هو عبد الله (٢) بن قيس من بنى جعدة العامريين، ولد بالفلج جنوبى نجد، ولما شبّ اضطرب فيما يضطرب فيه قومه من حروب، ويقال إنه ظل ثلاثين عاما فى الجاهلية لا ينطق الشعر ثم تفجّر على لسانه، فسمّى النابغة لنبوغه فيه بأخرة، ويقال إن نبوغه فيه إنما كان فى الإسلام.
والنابغة الجعدى فى جاهليته مثل لبيد يتغى بمفاخر قومه وانتصاراتهم فى حروبهم ويهجو خصومهم وخاصة بنى أسد الذين قتلوا أخا له فى بعض حروبهم مع قبيلته، وقد بكاه كثيرا، ومن بكائه فيه قصيدته التى يؤبّنه فيها بقوله (٣):
فتى كملت أخلاقه غير أنه جواد فما يبقى من المال باقيا
فتى تمّ فيه ما يسرّ صديقه على أنّ فيه ما يسوء الأعاديا
ويقال إنه كان يفد بشعره على اللخميين فى الحيرة. ولما أخذت وفود العرب تفد على الرسول ﷺ معلنة إسلامها وفد عليه مع قومه سنة تسع للهجرة وأنشده قصيدة يقول فيها:
_________________
(١) انظر فى ترجمة النابغة: الشعر والشعراء ١/ ٢٤٧ وابن سلام ص ١٠٣ وما بعدها والأغانى (طبعة دار الكتب) ٥/ ١ وما بعدها وأسد الغابة ٥/ ٢ والاستيعاب ص ٣٢٠ والإصابة ٦/ ٢١٨ وأمالى المرتضى ١/ ٢٦٣ والمعمرين ص ٦٤ والخزانة ١/ ٥١٢ والموشح ص ٦٤. وقد جمعت ماريا نالينو أشعاره ونشرتها فى روما سنة ١٩٥٣.
(٢) اختلف المؤرخون فى اسمه هل هو عبد الله ابن قيس أو قيس بن عبد الله أو حبان بن قيس.
(٣) الشعر والشعراء ١/ ٢٥٢ والديوان ص ١٢٣.
[ ٢ / ١٠٠ ]
بلغنا السماء مجدنا وجدودنا وإنا لنبغى فوق ذلك مظهرا
فقال له الرسول الكريم: فأين المظهريا أبا ليلى؟ فأجابه: الجنة. وأعجب الرسول بشعره ومنطقه، فقال له: لا يفضض الله فاك (١).
ويظنّ أنه لم يرجع مع قومه إلى منازلهم، بل أقام فى المدينة مهاجرا، حتى إذا كانت الفتوح خرج مع العرب ميمما نحو الشرق والفرس مجاهدا فى سبيل الله ونشر الدعوة المحمدية. وقد أخذ يضيف إلى رائعته التى أنشدها الرسول أبياتا كثيرة، تصور حياته فى الإسلام وابتغاءه رضوان الله بجهاده وتقواه جميعا يقول (٢):
أتيت رسول الله إذ جاء بالهدى ويتلو كتابا كالمجرّة نيّرا (٣)
وجاهدت حتى ما أحسّ ومن معى سهيلا إذا مالاح ثمّت غوّرا (٤)
أقيم على التقوى وأرضى بفعلها وكنت من النار المخوفة أوجرا (٥)
وعاد إلى المدينة وتشوّق إلى منازل قومه فى البادية، فاستأذن عثمان فى الإلمام بهم فأذن له، حتى إذا نشبت الحروب بين على ومعاوية وجدناه فى صفوف على بصفّين، يرجز بخصومه وينظم الأشعار فى مديحه وهجاء معاوية من مثل قوله (٦):
قد علم المصران والعراق أن عليّا فحلها العتاق (٧)
إن الألى جاروك لا أفاقوا لهم سياق ولكم سياق
قد علمت ذلكم الرّفاق سقتم إلى نهج الهدى وساقوا
إلى التى ليس لها عراق فى ملّة عادتها النّفاق (٨)
_________________
(١) أغانى ٥/ ٨
(٢) أغانى ٥/ ٩ والديوان ص ٣٣ وما بعدها.
(٣) المجرة: مجموعة من النجوم الصغيرة ينتشر ضوءها فيرى كأنه بقعة بيضاء.
(٤) غور النجم: غاب.
(٥) أوجر: خائف.
(٦) أغانى ٥/ ٣١ والديوان ص ١٣٣.
(٧) المصران: الكوفة والبصرة. العتاق: الكريم.
(٨) التى ليس لها عراق: التى لا تعرف لها غاية.
[ ٢ / ١٠١ ]
ولعل هذا هو الذى جعله يصطدم بكعب بن جعيل شاعر معاوية.
ويروى أنه لما قتل على وتحولت الخلافة إلى معاوية كتب إلى مروان عامله على المدينة أن يأخذ أهله وأمواله، فاستعطفه بأبيات ألانت قلبه فعفا عنه.
ونراه يقف دائما مع قومه، حتى ليضطر أبو موسى الأشعرى والى البصرة لعمر أن يضربه أسواطا، وكأنما كانت فيه بقية من عصبيته الجاهلية. ولا نشك فى أن هذه البقية فيه هى التى دفعته إلى الاصطدام بأوس ابن مغراء، ويقول ابن سلاّم إنه غلب عليه ولم يكن إليه فى الشعر ولا قريبا.
ونزل مع قومه بأصبهان، وهناك نراه يتهاجى مع سوّار بن أوفى القشيرى، وتتصدى له زوجه ليلى الأخيلية، ويغلبان عليه جميعا. وهما أيضا لم يكونا إليه فى الشعر، وربما كان لتعمق الإسلام فى نفسه أثر فى تلك الهزائم، إذ كان يتحرج من المضى فى الهجاء المقذع، ويقول ابن سلام إن الأخطل هجاه بأخرة. ولما دعا ابن الزبير لنفسه فى أواخر خلافة يزيد بن معاوية قدم عليه فى مكة ومدحه بقصيدة رائعة يقول فيها (١).
حكيت لنا الصّدّيق لما وليتنا وعثمان والفاروق فارتاح معدم
وسوّيت بين الناس فى العدل فاستووا فعاد صباحا حالك الليل مظلم
وأثابه ابن الزبير ثوابا جزيلا. وعاد إلى أصبهان، غير أنه لم يلبث أن توفّى بها عن سن عالية سنة خمس وستين. وهو بلا شك من المعمرين، غير أن الرواة بالغوا فى ذلك حتى قالوا إنه أقدم من النابغة الذبيانى وأنه عمّر مائة وثمانين سنة بل تزيد، مستشهدين بما أضيف إليه من مثل قوله (٢):
تذكّرت شيئا قد مضى لسبيله ومن عادة المحزون أن يتذكّرا
نداماى عند المنذر بن محرّق أرى اليوم منهم ظاهر الأرض مقفرا
والمنذر بن محرق هو المنذر بن ماء السماء الذى قتل فى بعض حروبه مع الغساسنة سنة ٥٥٦ للميلاد، ولا شك فى أن هذا الشعر مصنوع عليه.
_________________
(١) الكامل للمبرد (طبعة رايت) ص ٧٠٤ والديوان ص ١٣٧.
(٢) أغانى ٥/ ٦
[ ٢ / ١٠٢ ]
ومن المحقق أن النابغة كان أحد الشعراء الذين استضاءوا بالإسلام وتعاليمه الروحية، وقد خرج يجاهد فى سبيل الله، وهو يتلو القرآن آناء الليل وأطراف النهار، فكان طبيعيّا أن يستلهمه فى شعره. وهو من هذه الناحية من خير الأمثلة على أثر الإسلام فى شعر المخضرمين ومدى هذا الأثر، إذ عبّر فى غير قصيدة عن خشية الله وتقواه من مثل قوله (١):
منع الغدر فلم أهمم به وأخو الغدر إذا همّ فعل
خشية الله وأنّى رجل إنما ذكرى كنار بقبل (٢)
وهو دائم الحديث عن نعمة الله عليه بالإسلام، وتحوله من ظلمات الوثنية إلى أضواء الدين الحنيف، يقول (٣):
عمّرت حتّى جاء أحمد بالهدى وقوارع تتلى من القرآن
ولبست مل الإسلام ثوبا واسعا من سيب لا حرم ولا منّان (٤)
وليس كل ما نجده عنده من أثر الإسلام أبياتا مفردة تتخلل قصائده، فإن له موعظة بليغة رواها غير راو، وهى تطّرد على هذا النمط (٥):
الحمد لله لا شريك له من لم يقلها فنفسه ظلما
المولج الليل فى النهار وفى اللّي ل نهارا يفرّج الظّلما
الخافض الرّافع السماء على ال أرض ولم يبن تحتها دعما (٦)
الخالق البارئ المصوّر فى ال أرحام ماء حتى يصير دما
من نطفة قدّها مقدّرها يخلق منها الأبشار والنّسما
ثمّ عظاما أقامها عصب ثمّت لحما كساه فالتأما
ثم كسا الرّأس والعواتق أب شارا وجلدا تخاله أدما (٧)
_________________
(١) الديوان ص ٨١ وانظر الحيوان ٣/ ٥٠٤.
(٢) القبل: النشز من الأرض يستقبلك ورأس كل أكمة أو جبل.
(٣) الديوان ص ١٣٧ وأمالى المرتضى ١/ ٢٦٦.
(٤) مل الإسلام: من الإسلام. سيب: عطاء. حرم: مناع.
(٥) الشعر والشعراء ١/ ٢٥٣ وانظر الديوان ص ١٠٢.
(٦) دعم: دعائم وعمد.
(٧) العواتق: جمع عاتق وهو المنكب.
[ ٢ / ١٠٣ ]
والصّوت واللّون والمعايش وال أخلاق شتّى وفرّق الكلما
ثمّت لا بدّ أن سيجمعكم والله، جهرا، شهادة قسما
فائتمروا الآن ما بدا لكم واعتصموا إن وجدتم عصما
فى هذه الأرض والسماء، ولا عصمة منه إلا لمن رحما
يا أيها الناس هل ترون إلى فارس بادت، وخدّها رغما (١)
أمسوا عبيدا يرعون شاءكم كأنما كان ملكهم حلما
أو سبأ الحاضرين مأرب إذ يبنون من دون سيله العرما
فمزّقوا فى البلاد واعترفوا ال هون وذاقوا البأساء والعدما (٢)
وبدّلوا السّدر والأراك به ال خمط وأضحى البنيان منهدما (٣)
والنابغة فى مطلع هذه العظة يثنى على الله بما هو أهله، مقررا إيمانه بوحدانيته وأنه لا شريك له، ونحسّ أنه يستعير لفظه من الذكر الحكيم، فهو يستهل قوله بكلمة «الحمد لله» ولا يلبث أن يستلهم مثل قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللهَ لا يَظْلِمُ النّاسَ شَيْئًا وَلكِنَّ النّاسَ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ»﴾. ويتحدث فى البيت الثانى عن نظام الكون المنبئ عن قدرة الله وجليل صنعه له وتقديره على نظام بديع، مستعيرا من القرآن نفس لفظه فى قوله جلّ وعز: ﴿(قُلِ اللهُمَّ مالِكَ الْمُلْكِ. .﴾ ﴿.﴾
﴿بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ تُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهارِ وَتُولِجُ النَّهارَ فِي اللَّيْلِ).﴾
وفى البيت الثالث مضى ينظم قوله تعالى: ﴿(اللهُ الَّذِي رَفَعَ السَّماواتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَها).﴾ وخرج فى البيت الرابع من خلقه للكون إلى خلقه للإنسان واستمر ينظم مثل قوله جلّ وعز: ﴿(وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ طِينٍ ثُمَّ جَعَلْناهُ نُطْفَةً فِي قَرارٍ مَكِينٍ ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظامًا فَكَسَوْنَا الْعِظامَ لَحْمًا ثُمَّ أَنْشَأْناهُ خَلْقًا آخَرَ فَتَبارَكَ اللهُ أَحْسَنُ الْخالِقِينَ).﴾ وهو يمضى فيتحدث عن البعث والنشأة الثانية محذرا مخوما. وما يلبث أن يتحدث عن
_________________
(١) رغم الخد: كناية عن الذل.
(٢) اعترفوا الهون: عرفوه.
(٣) السدر والأراك: شجر لا ينتفع بثمره الخمط: ثمر الأراك أو هو نبت مر.
[ ٢ / ١٠٤ ]
القرون والأمم البائدة مكملا بذلك العظة والعبرة، بالضبط على نحو ما نقرأ فى القرآن من حديث عما أصاب الأمم الباغية من هلاك، وقد اقتبس منه ما جاء فيه عن دولة سبأ اقتباسا تتطابق فيه الألفاظ واقرأ قوله تعالى: ﴿(لَقَدْ كانَ لِسَبَإٍ فِي مَسْكَنِهِمْ آيَةٌ جَنَّتانِ عَنْ يَمِينٍ وَشِمالٍ. .﴾ ﴿فَأَعْرَضُوا فَأَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ سَيْلَ الْعَرِمِ وَبَدَّلْناهُمْ بِجَنَّتَيْهِمْ جَنَّتَيْنِ ذَواتَيْ أُكُلٍ خَمْطٍ وَأَثْلٍ وَشَيْءٍ مِنْ سِدْرٍ قَلِيلٍ ذلِكَ جَزَيْناهُمْ بِما كَفَرُوا. .﴾ ﴿وَظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ فَجَعَلْناهُمْ أَحادِيثَ وَمَزَّقْناهُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ)﴾، فإنك تجده قد نظم الآيات الكريمة فى أبياته الثلاثة الأخيرة.
وأكبر الظن أنه قد اتضح اتضاحا لا لبس فيه أن أهل نجد والبوادى كان مثلهم مثل أهل الحواضر حين دخلوا فى الإسلام فقد تمثلوه وتألقت أضواؤه فى صدورهم وفى أشعارهم، حتى لتتحول جوانب منها إلى مواعظ خالصة ينفّرون فيها الناس من الدنيا ونعيمها الفانى، حاثّين لهم على التزود بالتقوى والعمل الصالح.
[ ٢ / ١٠٥ ]