كتاب الجماهر في معرفة الجواهر
وكان من حسن حظ العلم والأدب والشعر أن من آثار البيروني الخالدة التي أفلتت من أيدي الضياع كتابًا في الجواهر والفلزات سمّاه "كتاب الجماهر في معرفة الجواهر" نشرته دائرة المعارف العثمانية بحيدر اباد الدكن سنة ١٣٥٥ هـ، وقد بالغ المستشرق الألماني الدكتور سالم الكرنكوي (١٨٧٢ - ١٩٥٣ م) في تصحيح الكتاب، ولكن الحاجة لا تزال ماسّة إلى طبعة محقّقة مضبوطة لهذا الكتاب القيّم، فقد بقي فيه من التصحيف والتحريف ما استعصى على المصحّح وشوّه الكتاب تشويهًا (١).
وقد صنّف البيروني هذا الكتاب في أواخر عمره لشهاب الدولة أبي الفتح مودود بن السلطان مسعود بن السلطان محمود الغزنوي (٤١٢ - ٤٤١)، كما صنّف له كتابًا آخر في المحاسن وهو الدستور، وكان السلطان مودود آخر ملك اتّصل به البيروني.
وكتاب الجماهر من أهم مصادر علم المعادن والجواهر والفلزات، ولكن ليس كتابًا علميًا يقتصر على المباحث العلمية فحسب، بل هو جدير - بفضل ما يحويه من ثروة لغوية وشعرية قيّمة - بأن يعد من مصادر الأدب والشعر واللغة والأخبار كذلك. فهو كتاب يجمع بين حقائق العلم، وغرائب الأخبار، ومحاسن الشعر، وبدائع القول، ولطائف النقد، وطرائف الحكم، وشوارد اللغة، وفوائد التاريخ والاجتماع والاقتصاد والفقه والتفسير وكل ما له صلة قريبة أو بعيدة بموضوع الكتاب.
وألّف البيروني كتاب الجماهر - وهو شيخ أحكمته التجارب - بعد ما طوّف في الآفاق وشاهد من صروف الزمان وتقلّبات الأحوال، وبعدما جال
_________________
(١) علمت بأخرة أنّ طبعة جديدة للكتاب صدرت في طهران بتحقيق الأستاذ يوسف الهادي سنة ١٩٩٥ م، ولمّا أطلع عليها.
[ ٤٣٣ ]
فكره وصال، وأغار قلمه وأنجد في الموضوعات العلمية والأدبية المختلفة المتباينة، فأفرغ في هذا الكتاب عصارة تجاربه العلمية، وأودعه حصيلة معارفه المتنوّعة، فجاء كتابًا ممتعًا خفيفًا، غزير المادة سهل المأخذ، يقبل عليه العالم والأديب والشاعر واللغوي والأخباري بنفس اللذة والشوق والعناية.
ويبدو أنّ البيروني تأثّر في كتاب الجماهر بأسلوب الجاحظ في كتاب الحيوان وخاصة في ظاهرة الاستطراد، وقد قرأه ونقل منه في هذا الكتاب، غير أنّ هذا التأثير لا يلاحقه في كتبه العلمية الأخرى التي يتمسّك فيها بحبل الكلام تمسّكًا قويًا، ولا يخرج عن الموضوع البتة.
وقد استرعى كتاب الجماهر انتباه الباحثين، فنشر الأستاذ محمد يحيي الهاشمي دراسة اقتصادية له في مجلّة المجمع العلمي العربي بدمشق (١)، كما تناوله من الناحية العلمية الدكتور فاضل أحمد الطائي ونشر مقالة في مجلّة المجمع العلمي العراقي (٢). أمّا هذا البحث فهو محاولة متواضعة لاستعراض الثروة اللغوية والشعرية التي يحويها كتاب الجماهر، وكشف ملامح الشخصية الأدبية للبيروني، واستشفاف بعض آرائه ونظراته في اللغة واتّجاهاته في النقد.
ترويحات الكتاب
يشتمل كتاب الجماهر على فاتحة، وفصلين بينهما خمس عشرة ترويحة، ومقالتين إحداهما في الجواهر والأخرى في الفلزات.
أمّا الترويحات فهي مقدّمات تمهيديّة أدارها حول التنويه بموضوع الكتاب من جوانبه المختلفة، وتطرّق فيها إلى الحديث عن عدد من مشكلات الاجتماع والاقتصاد والأخلاق ومصالح الشريعة. وهذه الترويحات جديرة بدراسة مستقلّة ويحمل بعضها مادة أدبية غزيرة مثل الترويحة السادسة (ص ١٠ - ١٢) التي
_________________
(١) مجلّة المجمع العلمي العربي بدمشق ١٥: ٢.
(٢) مجلّة المجمع العلمي العراقي: ٢٤، ٢٥، ٢٧.
[ ٤٣٤ ]
تحدث فيها البيروني عن المروءة والفتوة وفرق بينهما، فقال: "المروءة تقتصر على الرجل في نفسه وذويه وحاله، والفتوّة تتعدّاه إلى غيره، والمرء لا يملك غير نفسه وقنيته التي لا ينازع فيها أنّها له، فإذا احتمل مغارم الناس وتحمل المشاق في إراحتهم، ولم يضن بما أحل الله له وحرمه على من سواه فهو الفتى الذي اشتهر بالقدرة عليها وعرف بالحلم والعفو والرزانة والاحتمال والتعظم". ثمّ نقل حكاية عن جحظة البرمكي أنّه "كان رجل بالبصرة يلبس كل يوم أحسن ثيابه، ويركب أفره دوابه، ويسعى في حاجات الناس فقيل له في ذلك، فأجاب: إنّي قد تلذذت بصافي عقار الدنان، وشربتها على أوتار مجيدات القيان، كأنّها أصوات الأطيار في الأشجار بغرائب الألحان، في أطيب الزمان، فما سررت منها بشيء سروري برجل أنعمت عليه، فشكرني عند الإخوان".
وأضاف إلى ذلك ما قيل في الفتوّة فقال: "ولهذا حُدَّت الفتوّة بأنّها بشر مقبول، ونائل مبذول، وعفاف معروف، وأذى مكفوف". ثمّ نقل البيروني ما وقّع به إسماعيل بن أحمد الساماني (ت ٢٩٥ هـ) على كتاب لأحد أبناء أهل البيوتات حينما توسّل إليه بآبائه: "كن عصاميًا لا عطاميًا"، وشرح التوقيع، وأيّده بآية كريمة، وحكى قول بعض اليونانية وقول الشاعر العربي. ويفصل البيروني الكلام في الفتوّة ومظاهرها حتّى يفضي إلى أحاديث الصعاليك وحاتم الطائي وكعب بن مامة الإيادي، ويختم الترويحة بشعر رائع في وصف الفتيان نحو قول الشاعر:
[يجود بالنفس إذ ضن الجواد بها] والجود بالنفس أقصى غاية الجود
وقول عمرو بن الأهتم:
وليس فتى الفتيان من راح واغتدى لشرب صبوح أو لشرب غبوق
ولكن فتى الفتيان من راح واغتدى لضرِّ عدو أو لنفع صديق
وقول علي بن الجهم:
ولا عار إن زالت عن الحرِّ نعمة ولكن عارًا أن يزول التجمل
[ ٤٣٥ ]
ويشرح البيروني قول علي بن الجهم فيقول: "عنى بالأول الفتوّة إذ لم يتمكّن منها إلاّ بسعة اليد واتّساع النعمة، وربّما التوى الاجتهاد في حيازتها، ولا ملام على من لم تساعده المقادير على نيل المطلب، وعنى بالأخير المروءة فإنّ أنفس الأحرار تأبى الانخزال، وتبعث على التصوّن من الابتذال، فيظهر السعة، ويخفي الضيق ما أمكن حتّى يحسبهم الجاهل بأحوالهم أغنياء من التعفّف" إلى آخر قوله.
وكما تحدّث البيروني في الترويحة التي عرضناها عن الفتوّة ومظاهرها تكلّم ف يالترويحة التاسعة (ص ١٧ - ٢٢) على الطهارة والنظافة والتجمّل والتطيّب ممّا عليه مدار المروءة التي يعتبرها البيروني "قطب المحامد" وقال: إنّ مدار الأمر في نظافة الإنسان على الماء الطهور، واحتجّ على ذلك بواصايا العرب والعربيات لبناتهن، ونقل منها سبع وصايا كلّها "ترجع إليه وتدور عليه" منها قول عبد الله بن جعفر بن أبي طالب لابنته حين زوجها: "إيّاك والغيرة فإنّها مفتاح الطلاق، وأنهاك عن إكثار العتاب فإنّه يورث البغضاء، وعليك بالزينة، وأزينها الكحل، وبالطيب وأطيبه الماء". وبعد التنبيه على أهمّية طهارة الجسم، وتجميل البشرة، وفضل الماء فيها، نبّه على أهمّية طهارة الثياب، ونقل ما روي عن عمر بن الخطاب ﵁ حين سئل عن المروءة فقال: "إنّها النظافة في الثياب" وقال غيره: "المروءة الظاهرة في الثياب الطاهرة". واستدلّ البيروني على أهمّية نظافة الثياب وجلالة محلّها بما قيل فيمن خالفها من شعر، وبتعبير العرب عن طهارة النفس والقلب بنقاء الثوب والإزار والجيب والذيل، ولا ينسى ما "قال بعض أهل التفاسير في قوله تعالى﴾ وثيابك فطهر ﴿أنّ معناه: قلبك ونيّتك"، ويرى البيروني أنّ ذلك "محتمل وظاهر الآية وباطنها كلاهما في نهاية الحسن على موجب العقل".
والترويحة العاشرة (ص ٢٢ - ٢٤) تتناول مظهرًا آخر من مظاهر النظافة التي تكمّل به، وهو التطيّب بالروائح الأرجة، وهنا يبرز ذكاء البيروني في
[ ٤٣٦ ]
التوفيق بين الحدود المختلفة للمروءة من اجتناب المحارم وكفّ الأذى، ومن الإرادة للغير ما يراد للنفس، وأن لا يعمل سرًّا ما يستحي منه في العلن فيقول: "ومن حسّن خلقه بتحسين الخلق، وهيّأ مطعمه بالطيب من الحلال، وأشرك غيره بالتسوية، واحتشد فيما زاول بالنظافة، وتمّمه بالطيب الذي هو أحد ما حبّب إلى رسول الله ﷺ من علائق الدنيا فقد سرّ أكيله، وآنس جليسه، وأكرم نديمه، وكف أذاه، وأراد له ما أراد لنفسه، وخرج عن العهدة الواردة فيمن منع رفده، وأكل وحده، وضرب عبده".
منهج الكتاب ونموذج من استطراد البيروني:
أمّا المقالة الأولى فهي في الجواهر وأشباهها وتوابعها والأحجار الكريمة، وأمّا الثانية فهي في الفلزات والشبه المعمولات والممزوجات بالصنعة. ومنهج البيروني في هاتين المقالتين - بصورة عامة - أنّه يستهلّ البحث بآية كريمة إذا وردت فيه، ثمّ يعدد أسماء الجوهر في اللّغات الأخرى، ثمّ يورد أسماءها وصفاتها عند اللغويين والجوهريين، ويشرحها وينتقدها أحيانًا، ويسهب بعد ذلك في المباحث العلمية من خواص الجوهر وأنواعه وألوانه ومعادنه وطرق استخراجه وما يفسده وما يصلحه وثقله النوعي، ثمّ ينقل الأخبار والأساطير والشعر والأمثال والتشبيهات ومسائل الفقه والتفسير وكل ما له صلة بالموضوع حتّى أصبح الكتاب موسوعة في الجواهر والفلزات. ويتخلّل هذه المباحث فصول من اللغة والنقد واستطرادات تطول وتقصر.
وأول استطراد في الكتاب استغرق خمس صفحات (٥٦ - ٦١) وذلك أنّ البيروني عقد فصلًا عنوانه: "أخبار في اليواقيت والجواهر"، وذكر فيه بعض الجواهر التي كانت قنية الأكاسرة وانتقلت إلى المسلمين حينما فتحوها، ووصف حال الخلفاء الأربعة ﵃ بالانقباض عنها وصرفها إلى سائر المسلمين، ومدح خلفاء بني أمية "بعدم الترعن غير نفر أو نفرين" فتوفّرت
[ ٤٣٧ ]
الجواهر في خزائنهم، ثم ذكر الدولة العباسية ونقد المقتدر وأمّة نقدًا شديدًا، ونقد كذلك حكم النساء فقال (ص ٥٨):
"قال الصادق في قوله:
فلا كانت الدنيا إذا ساسها النِّسا وإن سسن يومًا فالسلام على الدنيا
وإن ترد شاهدًا على صدقه فقل من تحمد من النساء كزبيدة في أكثر الفضائل، وسبحتها من يواقيت رمانية كالبنادق مخروزة بمثل شرائح البطيخة، إذا وجد منها الآن شيء عرف بها ونسب إليها، والدر المثقوب بالتصليب من أمرها لتتّخذ منها للوصائف ثيابًا منسوخة منها. وخبر قردها ومقتله وصلاتها عليه واستماعها مرثيته وبكاؤها عليه من القوادح في العقل، وحكايتها محظورة لعظم الحرمة. ثم ماذا يقال بعدها فيمن لا يصلح أن يكون ترابًا لموطئها".
ثم يقارن البيروني بين المقتدر ومن قبله من الخلفاء مثل هارون الرشيد، وتطرّق الحديث إلى حظيته خالصة، وقصّتها التي كانت سببًا لتلقيبها بهذا اللقب، وشعر أبي نواس الذي أشار فيه إلى تلك القصة، وهو قوله:
لقد ضاع شعري على بابكم كما ضاع درّ على خالصه
فشكته خالصة إلى الرشيد، فاستحضر أبا نواس وسأله عما حمله على ذلك "فأجابه بأنّ الغلط وقع من الراوي بظنّه الهمزة عينًا، فأظهر الرضا به منخدعًا للتكرّم ومرضيًا للشاكية".
ويعلّق البيروني على الخبر فيقول: "ومتى يذهب ذلك على مثل الرشيد وهو من جهابذة الشعر".
ويشتطرد البيروني إلى قصّة الحطيئة والزبرقان بن بدر بين يدي عمر بن الخطاب، وقصّة البسامي الشاعر وعبيد الله بن سلمان بن وهب وزير المعتضد وهي قصّة طويلة جاءت في أكثر من صفحتين، ولمّا فرغ منها تنبّه على أنّه أبعد، وخرج عمّا كان فيه فقال: "نرجع الآن إلى ما كنا فيه". وربّما يشير البيروني إلى
[ ٤٣٨ ]
غرضه من الاستطراد فيقول (ص ٣٨): "ولنرجع إلى ما كنّا فيه، فما انحرفنا عنه إلا لإشباع التفهيم".
البيروني اللغوي:
أمّا مباحث اللغة والنقد التي يتضمّنها الكتاب فلا نستطيع أن نعرضها جميعًا، لضيق المجال، ولكن سوف نحاول أن نقدّم صورًا منها تتجلّى فيها شخصية البيروني اللغوي والبيروني الناقد.
ظاهرة لغوية ورأي البيروني فيها:
من الظواهر البارزة التي يلمسها كل أحد في اللغة العربية واللغة السنسكريتية كثرة الأسماء لمسمّى واحد، ويفطن البيروني لأسباب ذلك، ولكن يعدّها من أعظم معايب اللغة إذا لم ترجع إلى اختلاف القبائل واستئثار كل منها باسم معيّن، وأراني مضطرًا إلى نقل ما قاله في كتاب الهند ليتّضح رأيه في هذه الظاهرة، فقال في مقدّمة الكتاب وهو يتحدّث عن الأمور الحائلة دون ارتباط العرب بالهند:
"إن القوم يباينوننا بجميع ما يشترك فيه الأمم، وأوّلها اللغة وإن تباينت الأمم بمثلها. ومتى رامها أحد لإزالة المباينة لم يسهل ذلك لأنّها في ذاتها طويلة عريضة تشابه العربية. ويتسمّى الشيء الواحد فيها بعدّة أسامٍ مقتضبة ومشتقة. وبوقوع الاسم الواحد على عدّة مسميات محوجة في المقاصد إلى زيادة صفات إذ لم يفرّق بينها إلاّ ذو الفطنة لموضع الكلام وقياس المعنى إلى الوراء والأمام. ويفتخرون بذلك افتخار غيرهم به من حيث هو بالحقيقة عيب في اللغة" (١).
_________________
(١) كتاب الهند (دائرة المعارف العثمانية بحيدر اباد الدكن سنة ١٩٥٨ م): ٩.
[ ٤٣٩ ]
ويكشف البيروني هذا العيب في موضع آخر من الكتاب نفسه وهو يذكر عدد الأرضين وأسماءها عند الهنود فيقول: "لم يختلفوا في عدد الأرضين ولا في الأقسام العليا، وإنّما اختلفوا في أساميها، وفي ترتيب الأسامي. فربّما أحمل ذلك الاختلاف على سعة اللغة، فإنّهم يسمّون الشيء الواحد بأسماء كثيرة جدًا، والمثال بالشمس فإنّهم سمّوها بألف اسم على ما ذكروا، كتسمية العرب الأسد بقريب من ذلك، بعضها مقتضبة اقتضابًا، وبعضها مشتقّة من الأحوال المغايرة فيه أو الأفعال الصادرة. وهم من شابههم يتبجّحون بذلك، وهو من أعظم معايب اللغة. فموضوعها إيقاع اسم على كل واحد من الموجودات وآثارها بمواطأة بين نفر، يعرف بها بعضهم عن بعض غرضه عند إظهار ذلك الاسم بالنطق، فإذا كان الاسم الواحد بعينه واقعًا على عدّة مسمّيات دلّ على ضيق اللغة، وأحوج السامع إلى سؤال القائل عمّا يعنيه بلفظه، فسقط ذلك الاسم إمّا بآخر مثله يغني، وإمّا بتفسير معرف للمعنى. وإذا كان للشيء الواحد أسماء كثيرة، ولم يكن سبب ذلك استبداد كل قبيلة أو كل طبقة بواحد منها، وكان في الواحد منها كفاية اتّصفت الباقية بالهمز والهذيان والهذر، وصارت سبب التعمية والإخفاء أو تحمل المشاق لحفظ الجملة بلا فائدة غير ضياع العمر" (١).
أمّا في كتاب الجماهر فذكر هذه الظاهرة عدّة مرّات ولم ينس الهنادك، فقال (ص ١٠٤): "وأسماء الشيء الواحد تكثر بحسب اللغات، ويزيدها كثرة تمايز الطوائف بالشعوب وتحيّزها بالقبائل حتى إنّ لغاتها وإن لم تتغاير بالكلية فإنها تختلف بالشيء بعد الشيء. وللهند ولوع بكثير الأسامي لمسمّى واحد تقتضب بعضها وتشتقّ بعضها من صفاتها وحالاتها". وقال في موضع آخر (ص ١٠٧): "وأسماء اللآلي تكثر في العربية جدًا ككثرة أسماء الأسد فيها، ولسنا
_________________
(١) المصدر السابق: ١١٢.
[ ٤٤٠ ]
نشتغل بذكر جميعها عجزًا مرة، واستثقالًا أخرى".
ولعلّك تستغرب هذا الرأي بعد ما علمت أنّ البيروني لم يكن فلسفيًا فحسب بل كان أديبًا وشاعرًا ولغويًا. وممّا يزيد الأمر غرابة أنّ البيروني لا يجهل أسباب تعدّد الأسماء وكثرتها، وقد أشار إلى بعضها في العبارة السابقة، فكيف يفنّد هذه الظاهرة التي تدلّ على مرونة اللغة وحيويّتها وتطوّرها وحدة ذكاء الناطقين بها ودقّة ملاحظتهم ورهافة شعورهم وخصب خيالهم وقدرتهم على التفنّن في التعبير والتصوير، ولذلك تعدّ من أكبر ميزات اللغة وخصائصها، ويحقّ لأهلها أن يفتخروا ويتبجّحوا بها. فكيف غمّ الأمر على صاحبنا العبقري؟ وما الذي حمله على هذا النقد الشديد؟
للإجابة عن هذا السؤال نرجع مرّة أخرى إلى كتاب الهند الذي يقول فيه البيروني عن كتب الهند: "وكتبهم في العلوم مع ذلك منظومة بأنواع من الوزن في ذوقهم، وقد قصدوا بذلك انحفاظها على حالها وتقديرها وسرعة ظهور الفساد فيها عند وقوع الزيادة والنقصان ليسهل حفظها، فإنّ تعويلهم عليه دون المكتوب، ومعلوم أنّ النظم لا يخلو من شوائب التكلّف لتسوية الوزن وتصحيح الانكسار وجبر النقصان، ويحوج إلى تكثير العبارات، وهو أحد أسباب تقلقل الأسامي في مسمّياتها، فهذا من الأسباب التي تعسّر الوقوف على ما عندهم" (١).
وقال في موضع آخر: "وكما أخبرنا أنّ كتب الهند منظومة بشعر، وبحسب ذلك يولعون بالتشبيهات والمدائح البديعة عندهم" (٢).
يتبيّن ممّا نقلنا أولًا أن الهنود كانوا ينظمون كتبهم العلمية بأوزانٍ من الشعر ملائمة لذوقهم، ويرمون بذلك إلى أن يسهل حفظها على الذاكرة وبقاؤها على أصلها، فإذا اعتراه تغيير وتحريف دلّ عليه الوزن الشعري. وثانيًا أنهم
_________________
(١) المصدر السابق: ١٤.
(٢) المصدر السابق: ٣٢٦، ٣٢٧.
[ ٤٤١ ]
كانوا مولعين بالتشبيهات والاستعارات والمجاز ممّا هو أبعد ما يكون من الأسلوب العلمي. والنظم يحبس ويضيّق، والخيال يطلق ويحلّق، فكان طبيعيًّا أن تبرز المادة العلمية في ثوب فضفاض من نسج الخيال، وتكثر ألوان المجاز والكنايات، والذي ينشد الحقائق العلمية المجرّدة يضلّ فيها ويتيه. فاضطرار النظم وإطلاق الخيال كانا يوسعان المجال للأسماء الكثيرة لشيء واحد في الكتب العلمية، وبذلك يتوعّر سبيل الوصول إلى ما فيها، فكان البيروني ينزعج بذلك ويضيق به ذرعًا، لأنّه لم يكن من أهل اللغة السنسكريتية، ولأن هذه الأسماء الكثيرة التي تعجّ بها كتبهم العلمية والتي لا حاجة لها ولا تأثير في حلّ المسألة تحول دون فهمها والاطلاع عليها.
فكان ينبغي له أن يفرّق بين الأسلوب العلمي والأسلوب الأدبي ويقول: إن الأسلوب العلمي يفسده النظم ويضادّه الخيال ولا يلائمه إلاّ التعبير القريب الموجز المباشر الذي توزن فيه الكلمات وزنًا دقيقًا، فلا حاجة فيها إلى حشد الأسماء الكثيرة لمسمّى واحد بل يضرّ بذلك بالغرض. ولكن البيروني خلط كخلط الهنود، وأطلق القول فأخطأ الصواب.
ولكن لم يستنكر البيروني كثرة الأسماء في كتاب الجماهر استنكاره في كتاب الهند، وإنّما نعى على علماء اللغة الذين حشدوا في المعاجم كل ما سمعوا من القبائل المختلفة للتبجّح بوفرة ما عندهم، وربّما نحلوا الشعر للاستشهاد عليه، وبذلك نبّه على سبب من أسباب الاضطراب في المعاجم العربية فقال (١٠٤ - ١٠٥): "وأكثر أصحاب اللغة يجمعون المسموعات كلّ طائفة وقبيلة، ويعسرون بذلك على المستفيد ضبطها من غير فائدة لهم فيها سوى الإغراق في التفاخر والتكاثر حتى إنهم طرحوا الأمانة، وصاغوا للاستشهاد فيها شعرًا طوّقوا أهل المقابر وسمّوه بالأول والآخر عملًا بما قيل في الوصايا: إذا أردت أن تكذب فكن ذكورًا ولا تستشهد بحيّ حاضر يردّه عليك،
[ ٤٤٢ ]
واقصد فيها الموتى فإنّه غيب على الأبد.
قد اتّهم البيروني هنا علماء اللغة بطرح الأمانة، ووضع الشعر ونسبته إلى الأول والآخر، وهو كلام مرسل لا يصحّ على هذا الوجه من العموم.
الثروة اللغوية في كتاب الجماهر
يعدّد البيروني في بداية المباحث - كما أسلفنا - أسماء الجواهر والفلزات في اللغات المختلفة نحو اليونانية والرومية والسريانية والسنسكريتية والتركية والفارسية والعربية، فيقول مثلًا في الذهب (ص ٢٣٢): "هو بالرومية خروصون، وبالسريانية دهبا، وبالهندية سورن، وبالتركية ألطن، وبالفارسية زر".
وكذلك يستهلّ فصل الفضّة بذكر أسمائها في هذه اللغات (ص ٢٤٢): "هي بالرومية أرجوسا، وبالسريانية سيما (١)، وبالفارسية سيم، وبالتركية كمش (٢) وبالهندية روپ".
ويشرح البيروني هذه الأسماء الأعجمية أحيانًا نحو قوله في المهو (ص ١٨٢): "أمّا المهو فهو حجر أبيض يعرف ببصاق القمر وبزاقه، ويسمّى بالرومية أفروسالينوس أي زبد القمر فإنّ القمر هو ساليني".
وربّما ينظر في هذه الأسماء ويقارن بينها، ويشير إلى نقل بعضها من بعض نحو قوله في المغناطيس (ص ٢١٢ - ٢١٣): "وبالهندية كدهك وأيضًا هرباج، وكأنّه منقول من آهن رباي، فإن لحرفي الجيم والياء في أكثر اللغات اشتراكًا به يتبادلان". وقوله في الزجاج (ص ٢٢٢): "هو بالرومية إيوي لوسيس، وبالسريانية زغروغتا (٣)، وكأنَّ الزجاج معربه".
_________________
(١) كذا ولعلّ صوابه "سينا" بالنون كما في المعجم السرياني لمؤلّفه Payne Smith: ٣٧٥.
(٢) بإشمام الكاف الفارسية وإمالة الميم.
(٣) كذا ولعلّ صوابه "زغوغيثا".
[ ٤٤٣ ]
وبعد ذكر أسماء الجواهر والفلزات في اللغات الأعجمية يفيض البيروني في تفصيل أسمائها وصفاتها العربية عند اللغويّين وأصحاب الجواهر شرحًا وتعليلًا ونقدًا ومقارنة. ولا يقتنع بمجرّد ما قاله علماء اللغة، ولكن يتعمّق في تحقيق معنى الكلمة. ويطيل النظر في دواوين الشعراء المتقدّمين منهم والمتأخّرين، ويحاول الوصول إلى أصلها والتغييرات التي طرأت عليها، فينتقد آراء اللغويين ويخالفهم أحيانًا ويدلّ على أخطائهم، ويؤيّد رأيه بكلام العرب ويستعين بثقافته اللغوية الواسعة التي بذَّ فيها علماء اللغة، فيتوسّع في المباحث اللغوية. وربّما يعقد فصلًا طويلًا في اللغة يستغرق سبع عشرة صفحة كفصل "أسماء اللآلي وصفاتها عند اللغويّين" (ص ١٠٧ - ١٢٤). وهنا تظهر شخصيّته اللغوية واضحة الملامح بارزة المعالم.
وإن هذه الثروة الغنية من الكلمات الأعجمية والعربية التي يزخر بها كتاب الجماهر تجعله من أهم مصادر اللغة، ومما يزيد قيمته اللغوية أن المعاجم اللغوية الموجودة تخلو من كثير من هذه الكلمات والفوائد اللغوية الأخرى، فلا يمكن الاستغناء عنه عند إعادة النظر في المعجمات العربية وإعداد معجم عربي موعب.
تحقيقات وتعليقات لغوية:
١ - ومن الكلمات التي أطال الكلام فيها وأكثر من الاستشهاد بالشعر حتّى استغرق البحث ثلاث صفحات كلمة "البحر" وكلمة "الجمانة". وقد استوعب البيروني كل ما قيل في سبب تسمية البحر بالبحر مع الشواهد الشعرية، فذكر أنّ عليّ بن عيسى اعتمد فيه الكثرة، وأبو حنيفة الدينوري السعة، ويرى صاحب ديوان الأدب أن البحر سمّي لاستبحاره أي انبساطه، وقيل إنه من أبحر الماء، إذا ملح، وقيل: سمّي بحرًا لبعد قعره وانشقاق الأرض وانخفاض وجهها بعمقه.
[ ٤٤٤ ]
ولكن البيروني أدلى برأيه بعد سرد هذه الأقوال، وهو أنّه سمّي لتغيّر مائه بالغلظة والكدورة، يقال: دم باحر وبحراني إذا كان ثخينًا أسود (ص ١٣٩، ١٤٠).
٢ - أما كلمة "الجمانة" فحكى فيها قولين: أحدهما أنّها اللؤلؤ، والآخر أنّها مصوغة من فضّة، ثم أورد أحد عشر بيتًا منها بيتان لامرئ القيس وبيت لكل من عدي بن زيد وحاتم الطائي والنابغة الذبياني من شعراء الجاهلية، ولذي الرمّة وقيس بن الملوح من شعراء العصر الإسلامي، وللمتنبي والخوارزمي من المتأخّرين، عدا أبياتًا للأعشى والأسود بن يعفر جاء بها الاستطراد. وهذه الأبيات كلها تحتمل عند البيروني أن يكون الجمان لؤلؤًا، كما يحتمل أن يكون مصوغًا من فضة. ثم أتى ببتيني أحدهما للبيد بين ربيعة والآخر للمسيب بن علس يصرحان بأن الجمان هو اللؤلؤ، ثم يتبعهما بيتًا لهدبة بن خشرم يصرح بأنه معمول من الفضّة. وبعد سرد هذه الأبيات التي قسمها إلى ثلاثة أقسام يشير إلى قول في الجمان بأنه فارسي معرب (١)، ويعلّق عليه قائلًا: "فإن كان كذلك فهو من كمان" وهو الظن الذي لا يتحقّق معه أهو اللؤلؤ أم مشبه به، وهذا يميل إلى أنّه معمول من الفضّة، فقلّما تقع الشبهة في اللؤلؤ، وإنّما تقع في أشباهه" (ص ١٠٩ - ١١٢).
٣ - ومن الكلمات التي استعان البيروني في تحقيقها بثقافته الهندية كلمة "العندم". وكثرت هذه الكلمة في كلام العرب كما كثر اختلاف علماء اللغة فيها فقال حمزة: إنّه جريال العصفر، وحمله قوم على البقَّم، وآخرون على الأيدع، وقال أبو حنيفة الدينوري مخبرًا عن بعض الأعراب أنّها بقلة تسمّى النيل لها نور أحمر مظلم يسمّى: العندم. ثم نقل عن الفارابي صاحب ديوان الأدب أن العندم دم الأخوين وقال: يسمّى بالفارسية "خون سياؤشان" لاعتقادهم فيه أنه ينبت من دم سياؤش بن كيكاؤس المسفوح على الأرض. وهنا تدله ثقافته الهندية على
_________________
(١) انظر المعرب للجواليقي (تحقيق شاكر): ١١٥.
[ ٤٤٥ ]
شبه بين اسم العندم في الفارسية وبينه في الهندية فقال (ص ٣٦ - ٣٧): "وقريب منه تسمية الهند إيّاه "باندورت" يعنون دم "باندو" وهم قوم جرى بينهم وبين أعمامهم الملقبين بكورو حروب مشهورة أجلت عن تفاني الفريقين في القتال". ثم ينشد البيروني بيتين للعجاج وردت فيهما كلمة العندم.
٤ - ومن الكلمات التي خالفت فيها البيروني علماء اللغة استنباطًا أو ترجيحًا كلمة "العسجد". نقل البيروني عن الفارابي أن العسجد هو الذهب، قال: وهذا الاسم يجمع الجواهر كلّها من الدر والياقوت (١). ويرد البيروني القول الأخير فيقول (ص ٢٣٢): "وليس كذلك فإن الذهب وحده إذا سمّي عسجدًا، ولم تسم تلك الجواهر على حدتها عسجدًا لزمت الصفة الذهب وفارقتها".
ويفطن البيروني لاختلاط الأمر على الفارابي فيقول: "وكأنه ذهب إلى تاج من عسجد وقد تضمّن تلك الجواهر، وظنّ أن العسجد وقع على كل واحد منها، وليس يمتنع أن يقال في مثله "تاج من ذهب" لا يتجّه إلاّ على الذهب وحده، ولا يقع على شيء معه، ولكن يكتفي بذكره عن ذكر ما عليه، إذ التاج لا يخلو من الترصيع، فالعسجد إذن هو الذهب فقط".
٥ - ومنها كلمة "المحارة". قال البيروني: إن صغار الأصداف بلبل وكباره محار، وأنشد بيتًا عزاه إلى امرئ القيس، والصواب أنه للشماخ، قال:
لها منسمٌ مثل المحارة خفّه كأنّ الحصى من خلفه خذف أعسرا (٢)
_________________
(١) لا نجد هذا النصّ على هذا النحو في ديوان الأدب تحقيق الدكتور أحمد مختار عمر، القاهرة ١٣٩٥ هـ ٢: ٢٥ وفيه "العسجد: الذهب" وانظر القول بأنّه يجمع الجواهر كلّها في التهذيب ٣: ٣١٢ واللسان (عسجد).
(٢) انظر ديوان الشماخ، تحقيق صلاح الدين الهادي، دار المعارف، ١٩٧٧ م: ١٣٨، ولعلّ البيروني - إذا كان السهو منه - اشتبه عليه بيت الشماخ ببيت امرئ القيس (في =
[ ٤٤٦ ]
ونقل قول الخليل بن أحمد إن المحارة اللحم الذي بين دفّتي الصدف وهي حيوانه (١). وردّه البيروني فقال: "وليس كذلك، إنما المحارة: الصدفة، سواء خلت أو امتلأت باللحم"، واستشهد بقول الراعي:
فصبَّحن المقرَّ وهن خوص على روح يقلّبن المحارا
وشرحه بقوله (تتمة ص ٣): "أي صبحت الإبل هذا الموضع - وقيل: إنه ساحل البحر - غائرات الأعين واسعات الخطى أخفافها كالأصداف الكبار".
٦ - ومنها كلمة "القبقب" قال ابن دريد في الجمهرة: "القبقب ضرب من صدف البحر فيه لحم يؤكل" (٢).
نقل البيروني ذلك وعلق عليه فقال (تتمة ص ٣): "فإن كان كذلك فالأصداف كلها قباقب لأن جميعها يشوى ويؤكل، ويستطاب لحومها ويشبه لحمها وطعمها بطعم البيض المصلوق".
٧ - ومنها كلمة "الطِّرَّان" قيل: إن "الطران" هو الألماس، ولكن البيروني يرد ذلك فيقول: "يظنّ بعضهم أن الطران هو الألماس، وليس به، وإنّما هو اسم مأخوذ من الطر، وهو القطع، الذي منه يسمّى الطرار طرارًا" (٣).
ويرى البيروني أن الطران "إما الحديد الذكر المسقي وإما الفولاذ" ويحتجّ بما جاء في أوائل كتاب يوشع: "سيف من طران" ويقول: "وهذا نصّ يسقط
_________________
(١) = ديوانه بتحقيق محمد أبو الفضل إبراهيم، دار المعارف: ٦٤): كأّن الحصى من خلفها وأمامها إذا أنجلته رجلها حذف أعسار وفي الجماهر: "كالمحارة" وهو تحريف. أمّا عبارة الخليل في الجزء الثالث: ٢٢٩ من كتاب العين، تحقيق المخزومي والسامرائي فهي: "المحارة، دابة في الصدفين".
(٢) انظر الجمهرة ١: ٣٢.
(٣) النص في المطبوعة (ص ٩٢) مصحف.
[ ٤٤٧ ]
معه معنى الألماس من الطران، على ما يجيء منه في الشعر معجم الظاء قال امرؤ القيس:
تطاير ظرّان الحصى بمناسمٍ صلاب العجى ملثومها غير أمعرا
كأنَّ صليل المرو حين تشذُّه صليل زيوف ينتقدن بعبقرا (١) "
وقال أبو الحسن الصنوبري (٢):
"بجسرةٍ ينجل الظِّران منسمها إذا توقد في الديمومة الظرر" (٣)
٨ - ومنها كلمة "العاج"، قيل: إن العرب تسمي اللؤلؤ عاجًا لأن العاج عندهم مما يتحلّى به استشهادًا بقول أعرابي:
وما عميرة من ثدياء حاليةٍ كالعاج صفّرها الإكنان والطيب (٤)
ولكن البيروني يرد ذلك فيقول (ص ١٣٥): "وما أظنّه عنى اللؤلؤ لأن اللؤلؤ ممدوح بالإكنان، وإنما عنى العاج نفسه وهو يصفر كما يصفر اللؤلؤ بما ذكروا من رسمهم، ورسم الهند أن يعملوا لنسائهم من العاج أسورة دقاقًا متفاضلة في السعة والضيق بحسب حلقة المعصم ويسمّونه وقفًا، قال النابغة الجعدي:
كوقف العاج مسَّ ذكيَّ مسكٍ يجيء به من اليمن التِّجار
تعليلات لغوية انتقدها البيروني
١ - وكثير من التعليلات اللغوية انتقدها البيروني وفندها في هذا الكتاب منها تعليل الصدف بأنه من صدف يصدف إذا مال لأنه يصدف عن اللؤلؤ، حكاه
_________________
(١) في الديوان (ص ٦٤) "تطيره" مكان "تشذه".
(٢) كذا في الكتاب، والمعروف في كنية الصنوبري: أبو بكر، وفي نسخة خزانة القيصرية: الحسن الترمذي، والبيت مشهور للبيد (من تعليق كرنكو).
(٣) الجماهر: ٩٢ - ٩٣.
(٤) في الجماهر: "وماء عميرة من يد حالية"، وهو تحريف، والبيت لسليمان بن مسلم بن الوليد. انظر معجم الأدباء ١١: ٢٥٦.
[ ٤٤٨ ]
ابن جني عن اللغويين، فعلق البيروني على هذا التعليل بقوله (تتمّة ص ٣): "لو قال من صدفي الجبلين المتقابلين في الوادي لما بعد، لأن دفتي هذا الحيوان إذا افتتحتا متشابهتان لهما وإن كانتا مقلوبتين نحو الأرض".
٢ - وقال البيروني وهو يعدّد أسماء الفضة في اللغة العربية: "قيل في أسمائها: "الغرب"، "لتغيّبها في المعدن".
ردّ هذا التعليل بقوله (ص ٢٤٢، ٢٤٣): "وليس هذا التغيب مما يخصّ الفضّة فيعلّل به اسمها، إنما هو عام لجميع الجواهر المخزونة".
٣ - ونقل البيروني عن كتاب شرح العلل لأحمد بن علي "إن النهار سمّي: "نهارًا" لأن الضوء فيه يجري من المشرق إلى المغرب جريان النهر حتى يأخذ ما بينهما".
ويعلّق البيروني على هذا التعليل فيقول (ص ١٠٦): "وليت شعري ما الفرق بينه وبين الليل إذا قيل: ظلامه المستدير من المشرق يجري إلى المغرب جريان النهر حتى يأخذ ما بينهما".
الثروة الشعرية في كتاب الجماهر:
كتاب الجماهر حافل بروائع الشعر الذي لا يختصّ بعصر دون عصر ولا طبقة دون طبقة. فإذا عقد البيروني فصلًا أورد فيه ما يتّصل به من الشعر، عدا ما جاء به لتحقيق كلمة أو تأييد رأي وخبر أو تفنيدهما أو شرح بيت ومقارنته أو إشارة إلى ما أخذ عنه المتأخّر، وما جاء به الاستطراد لتشحيذ القرائح وجلاء الأذهان وتسلية القارئ. فإذا ذكر مثلًا كيفية الغوص استهلّ البحث بقوله (ص ١٤٣): "وهذا إذا رمنا تنسمه من أشعار العرب سمعنا منها قول المخبل السعدي".
وينشد بيتين له ويشرحهما، ثم يأتي بستة أبيات للمسيب بن علس، وسبعة
[ ٤٤٩ ]
أبيات للقطامي وينصرف بعد ذلك إلى الأخبار المسموعة في ذلك.
وكذلك إذا ذكر المرجان قال (ص ١٣٧ - ١٣٨): "المرجان هو صغار اللآلي، ثم يجيء من الشعر ما يشهد له، ويجيء منه ما يشهد عليه، وفي تردّد بعضها على المسامع نزهة وجلاء للأذهان".
ويأتي بتسعة أبيات لعدد من الشعراء كالأخطل وأبي نواس وذي الرمة وأبي حية النميري والصنوبري وغيرهم.
ونقل البيروني من كتاب الأحجار لمؤلّف مجهول أن للجزع بالصين معدنًا لا يقربونه تطيرًا منهم، وكذلك ملوك اليمن كانوا يتحامونه بسبب اسمه، وعلّق على الخبر فقال: "أما هذا فإلى أصحاب اللغة، وأما ذاك فإلى الخاصيات وامتحانها بالاعتبار، وليس بمستنكر تشاؤم أمّة بشيء لأسباب بعد أن يصحّ الخبر به".
ثم يرد البيروني ما نسب إلى ملوك اليمن ويحتجّ ببيت للمرقش الأصغر ويقول: "وأمّا ما ذكر فيه من تبابعة اليمن فلو حقَّ لما عدّ المرقش الجزع في جملة ما يتحلّى به ويتزيّن في قوله:
تحلَّين ياقوتًا وشذرًا وصيغةً وجزعًا ظفاريًّا ودرًّا توائما
وقال عبيد الله بن قيس الرقيات:
حييت عنَّا أمَّ ذي الودع والطَّوق والخرزات والجزع
وقال آخر:
والنِّيل يجري فوق رضراضٍ من الجزع الظفاري
وهما عنيا الجزع اليماني، وأضافاه إلى ظفار بلدة باليمن كانت التبابعة تنزلها".
واستطرد إلى ذكر نادرة من نوادرهم فقال: "وكان قد وفد على بعضهم وافد وهو في مستشرف عال فأشار عليه بالجلوس وقال له بالحميرية: ثب، أي
[ ٤٥٠ ]
اقعد؛ فظنّ المأمور أنه يأمره بالوثوب ففعل وتردّى إلى أسفل فهلك، وعند ذلك قيل: من دخل ظفار حمّر". ولا يترك البيروني هذا الخبر والمثل بدون تعليق فيقول: "بل لو قيل: من ملك ظفار، فتفنن، فخاطب (١) كل إنسان بما يعرف، كان أصوب".
ولم ينس البيروني كلمة "توائم" في بيت المرقش فشرحها ثم رجع إلى رد خبر تطير التبابعة باسم الجزع محتجًّا بشاعر يمني وهو امرؤ القيس فقال: "ولو كان ما حكي من تشاؤم ملوك اليمن صدقًا لازداد على طول الأيام، ولاشتهر في العوام فتأسوا بهم، وتخلقوا بأخلاقهم. ونحن نرى شعراءهم لا يزالون يصفون الجزع، فلا يتحرّجون عن ذكره، ولا يتطيّرون به. وهذا امرؤ القيس من أبناء ملوك كندة يقول:
كأنَّ عيون الوحش حول بيوتنا وأرحلنا الجزع الذي لم يثقَّب"
وأتى بعد ذلك بتسعة أبيات في الجزع لأمرئ القيس والفرزدق وأبي الطمحان القيني ولبيد بن ربيعة والصنوبري وغيرهم (ص ١٧٧ - ١٧٩).
وبذلك تضخّمت الثروة الشعرية في كتاب الجماهر الذي يبلغ عدد صفحاته ٢٨٢ صفحة ويربو عدد الأبيات التي وردت فيه على (٣٦٠) بيت، وتتضاعف أهميّة الكتاب إذا عرفت أنه يحتوي على كثير من الأبيات التي لا تعثر عليها في الدواوين المطبوعة. فيجب على من يصنع ديوانًا لشاعر من شعراء العصر الجاهلي أو القرون الأربعة الأولى للهجرة أن ينظر في كتاب الجماهر على أن يجد ما يسدّ به ثغرًا.
بل لو راجع أديب فارسي كتاب الجماهر لم يرجع خالي الوفاض، وزوّده صاحبنا ببيتين من الشعر الفارسي أحدهما للغضائري من كبار الشعراء المتّصلين بالحضرة الغرنوية من معاصري البيروني (ص ٨٠) والآخر قول شاعر سمّاه
_________________
(١) كذا في الجماهر بالفاء. ولعلّ الصواب بدونها أو "فليخاطب".
[ ٤٥١ ]
"منصور مورد" ولم نقف على ترجمته (١) (ص ٨١). وكل ذلك يدلّ على كثرة محفوظات البيروني من الشعر وصلته الوثيقة بدواوين الشعراء والمصادر الأدبية.
البيروني الناقد
لا يكتفي البيروني بإيراد بيت فيمرّ به سريعًا، بل يقف عنده إذا كانت فيه كلمة غريبة، وكثيرًا ما يغوص في الأبيات المشكلة البعيدة الغور، ويكشف معنى فات الشراح. ويورد بيتًا فتستهويه محاسنه التي ينطوي عليها، فيتذوّقها ويشرك معه القارئ، فيبيّنها له. وربّما يقارنه بأبيات أخرى متّحدة معه في المعنى ومشابهة له في التعبير، ويدلّ على أول من عبّر عن ذلك المعنى ثم أخذ عنه الشعراء.
١ - فإذا أنشد البيروني قول المخبل السعدي في وصف الغواص (ص ١٤٣):
أغلى بها ثمنًا وجاء بها شخت العظام كأنَّه سهم (٢)
بلبانه زيتٌ، وأخرجها من ذي غوارب وسطها اللُّخم (٣)
شرحه، فقال: "يقول: اشتريت هذه الدرة بثمن وافر من غواص خفيف بدقّة عظامه، قد جعل الزيت على صدره لتجفيف الشمس والماء المالح إياه، وأخرجها من بحر متموّج من أعاليها اللخم (كذا). وقد قالوا في اللخم: إنه
_________________
(١) هل هو الشاعر المشهور أبو منصور المعروف بـ"صرَّدرَّ" المتوفّى ٤٦٥ هـ، فوقع تحريف في النصّ والأصل: (أبو منصور صردر)؟ انظر ترجمته في وفيات الأعيان، تحقيق إحسان عباس، دار صادر بيروت سنة ١٣٩٧ هـ، ٣: ٣٨٥ - ٣٨٦.
(٢) في المطبوعة: أعطى بها ثمنًا، والتصحيح من المفضليات، تحقيق شاكر وهارون، دار المعارف القاهرة، ١٩٦٤، ١١٥.
(٣) في المفضليات: وسطه.
[ ٤٥٢ ]
ضرب من السمك خبيث له ذنب طويل يضرب به، ويسمّى "جمل البحر". وهذا بما قال فيه الشاعر أليق، لانطباق أهوال البحر فيه إلى الخطر في المغاص" (كذا) واستدلّ البيروني بقول ابن أحمر:
رأى من جريها الغواص هولًا هراكلةً وحيتانًا ونونا (١)
وأسلم نفسه عندًا عليها وكان بنفسه حينًا ضنينا
وشرح الغريب: "الهركل: الضخم من كل شيء، وعندًا: غضبان" ثمّ أنشد بيتًا للعجاج:
أو كعبابي ذي أواذيَّ غطمّ ذي واسقات تترامى باللُّخم (٢)
ونقل قول الفراء بأنّ اللخم هي: الضفادع، وقول أبي العباس العماني إن اللخم بالفارسية: فيشواز، وهو غير مؤذ، والمؤذي خرست، وهو المعروف بالكوسج، وردَّ البيروني قولهما فقال (ص ١٤٤): "إذا كان اللخم غير مؤذ لم يفد ذكره في الشعر".
٢ - وأنشد البيروني قول أبي داود الإيادي
ودرةٌ غاص عليها تاجرٌ جليت عند عزيزٍ يوم ظلّ (٣)
وشرحه بقوله (ص ١٣١ - ١٣٢): "فالتاجر هو الآمر أجراءه بالغوص، القيم بالأمر دون الغواص. ونسبة الغوص إلى التاجر كما نسبة الزراعة إلى رب
_________________
(١) لم أجد البيت الأول في "شعر عمرو بن أحمر الباهلي" جمع وتحقيق حسين عطوان، ط. مجمع اللغة العربية بدمشق.
(٢) الرجز في المطبوعة محرف، والتصحيح من ديوانه بتحقيق عبد الحفيظ السطلي، مكتبة أطلس، دمشق ١٩٧١، ١: ١٧٥.
(٣) في المطبوعة: خليت (بالخاء المعجمة) وهو تصحيف، وقال المحقّق: "لم أجد بيت أبي داود في كتاب آخر عندي". أقول البيت في تفسير الطبري ١٢: ١١٠ برواية "طل"، وانظر دراسات في الأدب العربي لغرنباوم ترجمة إحسان عباس وزميليه: ٣٢٩.
[ ٤٥٣ ]
الضيعة دون الأكار وإن كان الفعل له. والعزيز: كبير القوم، فليس يرغب في الدرر إلاّ مثله من أرباب النعم. فإن قيل: إنه أراد ملك مصر فإنّه لقب ملوكهم كان وجهًا بعيدًا، وعلى بعده ركيكًا. وأراد بيوم الظل انقطاع الشمس عنها، ووقع الظلّ عليها لأن الشمس إذا أشرقت عليها نقص رونقها في المنظر وكانت كسراج في ضحى، وإنما يستبين حسنها في الظلّ كما تستبين الأشياء بأضدادها. ولكل قوم من المتحرفين في حرفهم مواضع وأوقات لعرض سلعهم وما يفعلونه من ذلك ضرب من الغش والتمويه".
ولا تفوته رواية أخرى للبيت وهي "يوم طل بالطاء المهملة، فيشرح هذه الرواية ويقول: "وقد قيل: يوم طل، غير معجم. ونزول الطل يكون بالليل، ثمّ يرتفع بالغداة، ولا يمنع الشمس عن الإشراق بل يزيدها ضياء بتصفية الهواء وترطيبه. وإذ المقصود غيبة الشمس فانّ مطر السحاب الساتر لها إذا انفض عن الرش لم يمتنع مانع عن تشبيهه بالطل". ثمّ يأتي ببيتين لعمرو بن أحمر أضاف فيها الدرر إلى الصائغ كما أضافه أبو داود إلى التاجر وهما:
وما ألواح درَّة هبرقيٍّ جلا عنها مختِّمها الكنونا
يلفِّفها بديباج وخزٍّ ليجلوها وتأتلق العيونا (١)
ويقول: "يعني ما لاح من الدرة عند كشف الغطاء عنها، فإنما أضافها إلى الصائغ لأنه يزاول الجواهر ويصوغ الجمان عند من يراه من الفضة".
ويتبعها بيتين لحسان بن ثابت يتفّقان مع بيت أبي داود في ذكر الملك:
فلأنت أحسن إذ برزت لنا يوم الخروج لساحة القصر
من درّةٍ أغلى بها ملكٌ مما تربّب حائر البحر
٣ - وينشد البيروني في الجزع بيت امرئ القيس الذي نقلناه آنفًا وهو:
_________________
(١) البيت الثاني لا يوجد في شعره الذي جمعه وحقّقه الدكتور حسين عطوان.
[ ٤٥٤ ]
كأنَّ عيون الوحش حول بيوتنا وأرحلنا الجزع الذي لم يثقَّب
فيذكر في شرحه قولين فيقول (ص ١٧٨): "قد شبه عيون الوحش - في ظهور بياضها المحدق بسوادها الذي لا يبدو من عينها إلاّ بتقليب مقلها وانقلابها بالنزع أو الموت - بالجزع، لا يغادر منها شيئًا سوى الثقب، فإن المقل ليست بمثقوبة. وقيل: إن الذي يعمل الخرز منه فهو أردؤه وأميله إلى السواد، وإذا عمل منه يثقب لا محالة لينظم في سلك. والذي يعمل منه الفصوص هو أجود لصفاء جوهره وعدم ثقب فيه، فكأنّه يشير من النوعين إلى أشرفها".
ويكشف البيروني عن وجه آخر من معنى قوله "لم يثقب" فيقول: ويجوز أن يكون معناه أن عيون الوحش المشابهة للجزع ليست تنتظم في القلائد وإنما تقع باتفاق متفرّقة كالخرز التي لم ينظمها سلك لعدم الثقب".
ولا يذهب على صاحبنا أن علماء البلاغة يتمثّلون بهذا البيت فيما سمّوه بالإيغال فينقل ما قاله العسكري في هذا البيت.
٤ - وينشد البيروني قول النابغة الذبياني:
رقاق النعال طيِّبٌ حجزاتهم يحيِّون بالريحان يوم السباسب
ويذكر ما قال الشارحون في السباسب فيقول (ص ٢١): "قالوا في السباسب إنه يوم الشعانين، لأن البيت مقول في الغساسنة، وكانوا على النصرانية، وكأنهم عنوا بالريحان ما كان في أيدي الداخلين مع المسيح ﵇ من قضبان الزيتون والأترجّ".
ويرى البيروني هذا التخريج "غير بعيد" ولكن المقصود في البيت عنده: "عزَّة الرياحين أيّام قطع المهامه، وأنهم يحيّون فيها بها، ولا يعوزهم ما يعوز غيرهم، مثل ما يحمل من الرياحين والبقول في البادية مع من حجّ من الملوك وكبار المترفين. وكل ما عزَّ وجوده يتيمن به". ويحتجّ على رأيه بقول بكر بن النطاح الحنفي:
[ ٤٥٥ ]
جئتك بالرّامش رامشنةً أطيب من رامشنة الآس
ويقول: "وهذه الرامشنة ورقتا آس متّحدتان إلى الوسط متباينتان منه إلى الرأس، وتوجد في الندرة، فيحي بها الكبار وخاصة الدَّيلم" (١).
٥ - ويورد البيروني بيتًا لعدي بن زيد العبادي في تحقيق الجمانة:
ألبس الجيد وشاحًا محكمًا وجمانًا زانه نظم عذارى (٢)
فتستوقفه كلمة "عذارى"، ويبيّن بلاغته في البيت فيقول: "وإنما خصّ العذارى لفراغهن من مراعاة "الكدخذاهيّة" (٣) وشدة حرصهن على الزينة وما في طبعهن من الغلمة والشبق والشوق إلى الأزواج فيتدرّبن في مزاولة ذلك، والتنوق والاهتداء لتحسين النظم مع لطف الكفّ ونعومة البشرة بالإقبال في الشباب" ويشفعه ببيت للنابغة:
أخذ العذارى عقدها فنظمنه من لؤلؤٍ متتابعٍ متسرِّد
٦ - وينشد البيروني بيتًا لابن المعتز يشبه فيه نفاخات الماء بالبلور فيقول:
أما رأيت حباب الماء حين بدا كأنَّه قحف بلُّور إذا انقلبا
ثم يقفّيه بقول العوفي:
كأنَّما القطر على مياهها إذا انتشى يطلع من حيث هبط
قباب درٍّ حولها وصائف في رفعهنَّ يرتمين باللِّيط
_________________
(١) نقل البيروني في كتاب الصيدنة عن حمزة (ص ٣٤) قال: الرامشنة ورقها تتّفق في خلال ورق الآس ذات رأسين وأصل واحد، يضعونها على آذانهم إجلالًا لها تيمّنًا بها، وإذا حيّوا بها قالوا: شاذى وآرامش.
(٢) البيت غير موجود في ديوان عدي بتحقيق محمد جبار المعيبد، بغداد، ١٩٦٥، ولعلّه من القصيدة ذات الرقم ١٧.
(٣) الكلمة معرب "كدخدائي"، وهي كلمة فارسية تعني الزواج والقيام بالشؤون المنزلية.
[ ٤٥٦ ]
ويقارن بين القولين، وينتقد قول العوفي فيقول (ص ١٨٥): "والنفاخات إذا كانت من در لم يشفَّ ولم ير ما فيها ولا ما وراءها، وأمّا تشبيهها بالبلور فهو المستحسن".
٧ - ووصف أبو منصور الثعالبي خط علي بن مقلة فقال:
خطُّ ابن مقلة من أرعاه مقلته ودَّت جوارحه لو حوِّلت مقلا
فالدرُّ يصفرُّ لاستحسانه حسدًا والورد يحمرُّ من نوّاره خجلا
ويلاحظ البيروني عدم الملاءمة بين اصفرار الدر واحمرار الورد فيقول (ص ١١٩): "اصفرار الدر بإطلاق ليس كاحمرار الورد بإطلاق، فإن الأول عيب والآخر منقبة".
٨ - وعقد البيروني فصلًا في مائية اللؤلؤ الرطب (ص ١٢٠ - ١٢٤)، وبين المراد من وصفه بالرطوبة فقال: "وأما ما ذكر في اللؤلؤ من الرطوبة فإن معناه: ماء الرونق والبهاء، ونعمة البشرة وتمام النقاء، وليس يعني بها نقيض اليبوسة، حتى يتعجّب منها، كما تذكر الفرس في الذهب المستشار".
وأنشد أبياتًا كثيرة في اللؤلؤ الرطب، منها قول نمير العقيلي في مجدور:
ما أثَّر الجدريُّ في خدِّه وإنما أثَّر في قلبي
كأنه البدر لتمٍّ بدا منقَّطٌ باللؤلؤ الرطب
وكأني بالبيروني وقد ظهرت على شفتيه ابتسامة يشوبها سخرية، ولكن سرعان ما تحوّلت إلى تقزُّز واشمئزاز ونقد لاذع، فيقول: "وهذا لعمري اللؤلؤ الرطب حقًا! ولكن تصوُّره عند السماع يهوِّع، من غير ذلك العاشق العمي العين والقلب من معايب المعشوق".
ثم يورد أبياتًا أخرى في الاعتراض، ويحكي عن الصاحب ابن عباد أنه كان إذا سمع قول عوف بن محلم:
[ ٤٥٧ ]
إنّ الثمانين - وبلّغتها - قد أحوجت سمعي إلى ترجمان
قال: "بلَّغتها" حشوة ولكنّها حشوة اللَّوزينج، ثمّ ينشد البيروني قول عدي بن زيد:
ولو كنت الأسير - ولا تكنه - إذًا لعلمت معه ما أقول
ويشفعه بيتين لذي الرمة:
أسيلة مجرى الدمع هيفاء طفلة رداح كإيماض الغمام ابتسامها
كأنَّ على فيها - وما ذقت طعمه - مجاجة خمر طاب فيها مدامها
وإذا سمح صاحبنا قطعت كلامه - ولا أدري من أي نوع تكون هذه الحشوة عند ابن عباد - وأنشدته قول أبي صعترة البولاني:
فما نطفة من حبِّ مزنٍ تقاذفت به جنبتا الجوديِّ والليل دامس
فلمّا أقرَّته اللِّصاب تنفست شمالٌ لأعلى مائه فهو قارس
بأطيب من فيها - وما ذقت طعمه - ولكنني فيما ترى العين فارس (١)
ويفسّر البيروني قول ذي الرمة بقول ابن الرومي:
وما ذقته إلاّ بشيم ابتسامها وكم مخبر يبديه للعين منظره
ثمّ يرجع إلى قول العقيلي، ويقارن بينه وبين الأبيات التي أنشدها من قبل ويعلّق عليه تعليقًا طريفًا فيقول: "واللؤلؤ في هذا البيت على خلافه، فإنه وقر في الأسماع، وقذًى في العين، وخناق في الآناف، وصابٌ في الأفواه، وشوك في اللمس، وقضَّة في المضجع". ويقارنه بقول الوأواء، فيقول:
أبيض واصفرَّ لاعتلال فصار كالنرجس المضعَّف
يرشح منه الجبين قطرًا كأنَّه لؤلؤ منصَّف (٢)
_________________
(١) حماسة أبي تمام بشرح المرزوقي تحقيق أحمد أمين وعبد السلام هارون، الطبعة الثانية، القاهرة، ٣: ١٢٨١.
(٢) في المطبوعة: "لاعتدال" و"فصال" مكان "لاعتلال فصار" وهو تحريف، انظر ديوان =
[ ٤٥٨ ]
وينشد البيروني بعد ذلك خمسة أبيات رائعة وصف فيها الصنوبري حبوب الجرب وما فعلت به وأبدع في الوصف أيما إبداع فقال:
الشيب عندي والإفلاس والجرب هذا هلاك، وذا شؤم، وذا عطب
إن دام ذا الحكُّ لا ظفر يدوم ولا يدوم جلد ولا لحم ولا عصب
أما تراه على الكفّين منتظما كأنّه لؤلؤ ما إن له ثقب
كحبّة العنب الصغرى تبين ولا تزال تعظم مالا يعظم العنب
ولقّبوه بحبّ الظَّرف ليتهم يا نفس ضاعوا كما قد ضاع ذا اللقب
صراع بين العلم والشعر
قد انتقد البيروني عددًا من الأساليب والتراكيب والتشبيهات المعروفة المتداولة التي لاحظت فيها ثقافته "الجوهرية" ضعفًا علميًا، ووصفها بأنها "مستحسنة اللفظ مستهجنة المعنى". ونرى في هذه الملاحظات صراعًا بين الصدق العلمي والصدق الشعري. فيدرك البيروني مغزى هذه التراكيب والتشبيهات ولكن يودّ لو روعيت فيها الحقائق العلمية. وهنا تطغى شخصيّته العلمية - وهي قوية غلاّبة - على شخصيّته الأدبية، فيقول:
١ - "ومن المستحسن لفظه في الشعر قول الأول:
أمسى فؤادي عند خمصانة ذات وشاح قلق جائل
كأنَّها من حسنها درَّةٌ أخرجها اليم إلى الساحل
ثم إنه المستقبح معنى لأن المقذوف لا يكون إلاّ في صدف ميت وهو في هذه
_________________
(١) = الوأواء تحقيق سامي الدهان، المجمع العلمي العربي بدمشق، سنة ١٣٦٩ هـ: ١٥٣ ويتيمه الدهر للثعالبي تحقيق محمد محيي الدين عبد الحميد، مطبعة حجازي، القاهرة ١: ٢٧٦.
[ ٤٥٩ ]
الحالة على شفا من العيوب من التغيّر والتآكّل، وما دام الصدف حيًّا فإنه ملازم للقرار غير معترض للتيار حتى ينقذف إلى الساحل". ثم يورد بيتًا لشاعر سمّاه "مسرورًا" يشبه ما قبله:
أو درةٌ ضحكت زهراء عن صدف مجَّت بها قذفات البحر ذي الزبد
ويتبعه قول منصور القاضي:
فتًى، إذا فاض ندى كفِّه غضَّ من الغيث إذا ما هتن
كالبحر إن هاج طمى بالرَّدى ويقذف الدرَّ إذا ما سكن
ويكشف البيروني عن عواره فيقول: "فإن حمل قذف البحر الدر في الصدف الحي باهتياج وجبٍ حادثٍ في قعره من أشباه الزلازل والرجفات التي تكون في البر حتّى يزعج ما على قراره إلى وجهه لكان قولًا ما، ولكن قذفه إيّاه وقت السكون أعجب ما يكون".
وروى بعضهم. "يعطى" مكان "يقذف" في قول المتنبي، فيقول البيروني: "وكأن من روى قول المتنبي:
كالبحر يعطي للقريب جواهرًا جودا ويبعث للبعيد سحائبا
فطن لهذا، فأبدل القذف بالإعطاء".
ثمّ يشير البيروني إلى أن منصورًا القاضي أخذ المعنى من قول المتنبي:
هو البحر، غص فيه إذا كان ساكنا على الدر واحذره إذا كان مزبدا
إلاّ أن منصورًا "أفسد الدرة وحولها بعرة (١) وكذلك يذكر أن ابن سمودة أخذ منه في قوله:
ولم يدر أنَّ البحر يعبر ساكنًا وإن هاج يومًا فالسَّفين كسير
ويستطرد البيروني استطرادًا يؤكّد رأيه فيقول: "هؤلاء شبّهوا الممدوح في
_________________
(١) في المطبوعة: بغيره، وهو تصحيف.
[ ٤٦٠ ]
سخائه بالبحر، ورفعه أبو الفرج بن هندو عنه فقال:
البحر يخزن دره في قعره وغثاؤه المبذول للوراد
وأقل مبذول لطارق رحله درر يجيب بهنّ حيث ينادي"
ويستوقف البيروني ما وعته ذاكرته من الأبيات في هذا المعنى فيقول: "ورسوب الدر وطفو الغثاء معنى قد تداولته الشعراء وأكثروا فيه، قال ابن الرومي:
جيفٌ أنتنت فأضحت على اللُّجـ ـجة والدرُّ تحتها في حجاب
وينسب إلى شمس المعالي شعر فيه:
أما ترى البحر يعلو فوقه جيف ويستقرّ بأقصى قعره الدرر"
٢ - ومن هذا النوع يعد البيروني تشبيه الكؤوس بالدر وقشور اللآلي، فيقول: "وكذلك تشبيههم الكؤوس بالدر وقشور اللآلي مستحسن اللفظ مستهجن المعنى فإن المطلوب في الكؤوس هو الشفاف ليرى من خارج ما وراءها من غير اطلاع فيها وليس في اللؤلؤ هذا الشفاف المقصود" ثمّ أنشد عدّة أبيات شبّهت الكأس فيها باللؤلؤ وقشره، منها قول إبراهيم النظام:
يسقى بلؤلؤة في جوف لؤلؤة من كفّ لؤلؤة فاللون حسِّيُّ
ماء وماء وفي ماء يديرهما ماء جرى فيهما والفكر وهميُّ
وقول ابن المعتز:
موج من الذهب المذاب يضمّه كأس كقشر الدرة البيضاء (١)
ويرى البيروني أن كلّهم - في تشبيه الكأس باللؤلؤ - عيال على أبي نواس
_________________
(١) في المطبوعة: مزج، ولعلّ صحّته موج كما في ديوانه تحقيق لوين، إستانبول ١٩٥٠، ٣: ٦ وكتاب التشبيهات لابن عون تصحيح عبد المعيد خان، كمبردج، ١٣٥٩ هـ: ١٩١.
[ ٤٦١ ]
الذي أصمى وأشوى في قوله:
فالخمر ياقوتة، والكأس لؤلؤة في كفِّ لؤلؤةٍ ممشوقة القدِّ
وعلى عبد الله بن المعتز في "الذهب المذاب" ثمّ ساق بضعة أبيات في ذلك (ص ١١٥ و١١٦).
وقال في موضع آخر ينتقد هذا التشبيه (ص ٢٢٣): "إنّ الشعراء قصدوا في صفة الكؤوس بالبياض صفاءها، ثمّ تجاوزوا إلى اللؤلؤ وقشوره، فبعدوا عن المقصود في ظاهر اللفظ عن فضيلة الشفاف في الأقداح، فإذا تشابهت الدرر لم ير ما وراءها إلاّ أن يطلع إليها مطلع من فوقها، فترى الخمر منها في سواء الحجم، وتبطل به تشبيهاتهم وصفتهم شعاعها ولونها وحبابها إذا غارت في جوف الدرة عن الأعين، سواء البصير فيها والضرير".
وكما تشبه الكأس بقشور اللآلي كذلك يشبهون البشرة بها، وبينما ينكر البيروني التشبيه الأوّل إذا هو يحمد الثاني فيفرّق بينهما ويقول (ص ١١٦): "ليس هذا بمضاه لتشبيههم الأبشار بقشور الآلي فإنّ الدر المركب من البياض وسمة من الصفرة ووفور البريق ممّا يحمد مثله في البشرة ولا يحتاج معه إلى استشفاف ما وراءها".
ثم أنشد أبياتًا لأبي نواس ونصيب وبشار وغيرهم، فيقول أبو نواس:
كأنما أوجههم رقّةً لها من اللؤلؤ أبشار
وقال بشار:
كأنما خلقت من ماء لؤلؤة في كل أكنافها حسن بمرصاد
٣ - وكذلك ينتقد البيروني تشبيه الماء بالفضّة ويراه شرًا من تشبيه الكأس باللؤلؤ ويقول (١١٥): "وتشبيه الماء بالفضة شر من ذلك، والبلاء فيه من تسويتهم بين العديم اللون كالماء الزلال وكالبلور، وبين الأبيض كاللبن والحجر
[ ٤٦٢ ]
الأبيض كالمينا، ووصفهم لكل الصنفين بالبياض".
وتحدّث البيروني عن قوله تعالى ﴿بيضاء لذَّة للشَّاربين﴾ فقال: "البيضاء صفة الوعاء لا الشراب إذ لا يحمد ذلك منه في العادة، والمراد بهذا البياض: التعرّي عن الألوان كالبلور، لا الأبيض اليقق اللبني، فإنّ هذا البياض مع السواد متقابلان على التضاد ولن يشفّ واحد منها".
ثمّ قال (ص ١٨٣): "وعلى هذا المنهج وصفهم الأبيض النقي بالفضة ولا بمعنى الشفاف فليست الفضّة منه في شيء". ويقيس البيروني تركيب "قوارير من فضة" على ذلك، فإنّ "المقصود من أواني الزجاج هو الشفاف الصادق ليرى من خارجها ما في أجوافها، فإذا كانت فيها خواص الفضة لم يحصل المقصود".
وقد فصل القول في ذلك فقال (ص ٢٢٣): "إنّ المراد بها خواص القوارير دون خواص الفضّة، ولا مدخل للفضّة إلاّ من جهة التعارف ووقوع بياضها على العديم اللون دون الأبيض اللبني، كما أن الشعراء قصدوا في صفة الكؤوس بالبياض صفاءها ثمّ تجاوزوه إلى اللؤلؤ وقشوره ".
ونقل البيروني ما قال علي بن عيسى الرماني في تفسيره، ولعلّه هو الذي حمل البيروني على هذا التفصيل والتنبيه. قال الرماني: "إنّ الفضّة الشفافة كالبلور أفضل من الياقوت والدر، وهما أفضل من الذهب، فتلك الفضّة أفضل من الذهب".
يفند البيروني هذا القول فيقول: "هذا كلام خطبى خال عن محصول له، لا في الوجود ولا في الوهم، إذ لا يكاد يتصوّر غير ما شوهد له في الوجود نظير، إما لكله وإمّا لأجزائه في حالات مختلفة، ثمّ يتمكّن الوهم من جمعها وتركيبها، وإن استحال وجود ذلك التركيب في المعهود. وكل أبيض نقي براق فإنّه يشبه بالفضّة، ولم يشاهد قط أبيض شفاف، ولن يوجد في اللبن إلاّ بعد التجبن وتفصيل الأبيض منه، وأمّا المتعارف في هذا الأبيض على الذي عدمه
[ ٤٦٣ ]
وعدم سائر الألوان".
ثمّ أنشد البيروني قول عنترة:
جادت عليه كل بكرٍ ثرةٍ فتركن كل قرارة كالدرهم
وقال يشرح التشبيه: "لم يعن أنه وسمها كالدرهم، فإنّ الجود يفيض ويسيل، ولا ذهب إلى استدارة الدرهم، وإنّما قصد الصفة بالنقاء والصفاء فشببها بالفضّة وعبّر عنها بالدرهم لأنّه منها يعمل".
ويرى البيروني أن العرب لما كانوا يصفون الماء والكأس بالبياض، ثمّ يشبّهونه بالفضّة، ويعنون الصفاء والنقاء والبريق، نزل القرآن بلغتهم وجرى على أساليبهم، يقول البيروني (ص ١٨٣): "وعليه قوله تعالى: ﴿قواريرا من فضَّةٍ﴾ والعرب هم أول المخاطبين بالقرآن فالخطاب معهم على عرفهم".
٤ - قد جمع الله تعالى بين الياقوت والمرجان في قوله ﴿كأنَّهنَّ الياقوت والمرجان﴾ ففسّر بعضهم بأن الله تعالى أراد صفاء الياقوت وبياض المرجان، ولكن البيروني يرد هذا التفسير فيقول (ص ٢٢٣ و٢٢٤): "وعلى مثله جمعهم بياض المرجان إلى صفاء الياقوت دون حمرته المقصودة في هذا التشبيه فلقد يوجد ما هو أصفى من الياقوت مثل البلور والزجاج".
وإنما الغرض - عند البيروني - في ذكره "هو التركيب من حمرة الياقوت وبياض المرجان، فخلو البياض عن الحمرة غير مستحسن في أبشار البشر، ولأجله قالوا: الحسن أحمر".
واحتجّ البيروني بأبيات بشار يقول فيها:
فخذي ملابس زينة ومصبغات هنّ أفخر
وإذا دخلت تقنعني بالحسن إن الحسن أحمر
وقال:
[ ٤٦٤ ]
هجان عليها حمرة في بياضها تروق بها العينين والحسن أحمر
البيروني وأبو تمام:
شهد العصر العباسي انقلابًا عظيمًا في الحياة السياسية والاجتماعية والعقلية، وأحدث اختلاط العناصر المختلفة ولقاح الثقافات المتباينة تغيّرًا في الذوق، وتغيّرًا في التفكير، وتغيّرًا في التعبير، فكان طبيعيًّا أن يتطور الشعر بتطوّر الحياة ويسلك طريقًا غير طريق المتقدّمين فيعبّر عن المعاني الجديدة تعبيرًا عصريًا.
فنرى أبا تمام في هذا العصر يسلك - بفضل ثقافته العصرية وعقليته الممتازة - مذهبًا جديدًا وصف بغموض المعاني والتدقيق الفلسفي وكثرة الحوشي والإغراق في الطباق، بينما نرى تلميذه البحتري يؤثر أسلوب الأوائل الذي يمتاز بصحّة السبك وحسن الديباجة وانكشاف المعاني وقرب المأخذ، ويلتزم بما سمّوه "عمود الشعر العربي" التزامًا قويًا.
فاحتدمت المعركة الأدبية بين أنصارهما، وتمخّضت عن ثروة أدبية ضخمة منها كتاب الموازنة بين الطائيين لأبي القاسم الآمدي (م ٣٧٠ هـ) وهو أول كتاب ظهر في هذا الموضوع. وادّعى الآمدي في هذا الكتاب عدّة مرّات اعتماد الحق وتجنّب الهوى وترك التحامل "لتباين الناس في العلم واختلاف مذاهبهم في الشعر"، ولكن نظرة خاطفة في الكتاب تكفي للدلالة على أنه تحامل على أبي تمام في كثير من المواضع.
أمّا البيروني فليس من الغريب بعدما عرفنا من ثقافته العلمية الواسعة المتنّوعة وما رأينا من ذوقه العلمي في ملاحظاته على التراكيب والتشبيهات الأدبية المعروفة أن يعجبه مذهب أبي تمام فيحبّه ويناصره دون أن يتعصّب على البحتري وأمثاله. ولعلّك تذكر أنه قد شرح ديوان أبي تمام، وقد رأى ياقوت
[ ٤٦٥ ]
هذا الشرح بخط البيروني نفسه.
فلمّا رأى صاحبنا الآمدي يتحامل على أبي تمام ويجحف بحقّه حمله حبّه للحق والعدل فضلًا عن إعجابه بأبي تمام على أن يدافع عنه في كتاب الجماهر. فينقل البيروني من كتاب الموازنة ويعلّق عليه فيقول (ص ١٢٠): "إنّ أبا القاسم الآمدي أنشد لأبي تمام:
مفصلة باللؤلؤ المنقى لها من الشعر إلاّ أنها لؤلؤ رطب
وقال: عنى به المحدث، وهذا من اختراعاته، ولم يخرجه مخرج المدح والرضى فإن فضل ميله إلى البحتري على الانحاء أبي تمام (كذا) مع ادّعائه الإنصاف بينهما في كتاب الموازنة بين شعريهما".
ويرد البيروني على الآمدي فيقول: "فإن كان أبو تمام اخترعه فقد اتّبعه الكافة، ولهجوا بذكره، ولم يصابروا عنه، وكل محدث فتي في جنسه من حيوان أو غصن أو نبات فإنه لا محالة أنعم وأرطب بسبب استعداده لقبول النماء، فإن كان اللؤلؤ في الصدف ناميًا فله من تلك الرطوبة حظ، وإن برز فليس يعني غير مائه وبهائه، وإن كان أصلب من الحجارة والحديد".
وكذلك عاب الآمدي قول أبي تمام "باللؤلؤ المنتقى" وقال قولًا يدلّ على عصبية عمياء وهو قوله: "إن المنتقى من الشعر لا يكون إلاّ مسروقًا، وقبيح فاحش أن يعترف بالسرقة".
ورحم الله أبا الريحان، فقد دافع عن أبي تمام وأحسن الدفاع، فقال: "وكأن أبا القاسم عرف هذه السرقة بالكهانة أو الطالع والعيافة، فلست أرى لها في البيت أثرًا، وما على الرجل إذا قال في قصيدته إنها مفصلة لؤلؤ من الشعر ذي ماء ورونق، مختار لسمطها، منقح من العيوب، مهذب عن المقادح، وقد أكددت خاطري في انتقائها، كما قال عدي بن الرقاع:
وقصيدةٍ قد بتّ أجمع بينها حتّى أقوم ميلها وسنادها"
[ ٤٦٦ ]
ومن حضور بديهة البيروني أنه أنشد بيتًا للبحتري الذي استعمل الكلمة نفسها التي انتقدها الآمدي في بيت أبي تمام، ويقول: "وكما قال البحتري:
بمنقوشة نقش الدنانير ينتقى لها اللفظ مختارًا كما ينتقى التبر
وهذا هو الانتقاء لولا التجنّي والقلى، وما أعلمه أنه عنى بقوله من الشعر شعر غيره دون شعر نفسه".
ثم أنشد البيروني تسعة أبيات في التشبيه باللؤلؤ الرطب منها قول ابن المعتز:
كأن الكأس في يده عروس لها من لؤلؤ رطب وشاح
وقال: "ثم تجاوز اللؤلؤ في الرطوبة إلى الجواهر الرطب بإطلاق فقال:
نظمت قلائد زهرها بجواهر رطب زمرُّدها ندٍ عقيانها
بل من الزمرد والعقيان إلى أدون الخرز:
يا غصنا من سبجٍ رطب أصبح منك الدر في كرب"
وأورد البيروني مثالًا آخر لتحامل الآمدي على أبي تمام فقال (ص ١٢٤): "وما يزيدك استيقانًا بسوء رأي أبي القاسم لأبي تمام أنه قال في قوله:
فكل كسوف في الدَّراري شنعة ولكنّه في الشمس والبدر أشنع
كسوف الكواكب أن يسترها كوكب فلكه دونها ولا يتفقّده إلاّ المنجّمون، فليست فيه شنعة لأن الشنعة تكون فيما عمت رؤيته".
ثمّ ردّ البيروني على الآمدي ردًّا مفحمًا، ودافع عن أبي تمام دفاعًا قويًا وختم البحث بقوله: "وأبو تمام مظلوم جدًا من أبي القاسم في أكثر الأمر".
ولا يخفى ما ينمّ عنه هذا التعليق من تألّم شديد لتحامل الآمدي على أبي تمام وما غمط من حقّه وطمس من محاسنه، ولعلّ تحامله هو الذي دفع البيروني إلى أن يشرح شعر أبي تمام، ويرد خصومه، ويكشف القناع عن
[ ٤٦٧ ]
محاسنه فيعود الحق إلى نصابه والماء إلى مجاريه.
وإني آمل أن يكون هذا العرض السريع للمباحث الأدبية التي يتضمّنها كتاب الجماهر عونًا على تحديد مكانة الكتاب الأدبية، وإنارة ملامح الشخصية الأدبية للبيروني وإبراز جانب مهمّ من جوانب عبقريته.
[ ٤٦٨ ]