يرتبط السودان فى تاريخه السحيق بمصر منذ عهد الأسرات الأولى لحضارة قدماء المصريين بعامل حفاظ تلك الأسرات على الأمن فى جنوبى مصر وعلى طريق التجارة. وفى أخبار الأسرة الرابعة أن سنفروقام بحملة فى الجنوب، لعلها كانت حملة تأديبية، وتتجدد الصلات فى عهد الدولة الوسطى بغرض السيطرة على أرض النوبة فى الجنوب وأخذت هذه الصلات تتسع فى عهد الدولة الحديثة إذ مدت سيطرتها إلى الشلال الرابع. وسميت الأراضى الممتدة إلى ذلك الشلال-منذ ذلك الحين-باسم أراضى النوبة وكانت قسمين شماليا وجنوبيا ومصرّت تماما فى عهد تلك الدولة، وسكن النوبة الجنوبية كوشيون طبعوا بطوابع الحضارة المصرية كما تدل آثارهم المكتشفة فى أراضيهم، وكان الحاكم هناك يعد نائبا لملك مصر. ويدور الزمن دورات ويدخل الليبيون مصر ويطردون منها، ويتسمى حكامهم باسم الملوك. وتلى ذلك حقبة غامضة لا نكاد نعرف عنها شيئا، وتكونت حينئذ ثلاث دول نوبية: الأولى فى الشمال وعاصمتها نوس وتسمى نوباديا بعد الشلال الأول والثانية فى الوسط بإقليم دنقلة وتسمى مقرة. والثالثة جنوبى الخرطوم مباشرة وعاصمتها سوبا وتسمى علوة.
ولما اضطهدت روما المسيحية المسيحيين فى مصر فرّ كثيرون من معتنقى المسيحية إلى نوباديا دولة النوبة الشمالية، وهناك أخذوا يدعون لدينهم المسيحى واعتنقه بعض النوبيين، ولما أصبحت المسيحية فى روما دين الدولة الرسمى فى عهد قسطنطين سنة ٣١٢ للميلاد نشطت فى نوباديا البعثات التبشيرية، وممن اشتهروا بهذا النشاط التبشيرى تيودور أسقف أسوان وفيلة ونزل نوباديا واختلط بالزعماء النوبيين فيها واعتنق كثير منهم الدين المسيحى كما اعتنقه كثير من أهل نوباديا.
واتسعت حركة التبشير للدين المسيحى فى عهد الإمبراطور جوستنيان (٥١٧ - ٥٦٥ م) وكانت الكنيسة المصرية تنادى بالطبيعة الواحدة للمسيح ضد القائلين من كنيسة روما والقسطنطينية بأن للمسيح طبيعتين. وحاول جوستنيان أن يرسل بعثة إلى نوباديا للدعوة إلى عقيدته، ووصلت إلى جزيرة فيلة مع أسقفها تيودور، فجهزها ورافقها إلى نوباديا للدعوة إلى عقيدته وسارعت الكنيسة القبطية بإرسال بعثة للدعوة إلى عقيدتها برياسة جوليان، ووصلت
_________________
(١) انظر فى تاريخ السودان بالعصور القديمة كتاب السودان عبر القرون للدكتور مكى شبيكة (نشر وتوزيع دار الثقافة ببيروت) وانظر تاريخ السودان القديم والحديث لنعوم شقير والسودان فى دائرة المعارف الإسلامية.
[ ١٠ / ٦١٧ ]
البعثة إلى جزيرة فيلة وجهزها ورافقها إلى نوباديا ونجحت البعثة فى مهمتها وأخفقت بعثة الإمبراطور جوستنيان، وتوفى جوليان فعيّن مكانه أسقفا لبلاد النوبة لونجنيوس سنة ٥٦٩ للميلاد، والتفوا حوله، ودعاه ملك علوة فى الجنوب، فذهب إليها وأصبحت مسيحية يعقوبية تدين بعقيدة مصر فى طبيعة المسيح الواحدة. وأخذت دولة مقرة تدخل بدورها فى المسيحية، ويقال إنها اعتنقت أولا فكرة الطبيعتين فى المسيح ثم تركتها إلى فكرة الطبيعة الواحدة مثل نوباديا وعلوة، ونظن أنها تأخرت فى التنصر بعد نوباديا وعلوة وأنها أخذت بعد ذلك فى التنصر تدريجا على مذهبهما اليعقوبى، وأنها لم تبدأ تنصرها على مبدأ الطبيعتين كما يقال. ويبدو أن مملكة نوباديا ذابت فى مملكة المقرة ولم يعد هناك سوى مملكتين: مملكة مقرة ومملكة علوة، وذلك إما قبيل الإسلام أو بعده بقليل.