هو أبو العباس أحمد بن محمد الونان الحميرى الفاسى من نابهى شعراء العصر العلوى، تألق اسمه فى عصر السلطان محمد بن عبد الله (١١٧١ - ١٢٠٤ هـ) وهو من صفوة السلاطين العلويين نهض بالمغرب الأقصى وطرد البرتغاليين من الجديدة سنة ١١٨٢ هـ/١٧٦٩ م وعنى بالحياة الثقافية والأدبية. ولابن الونان فيه مدائح متعددة، وكان أبوه مقربا إلى السلطان، وكان ظريفا فسماه أبا الشمقمق. وأول منظومات ابن الونان فيه أرجوزة سماها الشمقمقية، ويقال إنه حاول أن يصل إلى السلطان لينشدها، ولم يتح له ذلك، فترصد موكبه يوما وصعد على ربوة، ونادى بأعلى صوته عليه:
يا سيّدى سبط النبى أبو الشمقمق أبى
فطلبه السلطان، وصحبه معه إلى القصر وأصبح من حاشيته. والشمقمقية أرجوزة فى ٢٧٥ بيتا، للسلطان محمد منها ٢٧ بيتا، وبقيتها موسوعة أدبية، استهلها بالرحلة فى مجاهل الصحراء واصفا ركب النوق الذى كان فيه، وظل فى أكثر من أربعين بيتا يحاور حاديها طالبا إليه أن لا يكلفها فى السير بما لا تطيق جامعا لها فى وصفها كثيرا من أوابد اللغة. ويصف صاحبة له فى ٢٥ بيتا ويورد فى وصفها المادى طائفة من الألفاظ الغربية ويقول إن لم يظفر بها فسيشنّ على قومها غارة بفرسان من خير يعرب. ويسترسل فى فخره بآبائه وقبيلته اليمنية فى نحو خمسة وثلاثين بيتا، ويفضى إلى طائفة كبيرة من الأمثال والحكم فى نحو تسعين بيتا، وهى لب الأرجوزة، ولذلك جعلناها من الشعر التعليمى، ويمدح الشعر وشاعرية أبى الشمقمق، وكأنما الأرجوزة كانت منتهية فى هذا الجزء منها، ورأى أن يضيف إليها مديحا للسلطان محمد بن عبد الله.
ولا تلاحظ كثرة الألفاظ الغريبة فى الأرجوزة فحسب، فإنها تحمل كثيرا من أمثال العرب
_________________
(١) انظر فى ترجمة ابن الونان وشعره الوافى ٣/ ٨٦٢ والحياة الأدبية فى المغرب عند الدكتور الأخضر ص ٢٩٨ وما ذكره من مراجع، مع شرح الشمقمقية لكنون، وانظرها فى النبوغ المغربى ٣/ ١٧٨.
[ ١٠ / ٤٣٢ ]
القدماء ومن شخصياتهم وشعرائهم وأدبائهم منذ الجاهلية حتى العصر العباسى يكمل بهم المعانى فى أبياته. وهو ما جعل أدباء المغرب يهتمون بكتابة شروح لها متعددة ومن أهمها شرح السلاوى وشرح عبد الله كنون، ونقتبس منها أبياتا سهلة لندل بها على خصب شاعريته فمن ذلك قوله فيمن سماها لبنى:
تسبى بثغر أشنب ومرشف قد ارتوى من قرقف معتّق (١)
وزاد مسك الخال ورد خدّها حسنا وقد عمّ بطيب عبق
وقبّلت أقدامها ذوائب سود كقلب العاشق المحترق
كم أودعت فى مقلتى من سهر وأضرمت فى مهجتى من حرق
ولا يزال فى رياض حسنها يسرح فكرى ويجول رمقى
فهى تخلب من يراها بفمها الجميل وريقها الذى كأنه من خمر معتقة، وقد زاد مسك الخال ورد خدورها حسنا بشذاه العبق، وقبّلت ضفائرها أقدامها وهى شديدة السواد كقلب عاشقها المحترق، وقد أودعت مقلته سهرا متصلا، وأضرمت فى مهجته حرقا متقدة، وإن فكره ليسرح دائما فى رياض حسنها ويجول معه ما بقى من شعوره بالحياة. والقطعة تموج بالصور والأخيلة. ومن قوله فى الأرجوزة مفاخرا:
سل ابن خلدون علينا فلنا بيمن مآثر لم تمحق
بهم فخرت ثم زدت مفخرا بأدبى الغضّ وحسن منطقى
وزان علمى أدبى فلن ترى من شعره كشعرى المنمّق
فإن مدحت فمديحى يشتفى به كمثل العسل المروّق
وإن هجوت فهجائى كالشّجا يقف فى الحلق ومثل الشّرق (٢)
وهو يقول سل ابن خلدون عنا ويريد سل تاريخه وما اشتمل عليه من أسماء آبائه ومآثرهم وأمجادهم، ويذكر أنه يفخر بهم ويزداد فخرا بأدبه وحسن بيانه ومنطقه، وقد زان علمه أدبه، ولن ترى لأحد شعرا كشعرى المنمق، فإن مدحت فمديحى مثل العسل المصفى، وإن هجوت فهجائى غصص تعترض فى الحلق ويشرق أو يغص بها المهجوّون. وتوفى ابن الونان سنة ١١٨٧ هـ/١٧٧٣ م. وحسبنا من الشمقمقية هذه الأشعار الواضحة البينة، أما ما وراءها من أشعار أخرى فيكتظ بالألفاظ الحوشية، وبالأسماء والأمثال من جاهلية وإسلامية مما يكدّ القارئ ويحوجه فيها إلى كثير من الشرح والبيان.
_________________
(١) ثغر: فم. أشنب: رقيق. مرشف: الفم وما به من ريق. قرقف: خمر.
(٢) الشجا: ما يعترض فى الحلق. الشرق: القصّة.
[ ١٠ / ٤٣٣ ]