أبوه زهير بن أبى سلمى من فحول الشعر فى الجاهلية، وهما من قبيلة مزينة، ولكنهما يوضعان فى عداد غطفان حيث عاش زهير مع بنيه بين أخواله بنى مرّة الذّبيانيين. وقد تلقن كعب الشعر عن أبيه، مثله فى ذلك مثل أخيه بجير ومثل الحطيئة، ويذكر لنا الرواة الطريقة التى كان يخرّج بها زهير تلاميذه من أهل بيته وغيرهم إذ يقولون إنه كان يحفّظهم شعره وشعر غيره من الجاهليين حتى تتضح موهبة الشعر فيهم. ويقولون عن كعب إنه كان يخرج به إلى الصحراء، فيلقى عليه بيتا أو شطرا ويطلب إليه أن يجيزه (٣) تمرينا له وتدريبا. على صوغ
_________________
(١) لا در دره: الدر: اللبن وكثرته، يدعو عليه بأن لا يزكو عمله. المحكمات: آيات الذكر الحكيم. وكنى ببياض عمر عن نقاء صحيفته.
(٢) راجع فى ترجمة كعب طبقات فحول الشعراء لابن سلام ص ٨٣ وما بعدها والشعر والشعراء لابن قتيبة ١/ ٨٦ وأغانى (طبعة الساسى) ١٥/ ١٤٠ وابن هشام ٤/ ١٤٤ وما بعدها والاستيعاب ص ٢٢٦ وأسد الغابة ٤/ ٢٤٠ والإصابة ٥/ ٣٠٢ ومعجم الشعراء للمرزبانى ص ٢٣٠ والخزانة ١/ ٣٧٥، ٤/ ١١. وقد طبعت دار الكتب المصرية ديوانه برواية ثعلب.
(٣) أغانى (طبع الساسى) ١٥/ ١٤١ وأمالى المرتضى (طبع الحلبى) ١/ ٩٧.
[ ٢ / ٨٣ ]
الشعر ونظمه. ويبدو أن كعبا اشتهر فى الجاهلية بأكثر مما اشتهر الحطيئة.
يدلّ على ذلك ما يرويه ابن سلام من أن الحطيئة قال له: «قد علمت روايتى لكم أهل البيت وانقطاعى إليكم، وقد ذهبت الفحول غيرى وغيرك، فلو قلت شعرا تذكر فيه نفسك وتضعنى موضعا بعدك فإن الناس لأشعاركم أروى وإليها أسرع» (١)، فقال كعب قطعته التى يقول فيها:
فمن للقوافى شانها من يحوكها إذا ما ثوى كعب وفوّز جرول (٢)
ومعروف أن كعبا وبجيرا أخاه والحطيئة أدركوا الإسلام، وكان أسبقهم إلى الدخول فيه بجير، وقد هجاه كعب حينئذ هجاء آذى رسول الله بمثل قوله (٣):
ألا أبلغا عنى بجيرا رسالة فهل لك فيما قلت-ويحك-هل لكا
شربت مع المأمون كأسا رويّة فأنهلك المأمون منها وعلّكا (٤)
وخالفت أسباب الهدى وتبعته على أى شئ-ويب غيرك-دلّكا (٥)
على خلق لم تلف أمّا ولا أبا عليه ولم تدرك عليه أخا لكا
ويقال إن الرسول سمع بهذا الشعر فتوعده، وأجابه بجير فيما أجابه به بقوله (٦):
من مبلغ كعبا فهل لك فى التى تلوم عليها باطلا وهى أحزم
إلى الله لا العزّى ولا اللات وحده فتنجو إذا كان النّجاء وتسلم
لدى يوم لا ينجو وليس بمفلت من النار إلا طاهر القلب مسلم
وما زال كعب على وثنيته حتى فتحت مكة وانصرف الرسول ﷺ من الطائف، فكتب إليه بجير أن النبى ﷺ قتل كل من
_________________
(١) ابن سلام ص ٨٧ وانظر الأغانى (طبع دار الكتب) ٢/ ١٦٥.
(٢) ثوى وفوز: مات وهلك. جرول: الحطيئة.
(٣) مقدمة الديوان ص ٣ وأغانى (ساسى) ١٥/ ١٤٢ والسيرة ٤/ ١٤٤ والاستيعاب ص ٢٢٦.
(٤) المأمون: الرسول وقيل بل أراد به أبا بكر. النهل: الشرب الأول. العلل: الشرب الثانى.
(٥) ويب غيرك: هلكت هلاك غيرك، وويب بالنصب على إضمار فعل.
(٦) الديوان ص ٤ والسيرة ٤/ ١٤٥.
[ ٢ / ٨٤ ]
آذاه من شعراء المشركين إلا من أعلنوا إسلامهم، ودعاه أن يقدم على رسول الله تائبا. وشرح الله صدره للإسلام، فقدم المدينة وبدأ بأبى بكر، فوقع من نفسه «فلما سلّم النبى ﷺ من صلاة الصبح جاء به وهو متلثم بعمامته، فقال: يا رسول الله! هذا رجل جاء يبايعك على الإسلام، فبسط النبىّ، ﷺ، يده، فحسر كعب عن وجهه، وقال:
هذا مقام العائذ بك يا رسول الله! أنا كعب بن زهير. فتجهّمته الأنصار وغلّظت له، لذكره قبل ذلك رسول الله ﷺ، وأحبّت المهاجرة أن يسلم ويؤمّنه النبى ﷺ، فأمّنه رسول الله» (١)، وأنشده مدحته الخالدة:
بانت سعاد فقلبى اليوم منبول متيّم إثرها لم يفد مكبول (٢)
فكساه النبى ﷺ بردة اشتراها معاوية من أبنائه بعشرين ألف درهم، وكان يلبسها الخلفاء بعد معاوية فى العيدين (٣). وقد اكتسى بها كعب حلّة مجد لا تبلى، ولقّبت قصيدته من أجلها بالبردة. ونراه يستهلها بالغزل، إذ يذكر سعاد وفراقها وأن قلبه مرتهن عندها فليس له فكاك، وكأنه يتأثر أباه فى بعض غزله إذ يقول فى إحدى قصائده (٤):
وفارقتك برهن لا فكاك له يوم الوداع فأمسى الرّهن قد غلقا (٥)
ويلحّ فى وصف سعاد ويشبهها بالظبى ويشبه ريقها بالخمر، متأثرا فى ذلك أباه فى نفس القصيدة، كما تأثره فى الحديث عن إخلاف صاحبته لوعدها.
ويخرج من ذلك إلى وصف ناقته مستلهما ما نظمه أبوه فى هذا الموضوع من قبل. وما زال ينعت ناقته حتى قال يصوّر خوفه وفزعه من رسول الله:
_________________
(١) ابن سلام ص ٨٣ والشعر والشعراء ١/ ١٠٤ وانظر الأغانى ١٤/ ١٤٢.
(٢) انظر القصيدة فى ديوان كعب (طبعة دار الكتب المصرية) ص ٦. ومتبول: مغرم. وبانت: فارقت. ومكبول: مقيد.
(٣) ابن سلام ص ٨٧ والشعر والشعراء ١/ ١٠٦ والإصابة ٥/ ٣٠٢.
(٤) ديوان زهير (طبعة دار الكتب) ص ٣٣.
(٥) غلق الرهن: لم ينفك أبدا.
[ ٢ / ٨٥ ]
وقلت خلّوا طريقى-لا أبا لكم- فكلّ ما قدّر الرحمن مفعول
كلّ ابن أنثى وإن طالت سلامته يوما على آلة حدباء محمول
أنبئت أنّ رسول الله أوعدنى والعفو عند رسول الله مأمول
مهلا هداك الذى أعطاك نافلة ال قرآن فيها مواعيظ وتفصيل
لا تأخذنّى بأقوال الوشاة ولم أذنب ولو كثرت عنى الأقاويل
إن الرسول لنور يستضاء به مهنّد من سيوف الله مسلول (١)
فى عصبة من قريش قال قائلهم ببطن مكة لما أسلموا زولوا (٢)
زالوا فما زال أنكاس ولا كشف عند الّلقاء ولا ميل معازيل (٣)
ومضى يمدح المهاجرين حتى قال:
يمشون مشى الجمال الزّهر يعصمهم ضرب إذا عرّد السّود التنابيل (٤)
يعرّض بالأنصار لغلظتهم-كانت عليه-فأنكرت قريش ما قال، وقالوا لم تمدحنا إذ هجوتهم. ولم يقبلوا منه ذلك حتى قال يذكر الأنصار:
من سرّه كرم الحياة فلا يزل فى مقنب من صالحى الأنصار (٥)
الباذلين نفوسهم لنبيّهم يوم الهياج وسطوة الجبّار
يتطهّرون-كأنه نسك لهم- بدماء من علقوا من الكفّار (٦)
صدموا عليّا يوم بدر صدمة دانت لوقعتها جميع نزار (٧)
_________________
(١) المهند: السيف المطبوع من حديد الهند وهو خير السيوف.
(٢) زولوا: هاجروا.
(٣) أنكاس: جمع نكس وهو الضعيف. الذليل. كشف: جمع أكشف وهو الذى ينكشف فى القتال وينهزم. ميل: جمع أميل وهو الجبان. معازيل: جمع معزال: وهو الذى ينعزل فى الحرب عن صحبه ومن يستغيث به.
(٤) الزهر: البيض. عرد: نكل وجبن. التنابيل: القصار.
(٥) المقنب: جماعة الخيل والفرسان.
(٦) علقوا: قتلوا.
(٧) يريد بعلى بنى على بن مسعود وهم بنو كنانة.
[ ٢ / ٨٦ ]
ورثوا السيادة كابرا عن كابر إن الكرام هم بنو الأخيار
وحسن إسلام كعب، وأخذ يصدر فى شعره عن مواعظ وحكم يستهدى فيها الذكر الحكيم، من مثل قوله:
لو كنت أعجب من شيء لأعجبنى سعى الفتى وهو مخبوء له القدر
يسعى الفتى لأمور ليس يدركها والنفس واحدة والهمّ منتشر
والمرء ما عاش ممدود له أمل لا تنتهى العين حتى ينتهى الأثر
ونراه يردد كثيرا أن الله يرزق عباده، وأنه لا يتركهم بدون رزق فهو راعيهم الذى يفضل عليهم. وهو الغنى الحميد، يقول:
أعلم أنى متى ما يأتنى قدرى فليس يحبسه شحّ ولا شفق (١)
والمرء والمال ينمى ثم يذهبه مرّ الدهور ويفنيه فينسحق
فلا تخافى علينا الفقر وانتظرى فضل الذى بالغنى من عنده نثق
إن يفن ما عندنا فالله يرزقنا ومن سوانا ولسنا نحن نرتزق
وهو فى ذلك يقرب من زهاد المسلمين الذين كانوا يكرهون أن يفكر الشخص منهم فى رزق غد، بل كان منهم من يرى أن ذلك خطيئة لا تغتفر.
وله قصيدة لامية يظهر أنه نظمها فى الجاهلية لما يذكر فيها من شربه الخمر مع من يصطفيه. ويظهر أنه عاد فأدخل فيها بعد إسلامه هذه الأبيات:
فأقسمت بالرحمن لا شئ غيره يمين امرئ برّ ولا أتحلّل (٢)
لأستشعرن أعلى دريسىّ مسلما لوجه الذى يحيى الأنام ويقتل (٣)
هو الحافظ الوسنان بالليل ميّتا على أنه حىّ من النوم مثقل (٤)
من الأسود السارى وإن كان ثائرا على حدّ نابيه السّمام المثمّل (٥)
_________________
(١) شفق: خوف.
(٢) لا أتحلل: لا أستثنى.
(٣) الدريس: الثوب البالى. كنى بذلك عن حسن إسلامه وتوكله على الله الذى يحيى ويميت.
(٤) الوسنان: النائم.
(٥) الأسود: الأفعى. السارى: الذى يسير ليلا. الثائر: الطالب بثأر. المثمل: المجمّع
[ ٢ / ٨٧ ]
وهى تنمّ عن ولائه لدينه الحنيف وأنه أسلم وجهه لربه، ﷻ، الحافظ الذى يكلأ عباده ويقيهم الأذى، ولعلّ فى ذلك ما يدل دلالة واضحة على مدى تأثير الإسلام فى نفسه وفى شعره. وديوانه يدل-كما يدل تأخره فى إسلامه-على أنه كان فيه شر كثير، إذ نراه دائما فى شعره الجاهلى مفاخرا متوعدا مهددا، حتى إذا أسلم أخذت نفسه تصفو، وأخذ يستشعر معانى الإسلام الروحية، وما دعا إليه من الخلق الفاضل، حتى لنراه فى الهجاء نفسه يعلن لهاجيه أنه يصفح الصفح الجميل، سائقا له، لا من الشتم والسباب، بل من الحكم، ما يحاول به أن يكفّ أذاه عنه، يقول (١):
إن كنت لا ترهب ذمّى لما تعرف من صفحى عن الجاهل
فاخش سكوتى إذ أنا منصت فيك لمسموع خنا القائل
فالسامع الذامّ شريك له ومطعم المأكول كالآكل
مقالة السّوء إلى أهلها أسرع من منحدر سائل
ومن دعا الناس إلى ذمّه ذموه بالحق وبالباطل
ولا تهج إن كنت ذا إربة حرب أخى التجربة العاقل (٢)
فإنّ ذا العقل إذا هجته هجت به ذا خبل خابل
فهو ينهاه أن لا يجعل الصفح عنه سببا إلى سوء القول، حتى لا يجنى على نفسه ما هو أقبح أثرا وأبقى وسما، ويقول إن الذين يبسطون ألسنتهم بالهجاء سرعان ما يرتد عليهم هجاء أقذع وأمرّ، هجاء بالحق وبالباطل. وهو فى ذلك كله يأخذ بأدب القرآن ورسوله ﵊ من العفو والصفح ومن التقريع لمن يهجوه بدلا من الطعن فى الأعراض سنّتهم القديمة.
_________________
(١) الخزانة ٤/ ١٢ والاستيعاب ص ٢٢٧ والحيوان ١/ ١٥.
(٢) الإربة: الدهاء.
[ ٢ / ٨٨ ]