ليس من السهل تحديد الزمن الذى اتخذت فيه لغتنا العربية شكلها النهائى الذى تصوره الفصحى الجاهلية، وهو شكل كامل النضج سواء من حيث الإعراب والتصريف والاشتقاق أو من حيث التنويع الواسع فى الجموع والمصادر وحروف العطف وأدوات الاستثناء والنفى والتعريف والتنكير والانتهاء بالممنوع من الصرف إلى نظام تام منضبط مضافا إلى ذلك، احتفاظها بحروف ومخارج لم تحتفظ بها لغة سامية احتفاظا كاملا، وهى الثاء والخاء والذال والظاء والضاد والغين.
وهذه الصورة التامة لفصحانا لم تصل إليها إلا بعد مراحل طويلة من النمو والتطور، وقد رأينا نماذج منها فى نقوش كتبت بأبجدية مشتقة من أبجدية المسند الجنوبى، وهى نقوش الثموديين واللحيانيين والصفويين، ونقوش أخرى كتبت بأبجدية الآراميين، وهى نقوش النبطيين، غير أنها جميعا لا تصور هذا التكامل الذى انتهت إليه الفصحى، والذى تمثله نصوص العصر الجاهلى منذ أواخر القرن الخامس الميلادى، وأوائل السادس، فهل تم لها ذلك التشكل النهائى مع ظهور الشعر الجاهلى أو أن ذلك تمّ فى حقب أبعد منه؟ .
ليست الإجابة على هذا السؤال سهلة يسيرة، لسبب بسيط أو طبيعى، وهو
[ ١ / ١١٧ ]
أنه ليس بين أيدينا نقوش كثيرة، نستطيع أن نعرف منها بالضبط الزمن الذى يعد بدءا حقيقيّا للفصحى. وحقّا عثر علماء الساميات كما قدمنا فى غير هذا الموضع على نقوش تمتد من أواخر القرن الثالث الميلادى إلى القرن السادس، غير أنها قليلة، ثم هى قصيرة، وأكثرها فى أمور شخصية، وليس بينها نص أدبى أو نص طويل يمكن أن نتبين فى تضاعيفه جملة الخصائص اللغوية لتلك اللغة التى كان يتحدث بها كتبة هذه النقوش، وجميعها على لسان الشخص الثالث الغائب، وليس بينها نص على لسان مخاطب أو متكلم، وهى تخلو خلوّا تامّا من الشكل والحركات وحروف العلة وعلامات الإعراب.
على أن من يرجع إلى هذه النقوش يجدها تقترب اقترابا شديدا من فصحانا، وقد وقفنا فى الفصل الأول عند أقدمها وهو نقش النمارة المؤرخ بسنة ثمان وعشرين وثلاثمائة، وهو لامرئ القيس ثانى ملوك الحيرة، وضع على قبره فى النمارة شرقىّ جبل الدروز، وقد لاحظنا أن كاتبه استخدم كلمة بر الآرامية بدلا من ابن العربية، غير أن النقش بعد ذلك تام فى عروبته سواء من حيث الأسماء والأفعال، أو من حيث استخدام أداة التعريف العربية أل. وأيضا فإن خطه المكتوب به مع اشتقاقه من الخط النبطى يعد مقدمة للخط العربى. إذ توجد فيه الروابط بين الحروف كما تتخذ الحروف فيه شكلا أكثر استدارة.
ولعلنا لا نبعد إذ اتخذنا هذا النقش بدءا لتكون الفصحى، وقد لقّب امرؤ القيس فيه بلقب ملك العرب، وهى أول مرة نعثر فيها على هذا اللقب، وقد يكون فى ذلك ما يدل دلالة واضحة على أن العرب أخذوا يفكرون فى إنشاء وحدة سياسية لهم منذ هذا التاريخ، وكانوا قبله لا يفكرون فى هذه الوحدة ولا فى أن يستقلوا بخط خاص بهم يميزهم أو يميز كتابتهم من كتابه المسند الجنوبية وكتابة الآراميين الشمالية.
ومعنى ذلك أننا نتخذ من هذا النقش رمزا لإحساسهم إحساسا عميقا بوجوب اتحادهم إزاء الدول التى كانت تناهضهم فى الشمالين الغربى والشرقى، ونقصد دولتى الروم والفرس، فقد قضى الروم على دولة أسلافهم من النبط فى سلع وتدمر وفرضوا سيادتهم على القبائل العربية المجاورة لهم، وبالمثل فرض الفرس سيادتهم
[ ١ / ١١٨ ]
على الحيرة وقبائل العراق. وهذا فى الشمال، أما فى الجنوب فقد هاجم الحبش اليمن واستولوا عليها فى أواسط القرن الرابع لمدة عشرين عاما، وعادوا فى سنة ٥٢٥ فاستولوا عليها.
والذى لا ريب فيه أن هذه الأحداث جعلت العرب يشعرون أنهم مهددون فى الشمال والجنوب، وليس ذلك فحسب، فإنهم رأوا الديانتين اليهودية والنصرانية وكذلك الديانة الفارسية المجوسية، رأوا كل هذه الديانات تغزو دينهم. وكان هذا كله حافزا لهم أن يقاموا من يريدون أن يتخطفوهم، فنمت شخصيتهم السياسية، وأخذوا يكونون لهم إمارات مختلفة فى الشمال، يتجمعون حولها، والتفّت قلوبهم وأهواؤهم حول مكة بيت أصنامهم وكعبتهم الكبرى. وفى هذه الأثناء أخذوا يسقطون إلى الجنوب منذ القرن الرابع ليؤازروا إخوانهم اليمنيين فى مقاومة عدوهم المشترك من الأحباش، وكان اليمنيون يرحّبون بهم، لما يقدمونه لهم من عون ومساعدة.
وليس هذا كل ما نلاحظه، فنحن نلاحظ أيضا أن زمام القوافل التجارية يتحول إلى مكة، فلم يعد بيد اليمنيين المهددين بالأحباش ولم يعد بيد النبط المهددين بالروم، وإنما أصبح بيد المكيين البعيدين عن الدولتين، وربما كانوا يرجعون فى أصولهم إلى النبط، وكأنما هبطوا إليها بعيدا عن الروم وجيوشهم وما يبغون من فرض سيادتهم عليهم. والمظنون أن الثموديين هبطوا بدورهم إلى الطائف، أما اللحيانيون فسقطوا إلى منازل هذيل.
وفى هذه الأثناء أخذت شخصية هؤلاء العرب الشماليين اللغوية تنمو نموّا سريعا، كما أخذ خطهم هو الآخر ينمو فى سرعة، على نحو ما يصور لنا ذلك نقش زبد المؤرخ بسنة ٥١٢ للميلاد. وزبد خربة بين قنسرين ونهر الفرات، ونقشها مكتوب بثلاث لغات: العربية واليونانية والسريانية، وهو يتضمن أسماء أشخاص بنوا كنيسة بموضعه، وأهميته ترجع إلى أن خصائص الخط العربى الجاهلى تتكامل فيه. ومن المؤكد أنه حدثت تطورات مختلفة فى الحقبة الممتدة بينه وبين نقش النمارة هيأت له هذه الصيغة الخطية النهائية. وعلى مثاله نقش حران اللّجا المؤرخ بسنة ٥٦٨ للميلاد، وقد وجد على باب معبد بنوه فى الشمال الغربى لجبل الدروز جنوبى دمشق، وجميع كلماته وعباراته عربية، وهو يمضى على هذا النحو:
[ ١ / ١١٩ ]
«أنا شرحيل (شرحبيل) بر (بن) ظلمو (ظالم) بنيت ذا المرطول (المعبد) سنة ٤٦٣ بعد مفسد (خراب) خيبر بعم (بعام)». وهو يشير إلى غزو أحد أمراء غسان لخيبر، وقد ألحقت بكلمة ظالم واو وفقا لقواعد النبط فى كتابة أعلامهم المنصرفة، وحذف حرف العلة من كلمة «عام» وهى نفس الصورة المألوفة فى الأقلام الإسلامية الأولى.
ونرى من ذلك أن الخط العربى تكامل مع أوائل القرن السادس كما تكاملت الفصحى نفسها وأخذت شكلها النهائى بشهادة نصوص الشعر الجاهلى التى يرجع أقدمها إلى أواخر القرن الخامس، فمنذ هذا التاريخ تقاربت لهجات القبائل، وأصبحت هناك لغة أدبية عامة، هى الفصحى، ينظم بها شعراء العرب جميعا شعرهم. وتدل دلالات كثيرة على أن هذه اللغة أخذت تنتشر لا بين القبائل الشمالية وحدها، تلك التى عاشت فى الشمال، فقد حملتها إلى الجنوب القبائل التى تسقط فيه، وانجذب كثير من الجنوبيين إلى المحيط اللغوى الشمالى، وخاصة من كانوا يجاورون الشماليين مثل سكان نجران وقبائل الأزد فى جنوبى الحجاز.
ومعنى ذلك أنه كان يعاصر اكتمال الفصحى حركة تعريب قوية فى الجنوب، ولسنا نريد أن نبالغ فى هذه الحركة فإنها إنما كانت تتناول القبائل الشمالية من هذا الجنوب، أما فى داخل اليمن وفى ظفار فقد كانت اللغة الجنوبية لا تزال سائدة كما تدل على ذلك نقوشهم. ونستطيع الآن أن نفهم قول أبى عمرو بن العلاء:
«ما لسان حمير وأقاصى اليمن بلساننا ولا عربيتهم بعربيتنا» (١) فإنه ينص على أن لسان اليمنيين الداخليين ومن يجرى مجراهم هو الذى يخالف لسان العرب الشماليين.
بل لعلنا لا نبعد إذا قلنا إن اليمنيين الداخليين أنفسهم أخذوا فى التعرب، فإن من يرجع إلى وثيقة أبرهة التى دونها سنة ٥٤٣ للميلاد عند ترميمه لسد مأرب (٢) يلاحظ توّا تقاربا فى الكلمات أسماء وأفعالا من اللغة الشمالية، وحقّا تحتفظ الوثيقة بجملة الخصائص اللغوية للغة الجنوبية، لكننا نجد فى تضاعيفها صيغا تشبه الصيغ
_________________
(١) طبقات فحول الشعراء لابن سلام (طبعة دار المعارف) ص ١١.
(٢) انظر هذه الوثيقة فى الجزء الأول من المجلد الرابع من مجلة المجمع العلمى العراق وتعليق جواد على عليها.
[ ١ / ١٢٠ ]
العربية شبها تامّا، من مثل: «كن لهو خلفتن وقسد» أى كان له خليفة وقاسد، وكلمة قاسد معناها قائد فى اللغة الجنوبية.
فنحن لا نصل إلى العصر الجاهلى الذى نتحدث عنه حتى نجد الفصحى قد تكاملت وتكامل معها خطها، وأخذت تغزو العربية الجنوبية، وتنتصر عليها انتصارات تختلف قربا وبعدا، فهى فى الجهات القريبة منها تكتسحها اكتساحا، وهى فى الجهات البعيدة تؤثر تأثيرا يختلف قوة وضعفا. على أنه ينبغى أن نعترف بأن اليمينيين كانوا فى نقوشهم يحافظون على لغتهم القديمة المرتبطة بدينهم وآلهتهم، اما فى حياتهم اليومية وخاصة فى أطرافهم الشمالية فإنهم كانوا يتحدثون بعربيتنا الفصحى.