الفخر من أغراض الشعر العربى القديمة منذ الجاهلية، وقد ظل حيّا فيه على توالى العصور، والشاعر يفخر فيه بشمائله الرفيعة الفردية من المروءة والكرم والوفاء وما يماثل ذلك وبعصبيته القبلية والقومية وبشجاعته وبسالته الحربية. ونراه على ألسنة شعراء المغرب الأقصى منذ ابن زنباع
_________________
(١) ينور: يضيء وينير.
[ ١٠ / ٤٢١ ]
فى عصر المرابطين، وهو يفتخر فى بعض غزله لصاحبته بأنه يمنىّ من حمير وأنهم سيأخذون منها بثأره ويصور لها بأسهم فى الحرب. ويأخذ الفخر عند شاعر الموحدين: ابن حبّوس شكل نصائح يوصى بها الشعراء بل معاصريه جميعا أن يتمثّلوها ليصونوا بها مروءتهم، ويتخذوها شعارات ترسم لهم مثالية خلقية كريمة من مثل قوله (١):
رد الطّرق حتى توافى النّميرا فربّ عسير أتاح اليسيرا (٢)
وأرسل قلوصك طورا شمالا وطورا جنوبا وطورا دبورا (٣)
وطر حيث أنت قوىّ الجنا ح لا عذر عندك أن لا تطيرا
ولا تقعنّ وأنت السّلي م حيث تضاهى المهيض الكسيرا
وذو العجز يرضع ثديا حدورا وذو العزم يرضع ثديا درورا (٤)
وأول شعار رسمه للشخص كى يحصل على ما يريد مهما يكن عسيرا صعبا أن يتحمّل شرب الماء العكر حتى يصل إلى ما يريد من الماء العذب الصافى وشعار ثان أن يرسل ناقته شمالا وجنوبا وفى كل اتجاه حتى يتحقق له أمله، فلا بد له من العناء ولا بد له من الضرب على أبواب الآمال حتى تنفتح على مصاريعها، ولا بد له من الطيران بعيدا فى آفاق الدنيا حتى يقع على ما يتمناه، وعيب أن تكون أجنحته قوية ولا يطير شأن المهيض الكسير، فالآمال إنما تؤخذ مغالبة وعزما مضطرما، وكأنما العاجز فى الدنيا يرضع ثديا شحيحا، بينما القادر المملوء إرادة وعزيمة يرضع ثديا دارّا له بكل ما يريده من دنياه. ويقول القاضى أبو حفص عمر بن عمر السّلمى المتوفى سنة ٦٠٤ للهجرة (٥):
نهانى حلمى فلا أظلم وعزّ مكانى فلا أظلم
ولا بدّ من حاسد قلبه بنور مآثرنا مظلم
رحمت حسودى على أنه يقاسى العذاب وما يرحم
هجانا افتراء ولسنا كما يقول ولكن كما يعلم
والقطعة ردّ بها على بعض من آذاه بهجائه، وكان كبير النفس، فردّ عليه بما يتفق مع شخصيته وسمو نفسه، فقال إن مروءته وحلمه يمنعانه من أن يظلم أحدا وإن ما له من سمو المكانة يمنع أن يتعرض شخص له بظلم أو هجاء، ولا يسلم مثله من حاسد يحسده على مآثره ومكارمه، وإنه ليرحم حاسديه لما يقاسون من عذاب الحسد وما يصيبهم به من الكمد، ويقول إن حاسده يهجوه افتراء. وضمّن ذلك سخرية لاذعة إذ قال إنه ليس كما يقول حاسده
_________________
(١) النبوغ المغربى ٣/ ٧١٧ والوافى ١/ ١١١.
(٢) الطرق: الماء العكر. النمير: الماء الصافى.
(٣) الدبور: ريح تهب من الغرب. القلوص: الناقة.
(٤) حدورا: شحيحا.
(٥) النبوغ المغربى ٣/ ٧١٨.
[ ١٠ / ٤٢٢ ]
ولكنه كما يعلم من منزلته الرفيعة. ويقول أبو العباس أحمد بن على المليانى رئيس ديوان الإنشاء فى عهد السلطان أبى يعقوب المرينى (١):
العزّ ما ضربت عليه قبابى والفضل ما اشتملت عليه ثيابى
والزّهر ما أهداه غصن يراعتى والمسك ما أهداه نقس كتابى (٢)
والمجد يمنع أن يزاحم موردى والعزم يأبى أن يضام جنابى
وإذا حمدت صنيعة جازيتها بجميل شكرى أو جزيل ثوابى
وإذا عقدت مودّة أجريتها مجرى طعامى من دمى وشرابى
وإذا طلبت من الفراقد والسّها ثأرا فأوشك أن أنال طلابى
وهو فخر يصور نفسا نبيلة إلى أقصى حد، نفسا تستشعر العز كأنما ضرب الشاعر عليه قبابه فأصبح ملازما له لا يغادره، ومثله الفضل الجاثم فى ثيابه، أما الزهر وشذاه فما تكتبه يراعته أو قلمه من الشعر، وأما المسك وعطره فما يكتبه من رسائله البليغة، وإن المجد ليقف حائلا لمن يريد أن يزاحمه فى مورده العذب، ويأبى العزم أن يصاب جنابه بأى ضيم وإذا قدم له شخص صنيعة أو جميلا جازاه بشكره أو بثوابه الجزيل، وإذا عقد مودة لشخص جرت فى دمه مجرى طعامه وشرابه. وهى صورة بديعة. وإذا طلب من الكواكب ثأرا نال مطلبه سريعا. ويقول أبو على اليوسى الدلائى المتوفى سنة ١١٠٢ للهجرة (٣):
إنا أناس لست تبصرنا نتحيّن الطّعم التى تزرى (٤)
يعرى الفتى ويجوع وهو يرى متجمّلا بالصّبر والبشر
والحرّة الشمّاء ربّتما جاعت ولم ترضع على أجر (٥)
والحرّ ليس حياته بسوى عزّ الجناب ورفعة القدر
لا بالطعام ولا الشراب ولا استلقائه بأرائك وثر (٦)
فهو من قوم لا يتحينون المطاعم التى تزرى بمن يطعمها، وإن الفتى منهم ليعرى ويجوع ومع عريه وجوعه يرى مزدانا بالصبر متحليا بالبشر، ومثله الحرة ترى شمّاء متسامية وتجوع ولا تأكل بثدييها فذلك موت زؤام، والحر مثلها يستشعر العزة ورفعة القدر فهما متاعه من دنياه لا الطعام ولا الشراب ولا المقاعد الوثيرة. ولعمر (٧) الفاسى المتوفى سنة ١١٨٨ هـ/ ١٧٧٥ م:
_________________
(١) النبوغ المغربى ٣/ ٤٢.
(٢) نقس: مداد.
(٣) النبوغ ٣/ ١٦٧.
(٤) الطعم جمع طعمة: ما يطعم.
(٥) الشماء: المترفعة المتسامية.
(٦) أرائك وثر: مقاعد مترقة.
(٧) النبوغ المغربى ٣/ ٤٩ والحياة الأدبية فى المغرب للدكتور محمد الأخضر ص ٣١١.
[ ١٠ / ٤٢٣ ]
قل لمن يعلو على النا س بآباء سراة
ليس من شأنى فخار بعظام ناخرات
ما فخار المرء إلا بعلوم زاخرات
وسجايا ومزايا وهبات وافرات
وهو يقول إن الفخر الحقيقى لا يكون بالانتساب إلى الآباء والأجداد الرؤساء والعظام البالية فى المقابر، وإنما يكون بما وعى المرء وتعمقه من العلوم وبخصاله الحميدة وما منحه الله من الهبات الوافرة، ويقول ابن زكرى الولتى حاثا على اقتحام الصعاب فى طلب المجد (١):
المجد حيث مدار السبعة الشّهب هيهات يدركه من لم يكن بأبى
وهمّة المرء لا تعدو بصيرته بقدر نظرته يسمو إلى الطلب
كلّ له أرب لكن أخو قصر فى الهمّ ليس له فى الجدّ من أرب
إن كان لا بد للإنسان من أمل فليأمل المجد فوق السبعة الشّهب
وهو يقول إن المجد ليس شيئا هينا، بل هو شئ فى منتهى الصعوبة، وعلى طالبه أن يعرف أنه لا بد له من الطيران فيه والصعود حتى يبلغ الكواكب السيّارة السبعة، ويقول الشاعر إنه لا يدركها من لا يشعر بشمم وإباء لا حد لهما. ويذكر أن كل شخص يحصل فى دنياه على ما يطلبه بقدر همته، ويقول إن من همته قصيرة لا ينال مأربا كبيرا، وإذا كان كل إنسان له أمل لا يزال يتمناه، فلتسم نفسه ويأمل المجد لا فى الأرض ولكن فوق السبعة الشهب. وحرى بنا أن نتوقف قليلا عند الشاذلى الدلائى وقصيدة بديعة له فى الفخر.