اسمه جرول. ولقّب بالحطيئة لقصره أو لدمامته، وقد ولد لأمة تسمى الضّراء، كانت لأوس بن مالك العبسى. ونشأ فى حجره مغموزا فى نسبه، وجعله ذلك قلقا مضطربا منذ أخذ يحسّ الحياة من حوله، وزاد فى اضطرابه وقلقه ضعف جسمه وقبح وجهه، إذ كانت تقتحمه العيون، ولم يكن فيه
_________________
(١) الشعر والشعراء ١/ ٢٣٨ والديوان ص ١٧٤ وما بعدها.
(٢) النفل: العطية. الريث: البطء.
(٣) اخزها: سسها واقهرها.
(٤) انظر فى ترجمة الحطيئة ابن سلام ص ٨١ وما بعدها والشعر والشعراء ١/ ٢٨٠ والأغانى (طبع دار الكتب) ٢/ ١٥٧ والإصابة ٢/ ٦٣ والخزانة ١/ ٤٠٨ وحديث الأربعاء لطه حسين (طبعة الحلبى) ١/ ١٥٣ وما بعدها. ونشر ديوانه فى إستانبول، ونشره جولد تسيهر والشنقيطى، وكذلك نشره نعمان أمين طه بمطبعة الحلبى، وسنعتمد على نشرته.
[ ٢ / ٩٥ ]
فضل شجاعة يستطيع أن يتلافى به هوان شأنه فى «عبس» على نحو ما صنع عنترة من قبله. ومن ثمّ نشأ يشعر بغير قليل من المرارة، ولعل هذا هو السبب فى غلبة الهجاء عليه.
ولما تيقظت فى نفسه موهبة الشعر لزم زهير بن أبى سلمى يعلمه إحكام صنعه على نحو ما كان يعلم ابنه كعبا. ومر بنا أن الحطيئة كان يروى شعر كعب أيضا، وأنه طلب إليه أن ينوّه به، حتى يدور على الألسنة ذكره. ومعنى ذلك أن الحطيئة من مدرسة زهير التى كانت تعنى بالتعبير وصقله وتصفيته من كل شائبة، كما كانت تعنى بالمعانى ودقتها.
ويضيئ الإسلام فى الجزيرة، فلا يسارع إليه، ومن هنا اختلف الرواة هل قدم على الرسول ﷺ بعد فتح مكة فأعلن إسلامه على شاكلة كعب، أو أنه تأخر فى اعتناقه الإسلام، حتى توفّى الرسول الكريم. ونراه يسارع إلى الرّدّة، معينا بشعره المرتدّين ضد أبى بكر وخلافته، حتى ليقول:
أطعنا رسول الله إذ كان بيننا فيا لعباد الله ما لأبى بكر
أيورثها بكرا، إذا مات، بعده فتلك، وبيت الله، قاصمة الظهر
على أن من الرواة من نسب هذين البيتين إلى غيره (١). وقد عاد مع المرتدين إلى الإسلام.
وجمهور شعره يدور فى المديح والهجاء، ويقول الأصمعى: «كان الحطيئة جشعا سؤولا ملحفا دنئ النفس، كثير الشر، قليل الخير، بخيلا، قبيح المنظر، رثّ الهيئة، مغموز النسب، فاسد الدين، وما تشاء أن تقول فى شاعر من عيب إلا وجدته، وقلما تجد ذلك فى شعره» (٢). وقد يكون الأصمعى بالغ فى نعته بهذه الصفات، وحقّا كان يمدح سادة القبائل بشعره منذ نشأ فى الجاهلية من أمثال عيينة بن حصن الفزارى وزيد الخيل، وكان يتورط فيما
_________________
(١) انظر الطبرى ٢/ ٤٧٧ حيث نسب البيتين إلى أخيه الخطيل وقارن بالديوان ص ٣٢٩ والأغانى ٢/ ١٥٧.
(٢) أغانى (دار الكتب) ٢/ ١٦٣.
[ ٢ / ٩٦ ]
بينهم من خصومات ومنافرات، إذ نراه يقف فى صف عيينة بن حصن حين نافر ابن عمه زبّان بن سيار، كما نراه يقف فى صف علقمة بن علاثة حين نافر عامر بن الطفيل (١). وكان غيره من الشعراء يصنعون صنيعه، فقد كان الأعشى ولبيد يقفان فى صف عامر. وقد تكون حادثته مع الزّبرقان بن بدر هى التى شوهته، ذلك أنه لقيه فى عهد عمر بن الخطاب يؤمّ المدينة، وكان على صدقات قومه، فلما عرفه دلّه على داره حيث زوجه وعشيرته، فنزل بأهله، وفزع بنو أنف الناقة-إذ كانوا ينافسون عشيرة الزبرقان-حين علموا ذلك، وعملوا على أن يفسدوا العلاقة بينه وبين زوج الزبرقان، وكانت قد تراخت فى استقباله. وأتيحت بذلك الفرصة لبنى أنف الناقة، فضموا الحطيئة إليهم وبالغوا فى إكرامه، وانطلق يثنى عليهم ثناء رائعا معرّضا بالزبرقان بمثل قوله يخاطبه:
دع المكارم لا ترحل لبغيتها واقعد فإنك أنت الطاعم الكاسى (٢)
ورفع الزبرقان أمره إلى عمر، فحكّم حسان بن ثابت فيه، فلما حكم بأنه هجاه حبسه. وأخذ الحطيئة يستعطفه بأبياته المشهورة التى يقول فيها:
ماذا تقول لأفراخ بذى مرخ زغب الحواصل لا ماء ولا شجر (٣)
ألقيت كاسبهم فى قعر مظلمة، فاغفر عليك سلام الله يا عمر
ولان له قلب عمر. فعفا عنه بعد أن أخذ عليه العهد أن لا يعود إلى الهجاء ويقال إنه اشترى منه أعراض المسلمين بثلاثة آلاف درهم (٤).
ونحن إذا قرأنا أشعاره المختلفة التى عرض فيها للزّبرقان وجدناه لا يقذع فى هجائه، إنما يمسّه على نحو ما رأينا فى بيته السالف برفق، عامدا إلى التهكم والسخرية. ولا نشك فى أن الإسلام هو الذى خفّف من حدة لسانه، ونراه يصرّح بذلك إذ يقول (٥):
_________________
(١) ابن سلام ص ٩٣ وما بعدها.
(٢) يريد المطعوم المكسو.
(٣) ذو مرخ: واد بالحجاز. الأفراخ: سغار الطير شبه بها أولاده. زغب الحواصل: لم ينبت على حواصلهم سوى الزغب القصير، كناية عن صغرهم وأنهم لا يقوون على الطيران.
(٤) انظر فى القصة الأغانى ٢/ ١٧٩ وما بعدها.
(٥) الديوان ص ٩٨.
[ ٢ / ٩٧ ]
ولما أن مدحت القوم قلتم هجوت ولا يحلّ لك الهجاء
ألم أك مسلما فيكون بينى وبينكم المودّة والإخاء
ولم أشتم لكم حسبا ولكن حدوت بحيث يستمع الحداء
فهو يذكر حرمة الإسلام، ويتذمم بها، ويقول إنه حين مدح بنى أنف الناقة وحدا بهم فسمعه قوم الزبرقان جعلوا ذلك ذمّا لهم وهجاء، لمدحه خصومهم. ونراه يولّى وجهه نحو علقمة بن علاثة، لينشده إحدى مدائحه فيه، ولكن الموت يسبقه إليه فيجزل له ابنه فى العطاء. ويتجه نحو العراق فى عهد عثمان. فيمدح الوليد بن عقبة واليه على الكوفة، ويذود عنه حين يطعن عليه أهلها. وقد حملت عليه أبيات فى ذمه. ويمدح من بعده سعيد بن العاص الذى خلفه فى تلك الولاية، كما يمدحه فى ولايته لمعاوية على المدينة (٤٩ - ٥٥ هـ). ونرى أهلها يجمعون له من أموالهم خشية معرة لسانه. والمظنون أنه توفّى فى ولاية سعيد آنفة الذكر.
وقد كان على شاكلة زهير يعنى بشعره وتجويده عناية شديدة، وقد أثر عنه أنه كان يقول: «خير الشعر الحولىّ المحكّك» فهو ممن كان يتأنّون فى شعرهم، ويعيدون فيه النظر، حتى تخرج جميع الأبيات مستوية فى الجودة والروعة.
ولعل ذلك ما جعله يكثر من المقطّعات، ونراه فى مطوّلاته يشبّب ويصف الصحراء وحيوانها الوحشى والأليف. ومدائحه لا تقل عن مدائح زهير جودة على شاكلة قوله فى بنى أنف الناقة:
يسوسون أحلاما بعيدا أناتها وإن غضبوا جاء الحفيظة والجدّ
أولئك قوم إن بنوا أحسنوا البنا وإن عاهدوا أوفوا وإن عقدوا شدّوا
وكانوا يعيّرون باسمهم، فما هو إلا أن قال معرّضا بالزبرقان وعشيرته:
قوم هم الأنف والأذناب غيرهم ومن يسوّى بأنف الناقة الذّنبا
[ ٢ / ٩٨ ]
حتى أصبح اللقب فخرا لهم. وتروى له أهاج فى زوج أمه وفى أمه وفى ضيفانه. وكلها مزاح. حتى لنراه يمزح مع نفسه، فيقول:
أرى لى وجها شوّه الله خلقه فقبّح من وجه وقبّح حامله
أما بخله الذى أشار إليه الأصمعى والرواة، فقد غسله بكثرة مديحه للكرم، وبقصيدته «وطاوى ثلاث» (١) وفيها يصور أعرابيّا فقيرا نزل به ضيف، وعياله من حوله يتضوّرون جوعا، فهمّ أن يذبح له أحدهم، لولا أن عنّت له أتان وحشية، فصادها وأطعمها ضيفه. والقصيدة رائعة فى وصف غريزة الكرم العربية.
والحق أن الرواة بالغوا فى اتهامه بالبخل ودناءة النفس، كما بالغوا فى اتهامه بفساد الدين، قد يكون رقيقه ولكنه ليس فاسده، فقد كان يستشعره فى الهجاء بشهادة لسانه كما قدمنا. ونراه فى مديحه يكثر من ذكر جزاء الله لممدوحه على ما يقدم له من برّه على شاكلة قوله فى بعض ممدوحيه:
فليجزه الله خيرا من أخى ثقة وليهده بهدى الخيرات هاديها
وقد يستهل المدح بالثناء على الله فى مثل قوله:
الحمد لله إنى فى جوار فتى حامى الحقيقة نفّاع وضرّار
وقال أبو عمرو بن العلاء: لم تقل العرب بيتا قط أصدق من بيت الحطيئة (٢):
من يفعل الخير لا يعدم جوازيه لا يذهب العرف بين الله والناس
ولعل فى ذلك ما يدل على أنه حسن إسلامه، وأبلغ فى الدلالة على ذلك قوله فى وصف التقى والعمل الصالح (٣):
ولست أرى السعادة جمع مال ولكن التقىّ هو السعيد
وتقوى الله خير الزاد ذخرا وعند الله للأتقى مزيد
_________________
(١) الديوان ص ٣٩٥ وما بعدها.
(٢) أغانى ٢/ ١٧٣.
(٣) أغانى ٢/ ١٧٥ والديوان ص ٣٩٣.
[ ٢ / ٩٩ ]
فالسعادة فى رأيه ليست فى الدنيا وأموالها ومتاعها الزائل، وإنما هى فى الآخرة ونعيمها ومتاعها الخالد الذى لا ينال إلا بالتقوى، فهى السعادة الحقيقية.
ومعنى ذلك أن الإسلام لم يظل بعيدا عن روح الحطيئة، بل أخذ يرسل فيها مثل هذه الإشعاعات النيرة.