وقال عيسى بن مهران حدثني العباس بن بكار قال حدثني محمد بن عبيد الله عن الشعبي قال وحدثني أبو بكر الهذلي عن الزهري قال حدثني جماعة من بني أمية ممن كان يسمر مع معاوية وذكر أبو إسحاق إبراهيم بن عبد الله بن عبد ربه بن القاسم بن يحيى بن مقدم قال أخبرني محمد بن فضل المكي الضبي قال أخبرنا محمد الشافعي صاحب الري عن أبيه محمد بن إبراهيم عن خالد بن الوليد المخزومي عن سعد بن حذافة الجمحي قال سمر معاوية ليلة فذكر الزرقاء بنت عدي بن غالب بن قيس امرأة كانت من أهل الكوفة وكانت ممن يعين عليًا ﵇ يوم صفين فقال لأصحابه أيكم يحفظ كلام الزرقاء فقال القوم كلنا نحفظه يا أمير المؤمنين قال فما تشيرون عليّ فيها قالوا نشير عليك بقتلها قال بئس ما أشرتم عليّ به أيحسن بمثلي أن يتحدث الناس أني قتلت
[ ٣٧ ]
امرأة بعدما ملكت وصار الأمر لي ثم دعا كاتبه في الليل فكتب إلى عامله في الكوفة أن أوفد إلى الزرقاء ابنة عدي مع ثقة من محرمها وعدة من فرسان قومها ومهدها وطاء لينًا واسترها بسترٍ حصيف فلما ورد عليه الكتاب ركب إليها فأقرأها الكتاب فقالت أما أنا فغير زائغة عن طاعة وإن كان أمير المؤمنين جعل المشيئة إليّ لم أرم من بلدي هذا وإن كان حكم الأمر فالطاعة له أولى بي فحملها في هودج وجعل غشاءه حبرًا مبطنًا بعصب اليمن ثم أحسن صحبتها وفي حديث المقدمي فحملها في عمارية جعل غشاءها خزًا أدكن مبطنًا بقوهى فلما قدمت على معاوية قال لها مرحبًا وأهلًا خير مقدم قدمه وافد كيف حالك يا خالة وكيف رأيت مسيرك قالت خير مسير كأني كنت ربيبة بيت أو طفلًا ممهدًا قال بذلك أمرتهم فهل تعلمين لم بعثت إليك قالت سبحان الله أنّى لي بعلم ما لم أعلم وهل يعلم ما في القلوب إلا الله قال بعثت إليك أن أسألك ألست راكبة الجمل الأحمر يوم صفين بين الصفين توقدين الحرب وتحضين على القتال فما حملك على ذلك قالت يا أمير المؤمنين أنه قد مات الرأس وبتر الذنب والدهر ذو غير ومن تفكر أبصر والأمر يحدث بعده الأمر قال لها صدقت فهل تحفظين كلامك يوم صفين قالت ما أحفظه قال ولكني والله أحفظه لله أبوك لقد سمعتك تقولين أيها الناس إنكم في فتنة غشتكم جلابيب الظلم وجارت بكم عن قصد المحجة فيالها من فتنة عمياء صماء يسمع لقائلها ولا ينظار لسائقها أيها الناس إن المصباح لا يضيء في الشمس وإن الكوكب لا يقد في القمر وإن البغل لا يسبق الفرس وإن الزف لا يوازن الحجر ولا يقطع الحديد إلا الحديد إلا من استرشدنا أرشدناه ومن استخبرنا أخبرناه إن الحق كان
[ ٣٨ ]
يطلب ضالته فأصابها فصبرًا يا معشر المهاجرين والأنصار فكان قد اندمل شعب الشتات والتأمت كلمة العدل وغلب الحق باطله فلا يعجلن أحد فيقول كيف وأنّى ليقضي الله أمرًا كان مفعولًا إلا إن خضاب النساء الحناء وخضاب الرجال الدماء والصبر خيرٌ في الأمور عواقبًا أيها إلى الحرب قدمًا غير ناكصين فهذا يومٌ له ما بعده ثم قال معاوية والله يا زرقاء لقد شركت عليًا ﵇ في كل دم سفكه فقالت أحسن الله بشارتك يا أمير المؤمنين وأدام سلامتك مثلك من بشر بخير وسر جليسه قال لها وقد سرك ذلك قالت نعم والله لقد سرني قولك فإني بتصديق الفعل فقال معاوية والله لوفاءكم له بعد موته أحب إليّ من حبكم له في حياته أذكري حاجتك قالت يا أمير المؤمنين إني قد آليت على نفسي أن لا أسأل أميرًا أعنت عليه شيئًا أبدًا ومثلك أعطى عن غير مسألة وجاد عن غير طلب قال صدقت فاقطعها ضيعة أغلتها في أول سنة عشرة آلاف درهم وأحسن صفدها وردها والذين معها مكرمين.