هو أحمد بن محمد بن شعيب الجزنّائى، منشؤه ومرباه فى مدينة تازا، ووفد على مدينة فاس فعرف فضله، والتحق بدواوين أبى سعيد المرينى ثم ابنه أبى الحسن، وكان بين العلماء الذين رافقوه فى فتحه لتونس، وبها توفى سنة ٧٤٩ هـ/١٣٤٩ م، وكان مثقفا ثقافة واسعة بعلوم الأوائل، وحذق الطب والفلك والكيمياء والصيدلة، وفيه يقول ابن مرزوق: «أبو العباس أحمد بن شعيب الفقيه المشارك التعاليمى الفاضل الطبيب الأديب النباتى النخبة، أحد فضلاء وقته ونبلاء زمانه، طبقة عالية فى قرض الشعر وإمام فى التعاليم (علوم الأوائل) وواحد فى المعرفة بالأشجار والنبات». وفى الإحاطة أنه كان يحفظ عشرين ألف بيت للمحدثين وإنه تسرّى جارية رومية اسمها صبح من أجمل الجوارى حسنا فأدبها حتى أحسنت العربية ونظمت الشعر وكان شديد الحبّ لها وتوفيت وكان بعد وفاتها لا يرى إلا فى تأوه دائم، وله أشعار بديعة فى رثائها، ومن قوله فيها:
أعلمت ما صنع الفرا ق غداة جدّ بها الرّفاق
ووقفت منهم حيث لل نظرات والدمع اتساق
سبقت مطاياهم فما أبطا بنفسك فى السباق
أولى بجسمك أن ير قّ ودمع عينك أن يراق
أما الفؤاد فعندهم دعه ودعوى الاشتياق
واها لسالفة الشبا ب مضت بأيّامى الرّقاق
أبقت حرارة لوعة بين الترائب والتّراق
وهو يقول لمخاطبه أعلمت ما صنع فراق «صبح» بى غداة أسرع بى الرفاق، لقد وقفت منهم أفكر فى صاحبتى وأطيل النظر وعيناى تترقرقان بالدموع، وعرفت أنها تركتنى إلى غير أياب فأولى بجسمى أن يضنى صبابة بها وأولى لعينى أن تسيل دموعها سيلا لا ينقطع، أما الفؤاد فعندهم، ودعه، وما أشد حسرتى على أيام الشباب السالفة التى ذهبت بما كنت فيه من متاع ولم تبق لى إلا حرارة لوعة فى صدرى بين الترائب والتراقى لا تبرحنى، ويبكى صبحا فى مرثية أخرى قائلا:
_________________
(١) انظر فى ترجمة ابن شعيب الإحاطة للسان الدين بن الخطيب ١/ ٢٧٢ ونيل الابتهاج للتنبكتى ص ٦٨ والمسند فى ترجمة أبى الحسن المرينى لابن مرزوق ص ٣٧٥ والوافى ٢/ ٤٢٤ والنبوغ المغربى ١/ ٢٣٧، ٣/ ٧٤، ٣/ ٢٧٧.
[ ١٠ / ٤٥٧ ]
يا صاحب القبر الذى أعلامه درست ولكن حبّه لم يدرس
ما اليأس منك على التصبر حاملى أيأستنى فكأننى لم أيأس
لما ذهبت بكل حسن أصبحت نفسى تعانى شجو كلّ الأنفس
يا صبح أيامى ليال كلّها لا تنجلى عن صبحك المتنفّس
وهو يخاطب صاحبته قائلا إن ما حول قبرك من معالم درست وامّحت ولم يدرس حبك ولم ينمح فى قلبى، وإن اليأس منك ومن لقائك لا يحملنى على التصبر، وقد أيأستنى من لقائك وكأننى لم أيأس، ولما ذهبت بكل حسن وجمال أصبحت كأننى أحمل أحزان كل المحبين الذين غادرتهم كل محبوباتهم الحسناوات، ويقول لها إن أيامى كلها بعدك أصبحت كأنها ليل متصل لا يتنفّس ولا يشرق فيه صباح. ويخاطب قبرها منشدا:
يا قبر صبح حلّ في ك لمهجتى أسنى الأمانى
وغدوت بعد عيانها أشهى البقاع إلى العيان
أخشى المنية إنها تقصى مكانك عن مكانى
كم بين مقبور بفا س وقابر بالقيروان
وهو يذكر لقبر صبح إنه حلّ فيه أجمل الأمانى-كانت-لمهجته وروحه، ولقد أصبحت بعد عيانها أشهى البقاع إلى العيان والمشاهدة، وإنّي لأخشى الموت أن يباعد بين مكانك ومكانى، ويقول إنها توفيت بفاس وكان فى القيروان مع أبى الحسن المرينى فى رحلته، ومن رثائه لصاحبته قوله:
يا غائبا فى الضمير ما برحا دانى محلّ الهوى إذا نزحا
لم تضمر الصّبر عنك جارحة ولا فؤادى لسلوة جنحا
مستعبر المزن فيك أدمعه يظلّ يبكيك كلما سفحا
ولا أرى البرق عاد مبتسما بعدك بل زند شوقه قدحا
وما تغنّى الحمام من طرب بل يعلن النّوح كلّما صدحا
وهو يقول لصاحبته إذا غبت ونزحت لا تزالين دانية منى ولا يزال محل هواك قريبا من نفسى، ومعاذ الله أن تضمر الصبر عنك جارحة أو أن يجنح فؤادى إلى سلوان أو عزاء. وإنه ليطلب إلى المزن أن تسبل حتى تفيض أدمعه ويظل يبكيك غيثها، وإنه ليرى البرق فيه كأنه زند شوقه يقدح نارا وشرارا، ويقول إن الحمام لا يتغنى من طرب أو فرح وإنما ينوح كلما صدح نوحا متصلا. وظل مأتم صاحبته صبح قائما وهو ينوح فيه ويندبها حتى أنفاسه الأخيرة.
[ ١٠ / ٤٥٨ ]