روى أبو عامر بن شهيد قال: لما قدم زهير الصقلي حضرة قرطبة من المرية، وجه أبو جعفر بن عباس وزيره إلى لمة من أصحابنا، منهم ابن برد وأبو بكر المرواني وابن الحناط والطبني فحضروا، فسألهم عني وقال: وجهوا إليه، فوافاني رسوله مع دابة بسرج محلى، فسرت إليه ودخلت المجلس - وأبو جعفر غائب - فتحرك المجلس لدخولي، وقاموا جميعًا إلي، حتى طلع أبو جعفر علينا ساحبًا ذيلًا لم أر أحدًا سحبه قبله، وهو يترنم. فسلمت عليه سلام من يعرف قدر الرجال، فرد ردًا لطيفًا، فعلمت أن في أنفه نعرة لا يخرج إلا بسعوط الكلام، ولا تراض إلا بمستحصد النظام، ورأيت أصحابي يصيخون إلى ترنمه. فقال لي ابن الحناط - وكان كثير الإنحاء علي، جالبًا في المحافل ما يسوء الأولياء إلي -: الوزير حضره قسيم، وهو يسألنا إجازته، فعلمت أني المراد، فاستنشدته فأنشد:
مرض الجفون ولثغة في المنطق
فقلت لمن حضر: لا تجهدوا نفوسكم؛ فما المراد غيري، ثم أخذت الدواة فكتبت:
سببان جرا عشق من لم يعشق
من لي بألثغ لا يزال حديثه يذكي على الأكباد جمرة محرق
ينبي فينبو في الكلام لسانه فكأنه من خمر عينيه سقي
لا ينعش الألفاظ من عثراتها ولو أنها كتبت له في مهرق
ثم قمت عنهم، فلم يلبثوا أن وردوا علي، وأخبروني أن أبا جعفر لم يرض بما جئت به من البديهة، وسألوني أن أحمل مكاوي الهجاء على حقارة - وزعموا أن إدريس بن اليماني هجاه فأحسن، فقلت:
أبو جعفر كاتب شاعر مليح سنى الخط حلو الخطابة
تملأ شحمًا ولحمًا وما يليق تملؤه بالكتابة
له عرق ليس ماء الجباه ولكنه رشح ماء الجنابة
جرى الماء في سفله جرى لينٍ فأحدث في العلو منه صلابة
[ ٤٣ ]
قال علي بن ظافر: وأحسب أن الذي هجاه به إدريس وأفحش فيه قوله، وقد كان وفد عليه بالمربة وامتدحه بقصيدة، فلم يحفل به، فأنفذ إليه عند خروجه منها يقول:
إيهٍ أبا جعفر المرجى ما بال طيري خلاف طيرك!
أهديت رقراقة المعاني لم أهد أمثالها لغيرك
فلم تمرها ولم تمرني ولم تمرها بفضل ميرك
فصار شعري لديك بكرًا قد يئست من فلاح أيرك