ما ذكر أن الشريف أبا جعفر مسعود بن الحسن العباسي - وهو من ولد العباس - بن محمد بن علي بن عبد الله بن العباس ويعرف بالبياضى - كان يتعشق قينةً ببغداد اسمها بدور، وتعرف بجارية بنت الملك، وفيها يقول:
شكا القلب ظلمته في الحشى إلي فأسكنت فيه بدورا
وكانت تنزل ببغداد في القطيعة، فاجتمع يومًا هو وأبو تراب هبة الله بن السريجي - وكان شاعرًا - فقال بديهًا يخاطب الشريف:
أسلوت حب بدور أم تتجلد وسهرت ليلك أم جفونك ترقد؟
[ ٧ ]
فقال الشريف بديهًا:
لا، بل هم ألفوا القطيعة مثلما ألفوا نزولهم بها فتبعدوا
فقال أبو تراب:
فإلام تصبر والفؤاد متيم ولظى اشتياقك في الحشى يتوقد!
فقال الشريف:
ما دام لي جلد فلست بجازعٍ إذ كان صبري في العواقب يحمد
فقال أبو تراب:
أحسنت، كتمان الهوى مستحسن لو كان ماء العين مما يجمد
فقال الشريف:
إن كان جفني فاضحي بدموعه أظهرت للجلساء أني أرمد
فقال أبو تراب:
فهب الدموع إذا جرت موهتها فيقال: لم أنفاسه تتصعد؟
فقال الشريف:
أمشي وأسرع كي يظنوا أنها من ذلك المشي السريع تولد
فقال أبو تراب:
هذا يجوز ومثله مستعمل لكن وجهك بالمحبة يشهد
فقال الشريف:
إن كان وجهي شاهدًا بهوىً فما يدرى إلى من بالمحبة أقصد
فقال أبو تراب:
قد رجم الناس الظنون وأجمعوا أن التي ذكرت إليها المقصد
فقال الشريف:
لو يجمعون كما زعمت لما رووا لي في سواها ما نظمت وأنشدوا
فقال أبو تراب:
قد كان حبك غيرها متحققًا والأمر يحدث الهوى يتجدد
فقال الشريف:
حقت حبي غيرها وجعلتها مظنونةً، ذا كله لى جيد
فقال أبو التراب:
[ ٨ ]
لو لم تقل ألفوا القطيعة جاز أن تنفى به بدر التمام وتجحد
فقال الشريف:
ما قلت لى جلد نفيت به الهوى عنى ولكن قلت: في تجلد
فقال أبو التراب:
فإلى متى هذا وطرف رقيبها مغضٍ وطيف خيالها متردد
فقال الشريف:
أنا دائبًا أبغي الوصال فإن أبت منه على عاداتها فسأجهد
فقال أبو التراب:
اخضع وذل لمن تحب فليس في حكم الهوى أنف يشال ويعقد
فقال الشريف:
ذا لا يكون مع الحبيب وإنما مع ساقطٍ متحيلٍ يتعمد