ترجع بعض المغريات التى جعلت محمد على يفكر فى فتح السودان إلى ما سمعه عن شبابه من الإخلاص والطاعة وشدة البأس، فتمنى لو أتيحت لجيشه كتيبه أو كتائب سودانية بدلا ممن فيه من الترك والأرنؤوط والألبان. ومن أهم المغريات أن المماليك الذين اضطهدهم فى مصر وأوقع بهم فى مذبحة القلعة المشهورة فرّ كثيرون منهم إلى السودان وخشى أن يكوّنوا دولة هناك تحمل السلاح ضده، فرأى أن يتعقبهم ويقضى عليهم قبل استفحال أمرهم. فأصدر قرارا إلى محمد بك لا ظوغلى بتجهيز الحملة، فجمع جيشا من المغاربة والأتراك والأرنؤوط والألبان وعربان البوادى، ورحّل الجيش إلى حلفا وعيّن محمد على ابنه الثالث إسماعيل كامل قائدا له وعين معه مساعدين من كبار القواد. وسار الجيش فى أرض النوبة، وطلب إلى قبائل الشائقية تسليم خيولهم وأسلحتهم فأبوا وقالوا إنهم يدفعون ضريبة أو إتاوة فقط ولكن لا يدفعون خيولهم واسلحتهم التى نشئوا يحملونها. وصمم إسماعيل كامل على حربهم، وعلى الرغم من بسالتهم لم يستطيعوا الصمود لرصاص المدافع، فاستسلمت طائفة منهم وطائفة ولّت وجوهها
_________________
(١) انظر مخطوطة كاتب الشونة: تاريخ السلطنة السنارية والإدارة المصرية، والسودان عبر القرون للدكتور مكى شبيكة، وعصر محمد على لعبد الرحمن الرافعى، وتاريخ السودان القديم والحديث لنعوم شقير، ودائرة المعارف الإسلامية.
[ ١٠ / ٦٢٤ ]
إلى مدينة شندى وفيها سلموا له، وطمأنهم وأخذ فى استمالتهم حتى ارتضوا أن ينضموا إلى جيشه. وكان المماليك قد انسحبوا إلى شندى وآثر عدد منهم التسليم لإسماعيل كامل، وفرت طائفة منهم إلى كردفان ومنها اتجهوا إلى ليبيا، ولم يسمع عنهم بعد ذلك خبر. وطائفة اتجهت شرقا نحو الحجاز، وانقطعت أخبارها. وسلّم له الشائقية وحكام دنقلة وبربر وشندى والجعليين. وواصل إسماعيل كامل زحفه حتى نزل فى مقر أم درمان الحالية، وفيها وفد عليه أمير العبدلاّب وسلّم له فى أوائل رمضان سنة ١٢٣٦ هـ/١٨٢١ م وهرب منه بعض الناس ولقيه آخرون أعطاهم الأمان لأنفسهم وكساهم، وزحف إلى الجنوب، وكان يهدى كل من لقيه من الحكام كسوة وسيفا، ولقيه ملك الفونج فأمنه وكساه ودخل مدينة سنار فى الثانى عشر من رمضان. وبدون ريب كانت دولة سنار دولة عظيمة أدّت للإسلام والعروبة خدمات جليلة لمدة ثلاثة قرون ورثاها بعض الشعراء.
وكان إسماعيل كامل قائد الجيش وهو فى دنقله قد أعدّ حملة بقيادة محمد بك الدفتردار لفتح كردفان ولم يقبل حاكمها التسليم، والتقى بجيش الدفتردار عند مدينة الأبيض ولم تصنع شيئا السيوف والحراب إزاء الأسلحة النارية، واستسلمت إمارة كردفان. واستقر إسماعيل كامل فى سنار، وأخذ يرسل بالسرايا وتأتيه بالغنائم والأسرى. وزار إبراهيم باشا أخاه إسماعيل كامل فى سنار ليعدّ العدة معه لإرسال السودانيين إلى أبيه، وعاد سريعا. وفرض إسماعيل كامل ضرائب فادحة على السودانيين فغضبوا غضبا شديدا فاضطر إلى تخفيضها. وأحسّ بوخامة مناخ سنار فنزل واد مدنى وبنى بها ثكنات للجيش ومكاتب للحكومة، وصمم إسماعيل- بعد غيابه عن القاهرة مدة سنتين-أن يعود إليها، ومر فى عودته بنمر ملك شندى والجعليين، وطلب منه أن يقدم إليه من الأنعام والنقود ما يبلغ نحو عشرين ألف جنيه، وهو مبلغ تقصر عنه موارده أو هو مبلغ باهظ، فلما راجعه قسا عليه، فصمم نمر على الانتقام وأمر بوضع قصب جاف حول خيمته وأشعله وإسماعيل كامل نائم، فمات بالاختناق سنة ١٢٣٩ هـ/١٨٢٣ م. وأعقبت ذلك حملات انتقامية للدفتردار قتل فيها آلاف غير من أسروا. وعين محمد على لإدارة السودان عثمان بك ونزل فى مكان الخرطوم الآن واتبع سياسة التنكيل بالسودانيين وما ذنبهم؟ ولكنه كان قصير النظر مثل الدفتردار، وتوفى سريعا. وعين محمد على خورشيد أغا حاكما لإقليم سنار، وكان عليه أن يرجع الثقة للحكومة وأن يعيد إلى السودان من فرّ إلى الحبشة ملتجئا ونجح فى تحقيق الغايتين، واتبع فى سنار سياسة عمرانية رشيدة، ورأى أن تبنى الزراعة فى السودان على الرى المستديم مثل مصر وطلب عمالا منها يجيدون صناعة السواقى وطلب عمالا آخرين لحفر الترع، واستحضر من مصر أغراس بعض الأشجار المثمرة وشجع زراعة النيلة وقصب السكر، وطلب كباشا من مصر لتحسين سلالة الضأن فى السودان. ورقّى خورشيد إلى رتبة الميرميران ومنح لقب باشا. وبعد اثنى عشر عاما من حكمه
[ ١٠ / ٦٢٥ ]
عاد إلى مصر وحزن السودانيون لعودته إذ عرفوا فيه الحاكم العادل الذى أنساهم سنين الدفتردار الدموية ويقول كاتب الشونة عن عودته: «تجهز بكامل ما لديه ونزل بالمراكب فصعب ذلك على الأهالى جميعا وصاروا عند وداعه يتباكون بالدموع». وخلفه أحمد باشا أبو ودان وكان عهده استمرارا لعهد خورشيد وفيه يقول كاتب الشونة: «ضبط الحكومة أشد ضبط من غير إهمال ولا تفريط، وأبطل ما كان من تعدى العساكر على الفلاحين فى تسخيرهم فى الأشغال وتسخير بهائمهم. . وبذلك ارتاحت الأهالى وزادت العمارة وكثر الخير وخصبت الأراضى ورخصت الأسعار حتى صار أردب الذرة بخمسة قروش وصارت أيامه أحسن من أيام سلفه، وإن كانت أيام سلفه أيضا حسنة فى نفسها». وتوفى أحمد باشا أبو ودان، فرأى محمد على تقسيم السودان إلى مديريات وترجع كل مديرية رأسا إلى مصر، ويتعاون المديرون فى المصالح المشتركة، وطلب إلى الحكومة العثمانية أن تضم مينائى مصوع وسواكن إلى السودان وأجابته إلى طلبه. ومنذ ولاية ابنه إسماعيل كامل كانت ترسل له جماعات ممن يؤسرون من السودانيين فى الجبال لضمها إلى الجيش. وتبين خطأ هذه السياسة إذ كان كثيرون منهم يموتون فى الطريق أو فى معسكرات مصر. وانتظمت الإدارة منذ ولاية خورشيد بما أخذ به هو ومن جاء بعده من سياسة عمرانية قويمة وتحسين الرى والزراعة وزيادة الإنتاج الحيوانى وجلب العمال المهرة من مصر لصناعة السواقى وحفر الترع.
وخلف عباس الأول بن طوسون جده محمد على سنة ١٨٤٨ وفى عهده أنشئت القنصليات فى الخرطوم، ومع أنه أغلق فى مصر بعض المدارس أمر بفتح مدرسة كبيرة فى السودان وعين رفاعة الطهطاوى ناظرا لها. غير أن سعيدا حين خلفه أغلق هذه المدرسة، وفى عهده أبطلت تجارة الرقيق السودانى نهائيا وزار السودان وأمر بإصلاح الأداة الحكومية فى جمع الضرائب وخفّفها، ورأى أن تبقى كتائب الجند فى السودان وأن لا تسلط على الناس وأن يقف جمعها للضرائب، وأمر بتنظيم المدن والشوارع وتشجيع السودانيين على إنشاء الحدائق فى منازلهم.