وصار الخبر بعد الإسلام في طائفتين من الرواة: الأولى تروي أخبار العرب وتغلب عليها، والثانية تغلب عليها أخبار الفتوح الإسلامية وأحوال الدولة. ومن رءوس الطائفة الأولى محمد بن السائب الكلبي صاحب التفسير المتوفى سنة ١٤٦هـ، وكان أعلم القوم بالنسب، وهو كوفي أجمعوا على تركه واتهموه بالكذب والرفض وزيفوا كلامه عن أصل العرب والعربية وما جرى هذا المجرى؛ لكثرة ما يضع منه كذبا وزورًا، وعنه أخذ ابنه هشام بن الكلبي النسابة صاحب "الجمهرة" والكتب الكثيرة في أخبار العرب وأحوالها ومناقبها أخبار الأوائل والأمم البائدة والأحاديث والأسمار ونحوها، وتوفي سنة ٢٠٤هـ، هو أول من افترى خبر كتابة القصائد السبع "المعلقات" وتعليقها على الكعبة -كما سيأتي في بابه- وقد اتهمه العلماء كما اتهموا أباه بالرفض وتركوا حديثه لذلك ولما ظهر من كذبه؛ وشبيل بن عرعرة الضبعي١، وكان راوية ناسبًا شاعرًا عالمًا بالغريب، قالوا: وكان سبعين سنة رافضيا، ثم صار بعد ذلك خارجيا؛ ومجالد بن سعيد بن عمير؛ وهو يروي عن الشعبي؛ وقد توفي سنة ١٤٤هـ؛ والشرق بن القطامي، وهو من رواة الغريب واللغة والشعر، وكان يكذب للرجل في الكلمة ثم يحدث بها الناس في المسجد على أنها من علمه الذي يرويه؛ وعبد الله بن عياش الهمداني، وراويته الهيثم بن عدي، وكل أفراد هذه الطبقة يتقاربون، إلا ما كان من هشام بن الكلبي، فإنه
_________________
(١) ١ وفي "المعارف" لابن قتيبة أنه ابن عروة، وذلك تحريف من النساخ، وشبيل هذا معدود من الفصحاء عند الرواة؛ ومن النسابين الرواة عند الناس؛ ومن الخطباء العلماء عند الخوارج.
[ ١ / ٢٥٧ ]
أوسعهم علمًا وأمدهم رواية وأكثرهم تأليفًا حتى ليصح أن يعتبر بمفرده في وزن الطبقة كلها، ويمتاز معه أبو اليقظان النسابة المتوفى سنة ١٩٠هـ، فإنه يشارك طبقته في علومها وينفرد بالاتساع في أنساب الإسلاميين وأخبارهم من الصحابة والتابعين ﵃.
وأما الطائفة الثانية وهم الذين غلب عليهم لقب الأخباريين لامتيازهم بالاتساع في أخبار الفتوح الإسلامية، فقد انفرد منهم ثلاثة بأنواع من المعرفة قلما يساويهم أحد فيها: أبو مخنف الأزدي، بأمر العراق وفتوحها وأخبارها، وأبو الحسن المدائني بأمر خراسان والهند وفارس "توفي سنة ٢١٥هـ"، والواقدي بالحجاز والسيرة النبوية "توفي سنة ٢٠٧هـ"، ويشتركون مع غيرهم في فتوح الشام وأخبارها.
ولقد عرف كثيرون بعلم السيرة والأحداث والفتوح ولا نعرفهم يمتازون بشيء عمن ذكرناهم، فإن ثلاثتهم بالغوا في الاستيعاب والاستقصاء إلى ما لا يلحق بهم فيه أحد؛ ومن أولئك: محمد بن سعد كاتب الواقدي، وأحمد بن الحارث صاحب أبي الحسن المدائني، وعبد المنعم بن إدريس المتوفى سنة ٢٢٨هـ وقد بلغ المائة، ونصر بن مزاحم، وإسحاق بن بشير، وسيف بن عمرو الأسدي، ومحمد بن إسحاق صاحب السيرة، وأبو إسحاق الفزاري؛ وكلهم من أصحاب السير والأحداث.
وممن جاء بعدهم من أصحاب الأخبار العربية والإسلامية: محمد بن سلام الجمحي، والزبير بن بكار، وعمر بن شبة، وابن الأزهر؛ وكلهم في القرن الثالث؛ والفضل بن الحباب، وتوفي سنة ٣٠٥هـ.
وانفرد في القرن الرابع رجلان من الأخباريين الرواة المصنفين: أحدهما محمد بن عمران المرزباني المتوفى سنة ٣٧٨هـ، وليس لأحد في الإسلام أكثر ولا أمتع من تصانيفه في الشعر والشعراء -وسنشير إليه في باب الشعر- والثاني أبو الفرج الأصبهاني المتوفى سنة ٣٥٦هـ؛ وهو صاحب كتاب "الأغاني" وغيره من الكتب الكثيرة في الأخبار والآداب مما لا يدانيه فيه أحد.
وكان في القرن الثالث رجل من الأخباريين هو طبقة وحده في الإسلام، وهو محمد بن عبيد الله العتبي المتوفى سنة ٢٢٨هـ، وكان من ولد عتبة بن أبي سفيان أخي معاوية، وقد انفرد برواية أخبار بني أمية خاصة، وليس له في غيرها يد؛ وكان يرويها عن آبائه، وهم يروونها عن سعد القصير، وسعد هذا هو مولى بني أمية؛ قتله ابن الزبير بمكة.
وهذا الذي أوردناه من القول في الأخباريين لا يداخله الكلام على المؤرخين في الإسلام؛ فإن فصل ما بين الفريقين أن الذين ذكرناهم كانوا مادة المؤرخين؛ لأنهم تميزوا بأنواع من الرواية جمع منها المؤرخون ما جمعوه، ولكل قول موضع ومقام معلوم.
[ ١ / ٢٥٨ ]