين". ومن المعلوم أن السلطان المذكور توفّي سنة ٤٩٢ هـ بعدما حكم نحو أربعين سنة (١).
فإشارة بيان الحق في النص الأول إلى الدولة الغزنوية بلفظ "هذه الدولة" وكذلك ذكره السلطان محمودًا والسلطان إبراهيم بالوصف دون تسميتها، صريح الدلالة على أن بيان الحق عاش في ظل الدولة الغزنوية، وفيها شاب رأسه لأنه ألّف جمل الغرائب في كبره. وقد انتهت الدولة الغزنوية سنة ٥٤٨ هـ حينما استولى علاء الدين الغوري على غزنة ونهبها وأحرقها.
أما نسبة "القزويني" التي تفرّد بها إسماعيل باشا البغدادي وذكرها مع النيسابوري، فأخشى أن يكون تحريفًا لنسبة "الغزنوي" والله أعلم.
د- جاء في خطبة باهر البرهان: "قال القاضي الإمام العالم بيان الحق خاتم المفسّرين " فعلم من ذلك أن بيان الحق كان قاضيًا، ووصفه بذلك صاحب كشف الظنون أيضًا (٢) ولكن أين تقلّد القضاء ومتى؟ لعلّ ذلك كان في الدولة الغزنوية.
وفي خطبة إيجاز البيان وصف بـ"فخر الخطباء"، وهذا الوصف أيضًا لم يرد في كتاب ياقوت.
هـ- ذكر بيان الحق في مقدمة كتابه جمل الغرائب ابنين له محمدًا وقاسمًا. قال: " وأن يسعد ابنيه محمدًا وقاسمًا بأنفع العلم فيما يتعلّمانه، وأرشد العمل بما يعلمانه، حتى يفوزا بالسعادة في الآخرة والأولى، ويحظيا بالقرة من الله تعالى والزلفى، إنه وليه والقادر عليه".
_________________
(١) البداية والنهاية ١٦: ٧٣ - ١٦٨.
(٢) كشف الظنون: ٦٠١.
[ ٣٢ ]
وقد عثرت محققة باهر البرهان على ذكر أولهما في روضات الجنات للخوانساري (٣: ١٠٤) إذ قال: "هذا ومن جملة من يعرف بلقب النيسابوري أيضًا هو الشيخ معين الدين قاضي القضاة محمد بن محمود بن أبي الحسن النيسابوري صاحب غريب القرآن المأخوذ من كتاب الشيخ أبي بكر محمد بن عزيز السجستاني المشهور وقد كتبه لأجل ولده القاضي جمال الدين محمود. وكان عندنا نسخة منه مختصرة لطيفة" (١).
يدلّ هذا النص الذي يظهر أن الخوانساري نقله من نسخة الكتاب التي كانت عنده أن ابن بيان الحق، وحفيده كليهما كان قاضيًا. وقد روى أبو الخطاب عمر بن محمد بن عبد الله العليمي عن ابنه سبب إنشاد بيان الحق للبيتين السابقين فقال: "سمعت القاضي أبا العلاء محمد بن محمود بن أبي الحسن الغزنوي قدم علينا بنيسابور رسولًا " (٢). وكان القاضي أبو العلاء صديقًا لأبي سعد السمعاني (٦٥٢ هـ) وله كتاب "سر السرور" في ذكر شعراء عهده (٣).
(٣) هل ولي بيان الحق التدريس في حلب؟
ذكرت محققة باهر البرهان في ترجمة بيان الحق أنه تولّى التدريس في
_________________
(١) مقدمة باهر البرهان: ٨٥ - ٨٦.
(٢) نقله القاسي في مقدمة إيجاز البيان ١: ١٩ عن الوافي (٨٠/ب) نسخة طوب قابي.
(٣) طبقات الشافعية: ٤: ٣٢٨، وكشف الظنون ٩٨٧. وقد ترجم الصفدي للقاضي أبي العلاء في الوافي (٥/ ٧) ونقل من تاريخ مرو للسمعاني أنه قال: "لقيته ببلخ في شهر رجب سنة سبع وأربعين وخمسمائة، وهو من أهل غزنة، وكان إمامًا فاضلًا واسع العلم متفننًا عارفًا بالأدب مليح المحاورة كثير المحفوظ، جمع كتابًا مليحًا في شعراء عصره سمّاه سرّ السرور وقدم خراسان رسولًا مرتين من صاحب غزنة إلى السلطان سنجر ابن ملكشاه، وكان ولي القضاء بغزنة".
[ ٣٣ ]
المدرسة الحلاوية في حلب ثم في المدرسة المعينية بدمشق (١). وقالت في موضع آخر في ذكر رحلاته بعنوان "رحلته إلى بلاد الشام":
"أ- رحلته إلى حلب: أشار إلى ذلك القفطي وابن قطلوبغا واللكنوي فبعد عدة رحلات وتنقلات توجّهت أنظاره تلقاء بلاد الشام .. فقصد مدينة حلب، وبقي فيها مدة من الزمن لم أقف على تحديدها، يدرس فيها في المدرسة الحلاوية".
وأحالت على إنباه الرواة ٢/ ١٣٨ - ١٣٩ وتاج التراجم: ٥٨ والفوائد البهية: ١٨٨. ثم قالت:
"ب- انتقل بعدها المؤلف إلى دمشق - أشار إلى ذلك النعيمي - وبها وقف قطار سفره، وكانت مستقرة حيث أخذ يمارس مهنة التعليم فيها في المدرسة المعينية، حتى توفّاه الله ﷿".
وأحالت على الدارس في تاريخ المدارس ١: ٥٨٩ (٢). وذكر محقق إيجاز القرآن (ط دار الغرب الإسلامي) أيضًا أن بيان الحق درس في المدرسة المعينية بدمشق استدلالًا بهذا الموضع من كتاب الدارس.
وفي ذلك كله نظر.
أما رحلته إلى حلب وتدريسه في المدرسة الحلاوية فاستدلت محققة باهر البرهان عليه بقول القفطي في ترجمة عبد الله بن محمد بن عبد الله بن علي الأشيري المغربي (٥٦١ هـ): "وسلمه الله إلى أن وصل إلى حلب ونزل على العلاء محمود الغزنوي المدرس بمدرسة الحلاويين ظاهر باب الجامع، وأقام عنده مرة " وكذلك بما ذكره ابن قطلوبغا واللكنوي في ترجمة رضي الدين
_________________
(١) مقدمة تحقيق باهر البرهان: ٨٧ - ٨٨.
(٢) المرجع السابق: ٩٣.
[ ٣٤ ]
محمد بن محمد السرخسي (٥٧١ هـ) أنه قدم حلب ودرس بالمدرسة الحلاوية بعد محمود الغزنوي. ثم قالت: "ولعلّ المذكور هو المؤلف ﵀".
الحق أنه لا صلة للمذكور بل للمذكورين بالمؤلف. فإن المذكور في ترجمة السرخسي: محمود بن العلاء الغزنوي، والعلاء الغزنوي فقيه مشهور كان يدرس بالنورية والحلاوية، وهو عبد الرحمن بن محمود بن محمد بن جعفر، أبو الفتح، وقيل أبو محمد الحنفي الملقّب علاء الدين. ذكره ابن شداد ووصفه بـ"الفقيه الإمام" وقال إنه تولّى المدرسة بعد خروج برهان الدين البلخي وقام بها مدرسًا إلى أن توفّي بحلب سنة ٥٦٤ هـ، وتولّى تدريسها بعده ولده محمود وكان صغيرًا فتولى تدبيره وترتيبه الحسام علي بن أحمد بن يكي الرازي الوردي (١). وقد ولى نور الدين الرضي السرخسي بعد محمود. قال ابن العديم: "ولاّه نور الدين المدرسة الحلاوية بعد ولد العلاء الغزنوي" (٢).
وبذلك يمكن تصحيح ما ورد في كتاب الإنباه للقفطي. فقوله: "ونزل على العلاء محمود الغزنوي"، صوابه: "العلاء بن محمود". لأن النازل - وهو أبو علي المغربي - أقام عنده إلى سنة ٥٥٩ هـ ثم توفّي سنة ٥٦١ هـ، والذي تولّى التدريس بالمدرسة الحلاوية في هذه المدرسة هو العلاء الغزنوي لا ابنه محمود.
وبهذا التفصيل انتفت رحلة بيان الحق النيسابوري إلى حلب.
أما رحلته إلى دمشق وتدريسه في المدرسة المعينية فالدليل الوحيد على ذلك أن النعيمي عد مدرسيها فقال: "والذي علم من مدرسيها الشيخ رشيد الدين الغزنوي إلى حين توفّي بها، ثم من بعده نجم الدين النيسابوري إلى حين
_________________
(١) الأعلاق الخطيرة: ١: ٢٦٧. وانظر الجواهر المضية ٢: ٥٤٤.
(٢) بغية الطلب ١٠: ٤٣٥١، ونقل عنه القرشي في ترجمة السرخسي في الجواهر المضيّة ٣: ٣٥٧، فقال: "قدم حلب، ودرس بالنورية والحلاوية بعد محمود الغزنوي".
[ ٣٥ ]
توفّي، وتولّى من بعده سراج الدين محمد ولده" (١).
فاعتقدت المحققة أن "نجم الدين النيسابوري" هو بيان الحق الذي لقبّه حاجي خليفة نجم الدين، وكذلك ابنه سراج الدين محمد ولد بيان الحق. ولكن ما الدليل على أن نجم الدين هذا هو بيان الحق؟ ألا يمكن أن يكون هذا نجمًا آخر من نجوم الدين طلع في سماء نيسابور نفسها؟ ثم اللقب الذي اشتهر به ولده محمد هو معين الدين لا سراج الدين، كما سبق.
(٤) مذهبه في العقيدة
يسلك بيان الحق في تأويل الصفات مسلك الأشاعرة والماتريدية. وقد ذكر في تفسير سورة الفاتحة قاعدة في ذلك، فقال: "وههنا إشكال آخر معنوي في كيفية غضب الله، فينبغي أن تعلم أن الغضب من الله يخالف غضبنا، فإنه منا شهوة الانتقام عند غليان دم القلب، ومن الله إرادة المار بمن عصاه. وها هنا أصل تعرف به عامة الصفات المشكلة المعاني، وهو أن لا يذهب فيها إلى التوهم اللفظي بحسب المبدأ، ولكنه بحسب التمام، فأوصاف الله تعالى تحمل على الأغراض الانتهائية لا على الأعراض الابتدائية مثاله الرأفة والرحمة وكذلك المحبة والغضب يعرض لنا فينتقض الطبع على جهة الحمية ويتغير الوجه وتحمر العين، وربما يرتعد البدن، ثم يدعو إلى جنس من العقوبة يضاد الرضى. فيوصف الله تعالى به على هذا المعنى الأخير الذي هو الغاية والمآل. وعلى هذا يجري القول في الصفات، والله أعلم".
وللفخر الرازي (٦٠٤ هـ) في تفسير كلام شبيه بكلام بيان الحق وقرّر أن هذا هو القانون الكلي في هذا الباب (٢). وقد ردّ على هذا الكلام شيخ الإسلام ابن تيمية في فتاواه فقال:
_________________
(١) الدارس ١: ٥٨٩.
(٢) تفسير الفخر الرازي ٢: ١٤٥.
[ ٣٦ ]
"وأن قول القائل (الغضب غليان دم القلب لطلب الانتقام) فليس بصحيح في حقنا، بل الغضب قد يكون لدفع المنافي قبل وجوده، فلا يكون هناك انتقام أصلًا. وأيضًا فغليان دم القلب يقارنه الغضب، ليس أن مجرد الغضب هو غليان دم القلب وأيضًا فلو قدر أن هذا هو حقيقة غضبنا لم يلزم أن يكون غضب الله تعالى مثل غضبنا، كما أنّ حقيقة ذات الله ليست مثل ذاتنا، فليس هو مماثلًا لنا: لا لذاتنا، ولا لأرواحنا. وصفاته كذاته (١).
وكذلك فسر قوله تعالى ﴿هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله﴾ (البقرة ٢١٠)، فقال: "المراد: إتيان آيات الله، فذكر الله لتفخيم شأن الآيات" (٢) وستأتي أمثلة من تأويله عند الحديث عن كتاب جمل الغرائب.
وفي بعض المسائل يساير بيان الحق المعتزلة أيضًا، ومنها نفي نسبة الإغفال والإضلال ونحوه إلى الله تعالى (٣).
(٥) مذهبه في الفقه
كان بيان الحق في الفقه من أتباع المذهب الحنفي. ويستعمل في مؤلفاته لفظ "عندنا"، و"عند أصحابنا"، و"مذهبنا" للأحناف، ويحتج لمذهبه، ويشير أحيانًا إلى المذهب الشافعي أيضًا (٤).
ومن أمثلة ذلك قوله في الكلام على قوله تعالى ﴿فإن أحصرتم فما استيسر من الهدى﴾ (البقرة: ١٩٦):
_________________
(١) مجموع الفتاوى ٦: ١١٩.
(٢) باهر البرهان: ٢٠٤.
(٣) باهر البرهان: ٥٠، ٨٥٥، ٤٩٢ وانظر فهرس المسائل العقدية في ص ١٨١٠.
(٤) ينظر مثلًا: جمل الغرائب: ٢٧١، ٢٧٩، ٢٨١، وإيجاز البيان: ١٣٣ وباهر البرهان: ١٨٤، ١٨٥، ٨٠٥.
[ ٣٧ ]
"قال الشافعي رحمه الله تعالى: الإحصار منع العدو، لأنها نزلت في عمرة الحديبية عام صد النبي ﷺ، ولأنه قال: (فإذا أمنتم). وعندنا يكون الإحصار بالمرض أيضًا، وهو مذهب ابن عباس وابن مسعود. وخطأ أبو عبيدة وإسماعيل ابن إسحاق القاضي الشافعي وقالا: الإحصار في المرض، والحصر في العدو" (١).
(٦) مؤلفاته
لم يذكر ياقوت في ترجمة بيان الحق من مؤلفاته إلا ثلاثة كتب، ثم قال: "وغير ذلك". ولولا أن بيان الحق أشار في مقدمات كتبه التي وصلت إلينا إلى مؤلفات أخرى له لم يبلغ عددها عند البغدادي تسعة كتب فإنه اعتمد في قائمته على كشف الظنون ومقدمة إيجاز البيان، على تفرده بعنوان جديد لا نعرف مصدره، ووهمه في أحدها، وسهوه عن ذكر كتاب خلق الإنسان مع كونه مذكورًا في كشف الظنون. وقد أشار بيان الحق في أثناء كتبه أيضًا إلى بعض مؤلفاته. فعني كل من حقق كتابًا من كتبه بإحصاء مؤلفاته في ضوء المراجع والكتاب الذي اعتنى به. وقد بذتهم جميعًا سعاد بابقي محققة كتاب باهر البرهان، إذ تصفحت كتب بين الحق المخطوطة أيضًا واستخرجت منها أسماء مؤلفاته فبلغ عددها في الفهرس الذي أعدته نحو ٢٠ كتابًا. وقد زدت عليها كتابين، وأورد هنا عناوينها مرتبة على حروف المعجم مع تقديم المطبوع على المخطوط ثم المفقود.
أولًا: المطبوع
١ - إيجاز البيان عن معاني القرآن
ذكره المؤلف في مقدمة جمل الغرائب. وقد طبع مرتين: مرة بتحقيق
_________________
(١) باهر البرهان: ١٨٤ وانظر إيجاز البيان: ١٣١.
[ ٣٨ ]
الدكتور حنيف بن حسن القاسمي سنة ١٩٩٥ م بدار الغرب الإسلامي في بيروت وأصله رسالة علمية قدمت لنيل درجة الدكتوراه ونوقشت في جامعة أم القرى سنة ١٤١١ هـ = ١٩٩١ م. واعتمد المحقق فيها على ثلاث نسخ من الكتاب محفوظة في مكتبة شورى ملي بطهران، ومكتبة كوبريلي، وجامعة إستنبول. ومرة أخرى طبع الكتاب بتحقيق الدكتور علي بن سليمان العبيد سنة ١٤١٨ هـ = ١٩٧٧ م، ونشرته مكتبة التوبة بالرياض. واعتمد فيها على نسختي طهران وبرلين. وللكتاب نسخة خامسة في مكتبة معهد البحوث العربية والفارسية بمدينة تونك في الهند، وهي في ١٥٩ ورقة وكتبها عبد الله بن محمد بن محمد الترمذي بمدينة الخجند سنة ٦٥٨ هـ. وقد مرة في أول هذا الفصل ما ذكره البغدادي أن النيسابوري فرغ من تأليف هذا الكتاب بالخجند سنة ٥٥٣ هـ.
٢ - باهر البرهان في معاني مشكلات القرآن
ذكره المؤلف في مقدمة إيجاز القرآن.
وتحتفظ مكتبة تشستربيتي بمجموع يشتمل على عدة كتب منها كتاب لبيان الحق سمي في المخطوط بعنوان "وضح البرهان في مشكلات القرآن" وحقّقه عن هذه النسخة وبهذا العنوان صفوان عدنان داوودي. وصدرت هذه النشرة عن دار القلم بدمشق والدار الشامية في بيروت سنة ١٤١٠ هـ. وعن النسخة المذكورة نفسها حققته سعاد بن صالح بن سعيد بابقي في رسالة ماجستير تحقيقًا علميًا بذلت فيه جهدًا جهيدًا. ونشرتها جامعة أم القرى في أربعة مجلدات (١)
_________________
(١) النص في ثلاثة مجلدات صفحاتها ١٩٢٠، ومقدمة التحقيق في مجلد مستقل في ٥٣٥ صفحة. وقد عرضت المحققة في آخر مقدمتها (ص ٣١٩ - ٥٢٦) الأغاليط التي وقع فيها محقق الطبعة الأولى بعنوان وضح البرهان من أسقاط وتحريفات وزيادات والملحوظات الأخرى التي أثبتت أنها طبعة غير أمينة ولا يصح الاعتماد عليها. والجدير =
[ ٣٩ ]
سنة ١٤١٨ هـ = ١٩٩٧ م. وقد رجحت المحققة أن كلمة "وضح" في عنوان المخطوط من عمل النسّاخ، لأن عنوان "وضح البرهان" لم يرد في كتب بيان الحق ثم ما وصف به المؤلف كتابه "باهر البرهان" في مقدمة إيجاز القرآن يصدق على هذا المخطوط، ومن ثم نشرته بعنوان "باهر البرهان في معاني مشكلات القرآن".
ثانيًا: المخطوط
٣ - جمل الغرائب
في تفسير غريب الحديث، ذكره ياقوت وصاحب كشف الظنون (١). ويشتغل بتحقيقه أخي الدكتور محمد راشد أيوب الإصلاحي في لندن على ثلاث نسخ وهو موضوع هذا البحث.
٤ - جملة الغرائب في الحساب
موضوعه الفرائض. ونسخة منه في ٤٥ ورقة محفوظة في معهد البيروني
_________________
(١) = بالذكر أن المحقق المذكور قد أخرج من قبل من المجموعة نفسها كتابين آخرين لأبي النصر أحمد بن محمد الحدادي: الموضح في التفسير، والمدخل لعلم تفسير كتاب الله ﷿. فنشرت مقالًا عن الكتاب الأول في ملحق التراث بجريدة المدينة عدد ٦ جمادى الآخرة سنة ١٤١٢ هـ = ١٢/ ١٠/١٩٩١ م، وكشفت أن المطبوع ليس بكتاب الموضح، وإنما جمع فيه شخص مجهول شواهد كتاب الموضح لعلم القرآن للحدادي كما صرح به في آخر النسخة، فأضاف إليه صفوان داوودي سياق الشواهد من الآيات دون تنبيه على ما فعل، وسماه "الموضح في التفسير". وقد أشرت في هذا المقال المذكور - وهو ضمن هذه المجموعة - إلى أن الكتاب الآخر أيضًا - وهو المدخل لعلم تفسير كتاب الله ﷿ - بحاجة إلى طبعة علمية أمينة لكثرة ما فيها من الأسقاط والأغلاط.
(٢) كشف الظنون ٦٠١.
[ ٤٠ ]
بطشقند برقم ٢٠٢٢، وتاريخ نسخها سنة ٦٤٧ هـ (١). لم يذكر هذا الكتاب في المراجع.
٥ - خلق الإنسان
ذكره ياقوت وصاحب كشف الظنون (٢). وصل إلينا نصفه الثاني في نسخة بدار الكتب المصرية برقم ٢٤٤٥ أدب وهي في قسمين: القسم الأول في ١٥٠ ورقة والقسم الثاني في ٣٠٢ ورقة. وصورة منها في مكتبة مركز البحث العلمي بجامعة أم القرى (٣).
ثالثًا: المفقود
٦ - الأسولة الرائعة والأجوبة الصادعة
ذكره بيان الحق في مقدمة كتابه إيجاز القرآن وكلمة "الأسولة" كذا جاءت بالواو في نسخ الكتاب، وهي لغة في "الأسئلة". وسمّاه البغدادي " الصارعة إلى حلبة البيان وحلية الإحسان" (٤). وفيه تحريف وزيادة. أما التحريف ففي كلمة الصارعة بالراء، وصوابها بالدال. والزيادة سببها الخطأ في فهم عبارة بيان الحق وهي قوله:
"ومن أراد محاورة المتكلمين ومحاضرة المتأدبين فلينظر من أحد كتابينا: إما كتاب "باهر البرهان في معاني مشكلات القرآن"، وإما كتاب "الأسولة الرائعة
_________________
(١) "من نوادر مخطوطات معهد البيروني في طشقند" للدكتور عبد الرحمن فرفور، مجلة آفاق الثقافة والتراث، دبي، المجلد الثاني، العدد الخامس، المحرم ١٤١٥ هـ = يونية ١٩٩٤ م. ص ٩٤.
(٢) كشف الظنون: ٧٢٢.
(٣) فهرس المصوّرات الميكروفلمية الموجودة بمكتبة مركز البحث العلمي ١: ١٠٤ - ١٠٥.
(٤) إيضاح المكنون: ٨٣، هدية العارفين: ٤٠٣.
[ ٤١ ]
والأجوبة الصادعة" إلى حلبة البيان، وحلية الإحسان، وزبدة التفاسير، ولمعة الأقاويل" (١).
قول المؤلف "إلى حلبة البيان " متعلق بقوله "فلينظر". فتوهّم البغدادي أنه متعلق بكلمة "الصادعة" ولعلّه رأى أن الحلبة موضع الصراع، فقرأها "الصارعة" بالراء. وله وهم آخر في فهم هذه العبارة وسيأتي.
وقد تبع البغدادي في التحريف والزيادة كليهما محققا وضح البرهان (٢)، وإيجاز البيان (طبعة الرياض) (٣)، وفي الزيادة فقط محققة باهر البرهان (٤).
٧ - أصول الفقه
ذكره في جمع الغرائب بقوله: "وقد أوردت في (أصول الفقه) من تصنيفي جملة أنواع المجاز فمن أراد تحقق هذه التأويلات فعليه بذلك الكتاب" (٥).
٨ - أعلام العلوم
ورد في مخطوطة كتابه خلق الإنسان (ل ٢٨٤/ب):
" ولنا من جملة كتب الغرائب في الحديث، وكتب أعلام العلوم، كتاب في الأدب ".
_________________
(١) إيجاز البيان (ط دار الغرب) ١: ٦٦، أما محقق ط الرياض فقد أثبت في النص "الأسئلة" بالهمزة و"الصارعة" بالراء تبعًا للبغدادي.
(٢) وضح البرهان ١: ١٤.
(٣) إيجاز البيان ١: ٢٨.
(٤) مقدمة تحقيق باهر البرهان: ٩٩.
(٥) جمل الغرائب: ٢٤.
[ ٤٢ ]
كذا نقلته محققة باهر البرهان (١)، ولعلّ الصواب: وكتاب أعلام العلوم.
٩ - التأثيرات الروحانية
ذكره في كتابه خلق الإنسان (ل ٧٧/أ) وهو في علم الفلك (٢).
١٠ - التذكرة والتبصرة
وهو في الفقه. ذكره المؤلف في مقدمة جمل الغرائب قائلًا: " وكذلك أرشده ﷾ في متفق الفقه من كتاب التذكرة والتبصرة إلى ألف نكتة حرّرها وأوجزها، تطرد أكثر مسائل الفقه عليها، ويسند الاجتهاد في الفتوى ظهره إليها".
ثم ذكر أنه هو وكتابه ملتقى الطرق "لا يزيدان على مائة ورقة بين بين". ومن هنا ذكره حاجي خليفة وغيره (٣).
١١ - التفصيل للتفسير والتأويل
وهو عنوان كتاب كبير له في التفسير. ذكره في كتابه خلق الإنسان (ل ٢٠١/أ) بقوله: " وشرحنا جميعها بألخص شرح في التفسير الكبير المعنون (التفصيل للتفسير والتأويل) ". وسمّاه في موضع آخر منه (ل ٢٨/ب) بـ"كتاب التفصيل بين التفسير والتأويل" (٤).
١٢ - دور الكلمات على غرر الآيات الموهمة للتعارض والشبهات
تفرد بذكر البغدادي (٥)، ولم يورد أوله.
_________________
(١) مقدمة تحقيق باهر البرهان: ٩٩.
(٢) المرجع السابق: ١٠٦.
(٣) كشف الظنون: ٣٩٣، هدية العارفين: ٤٠٣.
(٤) مقدمة تحقيق باهر البرهان: ١٠٠.
(٥) إيضاح المكنون: ٤٦٨ وهدية العارفين: ٤٠٣.
[ ٤٣ ]
١٣ - شرح الأبيات الواردة في كتاب باهر البرهان
أشار إليه في كتاب باهر البرهان بقوله: "كما نشرحه في كتاب بعد هذا مفرد في معاني أبيات هذا الكتاب" (١).
١٤ - شوارد الشواهد وقلائد القصائد
ذكره المؤلف في مقدمة إيجاز البيان (٢).
١٥ - العلالة في مسألة اليمين على شرب ماء الكوز ولا ماء في الكوز
ذكره في كتابه باهر البرهان (٣). في الطبعتين من الكتاب "غلالة" بالغين المعجمة، وضبطت في طبعة أم القرى بفتح الغين، ولا معنى لها، ولعلّ الصواب: علالة، بضم العين المهملة كما أثبتنا، وهي في اللغة: ما يتلهى به، وكذلك بمعنى الجري بعد الجري.
١٦ - غرر الأقاويل في معاني التنزيل
ذكره في مقدمة إيجاز البيان بقوله "ومن أراد التبحّر والتكثّر فعليه بكتابنا "غرر الأقاويل في معاني التنزيل". ومن هنا ذكره البغدادي في إيضاح المكنون (٤) ولكن سها عن ذكره في هدية العارفين، ولما ذكره ناشر وضح البرهان قال: "أو زبدة التفاسير ولمعة الأقاويل" (٥)، كأن للكتاب عنوانين، وهو خطأ محض.
_________________
(١) باهر البرهان: ١: ١٤٠.
(٢) قال الصفدي في الوافي (٢٥: ٢٨٤): "يشتمل على أشعار مختارة".
(٣) باهر البرهان ١: ٨٥.
(٤) إيضاح المكنون: ١٤٤.
(٥) وضح البرهان: ١: ١٤.
[ ٤٤ ]
١٧ - قطع الرياض في بدع الاعتراض
ذكره في كتاب باهر البرهان في الكلام على الجملة المعترضة (ولن تفعلوا) في قوله تعالى ﴿فإن لمَّ تفعلوا ولن تفعلوا فاتَّقوا النَّار الَّتي وقودها النَّاس والحجارة أعدَّت للكافرين﴾ (البقرة: ٢٤) فقال إنها اعتراض بين الشرط والجزاء، وأنشد بيتين لكثير وعبيد الله بن الحر ثم قال: " والاعتراض في أشعار العرب كثير، لأنه يجري مجرى التوكيد، ولنا فيه كتاب اسمه (قطع الرياض في بدع الاعتراض) " (١).
١٨ - كتاب في الرد على الباطنية
ذكره في كتابه خلق الإنسان (ل ٢٨١/ب)، فقال: "وقد صنفنا في الرد عليهم وذكر أحكامهم في الشرع كتابًا مبسوطًا وهو من الكتب اليومية التي صنفناه في يوم واحد من وقت استواء الشمس في كبد السماء إلى مثله في الغد " وأشار إليه في موضع آخر منه أيضًا (٢).
١٩ - كتاب في الرد على الشبه الاعتقادية
أجاب فيه عن رسالة كتبها إليه بعض أصحابه، ذكره أيضًا في كتاب خلق الإنسان (ل ٢٧٦/أ) (٣).
٢٠ - المقلدات في علم العربية
يشتمل على قصائد مختارة من شعر العرب أعربها المؤلف. قاله الصفدي ونقل ذلك عن كتابه الوافي الدكتور إحسان عباس (٤).
_________________
(١) باهر البرهان ١: ٤٥ - ٤٦.
(٢) مقدمة تحقيق باهر البرهان: ٩٨.
(٣) المرجع السابق.
(٤) معجم الأدباء ٦: ٢٦٨٦ (حاشية المحقق). وانظر الوافي ٢٥: ٢٨٤.
[ ٤٥ ]
٢١ - المقرطات
وهي قصائد مختارة من شعراء المحدثين قاله الصفدي (١).
٢٢ - ملتقى الطرق
في الفقه، ذكره المؤلف في مقدمة جمل الغرائب بقوله: " .. كما هداه جلّ وعزّ بفضله في مختلف الفقه من كتاب "ملتقى الطرق) إلى مجامع نكاتها ومنابع كلماتها " ثم ذكر أن كلا الكتابين هذا وكتاب التذكرة والتبصرة "لا يزيدان على مائة ورقة بين بين".
وقد خفي على محقق إيجاز البيان (ط دار الغرب الإسلامي) هذه العبارة، فظنّ أن "إلى مجامع .. " متعلق بـ"ملتقى الطرق"، فسمى الكتاب "ملتقى الطرق إلى مجامع نكاتها ومنابع كلماتها"، والصواب أن "إلى" متعلق بالفعل "هداه". وقد وقع البغدادي في مثل هذا الخطأ في فهم كلام النيسابوري في مقدمة إيجاز البيان كما سبق في كتاب الأسولة الرائعة.
٢٣ - كتاب يشتمل على الألفاظ التي تتوجه إلى صورتين مما جاء في نثر الكلام ونظمه
ذكره المؤلف في كتاب باهر البرهان، ولم يسمه (٢).
رابعًا: المنسوب إليه خطأ
١ - زبدة التفاسير ولمعة الأقاويل
نسبه إليه البغدادي (٣)، إذ أخطأ في فهم عبارة بيان الحق في مقدمة إيجاز
_________________
(١) زدته من مطبوعة الوافي (٢٥: ٢٨٤). ولم يذكره الدكتور إحسان عباس في حاشيته على معجم الأدباء، لما وقع من تحريف في اسم الكتاب في نسخة الوافي التي كانت بين يديه.
(٢) باهر البرهان: ١٠١٩.
(٣) إيضاح المكنون: ٦١٠، وهدية العارفين: ٤٠٣.
[ ٤٦ ]
القرآن، وقد نقلناها آنفًا في الكلام على كتاب الأسولة الرائعة برقم ٦. وقد تبع البغدادي في هذا الخطأ محقق إيجاز القرآن، (طبعة الرياض) (١)، وأخطأ ناشر وضح البرهان خطًا آخر، إذ جعله عنوانًا ثانيًا لكتاب غرر الأقاويل في معاني التنزيل كما سبق.
ونبّه على الخطأ محققًا كتاب إيجاز البيان (ط القاسمي) (٢)، وباهر البرهان (٣).
٢ - الموجز في الناسخ والمنسوخ
نسب في فهرس تشستربيتي إلى بيان الحق (٤)، وتبعه ناشر وضح البرهان (٥). ونبهت محققة باهر البرهان على خطأ هذه النسبة، ولكن سمت الكتاب "المجاز في "! (٦).
وسأفرد قريبًا - إن شاء الله - مقالًا للكشف عن مؤلف هذا الكتاب.
_________________
(١) إيجاز البيان عن معاني القرآن (طبعة الرياض) ١: ٢٩.
(٢) إيجاز البيان (ط القاسمي) ١: ٢٥ - ٢٦.
(٣) مقدمة تحقيق باهر البرهان ١٠٧.
(٤) فهرس المخطوطات العربية في مكتبة تشستربيتي ١: ٥١٧.
(٥) وضح البرهان ١: ١٤.
(٦) مقدمة تحقيق باهر البرهان: ١٠٧.
[ ٤٧ ]
الفصل الثاني
كتاب جمل الغرائب
كان بيان الحق النيسابوري عالمًا متفننًا، كما وصفه ياقوت، ويشهد بذلك تنوّع مؤلفاته. فقد ألّف في التفسير عدّة كتب، وكذلك في الفقه وأصوله، وفي الرد على الباطنية، وفي الأدب والبلاغة. وجمع في كتابه خلق الإنسان بين علم اللغة وعلم الأخلاق.
أما هذا الكتاب "جمل الغرائب" فوضعه في تفسير غريب الحديث. وقد ذكره ياقوت (٦٢٦ هـ) في ترجمته، كما ذكره الصغاني (٦٥٠ هـ) من موارده في كتابيه التكملة (١) والعباب الزاخر (٢).
وقد عرفنا في الفصل الأول أن عددًا كبيرًا من العلماء سبقوا بيان الحق إلى التأليف في فن غريب الحديث، ومنهم أصحاب الكتب الأمهات: أبو عبيد، وابن قتيبة، والخطابي، ثم إبراهيم الحربي، وأبو عبيد صاحب الغريبين. فما الغاية التي قصد إليها بيان الحق بتأليف الكتاب؟ وهل سلك في ترتيبه أو تفسير الغريب فيه مسلكًا جديدًا يستحق منا العناية بكتابه؟
(١) غاية التأليف
أشار بيان الحق في مقدمة جمل الغرائب إلى مذهبه في تأليف كتبه وغايته
_________________
(١) التكملة والذيل والصلة ١: ٧ (المقدمة).
(٢) بحوث وتحقيقات للميمني ٢: ٣٨٨.
[ ٤٨ ]
منها بصورة عامة، فقال بعد خطبة الكتاب:
" فإن لكل علم رجالًا، بأيديهم ترتفع أعلامه، وعلى ألسنتهم تفتق أكمامه؛ ولكل عالم في علمه طريقًا قد استولى على مناره وتجديد آثاره. ومؤلف هذا الكتاب محمود بن أبي الحسن بن الحسين النيسابوري في ذلك من بين من هو وقف على تحصيله، وحبيس في سبيله، عاكف الفكر من لدن شب إلى أن شاب على إرهاف قدوده وإخطاف خصوره، دائم الجدّ في تمييز لبابه من قشوره. وقد وفقه الله ﵎ منه في تفسير كتابه لغير واحد حتى استوى من مطولاته التي صنّفها على كتاب "إيجاز البيان في معاني القرآن" أوجز كتاب لفظًا، وأطوله وأبسطه معنى، يشتمل على أكثر من عشرة آلاف فائدة في مقدار ست طاقات بياض. وكذلك أرشده ﷾ في متفق الفقه من كتاب "التذكرة والتبصرة" إلى ألف نكتة حرّرها وأوجزها كما هداه جلّ وعزّ بفضله في مختلف الفقه من كتاب "ملتقى الطرق" إلى مجامع نكاتها ومنابع كلماتها ولعلّ الكتابين غير زائدين على مائة ورقة بين بين. وهلم جرا في سائر الفنون إلى كل مجموع وجيز غاية الإيجاز، بمثله يعرف عمل العقل في صناعته التي هي الاختصار، وحرفته التي هي الاختيار. ولعلّ في تسهيل طريق المنبعثين إلى تحصيل ذلك من ثواب الله ﷿ ما يهب لفاعله حياة يحبر فيها، ويجعلها فيما يحب ويرضى وأن يرزقه مماتًا على صدق طاعته وسنة رسوله ﷺ ".
فأوضح بيان الحق أنه - بالإضافة إلى كتبه الكبيرة - ألّف في كل فنّ كتبًا بناها على الاختيار والاختصار. وجمع في كل كتاب رؤوس مسائله وعيون أقوال العلماء فيها بعد تحريرها وتلخيصها في عبارة موجزة غاية الإيجاز، ليكون مع غزارة فرائده خفيف المحمل قريب المأخذ، فجمع في كتاب إيجاز البيان أكثر من عشرة آلاف فائدة في مقدار ست طاقات بيض، وجمع في كتاب التذكرة
[ ٤٩ ]
والتبصرة ألف نكتة في متفق الفقه يطرد أكثر مسائل الفقه عليها، ثم ألّف في مختلف الفقه كتابًا آخر، وكلاهما لا يزيد على مئة ورقة.
وقصده بذلك نفع طلبة العلم بتقريب أصوله إليهم وتسهيل طريق التحصيل عليهم، راجيًا بذلك ثواب الله ﷿.
وأراد بيان الحقّ أن يؤلّف كتابًا في علم الحديث أيضًا ولكن لم يكن - مع ثنائه على المحدثين في كتابه خلق الإنسان (١)، وكثرة استشهاده بالأحاديث في كتابيه إيجاز البيان، وباهر البرهان - من أصحاب الحديث المختصّين بصناعته، وإنما اشتهر بعلوم التفسير والفقه والأدب واللغة، فرأى أن أقرب فنون الحديث إلى اهتماماته فن غريب الحديث، فجمع فيه كتاب جمل الغرائب، وذهب فيه مذهبه في مؤلفاته الأخرى التي ذكرت من قبل من الاختيار والاختصار. فقال في مقدمة الكتاب:
"وغذا كان علم الحديث بعد علم التفسير من بين العلوم أوضح منارًا وأزخر بحارًا، وأطيب منالًا وأرحب مجالًا، وأعمّ فقهًا وحكمة، وأتمّ خيرًا وبركة، وأدنى من السداد، وأهدى إلى الرشاد، وكان تباعد أطرافه ربما يقعد بوراده في حلباته، وتفاوت ما بين أشواطه يبعد بفرسانه عن غاياته، سألت الله ﷿ التوفيق في جمع شتاته وشرح مشكلاته".
ويدخل في "المشكلات" مع الألفاظ والتراكيب الغريبة بعض ما يسمّى "مشكل الحديث" أو "مختلف الحديث". وقد صنّف العلماء في هذا الفنّ كتبًا مستقلة، إلا أن كتب غريب الحديث أيضًا كانت تشتمل من القديم على تفسير بعض الأحاديث المشكلة.
وقد حدّد بيان الحق في كلامه هذا الغرض من تأليف كتاب جمل
_________________
(١) مقدمة تحقيق باهر البرهان: ٢٠٩.
[ ٥٠ ]
الغرائب. وهو: "جمع شتات علم الحديث وشرح مشكلاته". ولتحقيق هذين الأمرين عمد أولًا إلى مصادر أصيلة في فن غريب الحديث وبعض شروحه وانتقى منها الأحاديث المشكلة في ألفاظها أو معانيها، واختصر ما جاء فيها من شرحها وبيانها، ثم رتّب الأحاديث على نحو جديد يباين معظم المناهج التي اتبعها أصحاب الغريب. فما المصادر التي اعتمد عليها بيان الحق؟
(٢) مصادر الكتاب
من مزايا هذا الكتاب أن بيان الحق نصّ في مقدمته على المصادر التي استقى منها الأحاديث وتفسيرها. فقال: " فعرجت على غرائبه المجموعة من جهة الأصمعي، وأبي عبيدة، وأبي عبيد، وأبي سعيد الضرير، وابن قتيبة، ومحمد بن المستنير، والنضر بن شميل، وشمر بن حمدويه، وإبراهيم الحربي، وابن الأنباري، وأبي سليمان الخطابي، وأبي عبيد الهروي، وأبي بكر الحنبلي فيما وجدت من كتابه "الأغفال" رحمة الله عليهم أجمعين ".
هذا النص قد رفع من شأن كتاب جمل الغرائب، فإنه فاق من هذه الجهة كتاب الفائق للزمخشري (٥٣٨ هـ) الذي لم يصرّح في مقدمته بالمصادر التي اعتمد عليها. ثم قد بلغ بيان الحق بهذه الخصلة غايتها حينما جعل لهذه الكتب رموزًا أثبتها في بداية الأحاديث التي نقلها منها. نحو "ع" لكتاب أبي عبيد، و"ق" لكتاب ابن قتيبة، و"س" لأبي سليمان الخطابي، و"ص" للأصمعي، و"بين" لكتاب الغريبين.
وهو نص تاريخي نادر يعرف قدره المهتمون بتاريخ حياة الكتب في الحضارة الإسلامية، فإنه يفيدنا بأن كتب النضر بن شميل وقطرب وأبي عبيدة والأصمعي وأبي سعيد الضرير وابن الأنباري وشمر بن حمدويه كانت متداولة في القرن السادس الهجري. والجدير بالذكر أن الحسن بن محمد الصغاني الذي
[ ٥١ ]
توفّي سنة ٦٥٠ هـ قبل سقوط بغداد في أيدي التتر، ألّف كتابه العباب الزاخر في آخر حياته وذكر أن مصادره فيه تربي على ألف مصدر، وأول ما سمّاه منها كتب غرائب الحديث، وهي تسعة كتب ليس فيها من الكتب المذكورة إلا كتاب أبي عبيدة. وقد يقال إن الصغاني لم يستقص في ذكر غرائب الحديث، وإنما ذكر ما ذكر على وجه التمثيل. ولكن ألم يكن ذكر تلك الكتب الأصول - لو كانت بين يديه - أولى من ذكر مجموع الغرائب للسمعاني وكتابنا جمل الغرائب هذا؟
والمصادر التي سمّاها المؤلّف في النص المنقول آنفًا يبدو أول وهلة أن عددها ١٣ مصدرًا، ولكنها في الواقع ١٥ كتابًا، لم يصل إلينا منها ثمانية كتب، والتاسع وجدت منه المجلدة الخامسة فحسب.
ومن هذه المصادر أربعة كتب لعلماء اللغة الأوائل: وهم النضر بن شميل (٢٠٣ هـ) وقطرب (٢٠٦ هـ) وأبو عبيدة (٢١٠ هـ) والأصمعي (٢١٧ هـ). وقد سبق خلافهم في أول من ألف في غريب الحديث أنه أبو عبيدة أو النضر بن شميل، وأيا كان الصواب فإن كتابيهما جميعًا كانا من موارد بيان الحق.
وذكر ابن الصلاح (٦٤٣ هـ) أن كتابيهما صغيران (١)، وقال ابن الأثير (٦٠٦ هـ) أن كتاب النضر أكبر من كتاب أبي عبيدة وشرح فيه وبسط على صغر حجمه ولطفه (٢). أما كتاب الأصمعي فقال فيه الخطابي (٣٨٨ هـ): "وكتاب ينسب إلى الأصمعي يقع في أوراق معدودة" (٣). وينبئ كلامه بأنه اطّلع على الكتاب المذكور، ولكن ذكر ابن النديم أنه رأى نسخة منه بخط السكري في نحو مائتي ورقة (٤). أما كتاب قطرب فلم أر من ذكر حجمه، ثم يفهم من كلام ابن درستويه أن أبا عبيد جمع في كتابه عامة ما في كتب أبي عبيدة وغيره، وذكر
_________________
(١) علوم الحديث: ٢٧٢.
(٢) النهاية ١: ٥.
(٣) غريب الحديث ١: ٤٩.
(٤) الفهرست: ٦١.
[ ٥٢ ]
منهم قطربًا أيضًا، ولكن لم أجد في كتاب أبي عبيد أي نقلًا عن قطرب.
ويلحق بالكتب المذكورة كتاب شمر بن حمدويه الهروي (٢٥٥ هـ) وكتاب ابن الأنباري (٣٠٤ هـ). أما كتاب شمر فقال ياقوت إنه "كبير جدًا" (١) وقال السخاوي: "وكتابه يقال إنه قدر كتاب أبي عبيد مرارًا" (٢). ولما ذكر الخطابي في مقدمة غريبه كتب أبي عبيدة والأصمعي وقطرب والنضر والحربي وغيرهم وانتقدها بقوله: "وفي بعض هذه الكتب خلل من جهة التفسير، وفي بعضها أحاديث نكرة لا تدخل في شرط ما أنشئت له هذه الكتب"، قال في كتاب شمر: "وكتاب شمر أشفاها وأوفاها" (٣).
أما كتاب ابن الأنباري فأثنى عليه الخطابي وقال: "ولابن الأنباري من وراء هذا مذهب حسن في تخريج الحديث وتفسيره. وقد تكلّم على أحاديث معدودة وقع إلي بعضها، وعامتها مفسره قبلة إلا أنه قد زاد عليها وأفاد، وله استدراكات على ابن قتيبة في مواضع من الحديث" (٤). وقول الخطابي "أحاديث معدودة" يدلّ على أنه لم يقف على كتابه الكبير في غريب الحديث الذي يقال إنه اشتمل على خمسة وأربعين ألف ورقة (٥).
ومن مصادر جمل الغرائب: غريب الحديث لإبراهيم الحربي (٢٨٥ هـ) وقد سبق قول ابن الأثير فيه أنه "بسبب طوله ترك وهجر، وإن كان كثير الفوائد، جم المنافع" ولم يصلنا منه إلى المجلدة الخامسة، وهي مطبوعة.
ومن مصادر جمل الغرائب الكتب الثلاثة الأمهات: كتب أبي عبيد وابن قتيبة والخطابي. أما أبو سعيد أحمد بن خالد الضرير، فليس له كتاب مستقل في
_________________
(١) معجم الأدباء ٣: ١٤٢١.
(٢) فتح المغيث ٤: ٢٦.
(٣) غريب الحديث: ١: ٥٠.
(٤) المرجع السابق: ١: ٥١.
(٥) وفيات الأعيان ٤: ٣٤٢.
[ ٥٣ ]
غريب الحديث، وإنما ألف كتابًا في الرد على أبي عبيد، قال أبو علي الحسين بن أحمد السلامي البيهقي (٣٠٠ هـ) في كتابه نتف الطرف: "خرج أبو سعيد على أبي عبيد من غريب الحديث جملة مما غلط فيه، وأورد في تفسيره فوائد كثيرة" (١) وكان أبو سعيد من شيوخ ابن قتيبة، وقد استقدمه عبد الله بن طاهر (٢٣٠ هـ) من بغداد إلى نيسابور.
ومن مصادره كذلك كتاب الغريبين للهروي (٤٠١ هـ) وهو مشهور مطبوع.
والكتاب الأخير الذي ذكره بيان الحق هو كتاب الأغفال لأبي بكر الحنبلي. ولفظه: "فيما وجدت من كتابه الأغفال" يشير إلى أنه لم يقف على الكتاب كاملًا. ولم أجد ذكرًا لهذا الكتاب ولا لمؤلفه في المراجع التي بين يدي إلا كشف الظنون، ومصدره أيضًا - فيما أرى - كتاب جمل الغرائب هذا. ثم لا تجد في كشف الظنون إلا عنوان الكتاب واسم مؤلفه، أما النصوص التي نقلها بيان الحق منه فيظل كتاب جمل الغرائب هو المصدر الوحيد لها إلى أن يعثر على الكتاب.
وأظن ظنًا أن مؤلف كتاب الأغفال أبو بكر بن عبد الله بن إبراهيم الحنبلي الذي ذكر أبو سعد السمعاني (٥٦٢ هـ) في كتاب مرو أنه رثى الخطابي (٣٨٨ هـ) في بست بشعره (٢). فإن صدق ظنّي، فإنه من رجال القرن الرابع، ولعلّه توفّي في القرن الخامس الهجري. والظاهر أنه قصد في كتابه الأغفال إلى الاستدراك على كتاب الخطابي ليكون بذلك حلقة رابعة في هذه السلسلة.
هذه الكتب الثلاثة عشر من المصنّفات في غريب الحديث عمومًا. وضم إليه بيان الحق كتابين آخرين للخطابي. وهما أعلام الحديث في شرح الجامع
_________________
(١) معجم الأدباء: ١: ٢٥٤.
(٢) معجم الأدباء ٢: ٤٨٧.
[ ٥٤ ]
الصحيح للبخاري، ومعالم السنن في شرح سنن أبي داود. واختيار هذين الكتابين دليل على حسن نظر النيسابوري ورجاحة عقله، فإنه لم يقصر كتابه على السنن بل أراد أن يكون جامعًا لشرح ما يحتاج إليه من غريب الحديث في التوحيد والنبوة والمعاد والسنن والأحكام والحكم والآداب والمحاسن والمساوئ والأمثال والمواعظ وما إلى ذلك. وقد اعتنى الخطابي في تفسير الكتابين بإيضاح المشكل من متون ألفاظهما وشرح المستغلق من معانيهما بالإضافة إلى بيان وجوه الأحكام وغير ذلك. فتهيأت لبيان الحق - بضم هذين الكتابين الجليلين إلى كتب الغرائب - مادة متنوّعة غزيرة، ينتقي منها ما شاء من تفسير غريب الحديث ومشكله.
(٣) ترتيب الكتاب
لم يتبع بيان الحق في ترتيب كتابه منهج أبي عبيد وصاحبيه، فيورد أحاديث رسول الله ﷺ ثم يتبعها أحاديث الصحابة فالتابعين كلٍ على حدة، ولا اقتفى أثر الهروي صاحب الغريبين، فيرتب الأحاديث على الموارد اللغوية، بل صنّف كتابه على الموضوعات، فقال في مقدمته:
"وخرجته على أربعة عشر كتابًا يفترّ كل كتاب عن خطبة غراء تلمع بفوائد ذلك الكتاب، كما يتقدّم الصباح شروق الشمس، والرياح طلوع السحاب".
وهي:
١ - كتاب التوحيد والإيمان وما جاء في القرآن.
٢ - كتاب النبوات وذكر بعض المعجزات.
٣ - كتاب البدء والحياة والحال والمآل.
٤ - كتاب الموت والبعث والثواب والعقاب.
٥ - كتاب العبادات.
[ ٥٥ ]
٦ - كتاب أحكام المعاملات.
٧ - كتاب زواجر الجنايات.
٨ - كتاب الحرب والسلطان.
٩ - كتاب المواعظ والوصايا.
١٠ - كتاب الحكم والآداب.
١١ - كتاب الألفاظ والأمثال.
١٢ - كتاب المحاسن والمحامد.
١٣ - كتاب المساوئ والمناهي.
١٤ - كتاب النساء.
لم يقسم بيان الحق هذه الكتب إلى أبواب، ولكنه عقد أحيانًا بعض العناوين في داخلها وجمع تحته أحاديث في موضوع واحد، ففي كتاب النبوات نجد العناوين الآتية:
- أخبار في مقدمة النبوة.
- ومن الأحاديث في خلقه ﵇.
- ومن الأحاديث في خلقه وسمته وذكر مجالسه وأحواله ﷺ.
- ومن الأحاديث التي فيها الجواب عن مطاعن ممن يلحد في النبوة لجهله ويدعي التناقض لخبث اعتقاده.
- أحاديث فيما أخبر به عما يكون بعده ﷺ.
وكذلك في كتاب العبادات بعد تفسير أحاديث الطهارة والصلاة عقد العناوين الآتية:
- ومن غرائب الأحاديث في الزكاة.
- غرائب أحاديث في الصوم.
- أحاديث في الحج.
[ ٥٦ ]
وقد سبق في الفصل الأول أن أبا عدنان عبد الرحمن بن عبد الأعلى السلمي - وهو من أصحاب أبي زيد وأبي عبيدة - صنّف كتابه في غريب الحديث على أبواب السنن، وقد وقف عليه ابن درستويه (٣٤٧ هـ) فوصفه بقوله: "ذكر فيه الأسانيد، وصنّفه على أبواب السنن والفقه، إلا أنه ليس بالكبير" (١). وقد رأى أبو الخير سلامة بن غياض الشامي الكفرطابي النحوي (٥٣٤ هـ) نسخة من كتاب أبي عدنان بالري. فكان كتاب أبي عدنان إذن موجودًا في زمن بيان الحق، ولا ندري أوقف عليه أم لا، غير أنه لم يكن بين يديه حينما ألف كتابه جمل الغرائب. ولا نعرف من أصحاب الغريب من اتبع أبا عدنان في ترتيب غريب الحديث على الموضوعات غير بيان الحق. ولكن بينهما اختلافًا ظاهرًا من عدة وجوه، منها أن بيان الحق لا يذكر الأسانيد، ومنها أن كتابه - في عناوين أبوابه - يشبه الجوامع والمسانيد من كتب الحديث من جهة، ومن جهة أخرى يشبه كتب الأدب والأخبار، وأما السنن فليست إلا جزءًا من كتابه. ثم كتاب أبي عدنان لم يكن كبيرًا، أما كتاب بيان الحق فهو كتاب حافل كبير.
وقد افتتح بيان الحق كل باب بخطبة تشير إلى فوائده، أنشأها بأسلوبه الأدبي. وأورد هنا خطبة قصيرة منها لتكون نموذجًا لسائرها. وهي التي استهل بها كتاب زواجر الجنايات.
"الحمد لله المحمود في أوصافه وأسمائه، المعبود في أرضه وسمائه. دلّ بانتهاء كل شيء على ابتدائه، وخبّر بتغير كل أمر عن انقضائه. يدعو رجاؤه إلى الحسنات، ويكف خوفه عن السيئات. ويؤدي مراقبته إلى العفو والنجاة، وتبعث ألطافه على البرّ والتقاة. وتفيء فروضه إلى أوفى الفلاح، وتفيض حدوده بأوفر الصلاح. له الحكم المبين، والكيد المتين. يهلك المعتدين،
_________________
(١) تاريخ بغداد ١٢: ٤٠٣.
[ ٥٧ ]
وينشيء بعدهم قرنًا آخرين. يخشى سطوه على المسيئين، ويرجى عفوه للمنيبين. لا يني لطفه في اصطفاء الأخيار، ولا ينثني بأسه عن إرداء الفجار. يحاسب في اليسير والكثير، ويجازي بالكثير على اليسير. تعنو لعزة وجهه الوجوه، ولا يحمد غيره على المكروه. لا يعذّب قبل التحذير وتقدمة النذير، ولا يعزب عن علمه عظيم ولا حقير، ولا يخلو عن فضله صغير ولا كبير. لا يفارق حمده بالنا وفكرنا، ولا يزايل شكره مقالنا وذكرنا. شاهدين بأنه بادئ الأديان وخاتمها، وفارض الأحكام وحاتمها. ورادع أهل الزيع بعقوباته عن جهالتهم، ووازع أولي الضلال بحدوده عن ضلالتهم. جاعل محمد سراج هذا العالم، وسيد ولد آدم، وباعثه بالقول الصادق، والوعظ الصادع، والهدي الساطع، والسيف القاطع. فجاهد في ذاته حتى لان الأبي، ودان العصي، وهان القوي، واستكان الغوي، فصلى الله عليه وعلى آله الذين ما غيّروا ولا بدّلوا، الذين قضوا بالحق وبه عدلوا".
(٤) منهجه في تفسير الحديث
لما ذكر بيان الحق في مقدمة الكتاب موارده في غرائب الأصمعي وغيره قال: "وانتخبت من فوائدهم، واستعذبت من مواردهم، ما حقه أن يكتب بالتبر على الأحداق، لا بالحبر على الأوراق. وتصرفت في التأويلات بين الإيجاز والإعجاز".
فدلّ من منهجه في كتابه على أمرين: اختيار الفوائد من الموارد المذكورة، ثم اختصارها بغاية الإيجاز. ولعلّ قوله "بين الإيجاز والإعجاز" هو الذي قرأه ياقوت فقال في ترجمته: "وقد ادّعى الإعجاز في بعض تصانيفه" (١). وهو يقصد كتاب جمل الغرائب هذا، فإنه لم يذكر من مؤلفاته إلا كتاب إيجاز
_________________
(١) معجم الأدباء ٦: ٢٦٨٦.
[ ٥٨ ]
البيان وخلق الإنسان وهذا الكتاب.
وأرى أن في قول النيسابوري "بين الإيجاز والإعجاز" تلميحًا إلى كتاب لبلديه الشهير أبي منصور الثعالبي النيسابوري (٤٢٩ هـ) سمّاه "الإعجاز والإيجاز" ويسمّى أيضًا "إعجاز الإيجاز"، ولم يخرج كلامه مخرج الادعاء بأن كتابه معجز، وإنما غرضه أنه اختصر الكلام بأقصى ما يستطاع. كما قال ياقوت نفسه في مقدمة معجم الأدباء، وهو يصف منهجه فيه: "جمعت في هذا الكتاب ما وقع إلي مع إيثار الاختصار، والإعجاز في نهاية الإيجاز". على أن هذا أيضًا غير مسلّم للنيسابوري ولا لياقوت، ولكن بعض المصنفين - غفر الله لهم - جروا على إطراء كتبهم.
على كل حال، فإن طريقته التي سار عليها في هذا الكتاب أنه ينصّ أولًا على المصدر الذي ينقل منه مشيرًا إليه برمزه، ثم يثبت الحديث من غير سنده، ويتبعه تفسير ما جاء فيه من الألفاظ الغريبة ملخصًا إياه من المصدر نفسه. وإليكم أنموذجًا لهذا التلخيص والاختصار.
نقل أبو عبيد حديث حكيم بن حزام أنه قال: "بايعت النبي ﷺ ألا أخرّ إلا قائمًا"، ثم ذكر سنده، ثم قال: "وقد أكثر الناس في معنى هذا الحديث، وماله عندي وجه إلا أنه أراد بقوله (لا أخرّ) أي لا أموت، لأنه إذا مات فقد خرّ وسقط. وقوله (إلا قائمًا) يعني: إلا ثابتًا على الإسلام. وكل من ثبت على شيء وتمسّك به، فهو قائم عليه. قال الله ﵎: ﴿ليسوا سواءً من أهل الكتب أمة قائمة يتلون آيات الله آناء اللَّيل وهم يسجدون﴾ (آل عمران: ١١٣). وإنما هذا من المواظبة على الدين والقيام به. وقال الله ﷿ ﴿ومن أهل الكتاب من إن تأمنه بقنطار يؤده إليك ومنهم مَّن إن تأمنه بدينار لا يؤده إليك إلا ما دمت عليه قائمًا﴾ (آل عمران: ٧٥) ".
ثم نقل أبو عبيد بسنده عن مجاهد تفسير "قائمًا" في قوله تعالى: ﴿إلَّا ما
[ ٥٩ ]
دمت عليه قائمًا﴾ قال: مواكظًا أي مداومًا. ثم قال: ومنه قيل في الكلام للخليفة: هو القائم بالأمر، وكذلك: فلان قائم بكذا وكذا، إذا كان حافظًا له متمسّكًا به. وفي بعض الحديث أنه لما قال للنبي ﷺ: أبايعك ألا أخر إلا قائمًا، فقال: أما من قبلنا فلن تخرّ إلا قائمًا. أي لسنا ندعوك ولا نبايعك إلا قائمًا، أي على الحق" (١).
هذا الحديث وشرحه المستفيض اختصره بيان الحق على هذا الوجه:
"ع: حكيم بن حزام: "بايعت رسول الله ﷺ أن لا أخرّ إلا قائمًا" أي لا أموت إلا ثابتًا على الإسلام، وهو قوله ﵎: ﴿ليسوا سواءً من أهل الكتاب أمَّةٌ قائمة يتلون آيات الله﴾ (آل عمران: ١١٣) (٢).
فنرى أن النيسابوري أثبت أولًا "ع" وهو رمزه لكتاب أبي عبيد، ثم ذكر اسم الصحابي صاحب الحديث، ثم أورد الحديث بعدما حذف سنده، ثم اختصر تفسير الحديث، واكتفى بآية واحدة من الآيتين اللتين استشهد بهما أبو عبيد وحذف سائر الكلام.
وإذا كان تفسير أبي عبيد مما أنكره أبو سعيد الضرير أورد بيان الحق التفسير والتعقيب كليهما. ومن أمثلة ذلك أن أبا عبيد فسّر ما جاء في نعت النبي ﷺ أنه كان شبح الذراعين، فقال: "يعني عبلهما، عريضهما" (٣).
نقل بيان الحق تفسير أبي عبيد وأضاف: "وأنكره أبو سعيد وقال: العبولة في أذرع النساء، وصفة الرجال أن يكون شبح الذراعين معرقًا لحمهما، وإنما هو عصب وعظام في طول كأيدي السباع" (٤).
_________________
(١) غريب الحديث لأبي عبيد ٤: ٩٢ - ٩٤.
(٢) جمل الغرائب: ٤٠.
(٣) غريب أبي عبيد ٢: ٣٢١.
(٤) جمل الغرائب: ٩٢.
[ ٦٠ ]
وكذلك ينقل نقد ابن قتيبة لتفسير أبي عبيد، وردّ ابن الأنباري - إن كان له ردّ - على ابن قتيبة أيضًا. كما فعل في تفسير حديث "ما سقي بعلًا أو كان عثريًا ففيه العشر" (١).
ولكن لا يقتصر المؤلف دائمًا على تلخيص ما جاء في موارده بل كثيرًا ما يزيد في الشرح. ومن ذلك ما نقله من كتاب أعلام الحديث للخطابي في تفسير حديث زيد بن خالد الجهني أنه قال: صلّى لنا رسول الله ﷺ صلاة الصبح بالحديبية على أثر سماء كانت من الليلة فلما انصرف أقبل على الناس فقال: هل تدرون ماذا قال ربكم، قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: أصبح من عبادي مؤمن وكافر، فأما من قال: مطرنا بفضل الله ورحمته، فذلك مؤمن بي كافر بالكوكب، وأما من قال بنوء كذا وكذا، فذلك كافر بي مؤمن بالكوكب.
قال الخطابي في تفسير الحديث: "قوله: "على أثر سماء" يريد على أثر مطر، وسمي المطر سماء لنزوله من السماء على مذهبهم في استعارة اسم الشيء لغيره إذا كان مجاورًا له أو بسبب منه، و"النوء": الكوكب، ولذلك سمّوا منازل القمر "الأنواء"، وإنما سمّي النجم نوءًا، لأنه ينوء طالعًا عند مغيب رقيبه من ناحية المغرب، وكان من عادتهم في الجاهلية أن يقولوا: مطرنا بنوء كذا، فيضيفون النعمة في ذلك إلى غير الله ﷿ وينسون الشكر له على ذلك، وهو المنعم عليهم بالغيث والسقيا، فزجرهم عن هذا القول، فسماه كفرًا، إذ كان ذلك يفضي بصاحبه إلى الكفر إذا اعتقد أن الفعل للكوكب، وهو فعل الله ﷿ لا شريك له" (٢).
أثبت النيسابوري الحديث من قوله "صلّى الصبح" إلى آخره، إلا أن لفظه: "فقال: ألم تسمعوا ما قال ربكم قالوا: لا، قال: ما أنعمت على عبادي
_________________
(١) جمل الغرائب: ٢٢٨.
(٢) أعلام الحديث ١: ٥٥٣.
[ ٦١ ]
نعمة إلا أصبح بها كافر ومؤمن، فأما من قال ".
ثم اختصر شرح الخطابي هكذا: "سمّي المطر سماء لنزوله من السماء، والنجم نوءًا، لأنه ينوء طالعًا عند مغيب رقيبه من ناحية الغرب". وحذف ما قاله الخطابي: "وكان من عادتهم" إلى آخره. ثم أضاف:
"وقيل على عكس هذا، فإن النوء غيبوبة الكوكب في المغرب وطلوع رقيبه المسمى البارح في المشرق غدوة. وقال الخليل (١): النوء اسم المطر الذي يكون مع سقوط النجم، لأن المطر ينهض مع سقوطه. وأصل النوء: النهوض، كما جاء في حديث آخر: "مالها، خطأ الله نوءها"، أي نهوضها إلى كل شيء تنهض له وتطلبه. وتأويل الحديث ما قاله الزجاج (٢): أن العرب كانت تزعم أن ذلك المطر الذي جاء عند سقوط النجم هو فعل النجم ولا يجعلونه سقيًا من الله ﷿ عند سقوط النجم، فجاء هذا النوع من التغليظ، فأما من نسب ذلك إلى الله ﷿ وجعل سقوط الكوكب وقتًا كمواقيت الليل والنهار كان ذلك حسنًا. واستدلّ على جواز هذا أن عمر ﵁ حين استسقى بعباس في المصلى نادى العباس: كم بقي من نوء الثريا؟ فقال: إن العلماء بها يزعمون أنها تعترض في الأفق سبعًا بعد وقوعها، فوالله ما تمت السبع حتى غيث الناس" (٣).
ويصلح هذا المثال أيضًا لما جاء في هذا الكتاب من تفسير بعض الأحاديث المشكلة لما يتوهم فيها من التعارض والاختلاف. وقد جمع بيان الحق في كتاب النبوة أحاديث من هذا النوع مما يتّصل بالنبي ﷺ بعنوان "ومن الأحاديث التي فيها الجواب عن مطاعن من يلحد في النبوة لجهله ويدعي التناقض لخبث اعتقاده".
_________________
(١) لا يوجد قول الخليل هذا في العين ٨: ٣٩١ وفيه "الشيء إذا مال إلى السقوط تقول ناء ينوء نوءًا بوزن ناع، وإذا نهض في تثاقل يقال ناء ".
(٢) لعله نقل من كتاب الأنواء للزجاج، وقد نقل منه نصًا في كتاب باهر البرهان ٣: ١٣٩١.
(٣) جمل الغرائب: ٢٧ - ٢٨. وانظر التهذيب في اللغة ١٥: ٥٣٩.
[ ٦٢ ]
وكان النيسابوري من حفاظ دواوين الشعر، وله عناية خاصة بديوان هذيل كما يظهر من كثرة استشهاده بشعرهم. وكثيرًا ما يستشهد على المعاني، وتنهال الشواهد على لسانه، ولكن شرط الاختصار يكفّه. فأنشد في موضع الأبيات الآتية على أن الثياب بمعنى الأخلاق:
قال أبو الأسود:
ألم تر أني والتكرم عادتي وما المرء إلا لازم ما تعودا
أطهر أثوابي عن الغدر والخنا وأنحو الذي قد كان أولى وأعودا
وقال شريك بن بشر الباهلي:
لقد رزئت بنو سهم بن سهم بن عمرو بلا نكس ولا دنس الثياب
بأبيض يملأ الشيزي إما ما رأيت الضر في وجه الكعاب
وقال آخر:
فلا بعدي يغيّر حال ودي عن العهد القديم ولا اقترابي
ولا عند الرخاء بطرت يومًا ولا في فاقة دنست ثيابي
ثم قال: "وأمثال هذا كثيرة، ولولا سبق الضمان بالاختصار لسالت على كل حديث شعاب من الشعر والمعاني" (١).
سبق في ترجمة بيان الحق أنه كان حنفي المذهب، ولكنه تجنّب ذكر مذاهب الفقهاء في هذا الكتاب. فلما فسّر حديث المصراة قال في آخر كلامه: "وهذا تفسير غريب هذا الحديث، وأما تأويله على مذهبنا فقد استقيصناه في كتبنا الفقهية" (٢). وقد رأيته في بعض المواضع - من القسم الذي بين يدي من
_________________
(١) جمل الغرائب: ١٥٨. وقد أنشد بيان الحق بيتي أبي الأسود ضمن شواهد أخرى في كتاب باهر البرهان ٣: ١٥٧٥.
(٢) جمل الغرائب: ٢٧١.
[ ٦٣ ]
نص الكتاب - ذكر مذهب الأحناف. ومنها أنه نقل من غريب القتبي تفسير الحديث "من قتل في عمِّيّا فهو خطأ" أن يترامى القوم فيوجد بينهم قتيل لا يدري من قتله، ويعمى أمره. ثم قال: "وديته عند أبي حنيفة ﵀ على عاقلة القبيلة التي وجد معهم إذا لم يدع أولياء القتيل على غيرهم، وعند أبي يوسف ﵀ على عاقلة الفريقين الذين اقتتلوا معًا" (١).
(٥) مآخذ على الكتاب
ظهرت لي من خلال تصفّح الكتاب ثلاثة مآخذ، أحدها يرجع إلى مذهبه في العقيدة، والآخران إلى منهجه في التلخيص والتفسير.
١ - أما الأول فهو أنه حينما يفسّر أحاديث الصفات يؤولها على طريق الأشاعرة والماتريدية. ومن ذلك ما نقله من كتاب أعلام الحديث للخطابي في شرح قول النبي ﷺ "إنكم سترون ربكم، كما ترون هذا القمر لا تضامون في رؤيته"، قال الخطابي: قوله "لا تضامون" يروى على وجهين: أحدهما تضامون - مفتوحة التاء مشدودة الميم - وأصلها تتضامون فحذفت إحدى التاءين، أي لا يضام بعضكم بعضًا، كما يفعله الناس في طلب الشيء الخفي الذي لا يسهل دركه، فيتزاحمون عند ذلك ينظرون إلى جهته. فيضامّ بعضهم بعضًا، يريد أنكم ترون ربكم وكل واحد منكم وادع في مكانه لا ينازعه رؤيته أحد. والوجه الآخر: لا تضامون من الضيم، أي لا يضيم بعضكم بعضًا في رؤيته" (٢).
لخص بيان الحق كلام الخطابي هكذا: "لا تضامون في رؤيته أي لا يضام بعضكم بعضًا كما يفعله الناس في تبصّر الشيء الخفي الذي لا يسهل دركه، فيتزاحمون عنده، فبيّن ﵇، أنكم ترون ربكم لا رؤية الأشخاص للأشخاص، ولا في جهة، ولا من جهة واحدة بل كل واحد منكم وادع في
_________________
(١) جمل الغرائب: ٣٢٢.
(٢) أعلام الحديث ١: ٤٣٠ - ٤٣١.
[ ٦٤ ]
مكانه لا ينازعه في رؤيته أحد".
فنرى أن بيان الحق زاد في كلام الخطابي قوله: "لا رؤية الأشخاص للأشخاص، ولا في جهة، ولا من جهة واحدة بل ". ثم قال في آخر شرحه: "وقد تكون الرؤية بمعنى العلم، كقوله تعالى: ﴿وأرنا مناسكنا﴾ وكقول حطائط:
أريني جوادًا مات هزلًا لعلني أرى ما ترين أو بخيلًا مخلدا
وما أحق ما قال علي ﵁: "إذا حدثتم عن رسول الله فظنّوا به الذي هو أتقى، والذي هو أهيا، والذي هو أهدى". وحدث الدوري عن أبي عبيد: نحن نروي هذه الأحاديث ولا نريغ لها المعاني" (١).
قلت: وما ذكره من احتمال أن يكون الرؤية في الحديث المذكور بمعنى العلم، فلا وجه له، وهو باطل قطعًا، ويردّه سياق الحديث نفسه. ومذهب أهل السنة والجماعة في هذه المسألة أن المؤمنين يرون ربهم في الدار الآخرة في عرصة القيامة، وبعدما يدخلون الجنة. يرونه بالأبصار عيانًا كما يرى القمر ليلة البدر صحوًا (٢).
وكذلك لما نقل عن أبي عبيد حديث أبي رزين العقيلي "قال يا رسول الله أين كان ربنا قبل أن يخلق السماوات والأرض، فقال: كان في عماء تحته هواء وفوقه هواء" فسّره بقوله: "العماء: السحاب الرقيق. فأراد: أين كان عرش ربنا فحذف المضاف. قال الله تعالى: ﴿وكان عرشه على الماء﴾ (هود: ٧)، والسحاب يقلّ الماء فكنى عنه بالماء". ثم نقل رواية "في عمى" مقصورًا وفسّرها ثم قال: "وأبو عبيد ﵀ لم يزد في الحديث على أنه لا يدري كيف
_________________
(١) جمل الغرائب: ٢١.
(٢) انظر مجموع الفتاوى ٦: ٤٨٥، وحادي الأرواح: ٤٧٦.
[ ٦٥ ]
ذلك العماء وما مبلغه، والله أعلم بذلك" (١).
الذي في كتاب أبي عبيد أن العماء في كلام العرب: السحاب الأبيض، قال الأصمعي وغيره وهو ممدود ثم أنشد بيتين وفسرهما، ثم قال: "وإنما تأولنا هذا الحديث على كلام العرب المعقول عندهم ولا ندري كيف كان ذلك العماء " (٢).
وما كان أحرى المؤلف بأن يقتفي أثر أبي عبيد فيقول بقوله.
٢ - المأخذ الثاني وهو مما يتعلق بمنهجه أنه لا يميّز بين ما يلخصه من مصدره وما يضيفه إليه. ولا شك أن مراجعة المصادر التي وصلت إلينا تعين على الفصل والتمييز، ولكن لا سبيل إلى ذلك في المصادر التي ضاعت، فإذا أراد أحد أن يجمع نصوص كتاب ضائع من موارد جمل الغرائب - ولو كانت مختصرة من الأصل - لم يتأت له ذلك. فلو فصل بيان الحق بين الأصل والزيادة بلفظ "قلت" مثلًا لازدادت قيمة الكتاب.
٣ - لاحظت في بعض المواضع أن بيان الحق لم يحسن تلخيص ما في مصدره، فأصابه شيء من الخلل. ومن ذلك ما جاء في غريب أبي عبيد في تفسير قول أبي بكر ﵁: "طوبى لمن مات في النأنأة". قال أبو عبيد بعد ذكر سند الحديث: "أما المحدثون فلا يهمزونه. قال الأصمعي: هي النأنأة - مهموزة - ومعناها: أول الإسلام، وإنما سمي بذلك، لأنه كان قبل أن يقوى الإسلام ويكثر أهله وناصره، فهو عند الناس ضعيف. وأصل النأنأة: الضعف، ومنه قيل: رجل نأنأ، إذا كان ضعيفًا. قال امرؤ القيس يمدح رجلًا:
لعمرك ما سعدٌ بخلّة آثمٍ ولا نأنأٍ عند الحفاظ ولا حصر
_________________
(١) جمل الغرائب: ١٩.
(٢) غريب أبي عبيد ٢: ٢٢٧ - ٢٢٩.
[ ٦٦ ]
قال أبو عبيد: ومن ذلك قول علي ﵁ لسليمان بن صرد. وكان تخلف يوم الجمل ثم أتاه بعده، فقال له علي: تنأنأت وتربعت وتراخيت فكيف رأيت الله صنع".
وبعدما ذكر سنده قال: " (تنأنأت) يريد: ضعف واسترخيت. قال الأموي عبد الله بن سعيد: يقال: نأنأت الرجل إذا نهيته عما يريد وتعففه عنه، فكأنه يعني: أني حملته على أن ضعف عما أراد وتراخى. وقال غير هؤلاء من أهل العلم: إنما سمي أول الإسلام النأنأة، لأنه كان والناس ساكنون هادئون، لم تهج بينهم فتنة، ولم تشتت كلمتهم. وهذا قد يرجع إلى المعنى الأول، يقول: لم يقو الشتتت والاختلاف والفتن فهو ضعيف لذاك" (١).
ويمكن تلخيص كلام أبي عبيد بأن نقول: "أي في أول الإسلام قبل أن يقوى ويكثر أهله وناصره. وأصل النأنأة: الضعف. وقيل إنما سمي بذلك لأن الناس كانوا حينئذ ساكنين هادئين. وهذا قد يرجع إلى المعنى الأول، أي لم يقو التشتت والاختلاف بينهم".
فلننظر كيف لخص بيان الحق: نقل الحديث بلفظ "طوبى لمن مات في نأنأة الإسلام" ثم قال: "أي أول الإسلام قبل أن يقوى الإسلام. وأصل النأنأة: الضعف، ورجل نأنأ ضعيف. وإنما قال لأول الإسلام: النأنأة لأنه كان والناس ساكنون هادئون، لم تهج بينهم الفتن، ولم تشتت كلمتهم، فكأنه لم يقو التشتت والاختلاف" (٢).
المأخذ الأول هنا أن بيان الحق نقل الحديث بلفظ "نأنأة الإسلام" والذي ورد في كتاب أبي عبيد: "النأنأة" بدون إضافة، وكذا في كتب الغريب
_________________
(١) غريب أبي عبيد ٤: ١٠٩ - ١١١.
(٢) جمل الغرائب: ٤٠ - ٤١.
[ ٦٧ ]
الأخرى (١). ثم خلط بين قولين، وجعل تأويل القول الثاني وهو "لم يقو التشتت .. " علة للقول الأول وهو "قبل أن يقوى الإسلام" مع أنهما في كلام أبي عبيد قولان مختلفان، والقول الأول موافق لمعنى الكلمة في اللغة واضح لا يحتاج إلى تأويل، أما القول الثاني فتلطف أبو عبيد لتأويله إلى معنى القول الأول، ولذلك قال: "وهذا قد يرجع إلى المعنى الأول"، فاستعمل "قد" ومن هنا قال بيان الحق: "فكأنه"، ولكن غفل بعد ذلك عن عدم ملاءمة تعليله هذا لما قال في أول الكلام "قبل أن يقوى الإسلام".
والجدير بالذكر أن الأزهري حينما نقل الحديث المذكور وكلام أبي عبيد في تفسيره لم يتلفت إلى القول الثاني. وكذلك صاحب الغريبين. وإنما أشار إليه الزمخشري بقوله: "ويجوز أن " (٢).
مع هذه المآخذ التي ذكرناها آنفًا، لا يخفى ما لهذا الكتاب من قيمة علمية وتاريخية، من وجوه عديدة قد أبانت عنها المباحث السابقة.
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين، وصلّى الله وسلّم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
_________________
(١) الغريبين ٦: ١٧٩٧. الفائق ٣: ٣٩٩. تهذيب اللغة ١٥: ٥٤٣.
(٢) المراجع السابقة.
[ ٦٨ ]
مراجع البحث (١)
- الأعلاق الخطيرة في ذكر أمراء الشام والجزيرة لابن شداد، الجزء الأول، القسم الأول، تحقيق يحيى زكريا عبارة، وزارة الثقافة، دمشق ١٩٩١ م.
- أعلام الحديث في شرح صحيح البخاري للخطابي، تحقيق د. محمد بن سعد ابن عبد الرحمن آل سعود، جامعة أم القرى، مكة المكرمة ١٤٠٩ = ١٩٨٨ م.
- إنباه الرواة على أنباه النحاة للقفطي، تحقيق محمد أبو الفضل إبراهيم، دار الفكر العربي، القاهرة ١٤٠٦ هـ.
- إيضاح المكنون في الذيل على كشف الظنون، إسماعيل باشا البغدادي - طبعة يالتقايا وزميله، مكتبة المثنى بيروت.
- بحوث وتحقيقات، عبد العزيز الميمني، إعداد محمد عزير شمس، دار الغرب الإسلامي، بيروت، ١٩٩٥.
- البداية والنهاية لابن كثير، دار هجر، القاهرة، ١٤١٧ هـ.
- بغية الطلب لابن العديم، تحقيق سهيل زكار، دار الفكر، بيروت.
- بغية الوعاة في طبقات اللغويين والنحاة للسيوطي تحقيق محمد أبو الفضل إبراهيم، دار الفكر، ١٣٩٩ هـ.
_________________
(١) لم أذكر في هذا الفهرس كتب النيسابوري وكتب غريب الحديث التي ذكرت طبعاتها في أثناء البحث.
[ ٦٩ ]
- تاريخ بيهق لفريد خراسان علي بن زيد البيهقي، ترجمه عن الفارسية وحقّقه يوسف الهادي. ابن النديم لروائع التراث، دمشق، ١٤٢٥.
- تاريخ التراث العربي، فؤاد سزكين، المجلد الثامن، جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية، الرياض ١٤٠٨ هـ.
- تاريخ بغداد للخطيب، دار الكتب العلمية، بيروت، ١٤١٧ هـ.
- تفسير الفخر الرازي، دار الفكر، بيروت، ١٤٠٥ هـ.
- التكملة والذيل والصلة للصغاني، تحقيق عبد العليم الطحاوي، دار الكتب، القاهرة ١٩٧٠ م.
- تهذيب اللغة للأزهري، الجزء ١٥ تحقيق إبراهيم الأبياري، دار الكاتب العربي، القاهرة، ١٩٦٧ م.
- الجواهر المضية في طبقات الحنفية للقرشي، تحقيق عبد الفتاح الحلو، مؤسسة الرسالة، بيروت، ١٤١٣ هـ.
- حادي الأرواح إلى بلاد الأفراح لابن القيم، تحقيق يوسف علي بديوي، دار ابن كثير بدمشق، ١٤١٣ هـ.
- الدارس في تاريخ المدارس، للنعيمي، تحقيق جعفر الحسني، طبعة مصوّرة ١٩٨٨.
- دليل الرسائل الجامعية في المملكة العربية السعودية، مركز الملك فيصل للبحوث والدراسات الإسلامية، الرياض، ١٤١٥ هـ.
- ذخائر التراث العربي الإسلامي، عبد الجبار عبد الرحمن، مطبعة جامعة البصرة، ١٤٠٣ هـ = ١٩٨٣ م.
- سير أعلام النبلاء للذهبي، تحقيق لفيف من الباحثين، مؤسسة الرسالة، بيروت، ١٤١٠.
- طبقات المفسّرين للداوودي، تحقيق علي محمد عمر، مكتبة وهبة، القاهرة، ١٣٩٢ هـ.
[ ٧٠ ]
- علوم الحديث لابن الصلاح، تحقيق نور الدين عتر، دار الفكر، دمشق ١٤٠٦ هـ = ١٩٨٦ م.
- فتح المغيث بشرح ألفية الحديث للعراقي، شمس الدين السخاوي، تحقيق علي حسين علي، دار الإمام الطبري، ١٤١٢ هـ.
- فهرس المخطوات العربية في مكتبة تشستربيتي، إعداد آربري، ترجمة محمود شاكر سعيد، مؤسسة آل البيت، عمّان، ١٩٩٣ م.
- فهرس المصوّرات الميكروفيلمية الموجودة بمكتبة مركز البحث العلمي. جامعة أم القرى، مكة المكرمة، ١٤٠٦ هـ.
- الفهرست للنديم، تحقيق رضا تجدد، طهران، ١٩٧١ م.
- في اللغة والأدب - دراسات وبحوث للدكتور محمود محمد الطناحي، دار الغرب الإسلامي، بيروت، ٢٠٠٢ م.
- كتاب الدلائل في غريب الحديث، الدكتور شاكر الفحّام، مجمع اللغة العربية بدمشق، ١٩٧٦ م.
- كتاب العين للخليل بن أحمد، تحقيق مهدي المخزومي وإبراهيم السامرائي، الجزء الثامن، وزارة الثقافة والإعلام، بغداد، ١٩٨٥ م.
- كشف الظنون، حاجي خليفة، طبعة محمد شرف الدين يالتقايا وزميله، مكتبة المثنى، بغداد.
- مجلة آفاق الثقافة والتراث، مركز جمعة ماجد للثقافة والتراث، دبي.
- مجلة المجمع العلمي العربي بدمشق.
- مجلة معهد المخطوطات العربية، الكويت.
- مجموع فتاوي شيخ الإسلام ابن تيمية، دار عالم الكتب، الرياض، ١٤١٢ هـ.
- مراتب النحويين لأبي الطيب اللغوي. تحقيق محمد أبو الفضل إبراهيم، دار الفكر العربي، الطبعة الثانية ١٣٩٤ هـ = ١٩٧٤ م.
- المزهر للسيوطي، تحقيق البجاوي ورفيقيه، دار التراث، القاهرة.
[ ٧١ ]
- معجم السنن للخطابي، دار الكتب العلمية، بيروت، ١٤١٦ هـ.
- معجم الأدباء، لياقوت الحموي، تحقيق إحسان عباس، دار الغرب الإسلامي، بيروت، ١٩٩٣ م.
- المعجم العربي - نشأته وتطوّره، الدكتور حسين نصّار، مكتبة مصر، ١٩٨٨ م.
- معجم المطبوعات العربية في شبه القارة الهندية الباكستانية منذ دخول المطبعة إليها حتى عام ١٩٨٠ م. للدكتور أحمد خان، مكتبة الملك فهد الوطنية، الرياض، ١٤٢١ هـ = ٢٠٠٠ م.
- معجم المعاجم، أحمد الشرقاوي إقبال، دار الغرب الإسلامي بيروت، ١٩٩٣ م.
- معرفة علوم الحديث للحاكم النيسابوري، تصحيح السيد معظم حسين، تصوير طبعة دائرة المعارف العثمانية، المكتب التجاري للطباعة والنشر، بيروت.
- نزهة الألباء في طبقات الأدباء لأبي البركات ابن الأنباري، تحقيق إبراهيم السامرائي، مكتبة المنار، الأردن، ١٤٠٥ هـ.
- هدية العارفين، إسماعيل باشا البغدادي، طبعة يالتقايا وزميله، مكتبة المثنى، بيروت.
- الوافي بالوفيات، للصفدي، الجزء ١٨ باعتناء أيمن فؤاد سيد، فرانز شتايز، شتوتغارت، ١٤١١ هـ.
- الوسائل في مسامرة الأوائل للسيوطي، دار الكتب العلمية، بيروت، ١٤٠٦ هـ.
- وفيات الأعيان لابن خلكان، تحقيق إحسان عباس، دار الثقافة، بيروت.
- Catalogue of the Arabic Manuscripts، vol. ١، Shaukat Ali Khan، Arabic & Persian Research Institute، Tonk، ١٩٨٠.
[ ٧٢ ]