هو محمد بن حسن بن عمر الفهرى، من أهل سبتة، كان أبوه قوّالا يغنى فى المحافل والأسواق-والمتلبّس بذلك يعرف فى المغرب بالمحلى-وقد ولد له محمد سنة ٥٨٣ هـ/١١٨٧ م ونشأ نشأة ادبية وعلمية ممتازة أصبح بها من كبار أساتذة سبتة، وكان أديبا بليغا ناظما وناثرا، فقيها عاقدا للشروط نحويا ماهرا برع فى الأدب ودرّسه للطلاب عمره مع الفقه ومسائل
_________________
(١) الحياة الأدبية فى المغرب على عهد الدولة العلوية للدكتور محمد الأخضر ص ٣١٠.
(٢) انظر د. محمد الأخضر ص ٣٧١.
(٣) راجع فى ترجمة ابن المحلى وشعره الصوفى كتاب صلة الصلة لابن الزبير، كتاب الذيل والتكملة ٨/ ١/٢٨٩ والوافى ١/ ٣٤٩.
[ ١٠ / ٤٧٢ ]
الشريعة، وكان حسن القيام على تفسير القرآن مذكرا، وعقد له حلقات مدة فانتفع به خلق كثير، وكان واعظا ولوعظه تأثير كبير فى سامعيه. وظل يعظ الناس طويلا بمسجد مقبرة زقلو فى سبتة، وولى القضاء بها سنة ٦٥٤ هـ/١٢٥٧ م وظل يليه محمود السيرة مشهورا بالعدل إلى نهاية عمره سنة ٦٦١ هـ/١٢٦٣ م. وكان شاعرا، وتعمقته النزعة الصوفية، وله فيها غير قصيدة، من ذلك قوله فى إحدى قصائده:
[هل يبرح] العشق قلبا أنت مطلبه أو يذهب الشوق روحا أنت مذهبه
وكيف يرجو وصالا من تبعّده أو كيف يخشى بعادا من تقرّبه
يا من أناجيه والأشواق توهمنى نيل الوصال كأنّ الشوق يوجبه
كم طيبة لك بالألطاف توجدها عند اللقا وفنائى فيك أطيبه
ومنّة الجود تدنيه فتؤنسه وخشية الردّ تقصيه فتحجبه
مناى أنت وحسبى أن تكون منى يا واهبا رغباتى قبل أرغبه
كن كيف شئت فما لى عنك منصرف فالعبد ليس سوى مولاه مطلبه
وهو يقول إن حبه للذات العلية لن يبرح فؤاده لأنه مطلب قلبه وأمنيته. ولن يذهب الشوق روحا، الله مذهبه وعقيدته. فحبه لربه لن يفارقه أبدا، ويتجه إليه مخاطبا كيف يرجو الوصل من تبعّده، بل كيف يخشى البعد من تقرّبه. ويقول إنه يناجيه، وتوهمه أشواقه أنه سينيله الوصل كأن مجرد الشوق يوجبه، ويعترف بأنه ينثر عليه كثيرا من الأشياء الطيبة، ويقول إن أطيب ما تفضل به ربه عليه فناؤه فيه، فهو يفنى بحبه فى الذات الإلهية، ودائما تقرّبه من ربه منحة الجود، فيشعر بأنس لا حد له، وفى الوقت نفسه يخشى الرد وأن يقصيه فيحجبه عنه، ويقول إن ربه مناه وحسبه أن يكون أمنيته أو مطلبه. ويذكر أن الله دائما يحقق له رغباته حتى قبل أن يفكر فيها، ويقول سواء قبله أو رفضه فليس له منصرف عنه، إذ هو عبده الذى يطلب القرب من مولاه دائما أبدا. ويقول فى قصيدة أخرى:
فؤادى منقاد إليكم مذلّل ومالى-إذا لجّ العذول-جماح
وهل من سبيل أن أطير إليكم وقد حصّ بى ريش وقصّ جناح (١)
وأوحشتم فالكلّ فى الأذن نائح لدىّ وآفاق الوجود فساح
خرست عن الشكوى إليكم مهابة وألسن حالى بالغرام فصاح
ويا عجبا أنى أسير وأننى أناشدكم أن لا يتاح سراح
إذا هزّ أرباب السماع تواجد فحظى منه زفرة وصياح
وها أنا عند الباب منّوا أو اطردوا فما لى عنه-كيف كان-براح
_________________
(١) حصّ: حلق ونتف.
[ ١٠ / ٤٧٣ ]
وهو يقول إن فؤاده منقاد إلى ربه مذلّل لحبه، وليس له-إذا لجّ العذول اللائم-جماح عنه ولا انفكاك منه، بل إنه ليتمنى أن يطير طيرانا إلى الذات العلية غير أن ريشه حصّ وجناحه قصّ، يكنى بذلك عن أنه مقصر فى نسكه، ويقول إنه طال نأى الله عنه وينوح ويسمع نواح الكون وصياحه من كل جانب مشاركة له فى وجده وما يجد فى غرامه بربه. ويذكر أنه خرس عن الشكوى لمحبوبه مهابة وحياء، وهو يذوب حبا وغراما، ويعجب أنه أسير، ويناشد ربه أن لا يسرّحه ولا يرد إليه حريته، بل يظل فى أسره. ويذكر أنه حين يهز أرباب السماع للشعر الصوفى تواجد، فإنه يظل من بينهم يرسل الزفرات والصيحات هائما بحب ربه، ويقول إننى سأظل واقفا بعتبة الباب سواء منّ الله عليه بالقبول أو حرمه وطرده، ولن يبرحها أبدا، ومن قوله فى إحدى قصائده:
غرامى دعانى والعذول نهانى فوجد وعذل كيف يجتمعان
أما علما أنى على الشّحط والنّوى مقيم وأنى والهوى أخوان
يقولان لى: من ذا دعاك لما نرى؟ فقلت دعانى حبّه فدعانى
أعلّل نفسى بالسلوّ تعلّلا وتلك أمان ما بهنّ أمانى
إذا خفق البرق اليمانى بأفقكم أقابل ذاك الخفق بالخفقان
رعى الله جيران العذيب وأهله وإن أترعونى من هوى وهوان
لئن حجبوا عن ناظرى فكأنهم لقلبى يراهم فيه رأى عيان
وهو يقول إن غرامه بحب الذات العلية يدعوه للاستغراق فيه، بينما يلومنى عذول، والعذول والوجد أو الهيام لا يجتمعان، ويقول إنه ملازم للحب فى النأى والبعد، وإنه والهوى أخوان فكيف يظن أحد أنهما سيفترقان، ويقول له صاحباه: ما الذى دعاك لما نرى؟ فأجابهم دعانى حبه ودعانى أو اتركانى، ويذكر أنه يعلل نفسه أحيانا بالسلو، ولكن أنّى له. ويتحدث كشاعر عذرى فيقول إنّي إذا خفق البرق اليمانى بأفقكم خفق قلبى معه، ويدعو لجيران العذيب فى نجد وأهله أن يرعاهم الله وإن ملئوه من شراب الهوى والهوان ما ملئوه، ويقول إنهم إن غابوا عن ناظرى فإن قلبى يراهم متجسدين فيه رأى عيان. ويستمر منشدا:
أورّى بسلع والعذيب وحاجر وتلك مغان ما لهن معانى
وأذكر سكان العذيب تستّرا وما ذكر سكان العذيب بشانى
ولكن بقلبى من هو الحبّ كله ومن ذكره فى خاطرى ولسانى
حبيب إذا لاحظت لم أر غيره على أنه إذ لا أراه يرانى
ومن فضله وجدى به وتولّهى ومن جوده ما أشتكى وأعانى
وطرت على حبّى له وكأنما برانى لمعنى الحب حين برانى
[ ١٠ / ٤٧٤ ]
وهو يقول إن مثله مثل شعراء الصوفية يذكر أماكن المحبوبات التى يذكرها أصحاب الغزل العذرى، وهى فى واقع الأمر منازل وأماكن ليس لها معنى عند الصوفية إلا معنى التواجد والشوق للمحبوب، ويقول إنه إنما يذكر سكان العذيب تسترا وتواجدا وليس ذكرهم من شأنه، وإنما هو إعلان لحبه وهيامه بربه، وإنه ليحل هواه فى قلبه حتى ليصبح هو الحب كله، وإنه ليذكره دائما فى خاطره وعلى لسانه، وإنه لحبيب لا أرى غيره فى الوجود إذا نظرت من حولى، ومع أنى لا أراه يرانى، ومن فضله علىّ هيامى به وتولهى، ومن كرمه ما أشتكى منه فى حبه وأعانى. ويشعر فى هيامه كأنما يطير إلى ربه طيرانا، وكأنه براه أو خلقه ربه لحبه، وهو حب صوفى سنى وليس فيه أى أثر للنزعة الفلسفية عند المتصوفة.
٥ -