وأخبرني من أثق به - هو الشيخ أبو عبد الله محمد بن علي اليحصبي القرموني الزجال بما معناه، قال: ركب المعتمد على الله أبو القاسم بن عباد للتنزه بظاهر إشبيلية في جماعة من ندمائه وخواص شعرائه، فلما أبعد أخذ في المسابقة بالخيول، فجاء فرسه بين البساتين سابقًا، فرأى شجرة تين قد أينعت وأزهرت، وبرزت منها ثمرة قد بلغت وانتهت، فسدد إليها عصا كانت في يده، فأصابها، وثبتت في أعلاها، فأطربه ما رأى من حسنها وثباتها، والتفت ليخبر من لحقه من أصحابه، فرأى ابن جاخ الصباغ أول لا حق به، فقال: أجز:
كأنها فوق العصا
فأجاب مسرعًا:
هامة زنجي عصى
فزاد طربه وسروره بحسن ارتجاله، وأمر له بجائزة سنية.
قال علي بن ظافر
وأخبرني أيضًا أن سبب اشتهار ابن جاخ هذا، أن الوزير أبا بكر بن عمار كان كثير الوفادة على ملوك الأندلس، لا يستقر ببلد، ولا يستفزه عن وطره وطن، وكان كثير التطلب لما يصدر من أرباب المهن من الأدب الحسن، فبلغه خبر ابن جاخ هذا قبل اشتهاره، فمر على حانوته وهو آخذ في صناعة صباغته، والنيل قد جر على مده ذيلًا، وأعاد نهاره ليلًا، فأراد أن يعلم سرعة خاطره، فأخرج زنده ويده بيضاء من غير سوء، وأشار إلى يده فقال:
كم بين زندٍ وزند
فقال:
ما بين وصلٍ وصد
فعجب من سرعة ارتجاله مع مضيه في عمله واستعجاله، وجذب يضبعه، وبالغ في الإحسان إليه غاية وسعه.