من يقرأ فى شعر المخضرمين متصفّحا ما نثر فى كتب التاريخ والأدب يجد جمهور الشعراء يصدرون فى جوانب من أشعارهم عن قيم الإسلام الروحية التى آمنوا بها وخالطت شغاف قلوبهم. ولشعراء المدينة القدح المعلّى فى هذا الميدان، فهم الذين وقفوا مع الرسول ﷺ منذ نزوله بين ظهرانيهم ينافحون عنه ويدافعون عن دعوته مصوّرين لهديه الكريم، يتقدمهم حسان بن ثابت وكعب بن مالك وعبد الله بن رواحة، وكان عبد الله خاصة دائم الاستمداد من القرآن يستلهمه فى هجائه للمشركين وفى كل ما ينظم من أشعار، على شاكلة قوله (١):
شهدت بأن وعد الله حقّ وأن النار مثوى الكافرينا
وكان بجانب هؤلاء الثلاثة شعراء آخرون لم يبلغوا مبلغهم فى الشهرة الشعرية، وقد رويت لهم أشعار تنمّ عن مدى إيمانهم العميق كقول أبى قيس صرمة بن أبى أنس الأنصارى فى قصيدة بديعة (٢):
ونعلم أن الله لا شئ غيره وأن كتاب الله أصبح هاديا
وقول أبى الدّرداء (٣):
يريد المرء أن يؤتى مناه ويأبى الله إلا ما أرادا
يقول المرء فائدتى ومالى وتقوى الله أفضل ما استفادا
_________________
(١) الاستيعاب ص ٣٦٢.
(٢) الاستيعاب ص ١٤، ٣٣٤.
(٣) الاستيعاب ص ٦٦٣.
[ ٢ / ٦٨ ]
وتحوّل شعراء قريش منذ فتحت مكة ودخلوا فى دين الله يكفّرون عما قدّمت ألسنتهم بأشعار، يعتذرون فيها للرسول ﷺ كقول ابن الزّبعرى (١):
يا رسول المليك إنّ لسانى راتق ما فتقت إذ أنابور (٢)
إذ أجارى الشيطان فى سنن الغ ىّ ومن مال ميله مثبور (٣)
آمن اللحم والعظام بما قل ت فنفسى الفدا وأنت النّذير
وقد حسن إسلامهم، ومضوا يصدرون عنه فى أشعارهم، حتى إذا انتقل الرسول إلى الرفيق الأعلى أخذوا يرثونه ويتفجّعون عليه، على شاكلة قول أبى سفيان بن الحارث (٤):
لقد عظمت مصيبتنا وجلّت عشيّة قيل: قد قبض الرسول
نبىّ كان يجلو الشكّ عنا بما يوحى إليه وما يقول
وإذا تركنا شعراء المدينتين الكبيرتين إلى شعراء نجد والبوادى وجدنا بينهم كثيرين يقبسون من أضواء الإسلام، ولا نقصد من خرجوا إلى الجهاد فى سبيل الله فحسب، فقد عمّ ذلك من ظلوا فى الجزيرة ولم يتح لهم تقدم سنهم شرف الاشتراك فى هذا الجهاد.
ونحن نقف عند مشهوريهم، ثم نعطف على من لم يبلغوا مبلغهم من الشهرة، ولعل أول من ينبغى الوقوف عنده عبدة بن الطبيب الذى تحدثنا عنه فى شعر الفتوح، فقد روى له صاحب المفضليات عينية بديعة، ونراه فى شطر كبير منها يوصى أبناءه بتقوى الله وبرّ الوالد والحذر من النمّام الذى يزرع الضغائن بين الناس، مستلهما فى ذلك كله آى الذكر الحكيم، يقول (٥):
أوصيكم بتقى الإله فإنه يعطى الرغائب من يشاء ويمنع
وببرّ والدكم وطاعة أمره إن الأبرّ من البنين الأطوع
_________________
(١) ابن سلام ص ٢٠٢.
(٢) رتق الفتق: خاطه. بور: ضال هالك.
(٣) سنن: طريق. مثبور: هالك ضائع.
(٤) الاستيعاب ص ٧٠٨.
(٥) المفضليات ص ١٤٦.
[ ٢ / ٦٩ ]
واعصوا الذى يزجى النّمائم بينكم متنصّحا ذاك السّمام المنقع (١)
يزجى عقاربه ليبعث بينكم حربا كما بعث العروق الأخدع (٢)
وهو القائل فى رثاء قيس بن عاصم (٣):
عليك سلام الله قيس بن عاصم ورحمته ما شاء أن يترحّما
فلم يك قيس هلكه هلك واحد ولكنه بنيان قوم تهدّما
وواضح ما فى البيت الأول من روح إسلامية. وارجع إلى سويد (٤) بن أبى كاهل اليشكرى فسترى المفضل الضبى يروى له قصيدة (٥) يفخر فيها فخرا جديدا، لا عهد لنا به من قبل، فخرا إسلاميّا يذكر فيه ربّه وما أنعم به عليهم من نعم، يقول:
كتب الرحمن والحمد له سعة الأخلاق فينا والضّلع (٦)
وإباء للدنيّات إذا أعطى المكثور ضيما فكنع (٧)
وبناء للمعالى إنما يرفع الله ومن شاء وضع
نعم لله فينا ربّها وصنيع الله، والله صنع (٨)
ويمضى فيعرض لخصم دنئ النفس كان يغتابه، ونراه يصفه وصفا يستلهم فيه الآية الكريمة ﴿(وَلا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ)﴾ يقول:
_________________
(١) يزجى: يدفع ويسوق. السمام: السم. المنقع: القاتل.
(٢) الأخدع: عرق فى العنق إذا ضرب أجابته العروق.
(٣) الشعر والشعراء ٢/ ٧٠٥.
(٤) انظر ترجمته فى الشعر والشعراء ١/ ٣٨٤ والأغانى (طبعة دار الكتب) ١٣/ ١٠٢ وابن سلام ص ٢٨ والإصابة ٣/ ١٧٢ والخزانة ٢/ ٥٤٦ وحديث الأربعاء لطه حسين (طبعة الحلبى) ١/ ١٩٠.
(٥) المفضليات ص ١٩٠.
(٦) الضلع: الاضطلاع بالأمر.
(٧) المكثور: المغلوب. كنع: خضع.
(٨) ربها: أتمها. صنع: صفة، لا فعل، أى قادر على أن يصنع.
[ ٢ / ٧٠ ]
بئس ما يجمع أن يغتابنى مطعم وخم وداء يدّرع (١)
ويحيّينى إذا لاقيته وإذا يخلو له لحمى رتع (٢)
وممن أسلم وهو فى سنّ كبيرة الحصين (٣) بن الحمام سيد بنى مرّة الذبيانيين، وله أبيات تطرد على هذا النحو (٤):
ويوم تسعّر فيه الحروب لبست إلى الرّوع سربالها (٥)
فلم يبق من ذاك إلا التّقى ونفس تعالج آجالها
أمور من الله فوق السماء مقادير تنزل أنزالها (٦)
أعوذ بربى من المخزيا ت يوم ترى النفس أعمالها
وخفّ الموازين بالكافرين وزلزلت الأرض زلزالها
والصلة واضحة بين هذه الأبيات وآى الذكر الحكيم من مثل قوله تعالى:
﴿(وَاِتَّقُوا اللهَ)﴾ ﴿(فَإِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ)﴾ ﴿(فَمَنِ اِتَّقى وَأَصْلَحَ فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ)﴾ ﴿(إِذا جاءَ أَجَلُهُمْ فَلا يَسْتَأْخِرُونَ ساعَةً وَلا يَسْتَقْدِمُونَ)﴾ ﴿(هُوَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ فَإِذا قَضى أَمْرًا فَإِنَّما يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ)﴾ ﴿(وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلاّ عِنْدَنا خَزائِنُهُ وَما نُنَزِّلُهُ إِلاّ بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ)﴾ وقوله عزّ شأنه: ﴿(إِذا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ زِلْزالَها)﴾ ﴿(فَأَمّا مَنْ ثَقُلَتْ مَوازِينُهُ فَهُوَ فِي عِيشَةٍ راضِيَةٍ وَأَمّا مَنْ خَفَّتْ مَوازِينُهُ فَأُمُّهُ هاوِيَةٌ وَما أَدْراكَ ما هِيَهْ نارٌ حامِيَةٌ)﴾ ﴿(وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ ما عَمِلَتْ وَهُوَ أَعْلَمُ بِما يَفْعَلُونَ).﴾
واقرأ فى النّمر (٧) بن تولب، وهو ممن أدركوا الإسلام وقد علت سنّهم،
_________________
(١) وخم: غير مرئ. يدرع: يلبس.
(٢) رتع: أكل بنهم.
(٣) انظر ترجمته فى الشعر والشعراء ٢/ ٦٣٠ وابن سلام ص ١٣١ والأغانى (طبعة دار الكتب) ١٤/ ١ وما بعدها والاستيعاب ص ١٢٧ وأسد الغابة ٢/ ٢٤ والإصابة ٢/ ١٨ والخزانة ٢/ ٧
(٤) أغانى ١٤/ ١٤.
(٥) تسعر: تتقد. السربال: الدرع.
(٦) أنزالها: منازلها. تنزل أنزالها: تقع مواقعها.
(٧) انظر ترجمته فى طبقات ابن سعد ج ٧ ق ١ ص ٢٦ والشعر والشعراء ١/ ٢٦٨ وابن سلام ص ١٣٣ والأغانى ١٩/ ١٥٧ والموشح ٧٨ والخزانة ١/ ١٥٢ والاستيعاب ص ٣٢٠ والإصابة ٦/ ٢٥٣.
[ ٢ / ٧١ ]
فسترى فى شعره آثارا من تلاوته للقرآن الكريم، على شاكلة قوله (١):
ومتى تصبك خصاصة فارج الغنى وإلى الذى يعطى الرّغائب فارغب
وهو القائل (٢):
أعذنى ربّ من حصر وعىّ ومن نفس أعالجها علاجا
ومن حاجات نفسى فاعصمنّى فإنّ لمضمرات النفس حاجا (٣)
وأنت وليّها فبرئت منها إليك وما قضيت فلا خلاجا (٤)
ويروى أنه أنشد الرسول ﷺ قصيدة قال فيها (٥):
لله من آياته هذا القمر الشمس والشّعرى وآيات أخر
ومرت بنا استجارة المخبّل (٦) السّعدى بعمر بن الخطاب حين هاجر ابنه للغزو وكيف ردّه عليه، ومن قوله فى تهاية قصيدة له رواها المفضل الضبى (٧):
إنى وجدت الأمر أرشده تقوى الإله وشره الإثم
وكان فى الشّماخ (٨) شر كثير، وهو ممن شاركوا فى معركة القادسية ومعارك أذربيجان، ومع ذلك لا نجد فى ديوانه شيئا واضحا عن جهاده فى سبيل الله، وكأنما عنى الرواة بشعره البدوى وإحسانه فيه لوصف القوس وحمار الوحش (٩)، ومما يتمثّل به من شعره (١٠):
ليس بما ليس به بأس باس ولا يضرّ البرّ ما قال الناس
_________________
(١) الشعر والشعراء ١/ ٢٦٩ والأغانى ١٩/ ١٦١.
(٢) الأغانى ١٩/ ١٦٢ والحيوان ٢/ ٣٠٥.
(٣) حاج: جمع حاجة.
(٤) خلاج: اعتراض.
(٥) أغانى ١٩/ ١٥٩.
(٦) انظر فى ترجمته الشعر والشعراء ١/ ٣٨٣ والأغانى (طبعة دار الكتب) ١٣/ ١٨٩ والإصابة ٢/ ٢١٨ والخزانة ٢/ ٥٣٦ والموشح ص ٧٥.
(٧) المفضليات ص ١١٨.
(٨) راجع فى ترجمته ابن سلام ص ١١٠ والشعر والشعراء ١/ ٢٧٤ والأغانى (طبع دار الكتب) ٩/ ١٥٨ والخزانة ١/ ٥٢٦ والإصابة ٣/ ٢١٠ والموشح ص ٦٧.
(٩) انظر ترجمته فى المراجع السابقة وراجع الحيوان ٥/ ٧٩.
(١٠) الشعر والشعراء ١/ ٢٧٧ وبأس الأولى: شجاعة.
[ ٢ / ٧٢ ]
وقد أنشدنا فى الفصل السابق أبياتا من مرثية أخيه جزء لعمر بن الخطاب، واشتهر أخوهما مزرّد (١) بهجائه وخاصة للأضياف، ويظهر أنه ارعوى وتاب عن الهجاء. كما يدل على ذلك قوله (٢):
تنزّلت من شتم الرجال بتوبة إلى الله منى لا ينادى وليدها
ومن شعراء هذيل البارعين فى هذا العصر أبو ذؤيب (٣) الهذلى، وقد قدم المدينة عند وفاة رسول الله ﷺ فوقف يبكيه مع الباكين قائلا من أبيات (٤):
كسفت لمصرعه النجوم وبدرها وتزعزعت آطام بطن الأبطح
وتزعزعت أجبال يثرب كلّها ونخيلها لحلول خطب مفدح
وهو فى ديوانه يعنى بوصف النّحل، مثله فى ذلك مثل شعراء هذيل، وقد خرج يغزو فى سبيل الله، ونراه فى جنود عبد الله بن سعد بن أبى سرح الذين فتحوا قرطاجنة، وقد أرسل به مع عبد الله بن الزبير إلى عثمان مبشرين له بفتحها. وعاد إلى مصر، ولكن حدث أن توفّى له-قبل وفاته بعام- خمس بنين فى وباء، فرثاهم بعينيته المشهورة وفيها نحسّ رضاه بقضاء الله مع التحسر اللاذع على نحو ما نجد فى قوله (٥):
أودى بنىّ وأعقبونى غصّة بعد الرّقاد وعبرة لا تقلع
فغبرت بعدهم بعيش ناصب وإخال أنى لاحق مستتبع (٦)
_________________
(١) راجع فى ترجمة مزرد الشعر والشعراء ١/ ٢٧٤ والخزانة ٢/ ١١٧ والإصابة ٦/ ٨٥ ومعجم الشعراء ص ٤٨٣ ومعاهد التنصيص ١/ ٢٠٢.
(٢) الإصابة ٦/ ٨٥.
(٣) انظر فى ترجمته ابن سلام ص ١١٠ والشعر والشعراء ٢/ ٦٣٥ والأغانى ٦/ ٢٦٤ والاستيعاب ص ٦٦٥ والإصابة ٧/ ٦٣ والخزانة ١/ ٢٠٣ وأسد الغابة ٥/ ١٨٨ ومعاهد التنصيص ١/ ١٩٥ ومعجم الأدباء لياقوت (طبع مصر) ١١/ ٨٣ وشرح شواهد المغنى ١٠ والاشتقاق (نشرة الخانجى) ص ١٧٨
(٤) الاستيعاب ص ٦٦٦.
(٥) انظر ديوان الهذليين (طبعة دار الكتب المصرية) ١/ ١ وما بعدها.
(٦) غبرت: بقيت. ناصب: متعب. مستتبع: تابع.
[ ٢ / ٧٣ ]
وإذا المنيّة أنشبت أظفارها ألفيت كل تميمة لا تنفع
والنفس راغبة إذا رغّبتها وإذا تردّ إلى قليل تقنع
وروى الرواة أنه قال حين حضره الموت يخاطب ابن أخ له يسمى أبا عبيد (١):
أبا عبيد وقع الكتاب واقترب الوعيد والحساب
وأشاع الإسلام فى نفوس كثير من الشعراء برّا ورحمة بأهليهم وأقربائهم، ويشتهر فى هذا الصدد عمرو بن شأس الذى سبق أن عرضنا له فى شعر الفتوح، فقد كان له ابن من أمة سوداء، وكانت امرأته تؤذيه وتستخف به فعاتبها بقطعته المعروفة (٢):
أردت عرارا بالهوان ومن يرد عرارا لعمرى بالهوان فقد ظلم
وكان ينحو هذا المنحى معن (٣) بن أوس المزنى فى عتابه لابن عمه الذى أساء إليه إساءة كبيرة. وظل يسئ إليه وهو يوالى أشعاره فى صفحه عن زلاته برّا به وبقرابته مع تجنّيه عليه وتجرّمه، يقول (٤):
وذى رحم قلّمت أظفار ضغنه بحلمى عنه وهو ليس له حلم
فما زلت فى لين له وتعطّف عليه كما تحنو على الولد الأمّ
ومن غير شك كان يستهدى فى ذلك آى الذكر الحكيم التى تدعو إلى البر بالأقرباء والصفح الجميل. ويمرض عمرو (٥) بن أحمر الباهلى فيتوجه إلى ربه داعيا (٦):
_________________
(١) أغانى ٦/ ٢٧٩ ومعجم الأدباء ١١/ ٨٩.
(٢) ابن سلام ص ١٦٦. والشعر والشعراء ١/ ٣٨٩.
(٣) انظر ترجمته فى الأغانى (طبعة دار الكتب) ١٢/ ٥٤ والإصابة ٦/ ١٧٩ والخزانة ٣/ ٢٥٨ وانظر فهرس البيان والتبيين والحماسة للمرزوقى ومعجم الشعراء ص ٣٢٢ ومعاهد التنصيص. وقد نشرت أشعاره فى ليبزج.
(٤) أغانى ١٢/ ٦٠ وديوانه (طبعة ليبزج) ص ٥، ٣٦.
(٥) راجع ترجمته فى ابن سلام ص ٤٩٢ والشعر والشعراء ١/ ٣١٥ والإصابة ٥/ ١١٤ والخزانة ٣/ ٣٨ ومعجم الشعراء ص ٢٤ والموشح ص ٨٠.
(٦) الشعر والشعراء ١/ ٣١٦ وقد روى له ابن سلام قطعة حكمية يقول فيها: والحى كالميت ويبقى التقى والعيش فنان فحلو وبر
[ ٢ / ٧٤ ]
إليك إله الحق أرفع رغبى عياذا وخوفا أن تطيل ضمانيا (١)
فإن كان برءا فاجعل البرء نعمة وإن كان فيضا فاقض ما أنت قاضيا (٢)
وممن نحس عندهم أثر الإسلام واضحا نهشل (٣) بن حرّى فى مراثيه لأخيه مالك، وكان قد قتل بصفّين، ومن قوله فى إحداها (٤):
أناس صالحون نشأت فيهم فأودوا بعد إلف واتساق
أرى الدنيا ونحن نعيث فيها مولّية تهيّا لانطلاق
أعاذل قد بقيت بقاء قيس وما حىّ على الدنيا بباق
وكان بجانب من قدّمنا شعراء عرفوا برقة دينهم، ومع ذلك فحين نتعقب شعرهم نجد فيه خيوطا إسلامية تظهر فى نسجه من حين إلى حين، منهم عبد (٥) بنى الحسحاس، وكان يتغزل غزلا مفحشا جعل قومه يقتلونه لعهد عثمان ونراه يقول:
عميرة ودّع إن تجهّزت غازيا كفى الشيب والإسلام للمرء ناهيا
ويروى أنه أنشد هذا البيت عمر بن الخطاب فقال له: لو قلت شعرك مثل هذا لأعطيتك عليه. ومثله النجاشى (٦) قيس بن عمرو، الذى حدّه على بن أبى طالب فى شرب الخمر برمضان، وقد تهاجى مع كثير من الشعراء وعلى رأسهم تميم بن أبىّ بن مقبل العجلانى، وفيه وفى قبيلته يقول:
إذا الله عادى أهل لؤم ودقّة فعادى بنى العجلان رهط ابن مقبل (٧)
قبيّلة لا يغدرون بذمّة ولا يظلمون الناس حبّة خردل
_________________
(١) الضمان: ما يصيب الإنسان فى جسده من مرض أو زمانة.
(٢) فيضا: موتا.
(٣) انظر فى ترجمته ابن سلام ص ٤٩٥ والشعر والشعراء ٢/ ٦١٩ والأغانى ٩/ ٢٧٠ والإصابة ٦/ ٢٦٨ والخزانة ١/ ١٤٧.
(٤) أمالى المرتضى ٢/ ٢٢٦.
(٥) انظر ترجمة عبد بنى الحسحاس فى أغانى (ساسى) ٢٠/ ٢ وما بعدها والشعر والشعراء ١/ ٣٦٩ وابن سلام ص ١٥٦ والإصابة ٣/ ١٦٣ والخزانة ١/ ٢٧١ وشرح شواهد المغنى ١١٢. وقد نشرت دار الكتب المصرية ديوانه.
(٦) راجع فى ترجمة النجاشى الاشتقاق لابن دريد (نشرة الخانجى) ص ٤٠٠ والشعر والشعراء ١/ ٢٨٨ والإصابة ٦/ ٢٦٣ والخزانة ٤/ ٣٦٨.
(٧) البيت دعاء على بنى العجلان، وواضح أن النجاشى يرميهم بأن أحسابهم لئيمة خسيسة.
[ ٢ / ٧٥ ]
ولو أنه كان صحيح الإسلام ما هجاهم بالبيت الثانى، فإن الإسلام يجلّ الوفاء بالذمم والعهود وينهى عن الظلم وكل ما يتصل به ولكن روحه كانت جاهلية. وكان ابن (١) مقبل على شاكلته، يقول ابن سلام: «إنه كان جافيا فى الدين وكان فى الإسلام يبكى؟؟؟ الجاهلية» (٢) ومع ذلك ندّت على لسانه أبيات فيها ما يدل فى وضوح على تأثره بالدين الحنيف من مثل قوله (٣):
هل الدّهر إلا تارتان فمنهما أموت وأخرى أبتغى العيش أكدح
وكلتاهما قد خطّ لى فى صحيفة فلا الموت أهوى لى ولا العيش أروح
وهو يصدر فى البيتين عن الآية الكريمة: ﴿(ما أَصابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلاّ فِي كِتابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَها)﴾ ومما يروى له قوله (٤):
الناس همّهم الحياة ولا أرى طول الحياة يزيد غير خبال
وإذا افتقرت إلى الذخائر لم تجد ذخرا يكون كصالح الأعمال
وممن يسلك فى هؤلاء الشعراء الذى عرفوا برقة دينهم الحطيئة، وسنرى عما قليل أثر الإسلام فى شعره.
ولعل فى كل ما قدمنا ما يدل على فساد الفكرة التى شاعت بين الباحثين عربا ومستشرقين من أن الإسلام لم يترك آثارا عميقة فى نفوس المخضرمين، وخاصة أهل البادية (٥)، فقد نفذت أشعته النيرة إلى قلوبهم جميعا. ونحن نقف عند خمسة منهم يعدّون فى طليعتهم هم حسان بن ثابت وكعب بن زهير ولبيد والحطيئة والنابغة الجعدى، لنرى فيهم مدى تأثر المخضرمين بالإسلام، ولندل فى وضوح على أن هذا التأثر لم يقف عند شعراء المدينة من مثل حسان، فقد نفذ إلى شعراء البادية وتعّمقهم على نحو ما سنرى عند لبيد والنابغة الجعدى.
_________________
(١) راجع فى ترجمة ابن مقبل الشعر والشعراء ١/ ٤٢٤ وابن سلام ص ١٢٥ والإصابة ١/ ١٩٥ والخزانة ١/ ١١٣ وزهر الآداب ٢/ ١٩.
(٢) ابن سلام ص ١٢٥.
(٣) الحيوان للجاحظ ٣/ ٤٨.
(٤) طبرى ٥/ ٢٩.
(٥) راجع مثلا تاريخ الآداب العربية من الجاهلية حتى عصر بنى أمية لنالينو (طبع دار المعارف) ص ٩٥.
[ ٢ / ٧٦ ]