هو أحمد بن محمد بن أبى العافية المشهور بابن القاضى، من بيت علم وأدب، ولد سنة ٩٦٠ للهجرة، وحفظ القرآن الكريم مثل لداته، وأكب على حلقات العلماء ببلدته فاس ينهل من حلقاتهم العلوم المختلفة من فقه ونحو ولغة وعروض وأدب وتاريخ وحساب وهندسة ومنطق وبلاغة، ولما بلغ السادسة والعشرين من عمره رحل إلى المشرق لأداء فريضة الحج ولقاء مشيخة العلوم والتلقى عن أئمتها، ونزل مصر وأقام بها فترة يأخذ عن علمائها ويحمل إجازاتهم، وعاد إلى المغرب ورجع إلى مستقره بفاس، ثم وفد على مراكش، وأثنى عليه للمنصور الذهبى عبد العزيز الفشتالى وغيره من حاشيته فألحقه بحضرته. وفى سنة ٩٩٤ عاودته فكرة الرحلة إلى المشرق لينشر به مآثر المنصور ومفاخره وفتوحه، واستأذنه فى ذلك فأذن له، ورأى أن يسلك طريق البحر المتوسط من تطوان، ولم يلبث أن اعترضه هو ومن معه قراصنة الإسبان فأسروهم، ونقلوه إلى مالطة وظل بها أسيرا نحو عام فى بلاء عظيم من الجوع والبرد والتكليف بما لا يطاق. وعلم بأسره المنصور». فكتب إلى حاكم تطوان كى يعمل على فدائه، وافتداه بمال كثير، وعاد إلى حضرة المنصور وهو يحمل له هذا الجميل العظيم، وأداه نبله إلى أن يكتب عنه كتابه: «المنتقى المقصور على مآثر الخليفة المنصور» وهو سيرة له رائعة، نشرت فى مجلدين بتحقيق الأستاذ محمد زرّوق ولم يكتف بذلك، فقد ألف لخزانته كتاب درة الحجال فى أسماء الرجال ذيل به على كتاب وفيات الأعيان لابن خلكان حتى زمنه، وأيضا كتاب جذوة الاقتباس فيمن حل من الأعلام بمدينة فاس. وقد استقصى الأستاذ زروق مؤلفاته فى مختلف العلوم والفنون وبدأها بمجموعة كتب التاريخ والتراجم وتلاها بمجموعة ثانية فى مؤلفاته فى الفقه ومجموعة ثالثة فى مؤلفاته فى الحساب والهندسة ومجموعة رابعة بمؤلفاته فى المنطق. وجعله بصره بالفقه يتولى القضاء ملازما حضرة المنصور طوال حكمه حتى سنة ١٠١٢ للهجرة، وتفرغ بعد ذلك للتدريس حتى وفاته سنة ١٠٢٥ هـ/١٦١٦ م وكما كان
_________________
(١) انظر فى ترجمة ابن القاضى وأشعاره روضة الآس للمقرى ص ٢٣٩ ونشر المثانى ١/ ٢١٣ وصفوة من انتشر ص ٧٧ ومناهل الصفا للفشتالى بتحقيق كنون وراجع المصادر الكثيرة التى ذكرها الأستاذ زروق فى دراسته له التى قدم بها تحقيقه للمنتقى وانظر الوافى بالأدب العربى فى المغرب الأقصى ٣/ ٧٠٦.
[ ١٠ / ٤١٥ ]
عالما بفنون كثيرة كان شاعرا، وخصّ المنصور الذهبى بكثير من شعره منذ أن كان فى الأسر، إذ أرسل إليه قصيدة حينئذ، يستعطفه بها لتخليصه من أسره، وفيها يقول:
بحق الذى أولاك ملكا فنجّنى من الهلك يا قصد الأسير المكبّل
وكن يا إمام العدل فى عون خائر أسير كسير ذى جناح مذلّل
ومنذ عاد ابن القاضى إلى حضرة المنصور الذهبى، وهو يلزمه ويقدم له مدائحه فى كل نصر لجيوشه وكل مناسبة. وكانت وقعة وادى المخازن لا تبرح ذاكرة البرتغاليين وكانوا لا يزالون يحتلون مدينة أصيلا على المحيط، وأحسوا أن المنصور يريد الاستيلاء عليها، فخشوا أن يواقعوه فيحدث لهم ما حدث فى وادى المخازن من تمزيقهم كل ممزق، قرءوا أن ينسحبوا منها ويتركوها للمنصور. ويهنئه ابن القاضى بهذا الفتح الذى أتاه دون أى حرب ودون أن يسلّ سيف وتراق الدماء، يقول:
يا أيها المنصور أبشر بالعلا الله بلّغ فى العدا المأمولا
أنضاكم سيفا لحتف عداته وبكم غدا سيف الرّدى مفلولا
وهزمتم الشرك المبين بعزمكم من غير ما سيف يرى مسلولا
وأذبتم كيد الخبيث مهابة وفتحتم آرامه آصيلا
وغدت من الناقوس صفرا بلقعا يتلى بها قرآننا ترتيلا
أبشر لواء الفتح معقود لكم واشكر إلهك بكرة وأصيلا
وهو يبشر المنصور بمعال لا تنتهى، فالله حافظه ويبلغه فى عداه كل ما يأمل من نصر وفتح، وقد منحكم سيفا لحتف الأعداء، وفلّ لكم سيف الردى والهلاك فهزمتم الشرك بعزمكم دون سيف سللتموه، وذاب كيد الخبيث الصليبى مهابة، ففتحتم عقر داره: أصيلا وأصبحت خلاء من ناقوس النصارى ترتّل فيها آى القرآن ترتيلا. ويفتح المنصور فتحه العظيم فى السودان سنة ٩٩٨ للهجرة، ويهنئه بهذا الفتح فى قصيدة طويلة، وفيها ينشد:
بشراك بالفتح المبين المتاح قطفته بين القنا والصّفاح
وليهنك النّصر الذى حزته دون الملوك فى مغانى الكفاح
واسعد فقد دانت ملوك الورى لما رأت فى الانقياد النجاح
والطاهر المنصور من هاشم واسطة العقد وبحر السماح
رجّت بلاد السود من جنده وافتتحت بالسيف أىّ افتتاح
فتح مبين هو تاريخه ينمو على الأرض مديد الجناح
لا زالت الأقطار تعنو لكم من سعدكم طول المدا تستباح
[ ١٠ / ٤١٦ ]
وهو يهنئ المنصور بالنصر الذى قطفه بأسلحته من الرماح والسيوف وحازه من دون الملوك فى منازل الكفاح، وإنه لحرى أن يسعد فقد دانت له الملوك وألقت له عن يد صاغرة، وإنه للطاهر المنصور من ذرية هاشم وبيته النبوى، وإنه لجوهرة العقد الفريدة وبحر السماح وغيثه المدرار، وإنه لفتح سيظل ينمو ويمد جناحه فيشمل كل ما حول المغرب الأقصى من الديار، ويدعو له أن تظل الأقطار تفتح أبوابها لجيوشه طوال الدهر لسعده العظيم الذى لا يحد. وقد أشار فى الأبيات إلى أن المنصور من بيت بنى هاشم بيت النبوة، وهو يردد ذلك فى مدائحه مرارا وتكرارا بمثل قوله:
الملك أصبح ثابت الأساس بابن النبىّ الطاهر الأنفاس
يروى أحاديث العلا عن مرسل طهرت خلائقه من الأدناس
وكانت الأسرة السعدية تنتسب إلى الرسول الطاهر، فمضى يبدئ فى هذا النسب الشريف ويعيد منوها ومشيدا بصور مختلفة.