هو أبو الفضل عياض بن موسى اليحصبى السّبتى علاّمة عصره، استقرّ أجداده قديما فى مدينة بسطة من أعمال غرناطة، وانتقلوا إلى فاس أيام الأدارسة، وبارحوها إلى مدينة سبتة بعد دخول بنى عبيد الفاطميين المغرب فى القرن الرابع الهجرى، وكان أول من نزلها من أجداد
_________________
(١) انظر الحياة الأدبية فى المغرب على عهد الدولة العلوية ص ٣٣٤ وما بعدها.
(٢) انظر فى سيرة عياض وأعماله كتاب ابنه محمد: التعريف بالقاضى عياض تحقيق الدكتور محمد بن شريفة (طبع الرباط) وكتاب أزهار الرياض فى أخبار عياض للمقرى (طبع لجنة التأليف والترجمة والنشر)، والنبوغ المغربى ٢/ ١١ وفى مواضع متعددة والوافى ١/ ٥٢.
[ ١٠ / ٥١٨ ]
القاضى عياض جده عمرون، وكان موسرا، فاشترى بها أرضا وهى المعروفة باسم المنارة وبنى بها مسجدا وديارا وقفها على المسجد، ووقف بقيتها مقبرة للدفن، وولد له ابنه عياض، وولد لعياض ابنه موسى وولد لموسى ابنه عياض سنة ٤٧٦ هـ/١٠٨٣ م ونشأ طالبا للعلم حريصا عليه مجتهدا فيه-كما يقول ابنه-معظما عند شيوخه لما لاحظوا من ذكائه وإكبابه على الدرس إلى أن برع فى زمانه، وتفوق على أقرانه، وكان من حفاظ القرآن الكريم، لا يترك تلاوته والقيام على معانيه وإعرابه وشواهده وأحكامه كما يقول ابنه، وكان-كما يقول-من أئمة زمنه فى الحديث وفقهه وغريبه ومشكله ومختلفه حاذقا بتخريجه، كما كان فقيها حافظا لمسائل مدوّنة سحنون ومختصر ابن أبى زبد القيروانى، وكان نحويا ريّانا من الأدب شاعرا مجيدا من أكتب أهل زمانه خطيبا مفوّها، مقداما على الأمراء فى استقضاء حوائج الرعية عندهم، محبّبا فى قلوب العامة والخاصة. ويضيف ابنه أنه أخذ عن أشياخ بلده، ثم رحل إلى قرطبة بالأندلس سنة ٥٠٧ للهجرة، وأخذ عن شيوخها، وخرج إلى مرسية فى أوائل سنة ٥٠٨ ولزم الحافظ الحسين بن محمد الصدفى فترة، وأجازته جماعة كثيرة من أعلام (١) الأندلس وتونس ومصر والحجاز. وولى القضاء فى بلدته سبتة سنة ٥١٥ للهجرة ونقل إلى غرناطة قاضيا بها سنة ٥٣١ هـ/١١٣٦ م وصرف عنها سنة ٥٣٢ وعاد إلى قضاء سبتة سنة ٥٣٩ هـ/١١٤٤ م. وفى بدء دولة الموحدين غزا عبد المؤمن سبتة فردّ جيشه أهل سبتة ومعهم القاضى عياض، ولما قتل تاشفين وقضى الموحدون على دولة المرابطين وفتحوا مدينتى فاس وتلمسان بايع أهل سبتة عبد المؤمن، ولقيه القاضى عياض فى مدينة سلا وهو يستعد لفتح مراكش فأجزل صلته، ولما انتفضت الأندلس على عبد المؤمن بسبب ثورة محمد ابن هود ثارت سبتة-برأى القاضى عياض كما قيل-وحاربها عبد المؤمن وعادت إلى الطاعة، واستدعى عبد المؤمن القاضى عياضا، فأخذ من سبتة إلى مراكش مغلولا سنة ٥٤٢ للهجرة حتى إذا اجتمع بعبد المؤمن فى مراكش واستعطفه ببعض منظومه ومنثوره عفا عنه على أبرّ وجه وأكمله، وأمره بلزوم مجلسه، كما يقول ابنه، ومنزلته عنده تزداد كل يوم سموا ورفعة إلى أن توفى بمراكش سنة ٥٤٤ هـ/١١٤٩ م. وكتب ابنه محمد فصلا عن مؤلفاته وأهمها: كتاب الشفا بتعريف حقوق المصطفى ﷺ ودوت شهرة هذا الكتاب فى العالم الإسلامى إلى اليوم، وكتاب ترتيب المدارك وتقريب المسالك لمعرفة أعلام مذهب مالك فى خمسة أسفار، وكتاب إكمال المعلم على صحيح مسلم، وهو زيادة فى الشرح على شرح المعلم بفوائد مسلم للإمام المالكى الصقلّى محمد المازرى دفين المنستير بتونس إلى غير ذلك من كتب نفيسة من أهمها كتاب له فى النقد والبلاغة سماه «بغية الرائد» كتب عنه الأستاذ محمد بن تاويت فصلا فى ترجمته
_________________
(١) راجع فى هؤلاء الشيوخ كتاب ابنه السابق ص ١١٩ وما بعدها والجزء الثانى من أزهار الرياض فى مواضع متعددة.
[ ١٠ / ٥١٩ ]
بالجزء الأول من كتابه الوافى بالأدب فى المغرب الأقصى وهو يعرض فيه بعض صور النقد والمحسنات البديعية من مثل الجناس والطباق والترصيع. وكان له كتاب خطب ومواعظ دينية، وهو مفقود، وفى أزهار الرياض عن ابن خاتمة أن هذا الكتاب يشتمل على خمسين خطبة من خطب الجمعات، وروى له ابنه فى التعريف به خطبتين، يقول فى إحداهما حاضا على التقوى:
«أيها السامع قد أيقظك صرف (١) القدر من سنة (٢) الهوى وسكراته، ووعظك كتاب الله بزواجره وعظاته، فتأمّل حدوده وتدبر محكم آياته ﴿وَاُتْلُ ما أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنْ كِتابِ رَبِّكَ لا مُبَدِّلَ لِكَلِماتِهِ وَلَنْ تَجِدَ مِنْ دُونِهِ مُلْتَحَدًا (٣)﴾ أين الذين عتوا على الله وتعظموا، واستطالوا (٤) على عباده وتحكموا، وظنوا أن لن يقدر عليهم حتى اصطلموا (٥)، ﴿وَتِلْكَ الْقُرى أَهْلَكْناهُمْ لَمّا ظَلَمُوا وَجَعَلْنا لِمَهْلِكِهِمْ مَوْعِدًا﴾ غرّهم الأمل وكواذب الظنون، وذهلوا عن طوارق الغير (٦) وريب المنون ﴿وَظَنُّوا أَنَّهُمْ إِلَيْنا لا يُرْجَعُونَ﴾ ﴿حَتّى إِذا رَأَوْا ما يُوعَدُونَ فَسَيَعْلَمُونَ مَنْ أَضْعَفُ ناصِرًا وَأَقَلُّ عَدَدًا﴾ فهذّبوا-رحمكم الله-سرائركم بتقوى الله وأخلصوا واشكروا نعمته ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللهِ لا تُحْصُوها﴾ واحذروا نقمته ولا تعصوا واعتبروا بوعيده ﴿قُلْ كُلٌّ مُتَرَبِّصٌ فَتَرَبَّصُوا، فَسَتَعْلَمُونَ مَنْ أَصْحابُ الصِّراطِ السَّوِيِّ وَمَنِ اِهْتَدى﴾ وأنهضوا لطاعته هذه الهمم العاجزة، واركضوا فى ميدان التقوى تحوزوا قصب خصله (٧) الفائزة، وادّخروا ما يخلّصكم يوم المحاسبة والمناجزة، وانتظروا قوله: ﴿وَيَوْمَ نُسَيِّرُ الْجِبالَ وَتَرَى الْأَرْضَ بارِزَةً وَحَشَرْناهُمْ فَلَمْ نُغادِرْ مِنْهُمْ أَحَدًا﴾ ذلك يوم تذهل فيه الألباب وترجف القلوب رجفا، وتبدّل الأرض وتنسف الجبال نسفا ولا يقبل الله فيه من الظالمين عدلا ولا حرفا وحشر المجرمون يومئذ زرقا ﴿وَعُرِضُوا عَلى رَبِّكَ صَفًّا لَقَدْ جِئْتُمُونا﴾ فرادى ﴿كَما خَلَقْناكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ بَلْ زَعَمْتُمْ أَلَّنْ نَجْعَلَ لَكُمْ مَوْعِدًا﴾ إن أحسن الهدى هدى محمد نبيّنا وأصحابه، وأفضل الذكر ذكر الله وتلاوة كتابه، جعلنا الله وإياكم ممن اهتدى بهديه، وتأدّب بآدابه ومن الذين قالوا: ﴿سَمِعْنا قُرْآنًا عَجَبًا يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ فَآمَنّا بِهِ وَلَنْ نُشْرِكَ بِرَبِّنا أَحَدًا﴾ اللهم انفعنا بالكتاب والحكمة، وارحمنا بالهداية والعصمة وأوزعنا (٨) شكر ما أوليت من نعمة ﴿رَبَّنا آتِنا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً وَهَيِّئْ لَنا مِنْ أَمْرِنا رَشَدًا﴾.
والعظة رائعة بما فيها من دعوة للتقوى وتحذير من وعيد الله ونقمته، ومن غرور بالأمانى
_________________
(١) صرف: أحداث.
(٢) سنة: غفلة.
(٣) ملتحدا: ملجأ.
(٤) استطالوا: تطاولوا واعتدوا.
(٥) اصطلموا: استأصلوا.
(٦) الغير: الأحداث.
(٧) خصله: فضله.
(٨) أوزعنا: ألهمنا.
[ ١٠ / ٥٢٠ ]
والظنون الكاذبة والذهول عن يوم القيامة مع ما فى ذلك من كفران بنعمة الله ونعمه لا تحصى. وتتخلل العظة أو الخطبة الآيات القرآنية مؤكدة معانى عظته. ولغة العظة لغة جزلة مصقولة تشيع فيها مع الآيات ألفاظ قرآنية كثيرة. ويأسى من يقرأ هذه الخطبة وأختها الموجودتين فى كتاب التعريف بالقاضى عياض لضياع كتاب خطبه. والخطبة مسجوعة وكان يؤثر السجع فى خطبه وأيضا فى رسائله على نحو ما نرى فيما أثبته وسجّله منها ابنه محمد، من ذلك رسالة يعاتب فيها صديقين له:
«ليت شعرى أأعتب أم أعتب، وأعترف بالذنب أم أذنب، لا جرم لو علمت لنفسى جرما لجعلت عليها برد الشراب حراما، ولسلبتها لذيذ المنام غراما (١)، حتى يفئ إليها من وجد عليها (٢)، ويرضى عنها المتظلّم منها، بعلائكما ما هذا الجفاء؟ وأين ما تدّعيانه من الوفاء؟ أحين جدّت بنا الحال وشدّت للنّوى الرّحال، ودعا بنا داعى الزّماع، ومجلت (٣) عين ويد للوداع، اتخذتمانى ظهريّا، وصرت عندكما نسيا منسيّا، لا أعلم لكما علما، ولا ألقاكم إلا حلما، كأن شملنا لم يزل متصدّعا، وكأنا لطول افتراق لم نبت ليلة معا، ماذا يريب الغريب فى إغباب (٤) الأحباب أمجالسة السلطان أو مؤانسة الأوطان، أبى المجد من ذلك وأبيت، ولنا يا بيت بالعلياء بيت، أم صدود وملال ينافيه ذلك الجلال، أم قلة احتمال، لما تشاهدانه من غلظ تلك الخلال، وقيتما! من الذى يعطى الكمال؟ أم ثمّ ذنب يوجب الصدود، ويودى بودّ الودود، أسمعاه، لأرجع إلى المتاب، عن العتاب، وأبادر بنفسى عوض الكتاب، فأعذر ولا أعذل (٥) وأنصف من نفسى وأعدل والسلام».
ونسيج الرسالة نسيج جيد من الألفاظ والأسجاع مع ما يزينها من الجناسات والاستعارات والكنايات، مما يدل-بوضوح-على أن القاضى عياضا كان يحبّر أعماله الأدبية من رسائل وغير رسائل. والرسالة تحمل بجانب ذلك حسّا مرهفا، لا بما يورد فيها من سجع قصير يطير عن الأفواه بخفة، بل بما يصور من حسه الدقيق، بمثل تعقيبه على ما يظن صاحباه به من غلظ الخلال بقوله وقيتما، ويستمر هذا الحس الدقيق فى بناء الكلم ببقية الرسالة، وبدون ريب كان القاضى عياض أديبا كبيرا. ومن طريف ما نقرأ له فى مقدمة كتاب الشفاء تحميده لربه وتمجيده لرسوله إذ يقول:
«الحمد لله المنفرد باسمه الأسمى، المختص بالملك الأعز الأحمى (٦)، الذى ليس دونه منتهى
_________________
(١) غراما: عذابا وفى الأصل: عزما.
(٢) وجد عليها: غضب منها.
(٣) الزماع: المضىّ فى الأمر. مجلت: كلّت كناية عن الشيخوخة وفى الأصل: خجلت.
(٤) الإغباب: البعد فى الزيارة.
(٥) أعذل: ألوم.
(٦) الأحمى: الأمنع.
[ ١٠ / ٥٢١ ]
ولا وراءه مرمى، الظاهر لا تخيّلا ولا وهما، الباطن تقدّسا لا عدما وسع كل شئ رحمة وعلما وأسبغ على أوليائه نعما عمّا (١)، وبعث فيهم رسولا من أنفسهم أنفسهم عربا وعجما، وأزكاهم محتدا ومنمى، وأرجحهم عقلا وحلما، وأوفرهم علما وفهما، وأقواهم يقينا وعزما، وأشدهم بهم رأفة ورحمى، زكّاه روحا وجسما، وحاشاه عيبا ووصما، وآتاه حكمة وحكما، وفتح به أعينا عميا وقلوبا غلفا (٢) وآذانا صمّا، فآمن به وعزّره ونصره من جعل الله له فى مغنم السعادة قسما، وكذّب به وصدف (٣) عن آياته من كتب الله عليه الشقاء حتما، ﴿وَمَنْ كانَ فِي هذِهِ أَعْمى فَهُوَ فِي الْآخِرَةِ أَعْمى﴾ صلّى الله عليه صلاة تنمو وتنمى، وعلى آله وسلّم تسليما».
والتحميد والتمجيد فى لغة عذبة سلسة، سواء فى الألفاظ أو فى الأسجاع القصار مع ما يزينها من الألفاظ والآيات القرآنية، وقد افتتح بهما كما أسلفنا كتابه الشفاء بتعريف حقوق المصطفى ﷺ.