القرآن الكريم مفخرة العرب فى لغتهم، إذ لم يتح لأمة من الأمم كتاب مثله لا دينى ولا دنيوى من حيث البلاغة والتأثير فى النفوس والقلوب، سواء حين يتحدث عن عبادة الله الواحد الأحد وعظمته وجلاله، أو عن خلقه للسموات والأرض، أو عن البعث والنشور، أو حين يشرّع للناس حياتهم ويقيمها على نهج سديد يحقق لهم السعادة فى الدارين: الأولى والآخرة.
وكان الرسول ﷺ لا يكاد يمضى فى تلاوته حتى يروع سامعيه ويأخذ بمجامع قلوبهم، سواء أكانوا من أنصاره أم كانوا من أعدائه، فقد روى الرواة أن الوليد بن المغيرة الذى كان من ألدّ خصومه سمعه يتلو بعض آى الذكر الحكيم، فتوجّه إلى نفر من قريش يقول لهم: «والله لقد سمعت من محمد كلاما ما هو من كلام الإنس ولا من كلام الجنّ، وإن له لحلاوة وإن عليه لطلاوة، وإن أعلاه لمثمر وإن أسفله لمغدق» (١). وواضح أنه أحسّ فى دقة أن آى القرآن تباين كلام الإنس من فصحائهم كما تباين كلام الجنّ الذى كان ينطق به كهّانهم. إنه ليس شعرا موزونا، مما كان يدور على ألسنة شعرائهم، ولا سجعا مقفى مما كان يدور على ألسنة كهانهم وغيرهم من خطبائهم، إنما هو نمط وحده فصّلت آياته بفواصل تطمئن عندها النفس، وتجد فيها وفى كل ما يتصل بها من ألفاظ روحا وعذوبة. إنه نمط باهر، بل هو نمط معجز ببيانه وبلاغته، يقول جلّ ذكره: ﴿(قُلْ لَئِنِ اِجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا)﴾ ﴿(وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمّا نَزَّلْنا عَلى عَبْدِنا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ وَاُدْعُوا شُهَداءَكُمْ مِنْ دُونِ اللهِ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ).﴾ وفعلا عجز العرب عن معارضته عجزا تامّا، فمضوا يجرّدون سيوفهم ويغمدون ألسنتهم، ولم نلبث المعجزة الباهرة أن استعلت،
_________________
(١) انظر تفسير الزمخشرى فى سورة المدثر. مغدق: كثير المياه.
[ ٢ / ٣٠ ]
ولم تلبث أضواؤها أن انتشرت فى الجزيرة العربية، وسرعان ما بزغت على دروب العالم ومسالكه من أواسط آسيا إلى جبال البرانس مما هيأ لانقلاب واسع فى تاريخ اللغة العربية وأدبها، ونجمل ذلك إجمالا. فإن تفصيله لا يتسع له كتاب فضلا عن صحف معدودة.
وأول ما كان من آثار القرآن الكريم أنه جمع العرب على لهجة قريش، وحقّا كانت هذه اللهجة تسود القبائل الشمالية فى الجاهلية، غير أن هذه السيادة لم تكن تامة، فقد كان الشعراء هم الذين يستخدمونها غالبا، أما قبائلهم فكانت تلوك لهجات تختلف عن اللهجة القرشية قليلا أو كثيرا، حسب قربها من مكة أو بعدها. فعمل القرآن على تقريب ما بين هذه اللهجات من فروق واستكمال السيادة للهجة القرشية، إذ كان العرب يتلونه آناء الليل وأطراف النهار. وأخذت هذه اللهجة تعمّ بين القبائل الجنوبية متغلغلة فى الأنحاء الداخلية التى كانت لا تزال تتكلم الحميرية. ولما فتحت الفتوح ومصّرت الأمصار أخذت لهجته تسود فى مشارق العالم الإسلامى ومغاربه، إذ كانت تلاوته فرضا مكتوبا على كل مسلم، وحثّ الإسلام على حفظه وترتيله، يقول عزّ شأنه: ﴿(وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا)﴾ ﴿(وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ أَعْمى قالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيرًا قالَ كَذلِكَ أَتَتْكَ آياتُنا فَنَسِيتَها وَكَذلِكَ الْيَوْمَ تُنْسى).﴾ وبذلك تحول المسلمون فى جمهورهم إلى حفظة للقرآن، يتلوه كبيرهم وصغيرهم حتى من سكنوا منهم الصحارى البعيدة ورءوس الجبال، مما جعلهم ينطبعون بطوابعه اللغوية.
ومن غير شك أتاح هذا الحفظ للهجة قريش لا أن تنتشر فى العالم الإسلامى فحسب، بل أن تحفظ أيضا وتظل على مرّ العصور جديدة عضّة لا تبلى مع الزمان، وأيضا فإنها اكتسحت ما لقيت من لغات، إذ اتخذتها شعوب -لا حصر لها-لسانها، فأصبح هو اللسان الأدبى من أواسط آسيا إلى المحيط الأطلسى. فكل من عاشوا فى هذه الأنحاء تكلموا العربية القرشية، إذ حلّت من ألسنتهم محل لغاتهم الأولى وأصبحوا عربا يعبّرون بالعربية عن مشاعرهم وعقولهم، وكل ذلك بفضل القرآن الكريم، فهو الذى حفظ العربية من الضياع، ونشرها فى أقطار الأرض، وجعلها لغة حية خالدة.
[ ٢ / ٣١ ]
وثانى آثاره أنه حوّل العربية إلى لغة ذات دين سماوى باهر، وبذلك أحلّ فيها معانى لم تكن تعرفها من قبله ولا كانت تعرف العبارة عنها، وعادة يقف مؤرخو الأدب عند ألفاظ ابتدأها ابتداء مثل: الفرقان والكفر والإيمان والإشراك والإسلام والنفاق والصوم والصلاة والزكاة والتيمم والركوع والسجود، وغير ذلك من كلمات الدين الحنيف، ولكن من الحق أن المسألة لم تكن مسألة ألفاظ فحسب، إنما كانت أيضا مسألة دين جديد، له مضمونه الذى لم يكن العرب يعرفونه، من الدعوة إلى عباد الله واشتقاق الدليل عليها وعلى وحدانيته.
من خلق السموات والأرض ومن تاريخ الأمم وما يعى من عظات ومن تاريخ الأنبياء وما يحمل من عبر، ومن تقرير البعث والنشور وبسط صور الثواب والعقاب مستعينا فى ذلك بالوجدانات الغريزية وبالعقول وتمييزها وما ينبغى أن يتهيأ لها من صواب الرأى. وإنه ليترقّى دائما من معرفة الحواس إلى معرفة الأذهان، وفى خلال ذلك يشرّع للناس ما ينبغى أن تكون عليه حياتهم من نظام فى أسرهم وفى مجتمعهم بحيث تسودهم الرحمة والعدالة كما تسودهم أخوة عامة، يبذل فيها الغنى للفقير من مال الله ما يعينه، أخوة لا أسود فيها ولا أبيض ولا عربى ولا أعجمى. وكل هذه الدعوة الكريمة التى نزل فيها مائة وأربع عشرة سورة تعدّ ابتداء، بعباراتها وبمعانيها. ونستطيع أن نقول إن كل ما كسبته العربية بعد ذلك من عظات. عند الحسن البصرى وغيره من كبار الواعظين، إنما هو من فيض القرآن ومعينه الغزير.
وبمرّ الزمن أخذت تتكون حوله علوم كثيرة، ولا نبالغ إذا قلنا إن كل ما كسبه العرب من معارف إنما كان بفضل ما غرس فيهم القرآن من حب العلم كما قدمنا فى غير هذا الموضع. وقد أخذوا يشتقون منه مباشرة علوما كثيرة كعلم القراءات وغيره من العلوم التى عرض لها السيوطى فى كتابه «الإتقان فى علوم القرآن» وهو يقع فى مجلدين يصور فيهما ما انبثق حوله من علوم مختلفة كعلم التفسير وعلم أسباب النزول وعلم نحوه وإعرابه وعلم عامّه وخاصّه مما هيأ لظهور علوم البلاغة. ومن العلوم المهمة المتفرعة منه علم الفقه وأصوله. ولا نبالغ إذا قلنا إن العلوم الإسلامية كلها إنما قامت لخدمته، فهو الذى هيأ بقوة لنهضة العرب العلمية.
[ ٢ / ٣٢ ]
وثالث آثاره أنه هذّب اللغة من الحوشية ومن اللفظ الغريب، فأقامها فى هذا الأسلوب المعجز من البيان والبلاغة، ويكفى أن تعود إلى معلقة مثل معلقة لبيد أو إلى شعر قبيلة مثل هذيل وديوانها المطبوع لترى كيف أنه حقّا اختطّ أسلوبا جزلا، له رونق وطلاوة، مع وضوح القصد والوصول إلى الغرض من أقرب مسالكه. وهو أسلوب ليس فيه زوائد ولا فضول، فاللفظ على قدر المعنى، وكأنما رسم له رسما، وهو لفظ لا يرتفع عن الأفهام ولا عن القلوب، بل يقرب منها حتى يلمس الشغاف. ومما لا شك فيه أن القرآن هو الذى ابتدع هذا الأسلوب المحكم، بل هذا الأسلوب السهل الممتنع الذى يلذ الآذان حين تستمتع له والأفواه حين تنطق به والقلوب حين تصغى إليه، هذا الأسلوب الذى يميز عربيتنا، والذى استطاع أن يفتح القلوب حين فتح العرب الأمصار فإذا أهلها مشدوهون، وإذا هم يهجرون لغاتهم المختلفة إلى لغته الصافية الشفّافة.
واقرأ فى قوارعه حين يتحدث عن البعث والحساب والعذاب وفى ملاطفاته حين يتحدث عن الرحمة والمغفرة أو حين يتحدث إلى رسوله فإنك ستجد الأسلوب دائما مطردا فى جودة الإفهام وروعته مع سهولة اللفظ ومتانته وسلامته من التكلف، وانظر إلى قوله تعالى يتوعد المشركين وما ينتظرهم يوم يبعثون:
﴿(وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّماواتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلاّ مَنْ شاءَ اللهُ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرى فَإِذا هُمْ قِيامٌ يَنْظُرُونَ. وَأَشْرَقَتِ الْأَرْضُ بِنُورِ رَبِّها وَوُضِعَ الْكِتابُ وَجِيءَ بِالنَّبِيِّينَ وَالشُّهَداءِ وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ. وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ ما عَمِلَتْ وَهُوَ أَعْلَمُ بِما يَفْعَلُونَ. وَسِيقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلى جَهَنَّمَ زُمَرًا حَتّى إِذا جاؤُها فُتِحَتْ أَبْوابُها وَقالَ لَهُمْ خَزَنَتُها أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَتْلُونَ عَلَيْكُمْ آياتِ رَبِّكُمْ وَيُنْذِرُونَكُمْ لِقاءَ يَوْمِكُمْ هذا قالُوا بَلى وَلكِنْ حَقَّتْ كَلِمَةُ الْعَذابِ عَلَى الْكافِرِينَ.﴾
﴿قِيلَ اُدْخُلُوا أَبْوابَ جَهَنَّمَ خالِدِينَ فِيها فَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ).﴾ وقارن بين ذلك وبين ملاطفته جلّ وعز لرسوله فى سورة الضحى: ﴿(وَالضُّحى وَاللَّيْلِ إِذا سَجى ما وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَما قَلى وَلَلْآخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الْأُولى وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضى أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوى وَوَجَدَكَ ضَالًاّ فَهَدى وَوَجَدَكَ عائِلًا فَأَغْنى فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلا تَقْهَرْ وَأَمَّا السّائِلَ فَلا تَنْهَرْ وَأَمّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ)﴾ فلن
[ ٢ / ٣٣ ]
تجد هنا ولا هناك كلمة متوعرة ولا لفظا ضعيفا، إنما تجد روعة الأسلوب دائما وجزالته وعذوبته ونصاعته، مع دقة العبارات واستيفائها لمعانيها، ومع الألفاظ المستحسنة فى الآذان وعلى الأفواه، الألفاظ التى تغذى العقول برحيقها الصافى وتشفى القلوب والنفوس.
وهذا الأسلوب البالغ الروعة الذى ليس له سابقة ولا لاحقة فى العربية هو الذى أقام عمود الأدب العربى منذ ظهوره، فعلى هديه أخذ الخطباء والكتاب والشعراء يصوغون آثارهم الأدبية مهتدين بديباجته الكريمة وحسن مخارج الحروف فيه، ودقة الكلمات فى مواضعها من العبارات بحيث تحيط بمعناها، وبحيث تجلّى عن مغزاها، مع الرصانة والحلاوة. وكان العرب-ولا يزالون- يتحفّظونه، فهو معجمهم اللغوى والأدبى الذى ساروا على هداه، مهما اختلفت أقطارهم أو تباعدت أمصارهم وأعصارهم. يقول الجاحظ: «وكانوا يستحسنون أن يكون فى الخطب يوم الحفل وفى الكلام يوم الجمع آى من القرآن فإن ذلك مما يورث الكلام البهاء والوقار والرقة وسلس الموقع. وقال الهيثم بن عدى:
قال عمران بن حطّان: إن أول خطبة خطبتها عند زياد-أو عند ابن زياد-فأعجب بها الناس وشهدها عمى وأبى، ثم إنى مررت ببعض المجالس فسمعت رجلا يقول لبعضهم: هذا الفتى أخطب العرب لو كان فى خطبته شئ من القرآن» (١). وما ذلك إلا لفتنتهم بأسلوبه وإحكام نظمه، فإنك تجد العبارة منه، بل اللفظة، حين تأتى فى سياق كلام كاتب أو خطيب أو شاعر تضئ، كأنها الشهاب الساطع. ولا يزال أدباء العرب يستقون من فيضه وينهلون من نبعه الغزير ما يقوّم ألسنتهم، ويكفل لهم إحسان القول بدون تكلف أو تعمل أو اجتلاب للألفاظ من بعيد.